ذكر أبو محمد عبد الحق، يروى عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ:
«إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمع ولا يجيب، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة! الثانية فإنه يستوي قاعدا، ثم يقول:
يا فلان ابن فلانة! الثالثة فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله، ولكنكم لا تسمعون. فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأنّك رضيت بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيّا، وبالقرآن إماما، فإن منكرا ونكيرا يتأخر كل واحد منهما، ويقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند هذا، وقد لقّن حجّته، ويكون الله حجيجها دونه» فقال رجل: يا رسول الله فإن لم تعرف أمه؟ قال: ينسبه إلى أمه حواء (^١).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٨ /رقم: ٧٩٧٩) بإسناد ضعيف. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٤٥): «في إسناده جماعة لم أعرفهم». وقال النووي في «المجموع» (٥/ ٣٠٤): «رواه أبو القاسم الطبراني في «معجمه» بإسناد ضعيف». وقال ابن القيم في زاد المعاد» (١/ ٥٢٣): «حديث لا يصح رفعه». وقول الحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٢/ ٦٩٩): «إسناده صالح»! مستغرب منه. والحديث ضعفه العراقي في «تخريج الإحياء» (٤/ ٤٢٠)، وقال الألباني في «الضعيفة» (٢/ ٦٤ / ٥٩٩): «منكر».
[ ١ / ١٣١ ]
قلت هكذا ذكره أبو محمد في كتاب «العاقبة» لم يسنده إلى كتاب ولا إلى إمام، وعادته في كتبه نسبة ما يذكره من الحديث إلى الأئمة، وهذا والله أعلم، نقله من «إحياء علوم الدين» للإمام أبي حامد فنقله كما وجده ولم يزد عليه، وهو حديث غريب. خرّجه الثقفي في «الأربعين» له، أنبأناه الشيخ المسنّ الحاج الراوية: أبو محمد عبد الوهاب بن ظافر بن علي بن فتوح بن أبي الحسن القرشي - عرف بابن رواح - بمسجده بثغر الإسكندرية حماه الله، والشيخ الفقيه الإمام مفتي الأنام أبو الحسن علي بن هبة الله الشافعي بمنية بني خصيب، على ظهر النيل بها، قالا جميعا: حدّثنا الشيخ الإمام الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد السّلفي الأصبهاني قالا: أخبرنا الرئيس أبو عبد الله القاسم بن الفضل بن أحمد بن محمود الثقفي بأصبهان، أخبرنا أبو علي الحسين بن عبد الرحمن بن محمد بن عبدان التاجر بنيسابور، حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصمّ، حدّثنا أبو الدرداء هاشم بن يعلى الأنصاري، حدّثنا عتبة بن السكن الفزاري الحمصي، عن أبي زكريا، عن حماد بن زيد، عن سعيد الأزدي قال: دخلت على أبي أمامة الباهلي وهو في النزع فقال لي: «يا سعيد! إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله ﷺ أن نصنع بموتانا» فقال: «إذا مات الرجل منكم فدفنتموه فليقم أحدكم عند رأسه فليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه سيسمع، فليقل يا فلان ابن فلانة فإنه يستوي قاعدا، فليقل يا فلان ابن فلانة فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله! فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله باعث من في القبور، فإن منكرا ونكيرا عند ذلك يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: ما نصنع عند رجل لقّن حجته؟ فيكون الله حجيجهما دونه» (^١).
قال الثقفي: حديث أبي أمامة في النزع غريب من حديث حماد بن زيد ما كتبناه إلا من حديث سعيد الأزدي.
قال أبو محمد عبد الحق: وقال شيبة بن أبي شيبة: أوصتني أمي عند موتها، فقالت لي: يا بني إذا دفنتني فقم عند قبري، وقل: يا أم شيبة؛ قولي: لا إله إلا الله، ثم انصرف. فلما كان من الليل رأيتها في المنام فقالت لي: يا بني لقد كدت أن أهلك، لولا أن تداركتني لا إله إلا الله، فلقد حفظتني في وصيتي يا بني.
قال المؤلف: قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي: ينبغي أن يرشد
_________________
(١) أخرجه بهذا الإسناد القاضي الخلعي في «الفوائد» (٥٥/ ٢) كما في «السلسلة الضعيفة» (٦٤/ ٢)، وانظر تعليق المحدث الألباني ﵀ على الإسناد هناك.
[ ١ / ١٣٢ ]
الميت في قبره حين يوضع فيه إلى جواب السؤال، ويذكر بذلك فيقال له: قل الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد رسولي، فإنه عن ذلك يسأل. كما جاءت الأخبار على ما يأتي إن شاء الله. وقد جرى العمل عندنا بقرطبة كذلك، فيقال: قل هو محمد رسول الله؛ وذلك عند هيل التراب، ولا يعارض هذا بقوله: ﴿وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، وقوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] لأن النبي ﷺ قد نادى أهل القليب وأسمعهم وقال: «ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يستطيعون جوابا» (^١). وقد قال في الميت: «إنه ليسمع قرع نعالهم» (^٢). وأن هذا يكون في حال دون حال، ووقت دون وقت، وسيأتي استيفاء هذا المعنى في باب «ما جاء أن الميت يسمع ما يقال» إن شاء الله.
***