وجاءت الأحاديث تدل على خشوع النبي - ﷺ - وتأثُّره بقراءة القرآن الكريم ومن ذلك ما يأتي:
١ - أَمَرَ النبيُّ - ﷺ - أن يُقرأ عليه القرآن فبكى، فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «اقرأ عليَّ القرآن»،قال: فقلت: يا رسول الله أأقرأ عليك وعليك أُنزِلَ؟ فقال: «إني أشتهي أن أسمعه من غيري»، وفي لفظ للبخاري: «فإني أحب أن أسمعه من غيري»، فقرأت عليه النساء حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾ (٣)، وفي لفظ للبخاري: «فقال حسبك الآن»، فرفعت رأسي، أو غمزني رجلٌ فرفعت رأسي، فرأيت دموعه تسيل»، وفي لفظ للبخاري: «فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان» (٤).
_________________
(١) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الحزن والبكاء، برقم ٤١٩٢، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٣٦٩.
(٢) مسلم، كتاب التفسير، باب في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾، برقم ٣٠٢٧. والآية رقم ١٦ من سورة الحديد
(٣) سورة النساء الآية: ٤١.
(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾، برقم ٤٥٨٢، وكتاب فضائل القرآن، باب من أحب أن يسمع القرآن من غيره، برقم ٥٠٤٩، وباب قول المقرئ للقارئ: حسبك، برقم ٥٠٥٠، وباب البكاء عند قراءة القرآن، برقم ٥٠٥٥، ورقم ٥٠٥٦، مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل استماع القرآن، وطلب القراءة من حافظه للاستماع، والبكاء عند القراءة والتدبر، برقم ٨٠٠.
[ ١٢٢ ]
٢ - وعن أنس بن مالك - ﵁ -:أن رسول الله - ﷺ - قال لأبيّ بن كعب: «إن الله - ﷿ - أمرني أن أقرأ عليك»، قال: آلله سمَّاني لك؟ قال: «الله سمَّاك لي»، قال فجعل أُبيّ يبكي»، وفي رواية: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) قال: وسمَّاني لك؟ قال: «نعم»
قال: فبكى (٢).
٣ - وعن عائشة ﵂ في حديث طويل ذكرت فيه صلاة النبي - ﷺ - بالليل، وأنه بكى مرات، قالت: «فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؛ لقد نزلت عليَّ الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ (٣) الآية كلها (٤).
٤ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄: أن النبي - ﷺ - تلا قول الله - ﷿ - في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ
_________________
(١) سورة البينة، الآية: ١.
(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل والحُذَّاق فيه وإن كان القارئ أفضل من المقروء عليه، برقم ٢٤٥ - (٧٩٩) و٢٤٦ - (٧٩٩).
(٣) سورة آل عمران، الآية ١٩٠.
(٤) ابن حبان في صحيحه، برقم ٦٢٠، وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان: «إسناده صحيح على شرط مسلم»، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٨٦: «وهذا إ سناد جيد».
[ ١٢٣ ]
مِنِّي﴾ (١) الآية، وقال عيسى - ﵇ -: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (٢) الآية. فرفع يديه وقال: «اللهم أمتي أمتي»، وبكى فقال الله - ﷿ -: «يا جبريل اذهب إلى محمد وربُّك أعلم فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل - ﵇ - فسأله، فأخبره رسول الله - ﷺ - بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك» (٣).
٥ - وعن أبي ذر - ﵁ - قال: قام النبي - ﷺ - بآية حتى أصبح يردِّدها، والآية: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (٤) (٥)، ولم يكن النبي - ﷺ - يبكي بشهيقٍ ورفع صوتٍ، كما لم يكن ضحكه قهقهةً، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهملان، ويُسمع لصدره أزيز، وكان بكاؤه: تارة رحمة للميت، وتارة خوفًا على أمَّتِهِ وشفقة عليها، وتارة خشيةً لله تعالى، وتارة عند سماع القرآن، وهو بكاءُ اشتياقٍ ومحبةٍ وإجلالٍ (٦) (٧).
_________________
(١) سورة إبراهيم، الآية: ٣٦.
(٢) سورة المائدة، الآية: ١١٨.
(٣) مسلم، برقم ٢٠٢، وتقدم تخريجه في خشوع النبي - ﷺ -.
(٤) سورة المائدة، الآية: ١١٨.
(٥) أخرجه: النسائي، كتاب الافتتاح، باب ترديد الآية، برقم ١٠١٠، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب ما جاء في القراءة في صلاة الليل، برقم ١٣٥٠، وأحمد، ١/ ٢٤١، وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة، ١/ ٢٤٢، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٤٠١.
(٦) زاد المعاد لابن القيم، ١/ ١٨٣.
(٧) وانظر المواضع التي بكى فيها رسول الله - ﷺ - في كتاب رحمة للعالمين للمؤلف، ص٨٢ - ٩٣، فقد جمعت مما صح من بكائه - ﷺ - ستة عشر موضعًا وغيرها كثير.
[ ١٢٤ ]