وفرقٌ (^١) بين علمِ الحُبِّ وحال الحُبِّ؛ فكثيرا ما يشتبه على العبد علم الشيء بحاله ووجوده.
وفرقٌ بين المريض العارف بالصحة والاعتدال وهو مُثْخَنٌ بالمرض، وبين الصحيح السليم وإن لم يُحسِنْ وصفَ الصحةِ والعبارةَ عنها.
وكذلك فرقٌ بين وصفِ الخوفِ والعلم به، وبين حالِه ووجودِه.
وتأمَّل تأكيدَه سبحانه لهذا المعنى المذكور في الآية بوجوهٍ عديدة من التأكيد:
أولها: تصديرها بلا النافية، وليست زائدة كما يظنُّ من يَظُنُّ ذلك، وإنما دخولها لسرٍّ في القسم، وهو الإيذانُ (^٢) بتضمُّنِ المُقْسَمِ عليه للنَّفي، وهو قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وهذا منهجٌ معروف في كلام العرب، إذا أقسموا على نفي شيء (^٣) صدروا جملة القسم بأداة نفي، مثل هذه الآية، ومثل قول الصديق ﵁: "لَاهَا الله، لا يَعْمِدُ إلى أَسَدٍ من أُسْدِ الله يقاتل عن الله ورسوله؛ فيعطيك سلبه" (^٤).
_________________
(١) في الأصل: "الفرق".
(٢) "بلا النافية. . . الإيذان" ساقطة من ط، ق.
(٣) ط: "شيء منفي".
(٤) أخرجه البخاري (٣١٤٢، ٤٣٢١) ومسلم (١٧٥١) من حديث أبي قتادة.
[ ٢٨ ]
وقال الشاعر:
فَلا وأبيكِ ابنةَ العامِر … يِّ لا يَدَّعِيْ القومُ أنّي أَفِرّ (^١)
وقال الآخر:
فلا واللهِ لا يُلْفَى لِمَا بِيْ … ولا لِلَدَيهمُ أَبدا دَوَاءُ (^٢)
وهذا في كلامهم أكثر من أن يُذكَر.
وتأمَّلْ جُمَلَ القسم التي في القرآن المصدَّرة بحرف النفي، كيف تجد المُقْسمَ عليه منفيا ومُتضمنا لنفي، ولا يَخْرُم هذا قوله (^٣): ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ (^٤). فإنه لما كان المقصود بهذا القسم نفي ما قاله الكفار في القرآن: من أنه شعر، أو كهانة، أو أساطير الأولين،
_________________
(١) البيت من قصيدة لامرئ القيس في ديوانه (ص ١٥٤). وانظر الخلاف في نسبتها إليه في فصل المقال (ص ٣٨٣، ٣٨٤) والمقاصد النحوية (١/ ٩٨) وخزانة الأدب (١/ ١٨٠).
(٢) البيت من قصيدة لمسلم بن معبد الوالبي في منتهى الطلب (٨/ ١٦٤ - ١٧٠) وشرح أبيات مغني اللبيب (٤/ ١٤٣ - ١٤٥) وخزانة الأدب (١/ ٣٦٤ - ٣٦٥)، وبلا نسبة فى معاني القرآن للفراء (١/ ٦٨) والخصائص (٣/ ٢٨٢) والمحتسب (٢/ ٢٥٦) والصاحبي (ص ٥٦) والمقاصد النحوية (٤/ ١٠٢) ومصادر أخرى. والرواية المشهورة: "ولا للما بهم أبدًا. . .".
(٣) في الأصل: "كقوله"، والمثبت من ط، ق.
(٤) سورة الواقعة: ٧٥ - ٧٧.
[ ٢٩ ]
كيف (^١) صدّر القسم (^٢) بأداة النفي، ثم أثبتَ له خلافَ ما قالوه، فتضمنت الآية معنى (^٣) ليس الأمر كما يزعمون، ولكنه قرآن كريم.
ولهذا صرّح بالأمرين النفي والإثبات في مثل قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾ (^٤).
وكذلك قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾ (^٥).
والمقصود أن افتتاحَ هذا القسمِ بأداة النفي يقتضي تقويةَ المُقْسَمِ عليه وتأكيده وشدةَ انتفائه.
وثانيها: تأكيدهُ بنفس القسم.
وثالثها: تأكيدهُ بالمُقْسَم به، وهو إقْسامُه بنفسه لا بشيءٍ من مخلوقاتِه، وهو سبحانَه يُقسِم بنفسه تارة، وبمخلوقاته تارة.
ورابعها: تأكيدهُ بانتفاء الحرج، ووجود (^٦) التسليم.
_________________
(١) "كيف" ساقط من ط.
(٢) ط، ق: "القول".
(٣) ط: "أن".
(٤) سورة التكوير: ١٥ - ١٩. وبعده في النسخ: "وما هو بقول شاعر"، وليست ضمن هذه الآيات.
(٥) سورة القيامة: ١ - ٤.
(٦) ط، ق: "وهو وجود".
[ ٣٠ ]