خرج مسلم، «من حديث سمرة بن جندب، عن النبي ﵌، قال: منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذ النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذ النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذ النار إلى ترقوته» .
وخرج الإمام أحمد، «من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵌، قال: إن أهون أهل النار عذابًا، رجل منتعل بنعلين من نار، يغلي منهما دماغه مع إجزاء العذاب، ومنهم من في النار إلى ركبتيه مع إجزاء العذاب، ومنهم من في النار إلى أرنبته مع إجزاء العذاب، ومنهم من في النار إلى صدره مع إجزاء العذاب، ومنهم من قد اغتمر» .
[ ١٧٨ ]
وفي الصحيحين، «من حديث النعمان بن بشير، عن النبي ﵌، قال: إن أهون أهل النار عذابًا، رجل في أخمص رجلية جمرتان، يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل بالقمقم» .
ولفظ مسلم: «إن أهون أهل النار عذابًا، من له نعلان وشركان من نار، يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا» .
ولمسلم، «من حديث أبي سعيد، عن النبي ﵌: إن أدنا أهل النار عذابًا، ينتعل بنعلين من نار، يغلي دماغه من حر نعليه» .
وفي الصحيحين، «عن أبي سعيد، عن النبي ﵌، أنه ذكر عنده عمه أبو طالب، فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار، تبلغ كعبيه، يغلي منهما دماغه» .
وفيهما أيضًا، «عن العباس بن عبد المطلب، أنه قال: يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك، ويغضب لك؟ قال: نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا ذلك، كان في الدرك الأسفل من النار» .
[ ١٧٩ ]
وفي رواية لمسلم، قال: «قال: وجدته في غمرة من النار، فأخرجته إلى ضحضاح» .
ولمسلم أيضًا، «من حديث ابن عباس، عن النبي ﵌، قال: إن أهون اهل النار عذابًا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين، يغلي منهما دماغه» .
وروى الحكم بن ظهير، وهو ضعيف، «عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود، عن النبي ﵌ إن أشد الناس عذابًا، رجل يرمى به فيها، فيهوي فيها سبعين خريفًا، وإن أدنى أهل النار عذابًا، رجل في ضحضاح من النار، يغلي منه دماغه، حتى يخرج من منخره» .
وروى مسكين أبو فاطمة، «عن اليمان بن يزيد، عن محمد بن حمير، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵌، أنه ذكر أهل الكبائر من الموحدين، فقال: منهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه، على قدر ذنوبهم وأعمالهم» وذكر الحديث، وهو منكر، قاله: الدارقطني وغيره.
«وقال عبيد بن عمير، قال رسول الله ﵌: إن أدنى أهل النار عذابًا، لرجل، عليه من نار، يغلي منهما دماغه، كأنه مرجل، مسامعه جمر، وأضراسه جمر، وشفاهه لهب النار، وتخرج أحشاء جنبيه من قدميه، وسائرهم كالحب القليل، في الماء الكثير، فهو يفور» .
خرجه هناد بن السري في كتاب الزهد بإسناده صحيح إلى عبيد، وهو مرسل، وقد روي عن عبيد موقوفًا غير مرفوع.
[ ١٨٠ ]
وروي أيضًا بإسناده، عن مسعود، في قوله تعالى:
﴿فاطلع فرآه في سواء الجحيم﴾ .
قال عبد الله: اطلع ثم اطلع إلى أصحابه، فقال: لقد رأيت جماجم القوم تغلي.
وبإسناده عن مجاهد، في قوله:
﴿سمعوا لها شهيقًا وهي تفور﴾ .
قال: تفور بهم كما يفور الحب القليل في الماء الكثير.
وعن سفيان الثوري، قال في هذه الآية: تغلي بهم كالحب القليل في الماء الكثير.
وفي مصنف عبد الرزاق: «عن معمر، عن إسماعيل بن أبي سعيد، أن عكرمة، مولى ابن عباس، أخبره أن رسول الله ﵌ قال: إن أهون أهل النار عذابًا، لرجل يطأ جمرة، يغلي منها دماغه.
فقال أبو بكر الصديق ﵁: وما كان جرمه يا رسول الله؟ قال: كانت له ماشية، يغشى بها الزرع ويؤذيه» .
وفي صحيح مسلم، «عن أنس، عن النبي ﵌، قال: يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال له: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ ! .
فيقول: لا والله يا رب! !» .
واعلم أن تفاوت أهل النار في العذاب، هو بحسب تفاوت أعمالهم، التي دخلوا بها النار، كما قال تعالى:
﴿ولكل درجات مما عملوا﴾
وقال تعالى:
﴿جزاء وفاقًا﴾ .
قال ابن عباس: وافق
[ ١٨١ ]
أعمالهم، فليس عقاب من تغلظ كفره، وأفسد في الأرض، ودعا إلى الكفر، كمن ليس كذلك، قال تعالى:
﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابًا فوق العذاب بما كانوا يفسدون﴾ .
وقال تعالى:
﴿ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ .
وكذلك، تفاوت عذاب عصاة الموحدين في النار، بحسب أعمالهم، فليس عقوبة أهل الكبائر، كعقوبة أصحاب الصغائر، وقد يخفف عن بعضهم العذاب، بحسنات أخر له، أو بما شاء الله من الأسباب، ولهذا يموت بعضهم في النار، كما سيأتي ذكره في ما بعد، إن شاء الله تعالى.
وأما الكفار، إذا كان لهم حسنات في الدنيا، من العدل والإحسان إلى الخلق، فهل يخفف عنهم بذلك من العذاب في النار أو لا؟ .
هذا فيه قولان للسلف وغيرهم: أحدهما: أنه يخفف عنهم بذلك أيضًا، وروى ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، معنى هذا القول، واختاره ابن جرير الطبري وغيره.
وروى الأسود بن شيبان، «عن أبي نوفل، قال: قالت عائشة: يا رسول الله، أين عبد الله بن جدعان؟ قال: في النار، فجزعت عائشة، واشتد عليها، فلما رأى رسول الله ﵌ ذلك، قال: يا عائشة، ما يشتد عليك من هذا؟ قالت بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ! إنه كان يطعم الطعام ويصل الرحم، قال: إنه يهون عليه بما قلت» خرجه الخرائطي في كتاب مكارم الأخلاق وهو مرسل.
وروى عامر بن مدرك الحارثي «عن عتبة بن اليقظان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله
[ ١٨٢ ]
﵌: ما أحسن من محسن، كافر أو مسلم، إلا أثابه الله ﷿ في عاجل الدنيا، أو ادخر له في الآخرة.
قلنا: يا رسول الله ما إثابة الكافر في الدنيا؟ قال إن كان قد وصل رحمًا، أو تصدق بصدقة، أو عمل حسنة، أثابه الله المال والولد والصحة وأشباه ذلك قلنا: إثابة الكافر في الآخرة؟ قال: عذابًا دون العذاب، ثم تلا:
﴿أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾» .
خرجه ابن أبي حاتم والخرائطي والبزار في مسنده والحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد، وخرجه البيهقي في كتاب البعث والنشور وقال: في إسناده نظر.
انتهى، وعتبة بن يقظان تكلم فيه بعضهم.
وقد سبقت الأحاديث، في تخفيف العذاب عن أبي طالب، بإحسانه إلى النبي ﵌.
وخرج الطبراني، بإسناده ضعيف، «عن أم سلمة، أن الحارث بن هشام، أتى النبي ﵌، يوم حجة الوداع فقال: إنك تحث على صلة الرحم، والإحسان، وإيواء اليتيم، وإطعام الضعيف والمسكين، وكل هذا كان يفعله هشام بن المغيرة، فما ظنك به يا رسول الله؟ قال: كل قبر صاحبه أن لا إله إلا الله، فهو حفرة من حفر النار، وقد وجدت عمي أاب طالب في طمطام من فأخرجه بمكانه مني وإحسانه إلي فجعله في ضحضاح من النار» .
والقول الثاني: أن الكافر لا ينتفع في الآخرة بشيء من الحسنات بحال، ومن حجة أهل هذا القول قوله تعالى:
﴿وقدمنا إلى ما عملوا من
[ ١٨٣ ]
عمل فجعلناه هباء منثورًا﴾
وقوله تعالى:
﴿مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء﴾ ونحو هذه الآيات.
وفي صحيح مسلم: «عن أنس، عن النبي ﵌، قال: إن لا يظلم مؤمنًا حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها» .
وفي رواية له أيضًا: «إن الكافر إذا عمل حسنة، أطعم بها طعمة في الدنيا، وأما المؤمن، فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقب له رزقًا في الدنيا على طاعته» .
وفيه أيضًا: «عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله، إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعة؟ قال: لا ينفعه، لأنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» .
وهؤلاء، جعلوا تخفيف العذاب عن أبي طالب، من خصائصه بشفاعة النبي ﵌ له، وجعلوا هذه الشفاعة من خصائص النبي ﵌، لا يشركه فيها غيره.