قَالَ الله ﷿: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا (١) فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٨].
وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكم مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧].
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٤٩، ٥٠].
وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧].
وفي حديثِ الأعمشِ، عن شمرِ بنِ عطية، عن شهرِ بنِ حوشب، عن أمِّ الدَّرداءِ، عن أبي الدَّرداءِ، عن النبيِّ - ﷺ -، في ذكرِ أهلِ النَّارِ قال: "فيقُولونَ: ادعُوا خزنةَ جهنمَ" فيقُولونَ: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠]. قال: "فيقُولونَ ادعُوا مالكًا، فيقُولُونَ": ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. قال الأعمشُ، نُبئتُ أنَّ بينَ دُعائِهم وبين إجابةِ مالكٍ لهم ألفَ عامٍ، قال: فيقُولُون: ادعُوا ربَّكم فلا أحد خير من ربكم فيقُولُون: (رَبَّنَا غَلَبَتْ
_________________
(١) ﴿اخسؤوا﴾ أي امكثوا فيها صاغرين مهانين أذلاء.
[ ٤ / ٣١١ ]
عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمن: ١٠٦، ١٠٧].
قال فيُجِيبُهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
قَالَ: فعند ذلك، يئسوا من كل خير، وعند ذلك، يأخذون في الحسرة والزفير والويل". خرّجه الترمذي (١) موقوفًا عَلَى أبي الدرداء.
وروى أبو معشرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرظى، قال: لأهلِ النارِ خمسُ دعواتٍ، يكلَّمونَ في أربع منها، ويُسكتُ عنهم في الخامسةِ، فلا يكلَّمونَ، يقولون: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١].
فيردُّ عليهم: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١٢].
ثمَّ يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢].
فيردُّ عليهم: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُل نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] إلى آخر الآيتين.
ثمَّ يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤].
فيردُّ عليهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤].
_________________
(١) برقم (٢٥٨٦) مرفوعًا وقال الترمذي: قَالَ عبد الله بن عبد الرحمن -يعني الدارمي-: والناس لا يعرفون هذا الحديث، قَالَ: إِنَّمَا رُوي هذا الحديث عن الأعمش، عن شمر ابن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداه قوله، وليس بمرفوع. وأخرجه موقوفًا عَلَى أبي الدرداء ابن أبي الدُّنْيَا في "صفة النار" (٨٤) من طريق الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن شهر بن حوشب، عن أبي الدرداء قوله.
[ ٤ / ٣١٢ ]
ثم يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧].
فيرد عليهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧].
ثم يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦، ١٠٧].
فيرد عليهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿وكنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٨ - ١١٠].
قَالَ: فلا يتكلمون بعد ذلك، خرّجه آدم بن أبي إياس وابن أبي حاتم.
وخرج ابن أبي حاتم، من رواية قتادة، عن أبي أيوب العتكي، عن عبد الله بن عمرو، قَالَ: نادى أهل النار ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّك﴾ [الزخرف: ٧٧] قَالَ: فخلى عنهم أربعين عامًا، ثم أجابهم: ﴿إِنَّكُم ماكِثُونَ﴾.
فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾.
قَالَ: فخلى عنهم مثل الدُّنْيَا، ثم أجابهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
قَالَ: فأطبقت عليهم، فيئس القوم بعد تلك الكلمة، وإن كان إلاَّ الزفير والشهيق (١).
وعن عطاء بن السائب، عن الحسن، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا ربُّكَ﴾ قَالَ: فيتركهم ألف سنة، ثم يقول: قال: فيتركُهم ألفَ سنةٍ ثم يقولُ: ﴿إِنَّكُم مَّاكثونَ﴾. وخرَّجهُ البيهقيُّ (٢) وعندَه عن عطاءٍ، عن عكرمةَ عن ابنِ عباسٍ.
وقال سُنَيدٌ في "تفسير": حدثنا حجاج، عن ابنِ جريج قال: نادَى أهلُ النَّارِ
_________________
(١) وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٣/ ١٥٢ - ١٥٣) برقم (١٥٩٦٩)، وهناد في "الزهد" (٢١٤).
(٢) في "البعث والنشور" (٦٤٥).
[ ٤ / ٣١٣ ]
خزنةَ جهنمَ أنْ ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فلم يجيبُوهم ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أجابُوهم بعدَ حينٍ وقالُوا لهُم: ﴿فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ [غافر: ٥٠] ثمَّ نادَوا: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فيسكُتُ عنهم مالكٌ، خازنُ جهنمَ، أربعينَ سنةً، ثمَّ أجابَهم: ﴿إِنَّكُم مَّاكِثونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ثُمَّ نادَى الأشقياء ربَّهم: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] الآيتين، فسكتَ عنهم مثلَ مقدارِ الدنيا، ثمَّ أجابَهم بعدُ: ﴿اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
ورَوى صفوانُ بنُ عمرٍو، قال: سمعتُ أيفعَ بنَ عبدٍ الكُلاعي، يقولُ: قال رسولُ الله - ﷺ -: "إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النَّارِ النارَ"، قالَ اللَهُ: يا أهلَ الجنةِ، ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٢، ١١٣] قال: نعم ما اتجرتُم في يوم أو بعضِ يوم رحمتي ورضواني وجنتي، امكُثوا فيها خالدين مخلدينَ، ثم يقولُ لأهلِ النَّارِ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فيقول: بئسَ ما اتَجرتُم به في يوم أو بعضِ يومٍ، سخطِي، ومعصيتي، ونارِي، امكُثُوا فيها خالدين مخلدينَ، فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فيقولُ: ﴿اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فيكونُ ذلك آخرُ عهدهِم بكلام ربهم ﷿. خرَّجَه أبو نُعيمٍ (١)، وكذا رواه أيفعُ مرسلًا.
وقال أبو الزعْراءِ، عن ابنِ مسعودِ: إذا أرادَ اللَهُ أن لا يُخرِجَ منها أحدًا، غيرَ وجوهِهِم وألوانِهم، فيجيءُ الرجلُ من المؤمنين، فيشفعُ فيقولُ: يا ربِّ، فيقال: من عرف أحدًا فليخرجه، قَالَ: فيجيء الرجل من المؤمنين، فينظر فلا يعرف أحدًا، فيناديه الرجل فيقول: يا فلان أنا فلان، فيقول: ما أعرفك! قَالَ: فعند ذلك يَقُولُونَ في النار: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فيقولُ عندَ ذلك: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، فإذا قال ذلك أُطبِقَتْ عليهم، فلم يخْرجْ منهم أحدٌ.
_________________
(١) في "الحلية" (٥/ ١٣٢) وقال: وأسنده أيفع عن معاوية بن أبي سفيان وغيره.
[ ٤ / ٣١٤ ]
وفي روايةٍ، قال ابنُ مسعودٍ: ليسَ بعدَ هذه الآيةِ خروجٌ: ﴿اخْسئُوا فِيهَا وَلا تكَلِّمُونِ﴾.
وذكَرَ عبدُ الرزاقِ في تفسيرِهِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عيسى، عن زيادٍ الخُرسانيِّ، أسندَهُ إلى بعضِ أهلِ العلم، قال: إذا قيلَ لهم: ﴿اخْسَئوا فِيهَا وَلا تكَلِّمُونِ﴾ سكتُوا، فلا يُسمَعُ لهم فيها حسٌّ إلا كطنينِ الطِّستِ.
* * *
[ ٤ / ٣١٥ ]