عجبًا لمن يعرف أن الموت حق، كيف يفرح؟ وعجبًا لمن يعرف أن النار حق، كيف يضحك؟ وعجبًا لمن رأى تقلب الدنيا بأهلها، كيف يطمئن إليها؟ وعجبًا لمن يعلم أن القدر حق، كيف
_________________
(١) حلية الأولياء: ٢/ ١٤٤.
(٢) عقود اللؤلؤ: ٣١.
(٣) السير: ٧/ ٤٢٤.
(٤) حلية الأولياء: ٣/ ٨٩.
[ ٦٣ ]
ينصب؟ (١).
رأيت الدهر مختلفًا يدور فلا حزن يدوم ولا سرور
وقد بنت الملوك به قصورًا فلم تبق الملوك ولا القصور (٢)
ونحن في هذه الدنيا لاهون ساهون هذا صوت ينادي .. صوت بلال بن سعد يقول: يا أهل التقى إنكم لم تخلقوا للفناء، وإنما تنقلون من دار إلى دار، كما نقلتم من الأصلاب إلى الأرحام، ومن الأرحام إلى الدنيا ومن الدنيا إلى القبور، ومن القبور إلى الموقف، ومن الموقف إلى الخلود في جنة أو نار (٣).
مراحل متتابعة .. وأزمنة متتالية، قطعنا منها مراحل عدة .. من الأصلاب إلى الأرحام ومن الأرحام إلى الدنيا .. ها نحن نسير عليها، ننتظر النقلة التالية إلى القبور .. ووالله نحن في غفلة وإلا كيف تحلو الحياة، ويطيب العيش، ووراءنا القبور والموقف .. ثم الخلود .. أهوال وأهوال.
قال أبو بكر المروذي: دخلت على أحمد بن حنبل يومًا فقلت: كيف أصبحت؟ فقال: كيف أصبح من ربه يطالبه بأداء الفرض، ونبيه يطالبه بأداء السنة، والملكان يطالبانه بتصحيح العمل، ونفسه تطالبه بهواها، وإبليس يطالبه بالفحشاء، وملك الموت يطالبه
_________________
(١) الإحياء: ٣/ ٢٢٤.
(٢) ديوان الإمام علي: ١٠٠.
(٣) السير: ٥/ ٩١.
[ ٦٤ ]
بقبض روحه، وعياله يطالبونه بالنفقة (١).
هذه الدنيا التي نحن نتكالب عليها .. ونتقاتل عليها .. لننظر الوجه المشرق لمن عرف قيمة الوقت في هذه الدنيا ..
يحدثنا أبو ضمرة عن صفوان بن سليم فيقول: رأيته ولو قيل له الساعة غدًا، ما كان عنده مزيد عمل (٢).
أرى حللًا تصان على أناس وأعراضًا تنال ولا تصان
يقولون الزمان زمان سوء وهم فسدوا وما فسد الزمان (٣)
قال بعض السلف: من ادعى بغض الدنيا فهو عندي كذاب إلى أن يثبت صدقه، فإذا ثبت صدقه، فهو مجنون (٤).
لأن هذه الدنيا مزرعة الآخرة .. يتزود فيها بالطاعات والصالحات. وهو أحد رجلين طالب دنيا، فكيف يبغضها وهو يسير في ركبها، ورجل آخر يطلب الآخرة، فأنى له أن يبغض زمن الزرع ووقت العمل؟ !
قال بعض الحكماء: كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره، كيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله، وتقوده حياته إلى موته (٥).
_________________
(١) مناقب الإمام أحمد: ٣٥٥.
(٢) تذكرة الحفاظ: ١/ ١٣٤.
(٣) الزهد: للبيهقي، ١٥٧.
(٤) صيد الخاطر: ٢١٢.
(٥) جامع العلوم والحكم: ٣٨١.
[ ٦٥ ]
وقال الفضيل بن عياض: العجب كل العجب لمن عرف الله ثم عصاه بعد المعرفة (١).
أهون بداركم الدنيا وأهليها واضرب بها صفحات من محبيها
الله يعلم أني لست وامقها ولا أريد بقاء ساعة فيها
لكن تمرغت في أدناسها حقبا وبت أنشرها حينًا وأطويها
أيام أسحب ذيلي في ملاعبها جعلًا وأهدمُ من ديني وأنبيها
وكم تحملت فيها غير مكترث من شامخات ذنوب لست أحصيها
فقلت أبقي لعلي أهدم ما بنيت منها وأدناسي أنقيها
من ورائي عقاب لست أقطعها حتى أخفف أحمالي وألقيها
يا ويلتي وبحار العفو زاخرة إن لم تصبني برش في تثنيها (٢)
إخواني: تفكروا ما في الحشر والميعاد، ودعوا طول النوم والرقاد، وتفقدوا أعمالكم، فالمناقش ذو انتقام، إن في القيامة لحسرات، وإن عند الميزان لزفرات، فريق في الجنة وفريق في السعير، ففريق يرتقون إلى الدرجات، وفريق يهبطون إلى الدركات، وما بينك وبين هذا الأمر إلا أن يقال فلان قد مات، يا من كان له قلب فمات، يا من كان له وقت ففات، أشرف الأشياء قلبك ووقتك، فإن أنت ضيعت وقتك، وأهملت قلبك، فقد ذهب منك الفوائد، إن كنت تبكي على ما فات، فابك على فرقتك، وإن كنت تبكي
_________________
(١) الزهر الفائح: ٩٥.
(٢) العاقبة: ٣٠.
[ ٦٦ ]
على ما مات، فابك على قلبك (١).
ونحن -أخي الحبيب- في هذه الدنيا على قدم وساق سائرون، ولا يأمن مضيعون، نفوت أوقاتنا، ونضيع أيامنا .. ونلهث في سير حثيث وراء حطام الدنيا كأنها تفوت ..
قيل لحاتم الأصم: على ما بنيت أمرك في التوكل؟
قال: على خصال أربع: علمت أن رزقي لا يأكله غيري، فأطمأنت به نفسي، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري، فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتي بغتة، فأنا أبادره، وعلمت أني لا أخلو من عين الله فأنا مستحي منه (٢).
إن إلهي لغني حميد في كل يوم منه رزق جديد
الحمد لله الذي لم يزل يفعل بي أكثر مما أريد (٣)