٥ - ويدل على وجوب الخشوع، حديث جابر بن سمرة - ﵁ - قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: «مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ (١)، اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ ..» (٢).
٦ - ومما يدل على وجوب الخشوع في الصلاة قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ*الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٣)، قال الإمام ابن القيم ﵀: «وليس السهو عنها تركها، وإلا لم يكونوا مصلين، وإنما هو السهو عن واجبها: إما عن الوقت، كما قال ابن مسعود وغيره، وإما عن الحضور والخشوع، والصواب أنه يعمّ النوعين؛ فإنه سبحانه أثبت لهم صلاة، ووصفهم بالسهو عنها، فهو السهو عن وقتها الواجب، أو عن إخلاصها، وحضورها الواجب؛ ولذلك وصفهم بالسهو، ولو كان السهو تركًا لما كان هناك رياء ..» (٤).
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن وسواس الرجل في صلاته، وما حد المبطل للصلاة؟ وما حد المكروه منه، وهل يُباح منه شيء في الصلاة؟ وهل يعذّب الرجل في شيء منه؟ وما حدّ الإخلاص في الصلاة؟ [وقول بعض السلف]: «لَيْسَ لِأَحَدِكُمْ مِنْ
_________________
(١) شمس: جمع شموس، مثل: رسل ورسول، وهي التي لا تستقر، بل تضرب وتتحرك بأذنابها وأرجلها.
(٢) مسلم، كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة، برقم ٤٣٠.
(٣) سورة الماعون، الآيتان: ٤ - ٥.
(٤) مدارج السالكين، ١/ ٥٢٧.
[ ٤٤ ]
صَلَاتِهِ إلَّا مَا عَقَلَ مِنْهَا» (١).
فأجاب: «الحمد لله، الوسواس نوعان:
أحدهما: لا يمنع ما يؤمر به من تدبر الكلم الطيب، والعمل الصالح الذي في الصلاة، بل يكون بمنزلة الخواطر، فهذا لا يبطل الصلاة؛ لكن من سلمت صلاته منه فهو أفضل ممن لم تسلم منه صلاته، الأول شبه حال المقربين، والثاني: شبه حال المقتصدين.
وأما الثالث: فهو ما منع الفهم، وشهود القلب، بحيث يصير الرجل غافلًا، فهذا لا ريب أنه يمنع الثواب، كما روى أبو داود في سننه، عن عمار بن ياسر، عن النبي - ﷺ - قال: (إن الرجل لينصرف من صلاته، ولم يكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خمسها، إلا سدسها، حتى قال إلا عشرها» (٢)، فأخبر - ﷺ - أنه قد لا يكتب له منها إلا العشر.
وقال ابن عباس: «ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها» (٣)، ولكن هل يبطل الصلاة ويوجب الإعادة؟ فيه تفصيل، فإنه إن كانت الغفلة في الصلاة أقل من الحضور، والغالب الحضور، لم تجب
_________________
(١) قال الزين العراقي في تخريج أحاديث الإحياء، ١/ ٣٠٩: (لم أجده مرفوعًا»، وقال العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة، ١٤/ ١٠٢٦، برقم ٦٩٤١: «لا أصل له مرفوعًا، وإنما صح عن بعض السلف».
(٢) مسند الإمام أحمد بنحوه، ٣١/ ١٨٩، برقم ١٨٨٩٤، وحسن الألباني حديث أبي داود في صحيح أبي داود، برقم ٧٦١، وتقدم.
(٣) تقدم تخريجه، في الذي قبل الحديث السابق.
[ ٤٥ ]
الإعادة، وإن كان الثواب ناقصًا، فإن النصوص قد تواترت بأن السهو لا يبطل الصلاة، وإنما يجبر بعضه بسجدتي السهو، وأما إن غلبت الغفلة على الحضور، ففيه للعلماء قولان:
أحدهما: لا تصح الصلاة في الباطن، وإن صحت في الظاهر، كحقن الدم؛ لأن مقصود الصلاة لم يحصل، فهو شبيه صلاة المرائي، فإنه بالاتفاق لا يبرأ بها في الباطن، وهذا قول أبي عبد الله ابن حامد، وأبي حامد الغزالي وغيرهما.
والثاني: تبرأ الذمة، فلا تجب عليه الإعادة، وإن كان لا أجر له فيها، ولا ثواب، بمنزلة صوم الذي «لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ» (١)، وهذا هو المأثور عن الإمام أحمد، وغيره من الأئمة، واستدلوا بما في الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال «إذَا أذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى التَّأْذِينَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ، فَلْيَسْجُدْ
_________________
(١) لم أجد حديثًا بهذا اللفظ، وشيخ الإسلام هنا نسبه للمأثور عن الإمام أحمد وغيره، وأما الحديث الصحيح في هذا الباب فهو بلفظ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [مسند أحمد، ١٥/ ٥٢١، برقم ٩٨٣٩، وصحيح البخاري، كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم، برقم ١٩٠٣.
[ ٤٦ ]
سَجْدَتَيْنِ» (١)، فقد أخبر النبي - ﷺ - أن الشيطان يذكِّره بأمور حتى لا يدري كم صلى، وأمره بسجدتين للسهو، ولم يأمره بالإعادة، ولم يفرّق بين القليل والكثير.
وهذا القول أشبه وأعدل؛ فإن النصوص والآثار إنما دلت على أن الأجر والثواب مشروط بالحضور، لا تدل على وجوب الإعادة، لا باطنًا ولا ظاهرًا، والله أعلم (٢).
_________________
(١) البخاري، كتاب الأذان، باب فضل التأذين، برقم ٦٠٨، ومسلم، كتاب الصلاة، باب فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه، برقم ٣٨٩. بألفاظ مقاربة.
(٢) فتاوى شيخ الإسلام، ٢٢/ ٦١١ - ٦١٣ بتصرف.
[ ٤٧ ]