نشرت سنة ١٩٣٠ (١)
الحمد لله على نِعَمه التي لا تُحصى ونعمة الإسلام، والصلاة والسلام على رسله وأنبيائه ومحمد خاتم الرسل وسيد الأنام، وعلى آله وصحبه وكل متمسك بما جاء به. اللهم أزح بنور هُداك ظلامَ ضلالنا، وبدّد بشمس توفيقك دُجى حيرتنا، واهدنا إلى الصراط المستقيم والطريق القويم، واجعلنا في زمن الفساد من أهل الصلاح، وفي وسط الشاكّين من ذوي اليقين، وثبِّتْنا على الهدى حتى نلقاك يا رب العالمين.
وبعد، فإني أستخير الله وأستهديه فيما انبعث له عزمي
_________________
(١) نُشرت هذه الرسالة سنة ١٣٤٩ وفي صدرها عبارة: «كتاب كبير في بيان حقيقة الإسلام ومحاسنه يصدر متتاليًا في هذه الرسائل، بقلم: أبي الهيثم، محمد علي الطنطاوي». إلا أن الذي صدر منه قد اقتصر على هذه الرسالة المفرَدة. قال في أول كتاب «تعريف عام بدين الإسلام»: "ثم صحَّ العزمُ منّي على إصدار كتاب في هذا الموضوع، وجعلتُ عنوانه: «لماذا أنا مسلم؟»، وأعددت فصوله وأعلنت عنه، ونشرت مقدمته في رسائل «سيف الإسلام» التي كنت أصدرها يومئذ، ولكنْ تعذر الطبع وضاعت الأصول ولم يصدر الكتاب" (مجاهد).
[ ١٣٥ ]
من تأليف كتاب في الدين يفهمه الناشئون من أبناء المسلمين، فيفهمون حقيقة هذا الدين التي طالما جهلوها وسَخِروا منها لِمَا أنشأتهم عليه مدارس الشيطان من ازدرائه والتهاون به. وإنني دَعِيٌّ في المؤلفين دخيل على المصنِّفين، وإن دون بلوغي هذه المنزلة مراحل ومحطات، ولكنّي برزت ولمّا أنضج وتزبَّبْتُ ولمّا أتحصرم (١) خشيةَ أن يستفحل الداء ويعم البلاء فلا يبقى الحصرم ولا الزبيب!
وإن ذلك لَكائنٌ ما دامت هذه المدارس جادَّة في تكفير الأبناء، مستفيدة من غفلة الآباء، والعلماءُ الذين هم ورثة الأنبياء قد أصبح أكثرهم بعاجل حظه مَشْغوفًا، وصار يرى المعروف منكَرًا والمُنكَر معروفًا، فلا يأمر ولا ينهى، حتى ظلّ عَلَم الدين مندرسًا ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمسًا، وأحكام الله تعطَّل جهارًا وحدوده تُتجاوَز علنًا. مدارس التبشير تَجِدّ في التبشير، ومدارس البلاد تسوق إلى الإلحاد، وأبناء المسلمين بين مَيّال إلى النصرانية وجاحد بالكليّة، وللأوقاف الإسلامية مالٌ لو صُرف في سبيله لكان لنا منه عشرات الجامعات ومئات
_________________
(١) العنب يكون أول ما يكون حصرمًا حامضًا، ثم يصير عنبًا حلوًا، فإذا تُرك جفَّ ماؤه وذبلت قشرته وصار زبيبًا. إن التدرج من مرحلة إلى أخرى سنة من سنن الوجود، وليس الإنسان استثناء منها، فهو كذلك لا بد له أن يمر بالبدايات ليصل إلى النهايات، فإذا تخطاها وقفز من فوره إلى النهاية ضربوا له هذا المثل فقالوا: «تزبَّبَ قبل أن يتحصرم». وما أكثر المتزبِّبين ولمّا يتحَصْرَموا في عالمنا، أولئك أنصافُ العلماء وأرباعُ العلماء الذين هم شرٌّ من الجَهَلة والأمّيين! (مجاهد).
[ ١٣٦ ]
المؤسسات، وللشريعة الإسلامية أحكام لو تمسَّكْنا بها لكنا خير أمة أُخرجت للناس وأقوى شعب عاش تحت الشمس، وللنجاح طريق معبَّدة وسبيل واضحة سلكها أجدادنا فكانوا سادة الأرض، وتنكّبناها فصرنا عبيدها، تلك هي سبيل الدين.
* * *
كان العرب في جاهليتهم أهل إبل وشاة ومضارب وخيام، ليس لهم حضارة الروم ولا عظمة فارس ولا عِلْم يونان، قَطْر السماء أقصى سعادة يرونها، والكفاف من العيش أبعد غاية يؤملونها، وكانوا منشَقّين على أنفسهم متباينين في قبائلهم ومساكنهم، يثيرون الحرب الزَّبون من أجل ناقة لَبون، ويحملون شقاء الدهر لإدراك الثأر، لا ملك يقودهم ولا راية تجمعهم ولا حكومة تنظم أمورهم، حكمهم لسيوفهم وظفرهم برماحهم، آلهتهم شتى وأربابهم أصنام، يخشون كسرى ويرجون قيصر، قبعوا في باديتهم وقنعوا بجزيرتهم، لا يطمحون إلى تاج ولا يطمعون في سرير، إذا فارقوا صحراءهم وغادروا جزيرتهم بَدَوا ضعافًا وكانوا خاضعين لمن يعرض لهم من الملوك والخَواقين.
لبثوا على تلك الحال ما شاء الله أن يلبثوا، وغَبَرت دهورٌ وهم على شأنهم لم يتحولوا، ثم كان أمر وكانت عشيّة أو ضحاها، فإذا الافتراق اتحاد والضعف قوة والبداوة حضارة، وإذا هذا الشعب الجاهل خير الشعوب وأفضل العالَمين.
ماذا حدث؟ وكيف كان؟ من هو ذلك الرجل العظيم الذي هَزَّ هذه الصحراء الجَدْباء فأخرج منها أمة عالمة قوية مهذبة؟ من
[ ١٣٧ ]
هو ذلك العظيم الذي صاح في بطحاء مكة، فرنَّتْ صيحته في أنحاء الجزيرة فهَبَّت كلها تسير تحت لوائه؟
طأطئوا الرؤوس وقفوا خاشعين، فإنه محمد بن عبد الله، سيد العالم ورسول رب العالمين، صلى الله عليه. جاء محمد بالقرآن هدى من الله ونبراسًا، فاهتدى العرب بهديه وساروا على سَننه، فأعزهم الله به ونصرهم، فكانوا ظاهرين. حملوه في صدورهم ووعوه في قلوبهم، ثم خرجوا من الجزيرة ليجاهدوا في سبيل الله كسرى وقيصر العظيمَين الجليلين، فمكّنهم الله منهما، فثَلّوا عرشيهما وهوت على أقدامهم تيجانهما، وخَلَفوهما في دارهما.
بالقرآن حاربوا، وبالإيمان جاهدوا، وبهما ظفروا وبهما انتصروا. انتصروا فلم يبيدوا الحضارة ولم يبدّدوا العلم، لأن دينهم دين الحضارة وشريعتهم شريعة العلم، فأقبلوا على نشرهما وترقيتهما، جاعلين الدين لهما مقياسًا والشريعة ميزانًا، فلم يَمُرّ زمن حتى مكّنَ الله لهم في الأرض، فأصبحوا ملوكها وسادتها.
امتدت دولتهم ما بين مونبلْيِه في قلب فرنسا والتُّبَّت في قلب الصين، وخفقت رايتهم على العالم كله فخفقت لها القلوب وارتجَّت منها الدنيا، وكانت عاصمتهم بغداد منار الهدى وموئل العلماء ودار العمران، والكلمةُ تخرج من قصر خليفتهم فيكون لها في آفاق الأرض دويّ الرعد في آفاق السماء، فلا يبقى من عظيم إلا ويخضع لها، ولا جبار إلا ويهلع قلبه لجلالها.
كان قائدهم يجاهد في سبيل الله حتى يبلغ البحر ولا يرى أمامه من سبيل، فيخوضه بفرسه فيلامس الماء بطنها، ثم يقول:
[ ١٣٨ ]
اللهمّ لولا هذا البحر لمضيت مجاهدًا في سبيلك حتى أفتح العالم أو أفارقه إلى جنانك! وكان ملكهم -على عظمه وجلاله- يقف بين يدي القاضي مع أحطّ السُّوقَة وأقل الناس، فلا يناديه إلا باسمه ولا يحكم عليه إلا بالحق، لأن الحق فوق الملك، والله فوق الجميع، والله أكبر. وكان الواعظ يدخل على أمير المؤمنين، فلا يزال يعظه ويخوّفه من الله حتى تقطر دموعه من لحيته، ثم ينصرف عنه لا يرزؤه من ماله شيئًا، لأنه دخل لله ولا يبتغي الجزاء إلا من الله.
كان إسلامٌ، فكان عزٌّ، وكان ظفر.
ثم مالوا عن السَّنَن القويم وتنكبوا الطريق المستقيم، فأمر الله الفلك فدار دورته، فإذا العزّ ذل والقوة ضعف، والأسياد خدم والملوك خَوَل! وإذ كل شيء قد ذهب، كأنه سطور خُطَّت على الماء ثم ماج الماء موجةً فمحا كل شيء.
* * *
ألا إن كل ذلك هَيِّن على أمة تشعر وتحس، أما إذا فقدت حسّها وشعورها فقد فقدت كل أمل بنجاحها. وهذا ما كان، وهذا ما تسعى له مدارسنا، وقد نجحت في سعيها فتمّ -أو كاد يتم- صرف أبنائنا جميعًا عن الدين! أضعنا المجد فصبرنا، وخسرنا العز فسكتنا، فإذا كانت الثالثة وفُجعنا بأبنائنا متنا ولم نجد من يندبنا أو يترحّم علينا.
نحن وسط الحريق ولكنّا نائمون، نحن بين الضواري من الوحوش ولكنّا غافلون، نحن على شفا الجحيم ولكنّا ضاحكون لاعبون!
[ ١٣٩ ]
نحن ندعو ونصيح ولكن قومنا صُمٌّ لا يسمعون، فلنعمل إذن وحدنا، ولنجاهد ما استطعنا. وهذا الكتاب عملي، أسأل الله أن يجعله خالصًا له نافعًا لعباده، وأن يوقظ به قومي من نومهم، وينبّههم من غفلتهم، ويعلّمهم أنْ لا صلاح لآخِر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ولا نجاح لها إلا من طريق دينها. ودينُها شامل لكل نافع جامع لكل ما فيه المصلحة، ما ترك شيئًا ولا غادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
اللهمّ أعدنا إلى دينك وأمِتْنا عليه، ووفِّقْ وأثِبْ وثَبِّتْ، وصلِّ على محمد.
* * *
[ ١٤٠ ]
رسائل التعليم في دمشق (١)