خرج الإمام أحمد، «من حديث أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة، وأول ثلاثة يدخلون النار، فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد، وعبد مملوك لا يشغله رق الدنيا عن طاعة ربه، وفقير متعفف ذو عيال، وأول ثلاثة يدخلون النار: فأمير متسلط، وذو ثروة من مال يمنع حق الله في ماله، وفقير فخور» وخرج الترمذي أوله وقال: حديث حسن.
فهؤلاء الأصناف الثلاثة من أهل النار، وضد الأصناف الثلاثة من أهل الجنة المذكورين في حديث عياض بن حمار، فإن السلطان المسلط ضد العادلى المحسن، والغني الذي يمنع حق الله ضد الرحيم الرقيق القلب بذي القربى وكل مسلم، والفقير الفخور ضد المتعفف الصابر على شدة الفقير وضره.
وأوصاف هؤلاء الثلاثة هي: الظلم، والبخل، والكبر، والثلاثة ترجع إلى الظلم، لأن الملك يظلم الناس بيده، والبخيل يظلم الفقراء بمنع حقوقهم الواجبة، والفقير الفخور يظلم الناس بفخره عليهم، بقوله، وأذاه لهم بلسانه.
وفي صحيح مسلم، «عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله
[ ٢٨٢ ]
وسلم، في حديث طويل ذكر فيه المقاتل والقاريء والمتصدق الذين يراؤون بأعمالهم، وقال: أولئك أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة يا أبا هريرة» .
وقد يجمع بين هذا الحديث والذي قبله، بأن هؤلاء الثلاثة أول من تسعر بهم النار، وأولئك الثلاثة أول من يدخل النار أخص من دخولها، فإن تسعيرها يقتضي تلهبها وإيقادها، وهذا قدر زائد على مجرد الدخول، وإنما زاد عذاب أهل الرياء على سائر العصاة، لأن الرياء هو الشرك الأصغر، والذنوب المتعلقة بالشرك أعظم من المتعلقة بغيره.
وقد ورد أن فسقة القراء يبدأ بهم قبل المشركين، «فروى عبد الملك بن إبراهيم الجدي، حدثنا عبد الله بن عبد العزيز العمري، عن أبي طوالة، عن أنس، عن النبي ﷺ، قال: الزنابية أسرع إلى فسقه القراء منهم إلى عبدة الأوثان، فيقولون: يبدأ بنا قبل عبدة الأوثان؟ فيقال لهم: ليس من علم كمن لا يعلم» .
خرجه الطبراني وأبو نعيم وقال: غريب من حديث أبي طوالة، تفرد به عند العمري، انتهى.
والعمري هذا هو أبو عبد الرحمن الزاهد ﵀.
وقد ذكرنا، في الباب الخامس والعشرين، أحاديث متعددة في خروج عنق من النار يوم القيامة، تتكلم، وأنها تلتقط من صفوف الخلق: المشركين والمتكبرين وأصحاب التصاوير، وفي رواية «ومن قتل نفسًا بغير نفس، فينطلق بهم قبل سائر الناس بخمسمائة عام» .
وروى عن ابن عباس وغيره من السلف، أن ذلك يكون قبل نشر الدواوين ونصب الموازين.
وجاء في حديث مرفوع، أن ذلك يكون قبل حساب سائر الناس، والله أعلم.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
[ ٢٨٣ ]