زعم بعض العباد والزهاد الذين قلَّ حظهم من العلم الشرعي أنهم يعبدون الله تعالى لذاته، ولا يعبدونه خوف ناره، ولا رجاء جنته، وخطؤهم من وجوه:
الأول: أنهم خالفوا ما أمر الله تعالى به، فقد أمرنا ربنا ﵎ أن نتقي ناره، ونتقي أهوال يوم القيامة، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا
[ ١١ ]
النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]، وقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسُ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، وقال: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١].
وأخبرنا ربنا - ﷿ - أنه أعدَّ للمتقين جنات النعيم، فقال: ﴿لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: ٢٠]. وقال: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [آل عمران ١٥] وقال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر ٧٣].
فلولا أن الله تعالى يعلم أن ما أطال به الحديث عن الجنة والترغيب فيها، والحديث عن النار، والترهيب منها هو الذي يصلح عباده، لما حدثنا طويلًا عنهما.
الثاني: أن الرسل - ﷺ - والرسل والأنبياء السابقين، وأصحاب رسول الله - ﷺ - فمن بعدهم كانوا جميعًا يطلبون الجنة، ويخافون النار، فقد قال رب العزة محدثًا عن الأنبياء السابقين ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وعندما قال أحد الصحابة للرسول - ﷺ -: والله ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، ولكني أتشهد ثم أقول: «اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار» قال له الرسول - ﷺ -: «حولها ندندن» [مسند الإمام أحمد، ١٥٨٩٨].
فهؤلاء اختطوا طريقًا مخالفًا لطريق الرسل والأنبياء والمؤمنين، وما أسوأ أن يختط العبد طريقًا مخالفًا لطريق هؤلاء على مرّ التاريخ والأزمان وهؤلاء هم الفائزون السعداء الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ
[ ١٢ ]
الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقال فيهم: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣].
الثالث: أن هؤلاء بسبب قلة علمهم ظنوا أن هناك في يوم الدين نعيمًا خارجًا عن الجنة، وأنَّ هناك شقاء خارجًا عن النار، وهذا غير صحيح، فأعظم نعيم أهل الجنة رؤية ربهم ﵎، وأعظم شقاء أهل النار حرمانهم من رؤية الله ﵎.
الرابع: الذين يغفلون عن العبادة طلبًا للجنة، وخوفًا من النار، يضعف عندهم التعبد لله تعالى، فالعبادة رغبًا ورهبًا، تقوِّي الباعث على التعبد، فالمتقون الذين فقهوا عن الله تعالى، يسهرون ليلهم، ويكثرون من الاستغاثة بالله أن يدخلهم جنته، ويقيهم ناره، ﵎، واسمع إلى ما خوَّف الله به عباده، وتدبَّره وانظر أثره في قلبك ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧].
الخامس: التقوى أن نجعل بيننا وبين عذاب الله وقاية من فعل الصالحات وترك السيئات كما في الحديث الذي رواه عدي بن حاتم، قال: قال سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول: «اتقوا النار ولو بشقِّ تمرة» [البخاري: ١٤١٧، مسلم: ١٠١٦].