بَابٌ فِي لُزُومِ الْقَصْدِ فِي حَالَتَيِ الْعُزْلَةِ وَالْخُلْطَةِ قَدِ انْتَهَى مِنَّا الْكَلَامُ فِي أَمْرِ الْعُزْلَةِ إِلَى حَيْثُ شَرَطْنَا أَنْ نَبْلُغَهُ وَأَوْرَدْنَا فِيهَا مِنَ الْأَخْبَارِ مَا خِفْنَا أَنْ نَكُونَ قَدْ حَسَّنَا مَعَهُ الْجَفَاءُ مِنْ حَيْثِ أَرَدْنَا الِاحْتِرَازَ مِنْهُ، وَلَيْسَ إِلَى هَذَا أَجْرَيْنَا وَلَا إِيَّاهُ أَرَدْنَا فَإِنَّ الْإِغْرَاقَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مَذْمُومٌ وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا وَالْحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ، وَقَدْ عَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْإِغْرَاقَ فِي عِبَادَةِ الْخَالِقِ عَزَّ وَعَلَا وَالْحَمْلِ عَلَى النَّفْسِ مِنْهَا مَا يَؤُودُهَا وَيَكِلُّهَا وَيَدَهَا، فَمَا ظَنُّكَ بِمَا دُونَهَا مِنْ بَابِ التَّخَلُّقِ وَالتَّكَلُّفِ
[ ٩٧ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَسَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ يَحْيَى بْنُ الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اللَّهِ فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى»
[ ٩٧ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي قَمَّاشٍ، عَنِ ابْنِ عَائِشَةَ قَالَ: " مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِأَمْرٍ إِلَّا وَلِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَزْعَتَانِ: فَإِمَّا إِلَى غُلُوٍّ، وَإِمَّا إِلَى تَقْصِيرٍ فَبِأَيِّهِمَا ظَفَرَ قَنَعَ "
[ ٩٧ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ شُيُوخِنَا قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ غَنَّامٍ: «كِلَا طَرَفَيِ الْقَصْدِ مَذْمُومٌ» وَأَنْشَدَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ:
[البحر الطويل]
⦗٩٨⦘
تَسَامَحْ وَلَا تَسْتَوْفِ حَقَّكَ كُلَّهُ وَأَبْقِ فَلَمْ يَسْتَوْفِ قَطُّ كَرِيمُ
وَلَا تَغْلُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَمْرِ وَاقْتَصِدْ كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الْأُمُورِ ذَمِيمُ
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَالطَّرِيقَةُ الْمُثْلَى فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ لَا تَمْتَنِعَ مِنْ حَقٍّ يَلْزَمُكَ لِلنَّاسِ وَإِنْ لَمْ يُطَالِبُوكَ بِهِ وَأَنْ لَا تَنْهَمِكَ لَهُمْ فِي بَاطِلٍ لَا يَجِبُ عَلَيْكَ وَإِنْ دَعَوْكَ إِلَيْهِ فَإِنَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِمَا لَا يَعْنِيهِ فَاتَهُ مَا يَعْنِيهِ وَمَنِ انْحَلَّ فِي الْبَاطِلِ جَمُدَ عَنِ الْحَقِّ، فَكُنْ مَعَ النَّاسِ فِي الْخَيْرِ وَكُنْ بِمَعْزِلٍ عَنْهُمْ فِي الشَّرِّ وَتَوَخَّ أَنْ تَكُونَ فِيهِمْ شَاهِدًا كَغَائِبٍ وَعَالِمًا كَجَاهِلٍ
[ ٩٧ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَنْبَرِيُّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي قَمَّاشٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَائِشَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ وُهَيْبِ بْنِ الْوَرْدِ قَالَ: " قُلْتُ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْتَزِلَ النَّاسَ، فَقَالَ لِي: لَا بُدَّ لَكَ مِنَ النَّاسِ وَلِلنَّاسِ مِنْكَ؛ لَكَ إِلَيْهِمْ حَوَائِجُ، وَلَهُمْ إِلَيْكَ حَوَائِجُ، وَلَكِنْ كُنْ فِيهِمْ أَصَمَّ سَمِيعًا أَعْمَى بَصِيرًا سَكُوتًا نَطُوقًا "
[ ٩٨ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْتِبُ قَالَ: حَدَّثَنَا شَاكِرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُنَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيٍّ: " الِانْقِبَاضُ عَنِ النَّاسِ مَكْسَبَةٌ لِلْعَدَاوَةِ وَمَعْرِفَتُهُمْ مَكْسَبَةٌ لِقَرِينِ السُّوءِ: فَكُنْ لِلنَّاسِ بَيْنَ الْمُنْقَبِضِ وَالْمُقَارِبِ، فَإِنَّ خَيْرَ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا. وَأَنْشَدَ أَبُو زَيْدٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى:
[البحر الطويل]
إِذَا مَا عَمَمْتَ النَّاسَ بِالْأُنْسِ لَمْ تَزَلْ لِصَاحِبِ سُوءٍ مُسْتَفِيدًا وَكَاسِبَا
وَإِنْ تُقْصِهِمْ يَرْمُوكَ عَنْ سَهْمِ بُغْضَةٍ فَكُنْ خَلِطًا إِنْ شِئْتَ أَوْ كُنْ مُجَانِبَا
فَلَا تَدْنُوَنَّ مِنْهُمْ وَلَا تُقْصِيَنَّهُمْ وَلَكِنْ أَمْرًا بَيْنَ ذَاكَ مُقَارِبَا"
[ ٩٨ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأُبُلِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ صَدَقَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ ⦗٩٩⦘ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ، ﵁ قَالَ لَهُ: «لَا يَكُنْ حُبُّكَ كَلَفًا وَلَا بُغْضُكَ تَلَفًا»
[ ٩٨ ]
أخبرنا أبو سليمان قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَشامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الدَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ رَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ يُقَالُ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ، يَقُولُ: إِنِّي وَجَدْتُ فِي حِكْمَةِ آلِ دَاوُدَ: " حَقٌّ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ لَا يُشْغَلَ عَنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ: سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ وَسَاعَةٌ يُحَسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يُفْضِي فِيهَا إِلَى إِخْوَانِهِ الَّذِينَ يَصْدُقُونَهُ عُيُوبَهُ وَيَنْصَحُونَهُ فِي نَفْسِهِ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّاتِهَا مِمَّا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ. فَإِنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ عَوْنٌ لِهَذِهِ السَّاعَاتِ، وَاسْتِجْمَامٌ لِلْقُلُوبِ، وَفَضْلٌ، وَبُلْغَةٌ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِزَمَانِهِ، مُمْسِكًا بِلِسَانِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ "
[ ٩٩ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْقُرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: «خَالِطِ النَّاسَ وَزَايِلْهُمْ وَدِينَكَ لَا تَكْلِمَنَّهُ» قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ يُرِيدُ خَالِطْهُمْ بِبَدَنِكَ وَزَايِلْهُمْ بِقَلْبِكَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ النِّفَاقِ وَلَكِنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُدَارَاةِ. وَقَدْ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ: «مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَّقَهٌ»
[ ٩٩ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْكَرَّانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عِيسَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ قَالَ: قَالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ لِابْنِ أَخِيهِ: «كُنْتُ أَحَبَّ إِلَى أَبِيكَ مِنْكَ وَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنِ ابْنِي، إِذَا رَأَيْتَ الْمُؤْمِنَ فَخَالِطْهُ وَإِذَا رَأَيْتَ الْفَاجِرَ فَخَالِفْهُ»
[ ٩٩ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْخَلَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ: حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَزْمٌ الْقُطَعِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، يَقُولُ: يَقُولُونَ: " الْمُدَارَاةُ نِصْفُ الْعَقْلِ وَأَنَا أَقُولُ: هُوَ الْعَقْلُ كُلُّهُ "
[ ١٠٠ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الصَّفَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِّ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: " لَيْسَ الْحَكِيمُ مَنْ لَمْ يُعَاشِرْ بِالْمَعْرُوفِ مَنْ لَا يَجِدُ مِنْ مُعَاشَرَتِهِ بُدًّا حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا أَوْ قَالَ: مَخْرَجًا" قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَبِ قَالَ: أَنْشَدَنِي الْمُتَنَبِّي:
[البحر الطويل]
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى عَدُوًّا لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ
[ ١٠٠ ]