قد تقدم في الأحاديث الصحيحة، أن الموحدين يمرون على الصراط فينجو منهم من ينجو، ويقع منهم من يقع في النار، فإذا دخل أهل الجنة الجنة، فقدموا من وقع من إخوانهم الموحدين في النار، فيسألون الله ﷿ إخراجهم منها.
روى «زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵌، في حديث طويل سبق ذكر المرور على الصراط، ثم قال: حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فو الذي نفسي بيده، ما من أحد منكم، بأشد مناشدة لله، في استيفاء الحق من المؤمنين يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا إنهم كانوا يصومون معنا ويصلون معنا ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقًا كثيرًا، قد أخذت النار إلى أنصاف ساقية وإلى ركبتيه، فيقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول لهم: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدًا، فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه نصف مثقال دينار من خيره فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا بإخراجه أحدًا، فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، فيقولون: ربنا لم نذر فيها خيرًا.
وكان أبو سعيد يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث، فاقرؤوا إن شئتم:
﴿إن
[ ٢٥٥ ]
الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا﴾ .
فيقول الله ﷿: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج بها قومًا لم يعملوا خيرًا قط، قد عادوا حممًا، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل»، وذكر بقية الحديث.
خرجاه في الصحيحين، ولفظه لمسلم.
والمراد بقوله: «لم يعملوا خيرًا قط» من أعمال الجوارح، وإن كان أصل التوحيد معهم، ولهذا جاء في حديث الذي أمر أهله أن يحرقوه بعد موته بالنار، إنه لم يعمل خيرًا قط غير التوحيد.
خرجه الإمام أحمد، من حديث أبي هريرة مرفوعًا، ومن حديث ابن مسعود موقوفًا.
ويشهد لهذا، ما في «حديث أنس، عن النبي ﵌، في حديث الشفاعة، قال: فأقول: يا رب، ائذن لي فيمن يقول لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي، وكبريائي وعظمتي، لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله» .
خرجاه في الصحيحين.
وعند مسلم: «فيقول: ليس ذلك لك، أو ليس ذلك إليك» .
وهذا يدل على أن الذين يخرجهم الله برحمته، من غير شفاعة مخلوق، هم أهل كلمة التوحيد، الذين لم يعملوا معها خيرًا قط بجوارحهم، والله أعلم.
[ ٢٥٦ ]
وروى أبو الهيثم، «عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵌، قال: يوضع الصراط بين ظهراني جهنم، عليه حسك كحسك السعدان، ثم يستجيز الناس، فناج مسلم، ومجروح به ناج، ومحتبس منكوس فيها، فإذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وتفقد المؤمنون رجالًا في الدنيا، كانوا يصلون بصلاتهم، ويزكون زكاتهم، ويصومون صومهم، ويحجون حجهم، ويغزون غزوهم، فيقولون: أي ربنا، عباد من عبادك، كانوا معنا في الدنيا، يصلون بصلاتنا، ويزكون زكاتنا، ويصومون صومنا، ويحجون حجنا، ويغزون غزونا ولا نراهم؟ فيقول الله ﷿: اذهبوا إلى النار، فمن وجدتموه فيها، فأخرجوه، قال: فيخرجونهم، وقد أخذتهم النار على قدر أعمالهم، فمنهم من أخذته إلى قدميه، ومنه من أخذته إلى ركبتيه، ومنهم من أخذته إلى أزرته، ومنه من أخذته إلى ثديه، ومنهم من أخذته إلى عنقه، ولم تغش الوجوه، قال: فيستخرجونهم، ثم يطرحون في ماء الحياة.
قيل: يا نبي الله، وما ماء الحياة؟ قال: غسل أهل الجنة قال: فينبتون فيها، كما تنبت الزرعة في غثاء السيل، ثم تشفع الأنبياء، في كل من كان يشهد أن لا إله إلا الله مخلصًا، فيستخرجونهم منها، ثم يتحنن الله برحمته، على من فيها، فما يترك فيها عبدًا، في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، إلا أخرجه منها» .
خرجه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
وخرجاه في الصحيحين، «من حديث مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵌، قال: يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله عز
[ ٢٥٧ ]
وجل: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة - أو حبة من خردل - من إيمان، فيخرجون منها، قد اسودوا، فيلقون في نهر الحياة أو الحياء شك مالك فينبتون، كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية؟» .
ولفظه للبخاري.
وعند مسلم: «فيخرجون منها حممًا قد امتحشوا» .
وفي الصحيحين أيضًا، «عن الزهري، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: يجمع الله الناس يوم القيامة، فذكر الحديث بطوله، وفيه ذكر جواز الناس على الصراط، ثم قال: حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل الكبائر من النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا، ممن دخل النار، يعرفون بأثر السجود، تأكل النار ما من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار، قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون منه، كما تنبت البية في حميل السيل» .
وذكر بقية الحديث.
وخرج مسلم، «من حديث يزيد الفقير، عن جابر، قال: قال: رسول الله ﵌: إن قومًا يخرجون من النار، يحترقون فيها، إلا دارة وجوههم، حتى يدخلوا الجنة» .
وخرج أيضًا، «من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي
[ ٢٥٨ ]
﵌، قال: أما أهل النار، الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة، حتى إذا كانوا فحمًا، أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبابير ضبابير، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل لأهل الجنة: أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل» .
وظاهر الحديث، يدل على أن هؤلاء يموتون حقيقة، وتفارق أرواحهم أجسادهم.
ويدل على ذلك، ما خرجه البزار، من حديث عبد الله بن رجاء، «حدثنا سعيد بن مسلمة، أخبرني موسى بن جبير، عن أبي أمامة بن سهل، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: إن أدنى أهل الجنة حظًا - أو نصيبًا - قوم يخرجهم الله من النار، فيرتاح لهم الرب تعالى، إنهم كانوا لا يشركون بالله شيئًا، فينبذون بالعراء، فينبتون كما تنبت البقلة، حتى إذا دخلت الأرواح أجسادهم، قالوا: ربنا، كما أخرجتنا من النار، وأرجعت الأرواح إلى أجسادها، فاصرف وجوهنا عن النار، فتصرف وجوههم عن النار» .
وروى مسكين أبو فاطمة، «حدثني اليمان بن يزيد، عن محمد بن حمير، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵌، إن أصحاب الكبائر، من موحدي الأمم كلها، إذا ماتوا على كبائرهم، غير نادمين ولا تائبين، من دخل النار منهم، في الباب الأول من جهنم، لا تزرق أعينهم، ولا تسود وجوههم، ولا يقرنون بالشياطين، ولا يغلون بالسلاسل، ولا يجرعون الحميم، ولا يلبسون القطران في النار، حرم الله أجسادهم على الخلود من أجل التوحيد، وحرم صورهم على النار من أجل السجود، منهم من تأخذه النار إلى قدميه، ومنهم من تأخذه النار إلى
[ ٢٥٩ ]
حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه، على قدر ذنوبهم وأعمالهم، فمنهم من يمكث فيها شهرًا، ثم يخرج: ومنهم من يمكث فيها سنة، ثم يخرج منها، وأطولهم فيها مكثًا، بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى، فإذا أراد الله أن يخرجوا منها، قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان لمن في النار من أهل التوحيد: آمنتم بالله وكتبه ورسله، فنحن وأنتم اليوم في النار سواء، فيغضب الله لهم غضبًا لم يغضبه لشيء مما مضى، فيخرجهم إلى عين في الجنة، وهو قوله تعالى:
﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾» .
خرجه ابن أبي حاتم وغيره.
وخرجه الإسماعيلي مطولًا.
وقال الدارقطني في كتاب المختلق: هو حديث منكر، واليمان مجهول، ومسكين ضعيف، ومحمد ابن خمير لا أعرفه في هذا الحديث.
انتهى.
وقد سبق حديث أنس، في الذي ينادي في النار ألف سنة: يا حنان يا منان ثم يخرج منها.
وروينا من طريق محمد بن معاوية، حدثنا حازم، عن الحسن، قال: أهل التوحيد في النار لا يقيدون، فتقول الخزنة بعضهم لبعض: ما بال هؤلاء يقيدون وهؤلاء لا يقيدون؟ ! فناداهم مناد: إن هؤلاء كانوا يمشون في ظلام الليل إلى المساجد.
وقال مروان بن معاوية، عن مالك بن أبي الحسن، عن الحسن، قال: يخرج رجل من النار بعد ألف عام، قال الحسن: ليتني ذلك الرجل.