قد تكاثرت النصوص في أن البكاء من خشية الله يقتضي النجاة منها، والبكاء خوف نار جهنم هو البكاء من خشية الله، لأنه بكاء من خشية عقاب الله وسخطه والبعد عنه وعن رحمته وجواره ودار كرمته.
وروى أبو هريرة عن «النبي ﵌ قال: لا يلج النار رجل بكى من خشية الله، حتى يعود اللبن في الضرع» خرجه النسائي والترمزي وقال: صحيح.
«وعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: عينان لا تمسها النار: عين بكت في جوف الليل من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله ﷿» خرجه الترمزي وقال: حسن.
«و
[ ٥٥ ]
عن أبي ريحانة، عن النبي ﵌، قال: حرمت النار على عين دمعت أو بكت في جوف الليل من خشية الله، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله وذكر عينًا ثالثة» .
خرجه الإمام أحمد وهذا لفظه، والنسائي والحاكم وقال: صحيح الإسناد، وخرجه الجوزجاني ولفظه «حرمت النار على عين سهرت بكتاب الله، وحرمت النار على عين دمعت من خشية الله، وحرمت النار على عين غضت عن محارم الله أو فقئت في سبيل الله» .
«وعن ابن مسعود، عن النبي ﵌ قال: ما من عبد مؤمن يخرج من عينيه دموع، ولو كانت مثل رأس الذباب، من خشية الله، ثم تصيب شيئًا من حر وجهه، إلا حرمه الله على النار» خرجه ابن ماجه، وقد روي موفوقًا على من دون ابن مسعود.
وفي الباب أحاديث أخر في المعنى مسندة ومرسلة، وفيه أيضًا عن معاذ بن جبل وابن عباس من قولهما غير مرفوع.
وخرج ابن أبي الدنيا من طريق نفيع أبي داود، «عن زيد بن أرقم، أن رجلًا قال: يا رسول الله، بما أتقي به النار؟ قال: بدموع عينيك، فإن عينًا بكت من خشية الله لا تمسها النار أبدًا» .
ونفيع سبق أنه ضعيف.
ومن طريق النضر بن سعيد، رفعه قال: «ما اغرورقت عينا عبد بمائها
[ ٥٦ ]
من خشية الله إلا حرم جسدها على النار، فإن فاضت على خده لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة، ولو أن عبدًا بكى في أمة من الأمم، لأنجى الله ﷿ ببكاء ذلك العبد تلك الأمة من النار، وما من عمل إلا وله وزن أو ثواب إلا الدمعة، فإنها تطفيء بحورًا من النار» .
وقد روي هذا المعنى أو بعضه موقوفًا من كلام الحسن وأبي عمران الجوني وخالد بن معدان وغيرهم.
وعن زادان أبي عمر قال: بلغنا أنه من بكى خوفًا من النار أعاذه الله منها، ومن بكى شوقًا إلى الجنة أسكنه الله إياها.
وكان عبد الواحد بن زيد يقول، يا إخوتاه، ألا تبكون شوقًا إلى الله ﷿؟ ألا إنه من بكى شوقًا إلى سيده لم يحرمه النظر إليه، يا إخوتاه، ألا تبكون خوفًا من النار؟ ألا إنه من بكى خوفًا من النار أعاذه الله منها.
وعن فرقد السبخي، قال: قرأت في بعض الكتب أن الباكي على الجنة لتشفع له الجنة إلى ربها، فتقول: يا رب، أدخله، فتقول: يا رب، أدخله كما بكى علي، وإن النار لتستجير له من ربها، فتقول: يا رب، أجره من النار كما استجار مني، وبكى خوفًا من دخولي.
وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة، «عن النبي ﵌، أنه قال: رأيت الليلة رؤيا» فذكر الحديث بطوله، «وفيه قال: رأيت رجلًا من أمتي على شفير جهنم، فجاءه وجله من الله، فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلًا من أمتي يهوي في النار، فجاءته دموعه التي تبكي من خشية الله ﷿، فاستخرجه من النار» .
[ ٥٧ ]
وروى أيمن، «حدثنا سهل بن حماد، حدثنا المبارك بن فضالة، حدثنا ثابت عن أنس، قال: تلا رسول الله ﵌ هذه الآية
﴿نارًا وقودها الناس والحجارة﴾ .
وبين يديه رجل أسود، فهتف بالبكاء، فنزل جبريل ﵇، فقال: من هذا الباكي بين يديك؟ قال: رجل من الحبشة وأثنى عليه معروفًا قال: فإن الله ﷿ يقول: وعزتي وجلالي، وارتفاعي فوق عرشي، لا تبكي عين عبد في الدنيا من خشيتين إلا كثرت ضحكة في الجنة» .