ذكر مُسلم بن الْحجَّاج من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ زار النَّبِي ﷺ قبر أمه فَبكى وأبكى النَّاس من حوله وَقَالَ ﷺ اسْتَأْذَنت رَبِّي فِي أَن أسْتَغْفر لَهَا فَلم يَأْذَن لي واستأذنته فِي أَن أَزور قبرها فَأذن لي فزوروا الْقُبُور فَإِنَّهَا تذكر بِالْمَوْتِ
وَذكر أَبُو دَاوُد من حَدِيث بُرَيْدَة بن حصيب قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور فزورها فَإِن فِي زيارتها تذكرة
وَذكر النَّسَائِيّ عَن بُرَيْدَة أَيْضا عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من أَرَادَ أَن يزور قبرا فليزره وَلَا تَقولُوا هجرا
وَذكر أَبُو عمر بن عبد الْبر من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ مَا من رجل يزور قبر أَخِيه الْمُؤمن كَانَ يعرفهُ وَيسلم عَلَيْهِ إِلَّا عرفه ورد ﵇
ويروى من حَدِيث عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من رجل يزور قبر أَخِيه فيجلس عِنْده إِلَّا استأنس بِهِ حَتَّى يقوم
[ ٢١١ ]
وَذكر النَّسَائِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لله مَلَائِكَة سياحين يبلغونني من أمتِي السَّلَام
وَذكر أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا من أحد يسلم عَليّ إِلَّا رد الله عَليّ روحي حَتَّى أرد ﵇ وَقَالَ سُلَيْمَان بن نعيم رَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي النّوم فَقلت يَا رَسُول الله هَؤُلَاءِ الَّذين يأتونك ويسلمون عَلَيْك أتفقه مِنْهُم قَالَ نعم وأرد عَلَيْهِم
وَكَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا أَتَى الْمَقَابِر قَالَ السَّلَام عَلَيْكُم أهل الديار من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون أَنْتُم لنا فرط وَنحن لكم تبع أسأَل الله لنا وَلكم الْعَافِيَة وَكَانَ ﵇ يعلمهُمْ مثل هَذَا أَن يقولوه إِذا دخلُوا الْمَقَابِر وَهَذَا يدل على أَن الْمَيِّت يعرف سَلام من يسلم عَلَيْهِ وَدُعَاء من دَعَا لَهُ
ويروى أَن الْفضل بن موفق قَالَ كنت آتِي قبر أبي الْمرة بعد الْمرة وَأكْثر من ذَلِك فَشَهِدت يَوْمًا جَنَازَة فِي الْمقْبرَة الَّتِي دفن فِيهَا فتعجلت بحاجتي وَلم آته فَلَمَّا كَانَ من اللَّيْل رَأَيْته فِي الْمَنَام فَقَالَ لي يَا بني لم لَا تَأتِينِي فَقلت لَهُ يَا أَبَت وَإنَّك لتعلم بِي إِذا أَتَيْتُك قَالَ أَي وَالله يَا بني وَإنَّك لتَأْتِيني فَمَا أَزَال أنظر إِلَيْك حَتَّى تطلع من القنطرة حَتَّى تصل إِلَيّ وتقعد عِنْدِي ثمَّ تقوم فَلَا أَزَال أنظر إِلَيْك حَتَّى تجوز القنطرة
وَكَذَلِكَ أبيحت زِيَارَة الْقُبُور للنِّسَاء كَمَا أبيحت للرِّجَال وأبيح لَهُنَّ الْبكاء عِنْد الْقُبُور كَمَا أُبِيح للرِّجَال
مر النَّبِي ﷺ بِامْرَأَة تبْكي عِنْد قبر صبي لَهَا فَقَالَ لَهَا اتقِي الله واصبري فَقَالَت إِلَيْك عني فَإنَّك لم تصب بمصيبتي وَلم تعرفه فَلَمَّا ذهب
[ ٢١٢ ]
قيل لَهَا إِنَّه النَّبِي ﷺ فَأَخذهَا مثل الْمَوْت فَأَتَت بَابه فَلم تَجِد على بَابه بوابين فَقَالَت يَا رَسُول الله لم أعرفك فَقَالَ إِنَّمَا الصَّبْر عِنْد الصدمة الأولى
والْحَدِيث صَحِيح مَشْهُور ذكره مُسلم وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا
وَلَو كَانَ بكاء النِّسَاء عِنْد الْقُبُور وزيارتهن لَهَا حَرَامًا لنهاها ﷺ ولزجرها زجرا يزْجر بِمثلِهِ من أَتَى محرما وارتكب مَنْهِيّا
وَمَا رُوِيَ من النَّهْي عَن زِيَارَة الْقُبُور للنِّسَاء فَغير صَحِيح وَالصَّحِيح مَا ذكرت لَك من الْإِبَاحَة إِلَّا أَن عمل النِّسَاء فِي خروجهن مَا لَا يجوز لَهُنَّ من تبرج أَو كَلَام أَو غَيره فَذَلِك هُوَ الْمنْهِي عَنهُ وَقد أُبِيح لَك أَن تبْكي على قبر ميتك حزنا عَلَيْهِ أَو رَحْمَة لَهُ مِمَّا بَين يَدَيْهِ فَإِن وجدت لَك بكاء فإبك وَمَعَ بكائك على ميتك فَلَا تغفل عَن بكائك على نَفسك وَعَن الفكرة فِيمَا عملته فِي يَوْمك وَأمْسك وَفِي مآلك عِنْد حُلُول رمسك
بل لَو أمكنك أَن تجْعَل بكاءك كُله عَلَيْك كَانَ الأولى بك والأحمد لَك
وأنشدوا
لمن جدث لَدَى بَاب البنود صدعت عَلَيْهِ أكباد العميد
نظرت إِلَيْهِ منتبذا بَعيدا فذكرني بمنتبذ بعيد
مَرَرْت بِهِ فحادثني حَدِيثا أعَاد عَليّ أحزاني وَعِيد
وأبكاني وأبكاني وأبكى ومثلي من بَكَى عِنْد اللحود
وَمَا بِي من ثوى فِيهَا وَلَكِن غَدَاة غَد سأدخل فِي العديد
وَفِي هَذَا الْمَعْنى
وَلما حللنا من بجاية جانبا تصان بِهِ هذي الجسوم وتكرم
وجدت لَهَا طيبا وروحا وراحة كَأَنِّي لأنفاس الصِّبَا اتنسم
فَقلت لصحبي مَا الَّذِي أمرجت لَهُ مَقَابِر مِنْهَا لاطيء ومسنم
[ ٢١٣ ]
فأوهمتهم أَنِّي جهلت وأنني لأدري بِذَاكَ الْأَمر مِنْهُم وَأفهم
فَقَالُوا طلبنا علم ذَاك فَلم نجد سوى رمم مِمَّن تحب وتعظم
تضوع بطن الأَرْض مِنْهَا كَأَنَّمَا تفتق من دارين مسك مختم
فَفَاضَتْ دموعي عِنْد ذَاك وَرُبمَا تشهر بالدمع السرَار المكتم
خليلي مَا بالي وبال نَوَائِب يراع لذكراها فُؤَادِي ويكلم
وَمِمَّا شجاني وَهُوَ أعظم أنني قذفت بِهِ مسودة الْجوف تلطم
وَلم أدر مَا كَانَت تَحِيَّة خَصمه لَهُ هَل ببشرى أم بشنعاء تقصم
وَأعظم مِنْهَا موقعا وأشده وَمَا خصني أدهى عَليّ وَأعظم
بِأَنِّي فِي تِلْكَ المسالك سالك أساق إِلَيْهَا أَن أَبيت وأرغم
وَمَا أَنا أَدْرِي مَا أُلَاقِي وَمَا الَّذِي عَلَيْهِ إِذا مَا كَانَ ذَلِك أقدم
فَهَل من دم أبكيه صرفا فَإِنَّمَا يبكى على هَذَا من المقلة الدَّم
وَقد تقدم أَن الْمَيِّت يتَأَذَّى ببكاء أَهله عَلَيْهِ وَفِيه حَدِيث ابْن أبي شيبَة يَقُول النَّبِي ﷺ يَا عباد الله لَا تعذبوا أمواتكم
وَرُبمَا يتَأَذَّى كَذَلِك أَو أَكثر من ذَلِك ببكاء غير أَهله وَيعْتَبر ذَلِك بالحي إِذا بَكَى عِنْده من لَيْسَ لَهُ غَرَض فِي بكائه وَلَا إِرَادَة فِي عويله
يرْوى عَن أبي بكر بن اللباد قَالَ حَدَّثتنِي عَائِشَة الأندلسية وَكَانَت عَائِشَة هَذِه من الصَّالِحَات قَالَت توفّي لي ولد بِمصْر فَقدمت القيروان فَكنت أخرج إِلَى الْمَقَابِر فِي بَاب سلم فأجلس عِنْد قبر وأبكي فَرَأَيْت ذَات لَيْلَة كَأَنِّي خرجت إِلَى بَاب سلم على عادتي وَإِذا أهل الْقُبُور قعُود على أفنية قُبُورهم الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالصبيان فَلَمَّا أَقبلت إِلَى الْموضع الَّذِي كنت أبْكِي عِنْده سَمِعت أهل الْقُبُور يَقُولُونَ قد جَاءَت هَذِه الْمَرْأَة ألها عندنَا قبر تبْكي عَلَيْهِ قَالُوا لَا قَالُوا فَلم تؤذينا ببكائها قَالَت ثمَّ لطمني مِنْهُم ميت فِي خدي الْأَيْمن قَالَت فَقلت لَهُم أتلطمون خدي وَقد مسست بِهِ الرُّكْن
[ ٢١٤ ]
وَالْحجر الْأسود فَقَالُوا لي قبرك بِمصْر وتؤذينا أَنْت هَا هُنَا قَالَت فانتبهت وَأثر اللَّطْمَة فِي خدي قَالَ أَبُو بكر وكشفت لي عَن وَجههَا فَرَأَيْت أثر اللَّطْمَة سوادا أَقَامَ نَحوا من أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ تقشر وَذهب
فَيَنْبَغِي لمن زار الْقُبُور أَن يسلم على أَهلهَا وَأَن يَدْعُو لَهُم وَيسْأل الله ﷿ فيهم وَيتْرك الْكَلَام عِنْدهم بِمَا لَا يحل والْحَدِيث على رؤوسهم بِمَا لَا يحب فَإِن كَانَ الْمُتَكَلّم لَا يدْرِي مِقْدَار مَا يَقُول فَإِن الْمَيِّت يدْرِي مِقْدَاره ويتحقق موقعه ويتبين ضَرَره فَوَاجِب عَلَيْك أَلا تؤذيه بِسَمَاع مَا لَا يُرِيد سَمَاعه وَألا تدخل عَلَيْهِ مَا لَا يُرِيد إِدْخَاله وَإِلَّا فَرُبمَا لم يَفِ لَك خير زيارتك إِيَّاه بشر مَا تنْقَلب بِهِ من عِنْده
كَانَ بقرطبة رجل من الزهاد المحتسبين يكنى بِأبي مَرْوَان وَكَانَ دينا فَاضلا طلب الْعلم وروى الحَدِيث وَسمع من مُحَمَّد بن وضاح وَسكن عِنْده إِلَى أَن مَاتَ وَصلى عَلَيْهِ ابْن وضاح وَدَفنه بمقبرة تعرف بمقبرة خلال وتعرف أَيْضا بمقبرة الْمَسَاكِين وَكَانَ ابْن وضاح بعد ذَلِك مَتى حضر جَنَازَة فِي تِلْكَ الْمقْبرَة مَشى إِلَى قبر أبي مَرْوَان هَذَا فَوقف بِهِ وَسلم عَلَيْهِ ودعا لَهُ فَحَضَرَ جَنَازَة فِي بعض الْأَيَّام فِي تِلْكَ الْمقْبرَة وأعجله أَمر عَن الْمَشْي إِلَيْهِ على عَادَته للسلام عَلَيْهِ وَالدُّعَاء لَهُ قَالَ ابْن وضاح فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة المقبله رَأَيْت أَبَا مَرْوَان فِي نومي وَكَأَنَّهُ يَقُول لي يَا أَبَا عبد الله كن إِذا دخلت هَذِه الْمقْبرَة وقفت بِي وسلمت عَليّ ودعوت لي فأنست بك وفرحت بدعائك وَدخلت الْيَوْم فَلم تفعل شَيْئا من ذَلِك فَقلت لَهُ يَا أَبَا مَرْوَان وَإِنَّكُمْ لتعرفون من يقف بكم وَيسلم عَلَيْكُم فَقَالَ نعم وَلَقَد قعد ابْنك مُحَمَّد على قَبْرِي الْيَوْم مَعَ رجل مَا هُوَ إِلَّا يَهُودِيّ وَتكلم بِكَلَام مَا هُوَ إِلَّا كفر وَلَقَد تأذيت بقعودهما وكلامهما قَالَ ابْن وضاح فَلَمَّا أَصبَحت دَعَوْت ابْني مُحَمَّدًا فَقلت لَهُ أَيْن قعدت أمس إِذْ حَضَرنَا جَنَازَة فلَان قَالَ عِنْد قبر أبي مَرْوَان الزَّاهِد فَقلت مَعَ من قعدت فكتمني فَقلت لَهُ مَعَ من قعدت وعزمت عَلَيْهِ فَقَالَ لي مَعَ فلَان وأعلمني بالقاعد مَعَه فعرفته وَكَانَ ذَلِك الرجل مُولَعا بِبَعْض الْكَلَام وَقلت لَهُ فيمَ تكلمتم وفيم خضتم فَقَالَ تكلمنا فِي الْبَارِي ﵎ وَفِي الْقُرْآن وَغير ذَلِك فَقلت
[ ٢١٥ ]
لَهُ إياك أَن تقاعده أَو تَتَكَلَّم مَعَه أَو مَعَ غَيره فِي شَيْء من هَذَا فَإِن أَبَا مَرْوَان أَتَانِي البارحة فِي نومي فَأَعْلمنِي بِكَذَا وَكَذَا
وَهَذِه حِكَايَة صَحِيحَة عَن ابْن وضاح وَفِي بعض طرقها ان ابْنه قَالَ سُبْحَانَ الَّذِي جعل أَبَا مَرْوَان وَكيلا علينا فِي حَيَاته وَبعد مماته
وكما يتَأَذَّى الْمَيِّت رَحِمك الله بِمَا يسمع من الْكفْر فَكَذَلِك يتَأَذَّى بِمَا يسمع من الْفُحْش والهجر وَلكنه أَذَى دون أَذَى فَوَاجِب عَلَيْك أَلا تؤذيه بِقَلِيل وَلَا كثير وَإِن لم تَنْفَعهُ فَلَا تضره
وَاعْلَم أَن الْمَيِّت كالحي فِيمَا يعطاه وَيهْدِي إِلَيْهِ بل الْمَيِّت أَكثر وَأكْثر لِأَن الْحَيّ قد يسْتَقلّ بِمَا يهدى إِلَيْهِ ويستحقر مَا يتحف بِهِ وَالْمَيِّت لَا يستحقر شَيْئا من ذَلِك وَلَو كَانَ مِقْدَار جنَاح بعوضة أَو وزن مِثْقَال ذرة لِأَنَّهُ يعلم قِيمَته وَقد كَانَ يقدر عَلَيْهِ فضيعه
وَمِمَّا يدلك على صِحَة وُصُول مَا يهدي الْحَيّ إِلَى الْمَيِّت قَوْله ﷺ إِذا مَاتَ الْإِنْسَان انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة أَو علم ينْتَفع بِهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ
فدعاء الْوَلَد يصل إِلَى وَالِده وَينْتَفع بِهِ وَكَذَلِكَ أمره ﵇ بِالسَّلَامِ على أهل الْقُبُور وَالدُّعَاء لَهُم مَا ذَاك إِلَّا لكَون الدُّعَاء لَهُم وَالسَّلَام عَلَيْهِم يصل إِلَيْهِم ويأتيهم وَالله أعلم
ويروى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْمَيِّت كالغريق فِي قَبره ينْتَظر دَعْوَة تلْحقهُ من ابْنه أَو أَخِيه أَو صديق لَهُ فَإِذا لحقته كَانَت أحب إِلَيْهِ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَالْأَخْبَار فِي هَذَا كَثِيرَة
قَالَ بشر بن مَنْصُور كَانَ رجل زمن الطَّاعُون يخْتَلف إِلَى الْمَقَابِر ثمَّ يسْتَقْبل الْقُبُور فَيَقُول أَمن الله روعتكم آنس الله وحشتكم رحم الله غربتكم تقبل الله حسناتكم تجَاوز الله عَن سَيِّئَاتكُمْ لَا يزِيد على هَؤُلَاءِ الْكَلِمَات قَالَ الرجل فَانْصَرَفت ذَات يَوْم وَلم أدع فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل رَأَيْت فِيمَا يرى النَّائِم خلقا
[ ٢١٦ ]
كثيرا قد جَاءُونِي فَقلت لَهُم من أَنْتُم قَالُوا أهل الْمَقَابِر قلت وَمَا حَاجَتكُمْ قَالُوا إِنَّك قد عودتنا مِنْك هَدِيَّة تهديها إِلَيْنَا عِنْد انصرافك قلت وَمَا هِيَ قَالُوا الدَّعْوَات الَّتِي كنت تَدْعُو بهَا لنا قلت فَإِنِّي أَعُود لما كنت أَدْعُو بِهِ قَالَ فَمَا تركت ذَلِك بعد
وَقَالَ بشار بن غَالب رَأَيْت رَابِعَة العدوية يَعْنِي العابدة فِي الْمَنَام وَكنت كثير الدُّعَاء لَهَا فَقَالَت يَا بشاء هديتك تَأْتِينَا فِي أطباق من نور عَلَيْهَا مناديل حَرِير وَهَكَذَا يَا بشار دُعَاء الْمُؤمنِينَ الْأَحْيَاء إِذا دعوا لأخوانهم الْمَوْتَى فاستجيب لَهُم يُقَال هَذِه هَدِيَّة فلَان إِلَيْك
وَرَأَيْت لبَعض من يوثق بِهِ قَالَ مَاتَت لي امْرَأَة فَقَرَأت فِي بعض اللَّيَالِي آيَات من الْقُرْآن فأهديتها لَهَا ودعوت الله ﷿ واستغفرت وَسَأَلت فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّانِي حَدَّثتنِي امْرَأَة تعرفنِي وتعرفها قَالَت لي رَأَيْت البارحة فُلَانَة فِي النّوم تَعْنِي الْميتَة الْمَذْكُورَة فِي مجْلِس حسن فِي دَار حَسَنَة وَقد أخرجت لي أطباقا من تَحت سَرِير كَانَ فِي الْبَيْت والأطباق مَمْلُوءَة قَوَارِير فَقَالَت لي يَا فُلَانَة هَذَا أهداه لي صَاحب بَيْتِي قَالَ وَمَا كنت أعلمت بِمَا أهديت من ذَلِك أحدا
وَقَالَ أَبُو قلَابَة أَقبلت من الشَّام إِلَى الْبَصْرَة فمررت على مَقَابِر فَنزلت الخَنْدَق فَتَوَضَّأت وَصليت رَكْعَتَيْنِ ثمَّ وضعت رَأْسِي على قبر فَنمت فَإِذا بِصَاحِب الْقَبْر فِي الْمَنَام قد وقف بِي ثمَّ قَالَ يَا هَذَا لقد آذيتني مُنْذُ اللَّيْلَة يَعْنِي بِوَضْع رَأسه على قَبره ثمَّ قَالَ جزى الله أهل الدُّنْيَا خيرا فَإِنَّهُم لَا يزَال يدْخل علينا من دُعَائِهِمْ أَمْثَال الْجبَال فأقرئهم مني السَّلَام
وحَدثني من أَثِق بِهِ قَالَ رأى فلَان وسمى رجلا موثوقا بِهِ فِي النّوم فُلَانَة وَكَانَت ميتَة قَالَ فَقَالَت لي يَا هَذَا إمض إِلَى ابْنَتي فُلَانَة الفاعلة الصانعة تسبها وَقل لَهَا أَهَذا من الصَّوَاب أَو من الْبر أَن أقعد مَعَ النِّسَاء فتأتيهن الطّرف والهدايا من عِنْد بناتهن وأخوانهن وأهليهن وأتطلع وَأَنا أنظر يَمِينا وَشمَالًا رَجَاء أَن يأتيني مِنْهَا شَيْء فَلَا يَأْتِي فأبقى خجلة عِنْد النِّسَاء خزيانة بَينهُنَّ وَقل لَهَا أَو لفلانة تمْضِي إِلَى مَوضِع كَذَا وَكَذَا فَإِن فِيهِ دَنَانِير مدفونة فتفعل بهَا كَذَا وَكَذَا قَالَ فَوجدت الدَّنَانِير كَمَا قَالَت
[ ٢١٧ ]
وَالْأَخْبَار فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة قَدِيما وحديثا فَيَنْبَغِي لمن دخل الْمَقَابِر أَن يتخيل أَنه ميت وَأَنه قد لحق بهم وَدخل فِي معسكرهم وَأَنه مُحْتَاج إِلَى مَا هم إِلَيْهِ محتاجون وراغب فِيمَا هم فِيهِ راغبون فليأت إِلَيْهِم بِمَا يحب أَن يُؤْتِي بِهِ إِلَيْهِ وليتحفهم بِمَا يحب أَن يتحف بِهِ وليتفكر فِي تَغْيِير أَحْوَالهم وألوانهم وتقطع أبدانهم وتنكر أَحْوَالهم وَكَيف صَارُوا بعد الْأنس بهم والتسلي بِحَدِيثِهِمْ إِلَى النفار من رُؤْيَتهمْ والوحشة من مشاهدتهم ويتفكر أَيْضا فِي انْشِقَاق الأَرْض وبعثرة الْقُبُور وَخُرُوج الْمَوْتَى وقيامهم بِمرَّة وَاحِدَة حُفَاة عُرَاة غرلًا مهطعين إِلَى الدَّاعِي مُسْرِعين إِلَى الْمُنَادِي
قَالَ مطرف بن أبي بكر الْهُذلِيّ كَانَت عَجُوز متعبدة فِي بني عبد قيس وَكَانَت إِذا جَاءَ اللَّيْل قَامَت فِي مِحْرَابهَا فَإِذا جَاءَ النَّهَار خرجت إِلَى الْقُبُور فعوتبت فِي كَثْرَة إتيانها إِلَى الْقُبُور فَقَالَت إِن الْقلب إِذا قسا وعتا لم يلينه إِلَّا زِيَارَة الْمَوْتَى وَالْوُقُوف على رسوم البلى فَإِنِّي لآتي الْقُبُور فأقف عَلَيْهَا وَأنْظر إِلَيْهَا وأعتبر بهَا وأتفكر فِيهَا فَكَأَنِّي أنظر إِلَيْهِم وَقد خَرجُوا من بَين أطباقها وانبعثوا من تَحت أحجارها فيا لَهَا من نظرة لَو أشربها الْعباد قُلُوبهم مَا أَشد نهكتها فِي الْأَجْسَام وَأعظم مرارتها فِي الْأَنْفس
وَأعلم أَن قُبُور الصَّالِحين لَا تَخْلُو من بركَة وَأَن زائرها وَالْمُسلم عَلَيْهَا والقاريء عِنْدهَا والداعي لمن فِيهَا لَا يَنْقَلِب إِلَّا بِخَير وَلَا يرجع إِلَّا بِأَجْر وَقد يُوجد لذَلِك أَمارَة ويبدو مِنْهَا بِشَارَة
روى أَن رَسُول الله ﷺ لما نزل يالمأزمين قَالَ لَهُ أَصْحَابه يَا رَسُول الله إِنَّا نجد هَاهُنَا ريح مسك فَقَالَ وَمَا يمنعكم وَهَا هُنَا قبر أبي مُعَاوِيَة وَأَبُو مُعَاوِيَة هُوَ عبَادَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب ابْن عَم النَّبِي ﷺ قتل يَوْم بدر شَهِيدا وَكَانَ خرج ذَلِك الْيَوْم وَمَات هُنَاكَ شَهِيدا ﵁
وروى يحيى بن سعيد عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج قَالَ
فتن النَّاس بِقَبْر عبد الله بن غَالب كَانَ يُوجد ريح الْمسك مِنْهُ
قَالَ مَالك بن دِينَار ﵀ ذهبت إِلَى قبر عبد الله بن غَالب ﵁ فَأخذت من ترابه فَإِذا هُوَ مسك أَو كَأَنَّهُ مسك
[ ٢١٨ ]
وَقَالَ حَمَّاد بن زيد حَدثنِي سعيد بن زيد قَالَ أدخلت يَدي فِي قبر عبد الله بن غَالب إِلَى الْمرْفق فأخرجت مِنْهُ تُرَابا فَإِذا رِيحه ريح مسك
وقصة هَذَا الْقَبْر صَحِيحَة مَشْهُورَة وَلما خيف على النَّاس مِنْهُ الْفِتْنَة سوي
حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد إِسْمَاعِيل بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن افرند وَكَانَ هُوَ وَأَبوهُ صالحين معروفين قَالَ قَالَ أَبُو الْوَلِيد مَاتَ أبي رَحْمَة الله عَلَيْهِ فَحَدثني بعض إخوانه مِمَّن يوثق بِهِ وبحديثه نسيت أَنا اسْمه قَالَ لي زرت قبر أَبِيك فَقَرَأت عَلَيْهِ حزبا من الْقُرْآن ثمَّ قلت لَهُ يَا فلَان هَذَا أهديته لَك فَمَاذَا لي قَالَ فَهبت عَليّ نفحة مسك غشيتني وأقامت معي سَاعَة ثمَّ انصرفت وَهِي معي فَمَا فارقتني إِلَّا وَقد مشيت نصف الطَّرِيق
وروى أَبُو مُحَمَّد عبد الله الْكُبْرَى وَيعرف بالمغاور وَكَانَ من الصَّالِحين وَالله أعلم مَشْهُورا بِالصّدقِ وَالْخَيْر قَالَ زرت قبر الزبير بن الْعَوام صَاحب النَّبِي ﷺ وقرابته وَهُوَ أحد الْعشْرَة وقبره بِأَرْض الْبَصْرَة قَالَ فَبَيْنَمَا أَنا على قَبره إِذْ رَأَيْتنِي قد صب عَليّ مَاء ورد من الجو فبلني حَتَّى بل مرقعتي رَأَيْت ذَلِك وَأَنا حَاضر الذِّهْن مَفْتُوح الْعين
وَغير بعيد أَن يخلق الله على رَأسه مَاء ورد يبله بل يبل الأَرْض كلهَا إِذا شَاءَ كَرَامَة لصَاحب نبيه ﷺ وبشرى لهَذَا بزيارته إِيَّاه وَلَا يلْزم أَن يكون هَذَا لكل زائر وَلَا عِنْد كل مزور بل يكون الزائر أفضل من هَذَا والمزور أفضل من ذَلِك وَلَا يكون شَيْء من هَذَا
وللكلام على هَذَا مَوضِع آخر
وَذكر ابْن إِسْحَاق قَالَ حَدثنِي يزِيد بن رُومَان عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت لما مَاتَ النَّجَاشِيّ كَانَ يتحدث أَنه لَا يزَال يرى على قَبره نور
وَيسْتَحب لَك رَحِمك الله أَن تقصد بميتك قُبُور الصَّالِحين ومدافن أهل الْخَيْر فتدفنه مَعَهم وتنزله بإزائهم وتسكنه فِي جوارهم تبركا بهم وتوسلا إِلَى الله تَعَالَى بقربهم وَأَن تجتنب بِهِ قُبُور من سواهُم مِمَّن يخَاف التأذي بمجاورته والتألم بمشاهدته فقد روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الْمَيِّت يتَأَذَّى بالجار السوء كَمَا
[ ٢١٩ ]
يتَأَذَّى بِهِ الْحَيّ
يرْوى أَنه دفنت امْرَأَة بقرطبة فَأَتَت أَهلهَا فِي النّوم فَجعلت تعاتبهم وتشكوهم وَتقول مَا وجدْتُم أَن تدفنوني إِلَّا إِلَى بَيت فرن جير فَبَحَثُوا وسألوا عَمَّن كَانَ مَدْفُونا بإزائها فوجدوه رجلا سيافا كَانَ لِابْنِ عَامر وقبره إِلَى قبرها فأخرجوها من جواره وَالله تَعَالَى أعلم بِحَقِيقَة حَال المقبور وَإِنَّمَا لنا مَا ظهر خَاصَّة وَللَّه ﷿ مَا ظهر وَمَا بطن
[ ٢٢٠ ]