بعد إعداد المعلم روحيا وخلقيا يوجه الاهتمام إلى إعداده ثقافيًّا وأكاديميًّا وتربويًّا يتضمن الإعداد الثقافي تزويد المعلم بمعرفة شاملة وعامة في الجوانب الأساسية للنشاطات البشرية وبالمعلومات الضرورية التي يحتاج إليها في ميادين المعرفة المختلفة. وتسهم الثقافة العريضة للمعلم في فهم جوانب التقدم الإنساني المختلفة ومعرفة العلاقة بين مادة تخصه والمواد الأخرى، فضلا عن الإسهام في تكوين علائق اجتماعية طيبة بين المثقفين والمهنيين. ولا شك أن الثقافة العامة ضرورية للمعلم لكونه مربيا في عصر ظهرت فيه أهمية وحدة المعرفة. كما أن ثقافة المعلم المتميزة تكسبه ثقة تلاميذه وتساعده على التأثير فيهم بالإضافة إلى الإسهام في توسيع أفقه وإنضاج شخصيته.
ويتضمن الإعداد الأكاديمي دراسة مجموعة المواد التي سيقوم المعلم بتدريسها لطلابه بالإضافة إلى ما يتلقاه المعلم من الدورات العلمية والعملية وما تسفر عنه المؤتمرات التربوية والبحوث. ويعني الإعداد التربوي تزويد المعلم بمهارات فنية وتعليمية وبأصول مهنة التدريس حتى يكون مؤهلًا لمزاولة هذه المهنة.
يجب أن يقوم برنامج إعداد المعلم على أسس علمية وموضوعية قابلة للقياس والتقويم والتأكد من صلاحية المعلمين ومدى قدرتهم على ممارسة مهنة التعليم؛ لأن الدور الريادي الذي يقوم به المعلم هو دور أساسي في تحسين وتطوير القيم الأخلاقية والثقافية وإحراز التقدم الاجتماعي والاقتصادي، فالمعلم من خلال التربية يمكنه أن يستغل قدراته وطاقاته الذهنية في تحقيق هذه الأهداف. وهذا يتطلب أن يكون الغرض من برنامج إعداد المعلمين تطوير العلوم العامة والثقافة الشخصية لكل طالب وزيادة قدراته وإمكاناته التي تتيح له أن يعلم ويثقف الأخرين بكفاءة تامة بالإضافة إلى الوعي بالمبادئ التي تؤكد على العلائق الإنسانية واكتساب
[ ١٤٦ ]
الشعور بالمسئولية تجاه الإسهام في التقدم الاجتماعي والثقافي والاقتصادي عن طريق التدريس وعن طريق القدرة.
وحتى يتسنى تحقيق هذا الغرض يجب أن يتضمن برنامج إعداد المعلمين دراسة في الثقافة العامة، ودراسة المبادئ والعناصر الأساسية في علم النفس وعلم الاجتماع وعلاقتها بالتربية ونظريات التعليم والتربية المقارنة والتربية التجريبية وطرائق تدريس المواد المختلفة، ودراسات تتعلق بموضوعات مادة التربية الإسلامية، تعقبها تدريبات في طرائق التدريس وإدارة النشاطات اللامنهجية تحت إشراف وتعليم معلمين مؤهلين، ولكي يتم تنفيذ هذا البرنامج بكفاءة يجب أن تكون هيئات التدريس في مؤسسات إعداد المعلمين مؤهلة بدرجة كافية للتدريس في مجال تخصصها مع توفير وتأمين تسهيلات وسائل البحوث في هذه المؤسسات وقيام المدرسين والطلبة بأعمال البحوث والوقوف على نتائجها.
إن أهمية الإعداد الأكاديمي تنبثق من واقع الاتساع الكبير في عالم المعرفة في الزمن المعاصر، الذي يتميز بالتخصص الدقيق، وهذا يتطلب أن يتعمق المعلم في مجال تخصصه واستيعاب كل جديد يظهر في هذا الميدان، وهذا شرط أساسي لنجاحه في القيام بدورة كخبير في المادة الدراسية.
وتبرز أهمية الإعداد التربوي من واقع أن المعلم هو العنصر الذي لا غنى عنه في إنجاز العملية التعليمية. فلم تعد غاية التعليم مجرد توصيل المعلومات إلى عقول التلاميذ بل أصبحت -مع تطور الأفكار التربوية- إعداد الإنسان الصالح الذي يمكنه المشاركة بطريقة فعالة مثمرة في حياة مجتمعه. ومن هنا يظهر دور المعلم البارز في الحياة الاجتماعية والثقافية للمجتمع الذي يعيش فيه. فالإعداد التربوي للمعلم يكتسب أهمية كبيرة؛ لأنه يعد المعلم الفاهم لحقيقة العملية التربوية وأهدافها، والقادر على فهم طبيعة التلاميذ وطبيعة المجتمع الذي يعيشون فيه. وهذا يتطلب أن تقدم مؤسسات إعداد المعلمين مقررات تربوية ذات كفاءة وفاعلية تزود
[ ١٤٧ ]
الدارسين بالقدرات والمهارات اللازمة التي تساعدهم على أداء مهامهم التربوية وتنمية قدراتهم واتجاهاتهم والرفع من مستوى كفاءتهم وتزويدهم بالمعلومات والخبرات اللازمة لفهم الاتجاهات الحديثة للتربية وطرائق التدريس، وعمليات إعداد الدروس وإنتاج الوسائل التعليمية وكيفية الاستخدام الأمثل لها. كما يجب أن تشمل تلك المقررات أساليب التنظيم والتخطيط المدرسي، ومشكلات التعليم وأساليب التقويم، وربط تلك المقررات بظروف وواقع البيئة الاجتماعية وبأهداف السياسة العامة للتعليم في أي بلد تتم فيه.
ويجب أيضًا إعداد المعلومات لمواجهة مواقف التدريس، كذا الاهتمام بالتربية العملية والتطبيق الميداني لها لما لها من فائدة كبرى تؤدي إلى اكتسابه الخبرة والمهارة في حياته العملية والمهنية بحيث ترتبط أهداف الإعداد التربوي بالمعطيات النظرية والتطبيقية لعلوم التربية والنفس والاجتماع فتعمل جميعا على تنمية الجانب التربوي للمعلم. ويجب أن تكون هذه متسقة مع تنمية الجانب الثقافي والمعرفي لديه أيضًا.
وإذا كانت التربية هي إعداد النفس والعقل الإنساني معا للتلقي في إطار الدين والخلق والرسالة القائمة، فإن الثقافة هي الثمرة الناضجة التي تمثل الشطر الثالث لبناء الأجيال١ ويقصد بالثقافة الإسلامية الجوانب الخلقية والوجدانية والاجتماعية والفكرية في الثقافة القائمة ذات الطابع الإسلامي. وهذا يعني أن الثقافة الإسلامية استمدت وجودها من منهج القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
وواقع حياتنا اليوم ينبئ بأننا في أشد الحاجة إلى المحافظة على السمات والمقومات الجوهرية للثقافة الإسلامية مع القدرة على الحركة والأخذ والعطاء، فهذه الثقافة الإسلامية تستطيع أن تحقق إسهام البشرية جمعاء في بناء المجتمع الرشيد؛ لأنها تقوم على التكامل بين القوى المختلفة: الروح والمادة، والعقل والوجدان، الدنيا والآخرة، كما أنها تحقق
_________________
(١) ١ أنور الجندي، التربية وبناء الأجيال، مرجع سابق: ص٢١٩.
[ ١٤٨ ]
التوازن والتوائم بين هذه القوى.
وحتى يتسنى رفع مستوى إعداد المعلمين وضمان استمرارهم ونجاحهم وبعيدا عن الاجتهاد الشخصي فإن أي برنامج مستقبلي لإعداد المعلم يجب أن يقوم على أسس علمية وموضوعية قابلة للقياس والتقويم والتأكد من صلاحية المعلمين ومدى قدرتهم على ممارسة ومزاولة تلك المهنة. ولكي يتبوأ المعلم موقعه الأساسي في ميدان المهن الاجتماعية الرفيعة وجب عليه أن يتبع منهجية علمية تتفق وطبيعة مهنته باعتبارها مهنة شريفة وسامية.
إن على مؤسسات إعداد المعلم وتدريبه أن تجري تحليلًا علميًّا دقيقًا لخصائص مهنة التعليم ومتطلباتها، وأن تحدد بدقة المعارف والمعلومات والمهارات والاتجاهات التي يمتلكها المعلم والتي يستطيع من خلالها القيام بالدور الذي تقتضيه مهنة التعليم، ولا ريب أنه إذا توافرت هذه الخصائص في منهجية إعداده فإن من المتوقع أن يكون متفاعلًا مع طلابه قادرا على تحديد الاحتياجات التربوية وتحديد المشكلات والصعوبات التي قد تعترض عمليات التعلم عندهم. وفضلًا عن ذلك تقع على عاتقة مسئولية تصميم البرامج والمشاركة في بناء المناهج والنشاطات التي تتفق ومستوياتهم وفق قدراتهم والفروق الفردية فيما بينهم.
من الثابت أن المعلم له أثر كبير في تربية طلابه، فهو يشكل حياتهم في المستقبل ويجعل منهم لبنات في صرح مجتمع صالح فاضل، وكما ذكرنا آنفا فإن المعلم هو العمود الفقري الذي لا غنى عنه في إنجاز العملية التعليمية، لذا فإن المعلم الذي لم يسبق له الحصول على الإعداد التربوي لا يستطيع أن يوجه العملية التربوية توجيها صحيحًا، حيث إن ذلك يتطلب فهم غاية التعليم والعوامل المختلفة المؤثرة في مسيرته وهو أيضًا لا يستطيع تحريك فاعلية التلاميذ والأخذ بيدهم في طريق النمو إلا إذا فهم طبيعتهم وخصائص نموهم فهما واعيا، كما أنه لا يستطيع إعداد تلاميذ ليكونوا أعضاء نافعين في المجتمع إلا إذا درس حياة الجماعة ومشكلاتها
[ ١٤٩ ]
دراسة متعمقة، فالمعلم له دور فعال في الحياة الاجتماعية والثقافية للمجتمع الذي يعيش فيه.
ويمكن أن تفتح أسس الإسلام في التربية والتعليم الطرق أمام كل أساس صحيح راسخ لبناء تربوي سليم يقوم على الإيمان بالخالق والعمل الصالح في سبيل خدمة الإنسان والبشرية بأسرها، والتواصي بالحق والسعي وراء الحقيقة وتحري المعرفة الصحيحة والمعلومات الدقيقة ونشرها بين الناس، ثم التواصي بالصبر الذي يشمل ضبط النفس والتغلب على الشهوات، فإن ضبط النفس أساس كل سلوك أخلاقي كريم.
والحقل التعليمي في الوقت الحاضر في مسيس الحاجة إلى معلمين صادقين وهداة مخلصين يستمد منهم الطالب عزم الإيمان والنشاط والدافع القوي للعمل المثمر الفعال. ما أحوج تعليمنا اليوم إلى معلمين تربويين أكفاء يزودون الطلاب بالمعرفة الصحيحة ويمدون يد العون لهم، ويدعون إلى الهدى، وينصرون الحق ويدحضون الباطل، فيصبح المعلم والمتعلم في مضمار العلم أخوة متحابين يسعون بدأب إلى تحقيق الهدف المنشود والغاية المرجوة من التربية الإسلامية.
[ ١٥٠ ]