قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١].
وروي عن ابن عمر قال: إذا قبض ملك الموت روح المؤمن قام على عتبة الباب، ولأهل البيت ضجة، فمنهم الصاكة وجهها، ومنهم الناشرة شعرها، ومنهم الداعية بويلها، فيقول ملك الموت ﵇: فيم هذا الجزع؟! فو الله ما أنقصت لأحد منكم عمرا، ولا أذهبت لأحد منكم برزق، ولا ظلمت لأحد منكم شيئا، فإن كانت شكايتكم وسخطكم عليّ؛ فإني والله مأمور، وإن كان ذلك على ميّتكم؛ فإنه في ذلك مقهور، وإن كان ذلك على ربكم؛ فأنتم به كفرة، وإن لي فيكم عودة ثم عودة، فلو أنهم يرون مكانه أو يسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم، ولبكوا على أنفسهم. خرّجه أبو مطيع مكحول بن الفضل النسفي في كتاب «اللؤلؤيات» له.
وروي معناه مرفوعا في الخبر المشهور المروي في «الأربعين» عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من بيت إلا وملك الموت يقف على بابه في كل يوم خمس مرات، فإذا وجد الإنسان قد نفد أكله، وانقطع أجله، ألقى عليه غمرات الموت، فغشيته كرباته، وغمرته غمراته، فمن أهل بيته الناشرة شعرها، والضاربة وجهها، والباكية لشجوها، والصارخة بويلها، فيقول ملك الموت ﵇: ويلكم مم الفزع ومم الجزع؟ ما أذهبت لأحد منكم رزقا، ولا قربت له أجلا ولا أتيته حتى أمرت، ولا قبضت روحه حتى استأمرت، وإن لي فيكم عودة ثم عودة، حتى لا أبقي منكم أحدا».
قال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده لو يرون مكانه ويسمعون كلامه، لذهلوا عن ميتهم، ولبكوا على أنفسهم، حتى إذا حمل الميت على النعش رفرفت روحه فوق النعش، وهو ينادي: يا أهلي! ويا ولدي! لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال من حلّه
[ ١ / ٨٦ ]
ومن غير حلّه، ثم خلّفته لغيري، فالمهنأة له والتبعة عليّ، فاحذروا ما حل بي» (^١).
وروى جعفر بن محمد، عن أبيه قال: نظر رسول الله ﷺ إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار، فقال له النبي ﷺ: «ارفق بصاحبي فإنه مؤمن» فقال ملك الموت ﵇: يا محمد طب نفسا وقرّ عينا، فإني بكل مؤمن رفيق، واعلم أن ما من أهل بيت مدر ولا شعر في بر ولا بحر، إلا وأنا أتفحّصهم في كل يوم خمس مرات، حتى لأنا أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم لأنفسهم، والله يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك، حتى يكون الله هو الآمر بقبضها.
قال جعفر بن محمد: بلغني أنه يتفحّصهم عند مواقيت الصلاة. ذكره الماوردي.
قال الشيخ المؤلف ﵀: وفي هذا الخبر ما يدل على أن ملك الموت هو الموكل بقبض كل ذي روح، وأن تصرفه كله بأمر الله ﷿ وبخلقه واختراعه.
قال ابن عطية: وروي في الحديث أن البهائم كلها يتوفى الله أرواحها دون ملك الموت، كأنه يعدم حياتها، قال: وكذلك الأمر في بني آدم إلا أنه نوع شرف بتصرف ملك الموت وملائكة معه في قبض أرواحهم، فخلق الله ملك الموت وخلق على يديه قبض الأرواح وانسلالها من الأجسام، وإخراجها منه، وخلق جندا يكونون معه يعملون عمله بأمره.
فقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ﴾ [الأنفال: ٥٠].
وقال تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنعام: ٦١] والباري سبحانه خالق الكل الفاعل حقيقة لكل فعل.
قال الله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ [الزمر: ٤٢] وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ﴾ [الملك: ٢] وقال: ﴿يُحيِي وَيُمِيتُ﴾ [يونس: ٥٦]. فملك الموت يقبض الأرواح والأعوان يعالجون، والله يزهق الروح. وهذا هو الجمع بين الآي والحديث، لكنه لما كان ملك الموت متولى ذلك بالوساطة والمباشرة؛ أضيف التوفي إليه، كما أضيف الخلق للملك.
قال الشيخ المؤلف ﵀: كما في حديث ابن مسعود ﵁ قال: حدّثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن
_________________
(١) خبر موضوع؛ انظر «الأسرار المصنوعة» رقم (٤٠٥).
[ ١ / ٨٧ ]
أمّه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح» (^١). الحديث خرجه مسلم وغيره.
قوله: يجمع خلقه في بطن أمه؛ قد جاء مفسرا عن ابن مسعود ﵁ رواه الأعمش عن خيثمة. قال: قال عبد الله: «إن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله سبحانه أن يخلق منها بشرا؛ طارت في بشر المرأة تحت كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين ليلة، ثم تنزل دما في الرحم، فذلك جمعها» (^٢).
وفي «صحيح مسلم» أيضا: عن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصوّرها، وخلق سمعها وبصرها وشعرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم يقول: أي ربّ أذكر أم أنثى؟» (^٣)، وذكر الحديث. وما قبله يفسره ويبينه، لأن النطفة لا يبعث الملك إليها إلا بتمام ثنتين وأربعين ليلة فتأمله.
ونسبة الخلق والتصوير للملك؛ نسبة مجازية لا حقيقية، وإنما صدر عنه فعل ما في المضغة كان عنه التصوير والتشكيل بقدرة الله تعالى وخلقه واختراعه. ألا تراه ﷾ قد أضاف إليه الخلقة الحقيقية وقطع عنها نسب جميع الخليقة.
فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] إلى غير ذلك من الآيات، مع ما دلت عليه قاطعات البراهين، إذ لا خالق لشيء من المخلوقات إلا رب العالمين. وهكذا القول في قوله: «ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح»» أي: أن النفخ فيه سبب يخلق الله فيه الروح والحياة. وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة، فإنه بإحداث الله تعالى لا بغيره، فتأمل ذلك. هذا هو الأصل، وتمسك به، ففيه النجاة من مذاهب أهل الضلال والقائلين بالطبائع وغيرهم. وأن الله هو القابض لأرواح جميع الخلق على الصحيح، وأن ملك الموت وأعوانه وسائط. وقد سئل مالك بن أنس عن البراغيث أملك الموت يقبض أرواحها؟ فأطرق مليا ثم قال: ألها نفس؟ قال نعم. قال: ملك الموت يقبض أرواحها: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢].
وفي الخبر: أن ملك الموت وملك الحياة تناظرا فقال ملك الموت: أنا أميت
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٠٨) ومسلم (٢٦٤٣).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم كما في «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٢١) قال: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة، قال: قال عبد الله بن مسعود: فذكره. وإسناده ضعيف لانقطاعه بين خيثمة وعبد الله بن مسعود.
(٣) أخرجه مسلم (٢٦٤٥).
[ ١ / ٨٨ ]
الأحياء. وقال ملك الحياة: أنا أحيي الموتى. فأوحى الله إليهما: كونا على عملكما وما سخّرتما له من الصنع، وأنا المميت والمحيي، لا مميت ولا محيي سواي. ذكره أبو حامد في «الإحياء» (^١).
وذكر أبو نعيم الحافظ عن ثابت البناني قال: «الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، ليس منها ساعة تأتي على ذوي روح إلا وملك الموت قائم عليها، فإن أمر بقبضها قبضها وإلا ذهب» (^٢). وهذا عام في كل ذي روح.
وفي خبر الإسراء عن ابن عباس ﵁ فقلت: يا ملك الموت كيف تقدر على قبض أرواح جميع من في الأرض برها وبحرها؟ الحديث وقد تقدم.
وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدّثنا أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن ملك الموت لينظر في وجوه العباد كل يوم سبعين نظرة. قال: إذا ضحك العبد الذي بعث إليه قال: يقول: عجبا بعثت إليه لأقبض روحه وهو يضحك» (^٣) والله أعلم.
***