قيل: "الآل: من حَرُمَتْ عليه الزكاة؛ كبني هاشم، وبني عبد المطلب"، وقيل: "كل تقي آلُه"، وقيل: "جميعُ أمة الإجابة"، وإلى هذا مال مالكٌ على ما ذكره ابن العربي، واختاره الأزهري والنووي في "شرح مسلم".
(كما صليت) "ما" مصدرية، أي: صلاة مثل صلاتك (على إبراهيم، وعلى آل إبراهم) التشبيه ليس من باب إلحاق الناقص بالكامل، بل من باب بيان حال ما لا يعرف بما يعرف، وقيل: "التشبيه متعلق بآل محمد"، وقيل: "لا يشترط أن يكون المشبه به أقوى، بل مجرد المشاركة كفى، والشرط أغلبي".
والمقصود منه: تشبيه الصلاة بالصلاة؛ إما في الكمية، [أو] (^١) في الكيفية، أو غيرهما كالدوام والثبات، فهو من قبيل التشبيه لبيان الحال، أو لبيان الإمكان.
وقال المؤلف: "إن قيل: لا شك أن محمدًا ﷺ أفضل الخلق، فكيف طُلِبَ له من الله الصلاة ما لإبراهيم؟، والأصل أن يكون المشبه به فوق المشبه؟ فهذا سؤال مشهور، أجيب عنه بأجوبة كثيرةٍ ضعيفةٍ، أحسنها
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "و".
[ ٢ / ٧٦٣ ]
أنه ﷺ من آل إبراهيم، فإذا دخل غيره من الأنبياء الذين من ذرية إبراهيم، فدخول محمد ﷺ أولى، فيكون قولنا: "كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" متناولًا للصلاة عليه، وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم، ثم قد أمرنا آل له أن نصلي عليه وعلى آله خصوصًا، بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عمومًا وهو فيهم، فيحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له ﷺ، فيكون قد صلي عليه خصوصًا، وطلب له من الصلاة لآل إبراهيم عمومًا، وهو داخل معهم، ولا شك أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم [وهو] (^١) ﵇ أكمل من الصلاة الحاصلة له دونهم، فيظهر من هذا شرفه وفضله على إبراهيم، وعلى كل آل إبراهيم" (^٢)، انتهى.
ولا يخفى أنه مع بعده غير مستقيم بالروايات التي لم يذكر فيها آل إبراهيم، واقتصر على آل إبراهيم وأريد به إبراهيم، إلا أن يقال: المراد به آل إبراهيم معه، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩].
وعندي أن المشبه به هو صلاة إبراهيم وآل إبراهيم جميعًا، أو صلاة آل إبراهيم من الأنبياء الذين من ذريته، فإنهم لكثرتهم يقوى جانبهم المشبه به في الجملة، وإن كان هو أفضلَ من كل واحد منهم على حدةٍ، والله سبحانه أعلم.
_________________
(١) كذا في "مفتاح الحصن الحصين" وهو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: "وله".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٩/ ب).
[ ٢ / ٧٦٤ ]
(إنك حميدٌ مجيدٌ) تذييل [للكلام] (^١) السابق، وتقرير له على سبيل العموم، أي: إنك حميد فاعل [ما] (^٢) يستوجب الحمد، من النعم المتوالية المتكاثرة، والآلاء المتعاقبة المتواترة، مجيد كريم الإحسان، إلى جميع أفراد الإنسان، ومن محامدك وإحسانِك أن توجه صلاتك على حبيبك نبي الرحمة، وآله أصحاب الهمّة، وسادات الأمّة.
(اللهم بارك على محمد) أي: أثبت له [دوام] (^٣) ما أعطيته من التشريف والكرامة، قاله في "النهاية"، (وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. ع) أي: رواه الجماعة عن كعب بن عجرة، وهو أصح ألفاظ الصلاة، وأفضلها وأكملها، فينبغي المحافظة عليها في الصلاة وغيرها.
(اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم) وفي "أصل الجلال": "على آل إبراهيم" (إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم) وفي "نسخة الجلال": "على آل إبراهيم".
واعلم أن على هذه الرواية يدخل إبراهيم في الصلاة دخولًا أوليًّا أصليًّا كما أشرنا إليه، لأنه الأصل المستتبع لسائر آله، فإن الآل إذا ذكر مضافًا
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ): "للإكلام"، وفي (ب): "الكلام".
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "لما".
(٣) كذا في (أ) و(د)، وفي (ب): "ودوام"، وفي (ج): "وأدم".
[ ٢ / ٧٦٥ ]
إلى من هو له، ولم يذكر من هو له معه مفرد أيضًا، يتناوله الأول كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وكما يدل عليه ما في "الصحيحين" عن عبد الله بن أبي أوفى: "أن أباه أتى النبي ﷺ عليه بصدقة، فقال: اللهم صلِّ على آل أبي أوفى" (^١)، ومن المعلوم أن أبا أوفى هو المقصود بالذات بهذا الدعاء".
(إنك حميد) فعيل من الحمد، بمعنى: المحمود، وأبلغ منه، وهو من حصل له صفات الحمد كلها، وقيل: "هو بمعنى الحامد، أي: يحمد أفعال عباده".
(مجيد) فعيل من المجد، وهو صفة من كَمُلَ في الشرف، وهو مستلزم للعظمة والجلال، كما أن الحمد يدل على صفة الإكرام والجمال، [و] (^٢) مناسبة ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين العظيمين أن المطلوب تكريم الله لنبيه، وثناؤه عليه، والتنويه به، وزيادة تقريبه، وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد، ففي ذلك إشارة إلى أنه كالتعليل للمطلوب، أو هو كالتذييل له.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨)، وأبو داود (١٥٩٠)، والنسائي (٥/ ٣١)، وابن ماجه (١٧٩٥).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "أو".
[ ٢ / ٧٦٦ ]
(خ، م، س) أي رواه: البخاري ومسلم والنسائي، عن كعب أيضًا (^١).
(اللهم صلِّ على محمد، وآل محمد، كما صليت على آل إبراهيم) قيل: "الآل مقحم"، وقيل: "المراد: هو وآله" كما قدمناه، (إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد. خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي؛ كلاهما عن كعب أيضًا.
(اللهم صلِّ على محمد وأزواجه) وفي رواية مسلم: "وعلى أزواجه" أي: أمهات المؤمنين، وهو جمع زوج، ويقال للمرأة: زوج الرجل كعكسه، قال تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وأما جمع الزوجة فزوجات.
(وذريته) في "الصراح": "هي بالضم والتشديدين، نسل الثقلين"، وفي "الصحاح": "ذرأ الله الخلق يذرؤهم: خلقهم، ومنه الذرية. إلا أن العرب تركت همزها، والجمع ذراري"، وفي "الْمُغْرِب": "ذرية الرجل: أولاده، يكون واحدًا وجمعًا".
(كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه) وفي رواية مسلم: "وعلى أزواجه" (وذريته كما باركت على آل إبراهيم. خ، م، د، س، ق، حب) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦)، وأبو داود (٩٧٦)، (٩٧٧)، والترمذي (٤٨٣)، والنسائي (٣/ ٤٧)، وابن ماجه (٩٠٤).
[ ٢ / ٧٦٧ ]
ماجه، وابن حبان، عن أبي حميد الساعدي (^١).
(إنك حميد مجيد. م) أي: رواه مسلم عنه أيضًا.
(اللهم صلِّ على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم. خ، س، ق) أي رواه: البخاري، والنسائي، وابن ماجه، كلهم عن أبي سعيد الخدري (^٢).
(اللهم صلِّ على محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم. خ) أي: رواه البخاري عنه أيضًا.
(اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين) الأصح أن المراد به أصناف الخلق، فإن العالم ما سوى الله، وإنما جمع ليعم الأنواع ويشمل الأصناف، وغلب فيه العقلاء لشرفهم، وقيل: "ما حواه بطن الفلك"، وقيل: "كل محدث فيه"، وقيل: "مختص بالعقلاء"، وقيل: "المراد به الجن والإنس"، (إنك حميد مجيد. م، د، ت،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٧٩٧)، (٦٣٥٧)، ومسلم (٤٠٧)، وأبو داود (٩٧٩)، وأشار الترمذي إلى حديث أبي حميد تحت الحديث السابق وقال: وفي الباب عن أبي حميد … والنسائي (٣/ ٤٩)، وابن ماجه (٩٠٥).
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٥٨)، والنسائي (٣/ ٤٩).
[ ٢ / ٧٦٨ ]
س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، كلهم عن أبي مسعود الأنصاري (^١).
(على محمد) وفي نسخة: "اللهم صلِّ على محمد" (النبي الأمي) منسوب إلى أمة العرب، وهي لم تكن تكتب ولا تقرأ، فاستعير من لا يعرف الكتابة والقراءة، كذا في "الْمُغْرِب"، والمراد نفي الكتابة والقراءة غالبًا، وقيل: "منسوب إلى مكة، لأنها أم القرى"، أي: أصلها وعمدتها وبركتها، وقيل: "منسوب إلى الأم"، أي: مثل ما خرج من بطن الأم، لم يتعلم القراءة والكتابة، (وعلى آل محمد. د، س) أي رواه: أبو داود، والنسائي عنه أيضًا، لكن بزيادة: "النبي الأمي".
(كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد. س) أي: رواه النسائي أيضًا عنه، فللنسائي روايتان، فهو مختص ببعض الزيادة في هذه الرواية.
(اللهم صلِّ على محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد. ر) أي: رواه البزار عن أبي هريرة (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤٠٥)، وأبو داود (٩٧٩)، والترمذي (٣٢٢٠)، والنسائي (٣/ ٤٧).
(٢) أخرجه البزار (٨١٥٤) وقال: وهذا اللفظ لا نحفظه إلا من حديث داود عن نعيم، عن أبي هريرة.
[ ٢ / ٧٦٩ ]
(أقبل رجل حتى جلس بين يدي رسول الله ﵇، ونحن) أي: [معشر] (^١) الصحابة (عنده) أي: عند النبي ﵇، والجملة [حالية] (^٢) معترضة (فقال: يا رسول الله، أما السلام عليك، فقد عرفناه) أي: بواسطة تعليمك إيانا كيف السلام عليك، أي: لفظه، أو طريقه، قال البيهقي: "إشارة إلى السلام الذي في التشهد"، انتهى (^٣).
وحكى ابن عبد البر احتمالًا آخر، وهو أن المراد به السلام الذي يتحلل به من الصلاة، وقال: "الأول أظهر".
أقول: ويحتمل أن المعنى: عرفناه بالسلام المتعارف، وهو قوله: "السلام عليك"؛ لأنه أقل السلام المعتبر، وأما زيادة "أيها النبي ورحمة الله وبركاته" فمن خَصوصيات التشهد، وكأنه استفسر عن معنى قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فإن معرفة صيغة السلام ظاهرة، بخلاف صيغة الصلاة فإنها مبهمة غير معينة؛ ولذا قال: (فكيف نصلي عليك؟) فإنه يحتمل احتمالات من الصلاة عليك على طبق السلام عليك، أو صلى الله عليك على إرادة
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "معاشر".
(٢) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب) و(د): "حال".
(٣) السنن الكبرى (٢/ ١٧٤) وعنده: وقوله في الحديث: قد علمنا كيف نسلم إشارة إلى السلام على النبي ﷺ في التشهد، فقوله: فكيف نصلي عليك أيضا؟ يكون المراد به في القعود للتشهد.
[ ٢ / ٧٧٠ ]
الإنشاء، أو قصد الدعاء، أو غير ذلك.
(إذا نحن صلينا) أي: إذا أردنا أن نصلي (عليك في صلاتنا) أي: خصوصًا، فإنه وسيلة إلى قبول القربة، [تمام] (^١) الطاعة، وكمال العبادة، ثم رأيت ميرك نقل عن العسقلاني أنه قال: "واختلف في المراد بقوله: "كيف"، فقيل: "المراد بالسؤال عن الصلاة المأمور بها، وبأي لفظ تؤدى"، وقيل: "عن صفتها"".
وقال القاضي عياض: "لما كان لفظ الصلاة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيهِ﴾ يحتمل الرحمة والدعاء والتعظيم، فسألوا بأي لفظ تؤدى؟ هكذا قال بعض المشايخ، ورجح الباجي أن السؤال إنما وقع عن صفتها لا عن جنسها، وهو أظهر؛ لأن "كيف" ظاهرٌ في الصفة، وأما الجنس فيسأل بلفظ "ما"، وبه جزم القرطبي" (^٢).
(قال) أي: الراوي، وهو أبو مسعود الأنصاري: (فصَمَتَ) أي: سكت النبي ﵇ (حتى أحببنا) أي: تمنينا (أن الرجل لم يسأله)، وإنما أحبوا ذلك خشية أن يكون لم يعجبه ذلك السؤال، لما تقرر عندهم من النهي عن ذلك، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] ذكره ميرك عن العسقلاني.
_________________
(١) كذا في (ج)، وفي (أ): "والتمام"، وفي (ب): "وطعام"، وفي (د): "إتمام".
(٢) هذا كلام الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ١٥٥) وراجع: القول البديع في الصلاة على الحبيب للسخاوي (ص: ٧٦).
[ ٢ / ٧٧١ ]
والأظهر أن تمنيهم لخوف [تعنيه] (^١) ﷺ في الاحتياج إلى التأمل، إن كان يعمل بالاجتهاد، أو بالتوجه والانتظار للوحي، أو لفوت ما كانوا يستفيدون منه ﷺ فوائد غزيرة وفرائد كثيرة، فاتتهم بسبب هذا السؤال، والله أعلم بالحال.
(قال) وفي رواية الحاكم: "ثم قال": (إذا صليتم علي، فقولوا) وهو أمر استحباب في الصلاة عند الجمهور خلافًا للشافعي، وفي رواية عند الطبري: "فسكت حتى جاء الوحي، فقال: تقولون": (اللهم صلِّ على محمد)، وفيه إيماء إلى عجز الخلق عن حقيقة التصلية لديه، ولذا طلبوا من الله الصلاة عليه، وأحالوا الأمر العظيم إليه، (النبي الأمي وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. حب، مس، أ) أي رواه: ابن حبان، والحاكم، وأحمد، عن أبي مسعود الأنصاري البدري (^٢).
(من سرَّهُ) أي: أحبه وأعجبه (أن يكتال) على صيغة المجهول من
_________________
(١) كذا في (أ) و(د)، وفي (ب): "يقينه"، وفي (ج): "تعنينه".
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ١١٩)، وابن حبان (١٩٥٩)، والدارقطني (١/ ٣٥٤)، والبيهقي (٢/ ٣٧٨)، وقال الدارقطني والبيهقي: هذا إسناد حسن متصل. وابن أبي شيبة (٨٦٣٥)، وعبد بن حميد (٢٣٤)، وابن خزيمة (٧١١)، والحاكم (١/ ٤٠١) وقال: صحيح على شرط مسلم.
[ ٢ / ٧٧٢ ]
الاكتيال، وروي بصيغة المعلوم (بالمكيال الأوفى) هو عبارة عن نيل الثواب الوافر، وعن حصول الأجر المتكاثر، (إذا صلى علينا أهل البيت) منصوب بفعل تقديره: أعني أهلَ البيت، ويجوز الجر على أنه بدل من الضمير المجرور في "علينا"، أو عطف بيان، ثم قوله: "إذا" شرط، جزاؤه: (فليقل)، والشرط والجزاء جواب الشرط الأول.
(اللهم صلِّ على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين) صفة كاشفة أو احترازية، لتخرج من اختارت الدنيا، فكانت تلتقط البعرة في طرق المدينة، (وذريته) أي: أولاده وأولاد بناته، (وأهل بيته) تعميم بعد تخصيص، ودخل فيه مواليه، ومن المحكي الغريب ما حكى الخطيب أنه دخل يحيى بن معاذ على علوي ببلخ أو بالريِّ زائرًا له ومسلّمًا عليه، فقال العلوي ليحيى: ما تقول فينا أهل البيت؟ فقال: ما أقول في طين عجن بماء الوحي، وغرست فيه شجرة النبوة، وسقي بماء الرسالة، فهل يفوح منه إلا مسك الهدى، وعنبر التقوى؟ فقال العلوي ليحيى: إن زرتنا فبفضلك، وإن زرناك فلفضلك، فلك الفضل زائرًا ومزورًا".
ومن اللطائف لبعض الظرفاء أنه قال له بعض الشرفاء، ممن كان متلطخًا بالمعاصي وأنواع الجفاء: "يجب عليك أن تصلي علينا أهل البيت، فقال: أنا أقول: على أهل بيته الطيبين الطاهرين".
(كما صليت على آل إبراهيم) وفي نسخة: "على إبراهيم" ويؤيده ما في "سلاح المؤمنين"، فالمعنى: صلِّ على كل منهم، كما صليت على
[ ٢ / ٧٧٣ ]
إبراهيم، (إنك حميد مجيد. د) أي: رواه أبو داود عن أبي هريرة (^١).
(من صلى على محمد، وقال: اللهم أنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة، وجبت له شفاعتي) أي: ثبتت وحلّت، ثم وصف المقعد بالمقرب باعتبار أن كل من كان فيه فهو مقرب عند الله، فهو من قبيل وصف المكان بوصف المتمكن فيه.
فعلى هذا "المقرب" اسم مفعول، ولا يبعد أن يوصف المكان بالقرب مبالغةً، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩] بمعنى مؤلَم بفتح اللام، ويجوز أن يكون اسم مكان، أي: مُقْعَدٌ هُوَ مَكَان التَّقْرِيبِ والقرب عنده، ولعله مقتبس من قوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥].
ثم قيل: "هو المقام المحمود"، وقيل: "جلوسه على العرش، أو الكرسي"، وقيل: "لرسول الله ﷺ مقامان:
أحدهما: مقام حلول الشفاعة، والوقوف على يمين الرحمن، حيث يغبطه الأولون والآخرون.
وثانيهما: مقعده في الجنة، ومنزله الذي لا منزل بعده". وهذا المعنى هو الأنسب في هذا المقام، لوجود نظيره من سؤال الوسيلة كما تقدم، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٩٨٢)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ١٥١). وفي شعب الإيمان (١٥٠٤) وهذا إسناد ضعيف، فيه: حبان بن يسار الكلابي أبو رويحة ويقال أبو روح البصري قال الحافظ: "صدوق اختلط". "التقريب" (١٠٧٩).
[ ٢ / ٧٧٤ ]
(ر، ط، طس) أي رواه: البزار، والطبراني في " الكبير"، و" الأوسط" معًا، عن رويفع بن ثابت (^١).
(ثم ليتخير) أي: ليختر (من الدعاء) أي: جنسه، ويستثنى منه ما يسأل من الناس، فإنه لو قال في صلاته: أعطني مالًا ونحوه، بطلت صلاته عند علمائنا الحنفية، أو من الدعاء المأثور (أعجبه) أي: أحسنه (إليه) أو أيسره عليه (فيدعو. خ) أي: رواه البخاري عن ابن مسعود (^٢).
قال ميرك: "وفي رواية مسلم: "ثم ليتخير من المسألة ما شاء"، وفيه جواز الدعاء ما شاء دينيًّا ودنيويًّا في الصلاة، سواء شابه ألفاظ القرآن والأدعية، أم لا".
قال الشافعي: "يجوز الدعاء في الصلاة بما شاء من أمر الدنيا والآخرة، ما لم يكن إثمًا، قال ابن عمر: "إني لأدعو في صلاتي حتى بشعير حماري، ومِلح بيتي".
وقال [الحنفي] (^٣): "يدعو بما شابه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة"، انتهى.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ١٠٨) والبزار (٢٣١٥)، وابن قانع (١/ ٢١٧)، والطبراني في الكبير (٥/ ٢٥)، رقم (٤٤٨٠)، والطبراني في الأوسط (٣٢٨٥). قال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الأوسط والكبير وأسانيدهم حسنة (مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٣) والحديث في "ضعيف الترغيب" (١٠٣٨).
(٢) أخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢).
(٣) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "الحنفية".
[ ٢ / ٧٧٥ ]
ولا دلالة لأثر ابن عمر على المُدَّعَى، فإن الظاهر منه أنه كان يطلب تيسير الشعير والملح منه تعالى، لا نفسهما على طريق خرق العادة، فهذا لا ينافي ما قاله علماؤنا، من أنه لو قال: "اللهم أعطني شعيرًا أو ملحًا بطلت صلاته"؛ لأنه من جنس كلام الناس.
ومثله مبطل وإن كان بلفظ الذكر، كما إذا قيل له: "جاء فلان" فقال: "الحمد لله"، [أو] (^١) "مات فلان"، فقال: "إنا لله"، وأمثال ذلك حيث ينقلب الذكر من موضوعه المعنوي إلن الجواب الإنساني، والخطاب النوعي الحدثاني لقصده الجواب، ونظيره جواز تكلم الجنب والحائض بالآية القرآنية، لا على قصد القراءة.
(وليستعذ) أي: إذا فرغ أحدكم من التشهد، والصلاة على النبي ﷺ، (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم) أي: وما يؤدي إليه، (ومن عذاب القبر) أي: من أنواعه وأسبابه، (ومن فتنة المحيا) أي: الحياة أو زمانها، من الابتلاء مع زوال الصبر والرضا، والوقوع في الآفات، والإصرار على الفساد، (والممات) أي: الموت أو وقته، من حالة النزع ووقت سكرات الموت ومنكراته، أو زمان تحققه من سؤال منكر ونكير، مع الحيرة والخوف، والدهشة والغربة، وضيق القبر والشدة.
(ومن شر فتنة المسيح الدجال) هذا عطف خاص على عام، يدل على عظمة فتنته وقوة بليته، ويمكن أن يكون كناية عن الكفر في حال الحياة
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "و".
[ ٢ / ٧٧٦ ]
أو الممات؛ لأنها نتيجة فتنته، وزبدة بليته، ولا شك أنها أعظم الفتن وأقوى المحن، [فحقيق] (^١) بأن يختم الدعاء به [ليحصل] (^٢) حسن الخاتمة بسببه.
ثم المسيح مخففًا يطلق على الدجال، وعلى عيسى ابن مريم ﵉، لكن إذا أريد به الدجال قيد به، وقال أبو داود: "المسيح مشددًا الدجال، ومخففًا عيسى"، والأول هو المشهور، وقيل: "بالتشديد والتخفيف واحد، يقال لكليهما".
واختلف في تلقيب الدجال به، فقيل: "لأنه ممسوح العين؛ لأن عينه الواحدة ممسوحة"، وقيل: "لأن أحد شقي وجهه خلق ممسوحًا، لا عين ولا حاجب فيه"، أو: "لأنه ممسوح من كل خيرٍ"، أي: مبعود ومطرود، فعلى هذا هو فعيل بمعنى المفعول.
وقال أبو الهيثم: "إنه المسيح بوزن السكيت، وإنه الذي مسح خلقه"، أي: شوه وليس بشيء، قاله في "النهاية"، وقيل: "هو فعيل بمعنى الفاعل؛ لأنه الذي يمسح الأرض إذا خرج"، أي: يقطعها في أيام معدودة، وقيل: "هو المسيخ بالخاء المعجمة، بمعنى: الممسوخ" (^٣).
وأما عيسى ﵇ فسمي بذلك؛ لأنه خرج من بطن أمه وهو ممسوح
_________________
(١) هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: "فحقيقة".
(٢) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج): "ليحس"، وفي (د): "فيحصل".
(٣) النهاية (٢/ ١٠٢).
[ ٢ / ٧٧٧ ]
بالدهن، وقيل: "لأن زكريا ﵇ مسحه"، أو: "لأنه كان لا يمسح مريضًا إلا [يبرأ] (^١) "، أو: كان يمسح الأرض، أي: يقطعها، أو: للبسه المسوح جمع المِسْحِ، وهو البلاس، أو: "لأنه بالعبرانية: شيخًا على ما في "النهاية" - فعرب بالمسيح، أو: "لأن المسيح الصديق".
وقال العسقلاني: "قد تكرر ذكر الدجال في الحديث، وهو الذي يظهر في آخر الزمان يَدَّعي الإِلهيَّة، وفَعَّال من أبنية المبالغة، أي: يكثر منه الكذب والتدليس، والخلط والتلبيس".
(م، عه، حب) أي رواه: مسلم، والأربعة، وابن حبان، عن أبي هريرة (^٢).
ثم اعلم أن هذا الحديث وسائر الأحاديث الَاتية، يدل على استحباب التعوذ بين التشهد الأخير والتسليم، وقال بعض رواة هذا الحديث بوجوب هذا الدعاء، لما ورد في حديثه بلفظ "قل"، أو: "فليقل"، والأصل في الأمر الوجوب، وكان أمر ولده أن يعيد صلاته التي صلاها بغير هذا التعوذ.
(اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال) الواو لمطلق الجمع، فلا يراد أنه قبل الموت، أو يراد من عذاب القبر ما يوجبه ويحصل بسببه، (وأعوذ بك من فتنة المحيا
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "برأ".
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٣٧)، ومسلم (٥٨٨)، وأبو داود (٩٨٣)، والنسائي (٣/ ٥٨)، وابن حبان (١٩٦٧).
[ ٢ / ٧٧٨ ]
والممات) تعميم بعد تخصيص، على سبيل اللف والنشر الغير المرتب؛ لأن عذاب القبر دخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجال دخلت تحت فتنة الحياة.
قال ابن دقيق العيد (^١): "فتنة المحيا: ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا، والشهوات والجهالات، والمحن والبليات، وأعظمها - والعياذ بالله - أمر الخاتمة عند الموت.
ثم فتنة الموت يجوز أن يراد بها شدة السكرات عند الموت، أضيفت إليه لقربها منه، ويجوز أن يراد بفتنة الممات فتنة القبر، وقد صح في حديث أسماء: "إنكم تفتنون في قبوركم مثل - أو قريبًا - من فتنة الدجال"، فلا يكون مع ذلك مكررًا مع قوله: "عذاب القبر"، لأن عذاب القبر مرتب على الفتنة، والسبب غير المسبب.
وقد أخرج الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، عن سفيان الثوري: "أن الميت إذا سئل في القبر من ربك؟ بدا له الشيطان فيشير إلى نفسه، أي: أنا ربك"، ولهذا ورد السؤال بالتثبيت له حين يسأل، ثم أخرج بسنده إلى عمرو بن مرة، قال: "كانوا يستحبون إذا وضع الميت في القبر أن يقولوا: اللهم أعذه من الشيطان"، قال ميرك: "وإسناده جيد"، انتهى (^٢).
لكن فيه بحث من حيث إنه بعد الموت على الإسلام، هل يتصور
_________________
(١) إحكام الأحكام (١/ ٣١١).
(٢) أخرجه الحكيم في نوادر الأصول (١٣٢٠).
[ ٢ / ٧٧٩ ]
إغواء الشيطان، ويعتبر حينئذٍ إضلاله؟.
هذا، وقال القاضي عياض: "استعاذته ﷺ من الأمور المذكورة التي قد عصم منها، إنما هو ليلتزم خوف الله، والافتقار إليه، وليقتدي به الأمة، وليبين لهم صفة الدعاء في الجملة" (^١).
(اللهم إني أعوذ بك من المأثم) مصدر أثم الرجل يأثم، والمراد الأمر الذي يأثم به الإنسان، أو الإثم نفسه، أوما فيه الإثم، (والمغرم) وهو والغرم والغرامة واحد، والمراد: الدين الذي استدين به فيما يكرهه الله، أو فيما يجوز ثم يعجز عن أدائه، وأما الدين المحتاج إليه وهو قادر على أدائه فلا استعاذة، وقيل: "المراد [بالمغرم] (^٢): ما يلزم الإنسان أداؤه بسبب جناية، أو معاملة، ونحوهما". وبالجملة، الأول: إشارة إلى حق الله، والثاني: إلى حق العباد.
(خ، م، د، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن عائشة (^٣).
(اللهم اغفر لي ما قدمت) أي: قدمته من الأعمال السيئة، (وما أخرت) أي: من الأعمال السيئة التي تبقى آثارها، أوما أخرت بأن
_________________
(١) شرح مسلم (٥/ ٨٩).
(٢) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب) و(د): "بالغرم".
(٣) أخرجه البخاري (٨٣٢)، ومسلم (٥٨٩) وأبو داود (٨٨٠)، والنسائي (٣/ ٥٦ - ٥٧).
[ ٢ / ٧٨٠ ]
تركت أفعالها من الأعمال الواجبة، (وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت) أي: على نفسي بارتكاب المعاصي القاصرة أو المظالم المتعدية، وهو تعميم بعد تخصيص] (وما أنت أعلم به مني) تذييل وتتميم، أو إيماء إلى أنه ربما يظن العامل أنه يعمل حسنًا، ويكون في الحقيقة [سوءًا] (^١).
(أنت المقدم) أي: من تشاء بالتوفيق والمعونة، (وأنت المؤخر) أي: من تشاء بالخذلان وترك النصرة، (لا إله إلا أنت. م، د، ت، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن علي (^٢) ﵁.
(اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا) وفي رواية مسلم بالموحدة، قال النووي في "الأذكار": "ضبطناه "ظلمًا كثيرًا" بالثاء المثلثة في معظم الروايات، وفي بعض روايات مسلم: "كبيرًا" بالباء الموحدة، وكلاهما حسن، فينبغي أن يجمع بينهما فيقول: ظلمًا كثيرًا كبيرًا".
وأقول: الأظهر أن يقول مرة: "كبيرًا" بالموحدة، و"كثيرًا" بالمثلثة؛ لأنه الملائم للروايتين على قياس القراءتين؛ ولأن الظلم الكبير هو الشرك، وهو ﷺ[مصونٌ] (^٣) عنه إجماعًا، وكذا راوي الحديث المتعلم
_________________
(١) كذا في (ج) وهو الأليق بالسياق، وفي (أ) و(ب) و(د): "سواء".
(٢) أخرجه مسلم (٧٧١) وأبو داود (٧٦٠)، والترمذي (٣٤٤٢)، والنسائي (١٢٩ - ١٣٠).
(٣) هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ: "مصان".
[ ٢ / ٧٨١ ]
منه، وهو الصديق الأكبر ﵁، اللهم إلا أن يراد بالكبير واحد الكبائر، ومع هذا يناسب الكثير الداخل فيه الكبير.
قوله: (ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك) أي: مغفرة كاملة ناشئة من عندك، بلا مدخلية غيرك فيها، وهذا كناية عن نهاية العناية، (وارحمني) أي: بعده المغفرة، بتوفيق الطاعة، والعصمة عن المعصية، (إنك أنت الغفور الرحيم) قال ميرك: "دل تنكير المغفرة على أنه غفران لا يكتنه كنهه، ثم وصف بكونه "من عندك" على مزيد ذلك التعظيم، لأن ما يكون من عنده لا يحيط به وصف الواصفين، كقوله تعالى: ﴿لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٦٧].
وهذا الدعاء من الجوامع؛ لأن فيه الاعتراف بغاية التقصير، وطلب غاية الإنعام، فالمغفرة ستر الذنوب ومحوها، والرحمة إيصال الخيرات، ففي الأول طلب الزحزحة عن النار، وفي الثاني طلب إدخال الجنة، وهذا هو الفوز العظيم.
(خ، م، ت، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن أبي بكر الصديق (^١) ﵁.
(اللهم إني أسألك، يا ألله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤًا أحد) سبق مبنًى ومعنًى، (أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٠٧٥)، والترمذي (٣٥٣١)، والنسائي (٣/ ٥٣)، وابن ماجه (٣٨٣٥).
[ ٢ / ٧٨٢ ]
الرحيم. د، س، مس) أي رواه: أبو داود، والنسائي، والحاكم، عن محجن بن الأدرع الأسلمي: "أن رسول الله ﷺ دخل المسجد، فإذا هو برجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد فقال: اللهم إني أسألك يا ألله الأحد، … إلى آخره، فقال رسول الله ﷺ: قد غفر له، ثلاثًا" (^١).
(اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا) أي: سهلًا، إيماء إلى قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٩٨٥)، والنسائي (٣/ ٥٢) وأحمد في "المسند" (٤/ ٣٣٨)، والحاكم (١/ ٢٦٧) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وذكره ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ١٩٥/ ٢٠٨٢): سألت أبي عن حديث رواه مالك بن مغول عن ابن بريدة عن أبيه ان النبي دخل المسجد فاذا رجل يقول يا الله الواحد الصمد فذكر الحديث قال أبي رواه عبد الوارث عن حسين المعلم عن ابن بريدة عن حنظلة بن علي عن محجن بن الأدرع عن النبي وحديث عبد الوارث أشبه قال أبي روى أبو إسحاق الهمداني عن مالك بن مغول هذا الحديث قال أبو محمد وروى الثوري عن مالك بن مغول هذا الحديث. ورواية مالك بن مغول عن ابن بريدة عن أبيه: قال زيد بن الحباب: فحدثت زهير بن معاوية بعد ذلك بسنين، فقال: حدثني أبو إسحاق، عن مالك بن مغول بهذا الحديث بعينه. قال زيد بن الحباب: وأخبرنا سفيان الثوري به، عن مالك بن مغول. وقال ابن منده: ورواه إسماعيل بن مسلم البصري، وعبد الوارث بن سعيد، عن محمد بن جحادة، عن ابن بريدة، عن أبيه، وقال عبد الوارث، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن حنظلة بن علي بن محجن بن الأدرع.
[ ٢ / ٧٨٣ ]
مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٧، ٨].
(مس) أي: رواه الحاكم عن عائشة (^١).
(اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات. م) أي: رواه مسلم عن ابن عباس (^٢): "كان يعلمهم هذا الدعاء، كما كان يعلمهم السورة"، وقد تقدم أن بعض العلماء قال بوجوب هذا الدعاء.
(وليقل: اللهم إني) على ما في النسخ المصححة، (أسألك من الخير كله) بالجر تأكيدًا، أي: جميعه، وفي نسخة بنصبه؛ على تقدير: أعني، أو تأكيد بناء على محل "من الخير" فإنه مفعول، ومبين لقوله: (ما علمت منه، وما لم أعلم).
وأما ما قال الحنفي من: "أنه منصوب على أنه مفعول "أسألك"، فعلى هذا "ما علمت منه وما لم أعلم" بدل منه " فمحل بحثٍ؛ إذ يبقى حل
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦/ ٤٨)، والحاكم (١/ ٢٥٥ و٤/ ٢٤٩ - ٢٥٠) من طريق محمد بن إسحاق قال: ثني عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير عن عباد بن عبد الله بن الزبير عنها. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم" ووافقه الذهبي. قال الشيخ الألباني (في أصل صفة صلاة النبي ٣/ ١٠٠٧): وهذا إسناد جيد. وقول الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". ووافقه الذهبي. ليس بصحيح.
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٣٧)، (٤٩٣٩)، ومسلم (٢٨٧٦) والحاكم (١/ ٥٧).
[ ٢ / ٧٨٤ ]
الكلام "أسألك من الخير [كلّ] (^١) الخير ما علمت، فالخير ما اخترناه.
(اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبادك الصالحون) أي: من الأنبياء والأولياء، (وأعوذ بك من شر ما عاذ منه عبادك الصالحون، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً) أي: طاعةً، أو قناعةً، أو عافيةً، وقد يراد بالنكرة العموم، ولو في الكلام المثبت نحو قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤]، (وفي الآخرة حسنةً) أي: مغفرةً ورحمةً، وشفاعةً وفوزًا، ونجاةً وجنةً عاليةً، ومنزلةً غاليةً.
(وقنا عذاب النار) أي: احفظنا منها ومما يقرب إليها، وسمعت سيدنا [وسندنا] (^٢)، زبدة العلماء، وعمدة الصلحاء مولانا زكريا، أنه نقل عن شيخه القطب الرباني، الشيخ أبي الحسن البكري، قدس الله سره السري: "إن في هذه الآية ثلاث مئة من الأقوال للمفسرين والعلماء المعتبرين، وأحسنها: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾، أي: اتباع الأَوْلى، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ أي: الرفيق الأعلى، ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] أي: حجاب المولى".
(ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا) أي: الماضية والآتية، (وقنا عذاب النار، ربنا آتنا) وفي نسخة: "وآتنا"، وهي الموافقة لما في التنزيل، (ما
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب) و(د): "كل".
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "ومولانا".
[ ٢ / ٧٨٥ ]
وعدتنا على رسلك) أي: ألسنتهم، أو ما وعدتنا على تصديق رسلك من الثواب] (ولا تخزنا) أي: بأن تعصمنا عما يقتضي الإخزاء، أو بأن تدخلنا في النار للخلود، (يوم القيامة) أي: يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه، وقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي: "أن العار والخزية [تبلغ] (^١) من ابن آدم في القيامة بين يدي الله تعالى، ما يتمنى العبد أن يؤمر به إلى النار" (^٢)، وقال بعض العارفين: "لا تخزنا بأعمالنا، وعد بفضلك ورحمتك علينا".
(إنك لا تخلف الميعاد) أي: بقولك: "سبقت رحمتي غضبي"، وقال البيضاوي: "أي: بإثابة المؤمن، وإجابة الداعي"، وعن ابن عباس: "الميعاد: البعث بعد الموت".
وتكرار "ربنا" للمبالغة في الابتهال، والدلالة على استقلال المطالب وعلو شأنها، وفي الآثار: "من حَزَبَهُ أمرٌ فقال خمس مرات: ربنا، أنجاه الله
_________________
(١) كذا في (ب) و(د)، وفي (أ) و(ج): "يبلغ".
(٢) انظر: مسند أبي يعلى (رقم: ١٧٧٦) وفيه: التخزية، وأخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ١٣) وقال ابن طاهر: رواه الفضل بن عيسى الرقاشي: عن ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله. والفضل ضعيف (ذخيرة الحفاظ ٩٠٥)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة (٧٧٢٦/ ١): رواه أبو يعلى بسند ضعيف؟ لضعف الفضل بن عيسى بن أبان الواعظ، وقال الألباني: ضعيف جدًّا. السلسلة الضعيفة (٥٠١١).
[ ٢ / ٧٨٦ ]
مما يخاف" (^١)، أقول: ولعله مقتبس من تكرار "ربنا" في آخر آل عمران خمس مرات متواليات، ثم تعقيبه بقوله سبحانه: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
(مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة من قول ابن مسعود موقوفًا (^٢).
_________________
(١) عزاه الرازي إلى جعفر الصادق انظر: "تفسير الرازي" (٩/ ١٢).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٨٦٨).
[ ٢ / ٧٨٧ ]