أخرجه أبو داود الطيالسي وعبد بن حميد في «مسنديهما» وعلي بن معبد في كتاب «الطاعة والمعصية» وهنّاد بن السري في «زهده» وأحمد بن حنبل في «مسنده» وغيرهم. وهو حديث صحيح له طرق كثيرة همّ بتخريج طرقه علي بن معبد. فأما أبو داود الطيالسي فقال: حدّثنا أبو عوانة، عن الأعمش. وقال هناد وأحمد: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، وقال: أبو داود:
حدّثنا عمرو بن ثابت، سمعه من المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء - يعني ابن عازب - وحديث أبي عوانة أتمهما، قال البراء: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر، ولمّا يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله، كأنّما على رؤوسنا الطير، قال عمرو بن ثابت: وقع ولم يقله أبو عوانة، فجعل يرفع بصره وينظر إلى السماء، ويخفض بصره وينظر إلى الأرض، ثم قال: «أعوذ بالله من عذاب القبر» قالها مرارا ثم قال: «إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا، جاءه ملك فجلس عند رأسه فيقول: اخرجي أيتها النفس الطيبة إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج نفسه فتسيل كما يسيل قطر السقاء» قال: عمرو في حديثه - ولم يقله أبو عوانة -: «وإن كنتم ترون غير ذلك، وتنزل
[ ١ / ١٤١ ]
ملائكة من الجنة بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم أكفان من أكفان الجنة، وحنوط من حنوطها، فيجلسون منه مدّ البصر، فإذا قبضها الملك لم يدعوها في يده طرفة عين» قال: «فذلك قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] قال: فتخرج نفسه كأطيب ريح وجدت، فتعرج به الملائكة فلا يأتون على جند فيما بين السماء والأرض إلاّ قالوا: ما هذه الروح؟ فيقال: فلان، بأحسن أسمائه، حتى ينتهوا به أبواب سماء الدنيا فيفتح له، ويشيعه من كل سماء مقربوها حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقال: اكتبوا كتابه في عليين ﴿وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ * كِتابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٩ - ٢١] فيكتب كتابه في عليين. ثم يقال: ردوه إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها نعيدهم، ومنها نخرجهم تارة أخرى، قال: فيرد إلى الأرض، وتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان شديدا الانتهار، فينتهرانه ويجلسانه، فيقولان: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول:
ربي الله، وديني الإسلام، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: جاءنا بالبينات من ربنا فآمنت به وصدقت قال:
وذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قال: وينادي مناد من السماء أن قد صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة، وأروه منزله منها، ويفسح له مدّ بصره، ويمثل عمله له في صورة رجل حسن الوجه، طيّب الرائحة، حسن الثياب، فيقول: أبشر بما أعدّ الله لك، أبشر برضوان من الله وجنات فيها نعيم مقيم، فيقول: بشّرك الله بخير، من أنت؛ فوجهك الوجه الذي جاء بالخير؟ فيقول: هذا يومك الذي كنت توعد، أو الأمر الذي كنت توعد، أنا عملك الصالح فو الله ما علمتك إلاّ كنت سريعا في طاعة الله، بطيئا عن معصية الله فجزاك الله خيرا. فيقول: يا رب أقم الساعة كي أرجع إلى أهلي ومالي» قال: «فإن كان فاجرا وكان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا جاءه ملك، فجلس عند رأسه فقال:
اخرجي أيتها النفس الخبيثة، أبشري بسخط من الله وغضبه، فتنزل ملائكة سود الوجوه، معهم مسوح من نار، فإذا قبضها الملك قاموا فلم يدعوها في يده طرفة عين، قال: فتفرق في جسده فيستخرجها، تقطع منها العروق والعصب، كالسفود الكثير الشعب في الصوف المبلول، فتؤخذ من الملك فتخرج كأنتن جيفة وجدت فلا تمر على جند فيما بين السماء والأرض، إلاّ قالوا ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: هذا فلان بأسوإ أسمائه حتى ينتهوا به إلى سماء الدنيا فلا يفتح لهم، فيقولون: ردوه إلى الأرض إني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها نعيدهم، ومنها نخرجهم تارة أخرى، قال: فيرمى به من السماء. قال: وتلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، قال: فيعاد إلى الأرض وتعاد فيه روحه، ويأتيه ملكان شديدا الانتهار
[ ١ / ١٤٢ ]
فينتهرانه ويجلسانه. فيقولان: من ربك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدري. فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه فيقال: محمد، فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون ذلك، قال: فيقال: لا دريت، فيضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه. ويمثل له عمله في صورة رجل قبيح الوجه، منتن الريح، قبيح الثياب، فيقول: أبشر بعذاب الله وسخطه، فيقول: من أنت، فوجهك الذي جاء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث فو الله ما علمتك إلاّ كنت بطيئا عن طاعة الله سريعا إلى معصية الله» (^١).
قال عمرو - في حديثه - عن المنهال، عن زاذان، عن البراء عن النبي ﷺ:
«فيقيّض له أصم أبكم بيده مرزبة لو ضرب بها جبل صار ترابا». أو قال: «رميما، فيضربه به ضربة تسمعها الخلائق إلاّ الثقلين، ثم تعاد فيه الروح فيضرب ضربة أخرى» لفظ أبي داود الطيالسي.
وخرّجه علي بن معبد الجهني من عدة طرق بمعناه، وزاد فيه: «ثم يقيّض له أعمى أصم معه مرزبة من حديد فيضربه بها ضربة فيدق بها من ذؤابته إلى خصره ثم يعاد فيضربه ضربة فيدق بها من ذؤابته إلى خصره» وزاد في بعض طرقه عند قوله مرزبة من حديد: «لو اجتمع عليها الثقلان لم ينقلوها، فيضرب بها ضربة فيصير ترابا ثم تعاد فيه الروح، ويضرب بها ضربة يسمعها من على الأرض غير الثقلين، ثم يقال: افرضوا له لوحين من نار وافتحوا له بابا إلى النار، فيفرش له لوحان من نار ويفتح له باب إلى النار» وزاد فيه عند قوله: وانقطاع من الدنيا: «نزلت به ملائكة غلاظ شداد معهم حنوط من نار وسرابيل من قطران، يحتوشونه فتنتزع نفسه كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل، يقطع معه عروقها، فإذا خرجت نفسه لعنه كل ملك في السماء وكل ملك في الأرض».
وخرّجه أبو عبد الله الحسين بن الحسين بن حرب، صاحب ابن المبارك في رقائقه بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يقول: «إذا قتل العبد في سبيل الله كان أول قطرة تقطر من دمه إلى الأرض كفارة للخطايا، ثم يرسل الله ﷿ بريطة من الجنة فيقبض فيها روحه، وصورة من صور الجنة فيركب فيها روحه، ثم يعرج مع الملائكة كأنه كان معهم والملائكة على أرجاء السماء يقولون: قد جاءت روح من
_________________
(١) أخرجه أبو داود الطيالسي في «مسنده» (٧٥٣) وأحمد (٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨، ٢٩٥ - ٢٩٧) وأبو داود (٤٧٥٣، ٤٧٥٤) والآجري في «الشريعة» (١٩٠/ ٩١٩/٢) والحاكم في «المستدرك» (٣٧/ ١ - ٤٠) والروياني في «مسنده» (٣٨٩، ٣٩٢). وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين» ووافقه الذهبي، ووافقهما العلامة الألباني ﵀ في «أحكام الجنائز» ص ٢٠٢.
[ ١ / ١٤٣ ]
الأرض طيبة، ونسمة طيبة، فلا تمر بباب إلا فتح لها، ولا ملك إلا صلّى عليها ودعا لها، ويشيعها، حتى يأتي بها الرحمن. فيقولون: يا ربنا هذا عبدك توفيته في سبيلك، فيسجد قبل الملائكة، ثم تسجد الملائكة بعد، ثم يطهر ويغفر له، ثم يؤمر فيذهب به إلى الشهداء، فيجدهم في قباب من حرير في رياض خضر عندهم حوت وثور، يظل الحوت يسبح في أنهار الجنة يأكل من كل رائحة في أنهار الجنة، فإذا أمسى وكزه الثور بقرنه فيذكيه فيأكلون لحمه، فيجدون في لحمه طعم كل رائحة ويبيت الثور في أفناء الجنة، فإذا أصبح غدا عليه الحوت فوكزه بذنبه فيذكيه فيأكلون فيجدون في لحمه طعم كل رائحة في الجنة، ثم يعودون وينظرون إلى منازلهم من الجنة، ويدعون الله ﷿ أن تقوم الساعة، فإذا توفي العبد المؤمن بعث الله ﷿ إليه ملكين وأرسل إليه بخرقة من الجنة، فقال: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى روح وريحان ورب عنك غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح من مسك ما وجدها أحد بأنفه قط، والملائكة على أرجاء السماء يقولون قد جاء من قبل الأرض روح طيبة ونسمة طيبة، فلا تمر بباب إلاّ فتح لها، ولا بملك إلا دعا لها، وصلّى عليها، حتى يؤتى بها الرحمن فتسجد الملائكة ثم يقولون:
هذا عبدك فلان قد توفيته وكان يعبدك لا يشرك بك شيئا، فيقول مروه فليسجد فتسجد النّسمة، ثم يدعى ميكائيل فيقول: اذهب بهذه فاجعلها مع أنفس المؤمنين، حتى أسألك عنها يوم القيامة، ثم يؤمر فيوسع عليه قبره سبعين ذراعا عرضه، وسبعين ذراعا طوله، وينبذ له فيه الرياحين ويستر بالحرير، فإن كان معه شيء من القرآن كفاه نوره، وإن لم يكن معه جعل له في قبره نور مثل نور الشمس، ويكون مثله كمثل العروس ينام فلا يوقظه إلا أحب أهله إليه، قال: فيقوم من نومه كأنه لم يشبع من نومته، وإذا توفي العبد الفاجر أرسل الله إليه ملكين وأرسل بقطعة من نجاد أنتن من كل نتن وأخشن من كل خشن، فيقال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى حميم وعذاب، ورب عليك غضبان، اخرجي وساء ما قدمت لنفسك، فتخرج كأنتن رائحة وجدها أحد بأنفه قط، وعلى أرجاء السماء ملائكة يقولون: قد جاءت من الأرض روح خبيثة، ونسمة خبيثة، فتغلق دونها أبواب السماء، ولا تصعد إلى السماء، ثم يؤمر فيضيق عليه قبره ويرسل عليه حيات أمثال أعناق البخت، فتأكل لحمه حتى لا تذر على عظمه لحما، ويرسل عليه ملائكة صم عمي يضربونه بفطاطيس من حديد لا يسمعون صوته فيرحموه، ولا يبصرونه فيرحموه، ولا يخطئون حين يضربونه، ويعرض عليه مقعده من النار بكرة وعشيّا يدعو بأن يدوم ذلك ولا يخلص إلى النار».
وخرّج أبو عبد الرحمن النسائي بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا احتضر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء فيقولون: اخرجي راضية مرضيّا عنك إلى
[ ١ / ١٤٤ ]
روح وريحان، وربّ راض غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضا حتى يأتوا به باب السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض؟ فيأتون به أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحا من أحدكم بغائبه يقدم عليه، فيسألونه: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ فيقولون: دعوه فإنه كان في غمّ الدنيا. فإذا قال: ما أتاكم؟ قالوا:
ذهب به إلى أمه الهاوية، وإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطا عليك، إلى عذاب الله، فيخرج كأنتن ريح خبيثة، حتى يأتوا به باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح؟ حتى يأتوا به أرواح الكفار» (^١).
وخرّج أبو داود الطيالسي قال: حدّثنا همام بن قتادة، عن أبي الجوزاء، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا قبض العبد المؤمن جاءته ملائكة الرحمة فتسلم وتسلّ نفسه في حريرة بيضاء فيقولون: ما وجدنا ريحا أطيب من هذه. فيسألونه فيقولون: ارفقوا به فإنه خرج من غم الدنيا، فيقولون: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة»؟ قال: «وأما الكافر فتخرج نفسه فتقول خزنة الأرض ما وجدنا ريحا أنتن من هذه فيهبط به إلى أسفل الأرض» (^٢).
_________________
(١) أخرجه النسائي (٤/ ٨) وهو في «الصحيحة» (١٣٠٩)، وقد تقدّم.
(٢) تقدّم تخريجه.
[ ١ / ١٤٥ ]