(السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ): (الْجَزَعُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالزَّايِ (وَالشَّكْوَى) عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَقِيلَ الْجَزَعُ قِلَّةُ الصَّبْرِ وَضَعْفُ الْهِمَّةِ عَنْ حَمْلِ مَا نَزَلَ بِهِ وَالشَّكْوَى التَّظَلُّمُ مِمَّا يُلَائِمُهُ مِنْ الْمَضَرَّاتِ (وَهُوَ عَدَمُ تَحَمُّلِ الْمِحَنِ) جَمْعُ مِحْنَةٍ الْبَلِيَّةُ (وَالْمَصَائِبِ، وَإِظْهَارُهُمَا) أَيْ الْمِحَنِ وَالْمَصَائِبِ (قَوْلًا أَوْ فِعْلًا تَضَجُّرًا) مِنْهُمَا قَالَ الْمُحَشِّي أَمَّا الْإِظْهَارُ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّضَجُّرِ كَالْإِظْهَارِ لِلطَّبِيبِ لِلْعِلَاجِ أَوْ لِأَجْلِ الِاعْتِذَارِ أَوْ تَسْلِيَةِ الْغَيْرِ بِنَاءً عَلَى خُلْفِ الْوَعْدِ فَلَيْسَ بِجَزَعٍ وَقَدْ يَكُونُ بَاعِثًا لِإِظْهَارِ الرِّيَاءِ تَدَبَّرْ انْتَهَى (وَضِدُّهُ) أَيْ الْجَزَعِ (الصَّبْرُ، وَهُوَ حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ الْجَزَعِ) قِيلَ الصَّبْرُ ثَبَاتُ الْقُوَّةِ الْمُضَادَّةِ لِلشَّهْوَةِ فِي مُقَاوَمَةِ الشَّهْوَةِ وَتَفْصِيلُهُ أَنَّ لِلْبَهَائِمِ شَهْوَةً بِلَا عَقْلٍ؛ وَلِلْمَلَائِكَةِ عَقْلًا بِلَا شَهْوَةٍ؛ وَلِلْإِنْسَانِ كِلَاهُمَا مَعًا وَالصَّبْرُ مُقَاوَمَةُ الْعَقْلِ الشَّهْوَةَ فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِالْإِنْسَانِ دُونَ الْبَهَائِمِ لِنُقْصَانِهِمْ وَدُونَ الْمَلَائِكَةِ لِكَمَالِهِمْ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] فَلَيْسَ لَهُمْ مِيزَانٌ كَمَا لَيْسَ لَهُمْ حِسَابٌ لِعَدَمِ دُخُولِ الصَّبْرِ تَحْتَ إحْصَاءِ عَدَدٍ، وَفِي الْحَدِيثِ «تُنْصَبُ الْمَوَازِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ فَتُوزَنُ أُجُورُهُمْ، وَلَا يُنْصَبُ لِأَهْلِ الْبَلَاءِ بَلْ يُصَبُّ عَلَيْهِمْ الْأَجْرُ صَبًّا حَتَّى يَتَمَنَّى أَهْلُ الْعَافِيَةِ فِي الدُّنْيَا أَنَّ أَجْسَادَهُمْ تُقْرَضُ بِالْمَقَارِيضِ مِمَّا يَذْهَبُ بِهِ أَهْلُ الْبَلَاءِ مِنْ الْفَضْلِ»، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «مَنْ صَبَرَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَلَهُ ثَلَاثُمِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الطَّاعَةِ فَلَهُ سِتُّمِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْمُصِيبَةِ فَلَهُ تِسْعُمِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ الْعَرْشِ إلَى الثَّرَى»
[ ٣ / ٧٧ ]
كَذَا نُقِلَ عَنْ الْإِحْيَاءِ وَوَقَعَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ: وَإِلَيْهَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] (طب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أُصِيبَ» فِعْلٌ مَجْهُولٌ «بِمُصِيبَةٍ فِي مَالِهِ أَوْ فِي نَفْسِهِ»، وَلَوْ بِالْجَرْحِ «فَكَتَمَهَا» أَيْ أَخْفَاهَا صَبْرًا عَلَيْهَا وَطَلَبًا لِثَوَابِهَا «، وَلَمْ يَشْكُهَا لِأَحَدٍ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَغْفِرَ لَهُ»، وَعَنْ الْبُدُورِ السَّافِرَةِ لِلسُّيُوطِيِّ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ فِي الْجَنَّةِ لَغُرَفًا لَيْسَ لَهَا مَعَالِيقُ مِنْ فَوْقِهَا، وَلَا عِمَادٌ مِنْ تَحْتِهَا قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَدْخُلُهَا أَهْلُهَا قَالَ يَدْخُلُونَهَا أَشْبَاهَ الطَّيْرِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنْ قَالَ لِأَهْلِ الْأَسْقَامِ وَالْأَوْجَاعِ وَالْبَلْوَى» ثُمَّ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ لَا يُنَاقِضُهُ قَوْلُهُ - ﵊ - «فِي مَرَضِهِ وَارَأْسَاهُ»، وَقَوْلُ سَعْدٍ قَدْ اشْتَدَّ بِي الْوَجَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ - ﵂ - وَارَأْسَاهُ فَإِنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْإِخْبَارِ لَا الشَّكْوَى فَإِذَا حَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ أَخْبَرَ بِعِلَّتِهِ لَمْ يَكُنْ شَكْوَى بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخْبَرَ بِهَا بِتَسَخُّطٍ مَثَلًا فَإِنَّ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ قَدْ يُثَابُ عَلَيْهَا وَقَدْ يُعَاقَبُ بِالنِّيَّةِ وَالْقَصْدِ، وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ أَيْضًا «مَنْ أُصِيبَ فِي جَسَدِهِ بِشَيْءٍ فَتَرَكَهُ لِلَّهِ كَانَ كَفَّارَةً لَهُ» .
(دَيْلَم) الدَّيْلَمِيُّ (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ الْإِيمَانُ نِصْفَانِ نِصْفٌ صَبْرٌ وَنِصْفٌ شُكْرٌ» بِصَرْفِ كُلِّ نِعْمَةٍ إلَى مَا خُلِقَ لَهُ؛ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ بِالْمَعَارِفِ وَالْأَعْمَالِ هُوَ الْإِيمَانُ. وَحَاصِلُ التَّصْدِيقِ بِالْمَعَارِفِ الْيَقِينُ وَحَاصِلُ التَّصْدِيقِ بِالْأَعْمَالِ الصَّبْرُ إذْ لَا يُمْكِنُ تَرْكُ الْمَعْصِيَةِ وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَى الطَّاعَةِ إلَّا بِالصَّبْرِ، وَأَيْضًا رُبَّمَا يُطْلَقُ الْإِيمَانُ عَلَى الْأَحْوَالِ الْمُثْمِرَةِ لِلْأَعْمَالِ لَا الْمَعَارِفِ وَالْأَعْمَالُ إمَّا ضَارٌّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَوْ نَافِعٌ فِيهِمَا وَالصَّبْرُ فِي الْأَوَّلِ وَالشُّكْرُ فِي الثَّانِي.
وَفِي الْحَدِيثِ «الصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ» فَيَكُونُ الصَّوْمُ رُبُعَ الْإِيمَانِ
[ ٣ / ٧٨ ]
(وَأَفْضَلُ الصَّبْرِ مَا عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى) أَيْ عِنْدَ فَوْرَةِ الْمُصِيبَةِ وَابْتِدَائِهَا قَبْلَ أَنْ يَحْصُلَ التَّسَلِّي بِشَيْءٍ مِنْ التَّسَلِّيَاتِ لِكَثْرَةِ الْمَشَقَّةِ حِينَئِذٍ، وَأَصْلُ الصَّدْمِ الضَّرْبُ فِي شَيْءٍ صُلْبٍ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي كُلِّ مَكْرُوهٍ وَوَقَعَ بَغْتَةً وَمَعْنَاهُ أَنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ قُوَّةِ الْمُصِيبَةِ أَشَدُّ فَالثَّوَابُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ فَإِنَّ بِطُولِ الْأَيَّامِ يَتَسَلَّى الْمُصَابُ فَيَصِيرُ الصَّبْرُ طَبْعًا، وَقَدْ بَشَّرَ اللَّهُ تَعَالَى - الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةً قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ -.
وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ قِيلَ حُبِسَ الشِّبْلِيُّ وَقْتًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ فَقَالَ مَنْ أَنْتُمْ قَالُوا أَحِبَّاؤُك جَاءُوك زَائِرِينَ فَأَخَذَ يَرْمِيهِمْ بِالْحِجَارَةِ، وَأَخَذُوا يَهْرُبُونَ فَقَالَ يَا كَذَّابُونَ لَوْ كُنْتُمْ أَحِبَّائِي لَصَبَرْتُمْ عَلَى بَلَائِي.
وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ الْقُدْسِيَّةِ «مَنْ يَتَحَمَّلُ مَا يَتَحَمَّلُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَجْلِي»، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، وَقَالَ بَعْضُهُمْ كُنْت بِمَكَّةَ فَرَأَيْت فَقِيرًا طَافَ بِالْبَيْتِ، وَأَخْرَجَ مِنْ جَيْبِهِ رُقْعَةً وَنَظَرَ فِيهَا وَمَرَّ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فَتَرَقَّبْته أَيَّامًا وَهُوَ يَفْعَلُ مِثْلَهُ فَيَوْمًا مِنْ الْأَيَّامِ طَافَ وَنَظَرَ فِي الرُّقْعَةِ وَتَبَاعَدَ قَلِيلًا وَسَقَطَ مَيِّتًا فَأَخْرَجْنَا الرُّقْعَةَ مِنْ جَيْبِهِ فَإِذَا فِيهَا - ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]؛ وَلِمِثْلِ ذَلِكَ الْفَضْلِ كُلِّهِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ الْمُصِيبَةُ وَاحِدَةٌ فَإِذَا جَزَعَ صَاحِبُهَا تَكُونُ ثِنْتَيْنِ إحْدَاهُمَا الْمُصِيبَةُ وَثَانِيَتُهُمَا ذَهَابُ أَجْرِ الْمُصِيبَةِ بَلْ الْمُصِيبَةُ هِيَ هَذَا لَا نَفْسُ الْمُصِيبَةِ.
(خ م عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الصَّبْرُ» أَيْ الْكَامِلُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ الْجَزِيلُ «عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى» إذْ بَعْدَ ذَلِكَ يَهُونُ الْأَمْرُ وَتَنْكَسِرُ حِدَةُ الْمُصِيبَةِ فَإِنَّ مُفَاجَأَةَ الْمُصِيبَةِ بَغْتَةً بِهَا رَوْعَةٌ تُزْعِجُ الْقَلْبَ (وَالصَّبْرُ أَصْلُ كُلِّ عِبَادَةٍ) قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ فَإِنَّ مَبْنَى أَمْرِ الْعِبَادَةِ كُلِّهِ عَلَى الصَّبْرِ وَاحْتِمَالِ الْأَذَى فَمَنْ لَمْ يَكُنْ صَبُورًا لَمْ يَصِلْ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا بِالْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَصَدَ عِبَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَجَرَّدَ لَهَا اسْتَقْبَلَتْهُ الشَّدَائِدُ وَالْمَصَائِبُ مِنْ وُجُوهٍ أَوَّلُهَا لَا عِبَادَةَ إلَّا بِقَمْعِ الْهَوَى، وَقَهْرِ النَّفْسِ، وَلَا أَشَدَّ عَلَى النَّفْسِ مِنْ ذَلِكَ وَثَانِيهَا حِفْظُ عَمَلِهِ عَمَّا يُفْسِدُهُ وَاتِّقَاءُ الْعَمَلِ أَشَدُّ مِنْ الْعَمَلِ وَثَالِثُهَا مَنْ كَانَ فِي دَارِ الْمِحْنَةِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْمُصِيبَةِ نَفْسًا، وَأَوْلَادًا أَوْ أَقْرِبَاءَ، وَعِرْضًا وَغَيْرَهَا فَكُلُّهَا تُوجِبُ الصَّبْرَ، وَإِلَّا فَالْجَزَعُ يَمْنَعُ الْعِبَادَةَ وَرَابِعُهَا كُلَّمَا ازْدَادَ الْقُرْبَةَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَالْمَصَائِبُ لَهُ أَكْثَرُ وَالْبَلَاءُ عَلَيْهِ أَشَدُّ كَقَوْلِهِ - ﵊ - «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الشُّهَدَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ» فَإِذَنْ مَنْ تَجَرَّدَ لِلْعِبَادَةِ تَكْثُرُ عَلَيْهِ الْمِحَنُ ثُمَّ قَالَ فِي الصَّبْرِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: أَوَّلُهَا كَالنَّجَاةِ وَالنَّجَاحِ - ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]- الْآيَةَ أَيْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ بِالصَّبْرِ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا مِنْ الشَّدَائِدِ.
وَثَانِيهَا: وَكَالظَّفَرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] .
وَثَالِثُهَا: وَكَالظَّفَرِ بِالْمُرَادِ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧] .
وَرَابِعُهَا: وَكَالتَّقَدُّمِ عَلَى النَّاسِ وَالْإِمَامَةِ - ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤]-.
وَخَامِسُهَا: وَكَالثَّنَاءِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٤٤] .
وَسَادِسُهَا: وَكَالْبِشَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالرَّحْمَةِ ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] .
وَسَابِعُهَا: وَكَمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] .
وَثَامِنُهَا: وَكَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي الْجَنَّةِ - ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥] .
وَتَاسِعُهَا: وَكَالتَّكْرِمَةِ الْعَظِيمَةِ - ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] .
وَعَاشِرُهَا: وَكَالثَّوَابِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِي - ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]- فَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى صَبْرِ سَاعَةٍ؛ وَلِذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنْ الصَّبْرِ»، وَقَالَ عُمَرُ - ﵁ - جَمِيعُ خَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي صَبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ
[ ٣ / ٧٩ ]
الصَّبْرُ مِفْتَاحُ مَا يُرْجَى وَكُلُّ خَيْرٍ بِهِ يَكُونُ
اصْبِرْ وَإِنْ طَالَتْ اللَّيَالِي فَرُبَّمَا أَمْكَنَ الْحَرُونُ
وَرُبَّمَا نِيلَ بِاصْطِبَارٍ مَا قِيلَ هَيْهَاتَ لَا يَكُونُ
ثُمَّ قَالَ فَعَلَيْك بِاغْتِنَامِ هَذِهِ الْخَصْلَةِ الشَّرِيفَةِ وَبَذْلِ الْمَجْهُودِ فِيهَا تَكُنْ مِنْ الْفَائِزِينَ.
(وَ) الصَّبْرُ أَيْضًا أَصْلُ كُلِّ (كَفٍّ عَنْ مَعْصِيَةٍ)؛ لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ لَا تَكُونُ بِلَا صَبْرٍ عَلَى تَعَبِهَا، وَلَا يَحْتَرِزُ الْعَبْدُ مِنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ إلَّا بِالصَّبْرِ عَلَيْهَا خَوْفًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمًا لَهُ قِيلَ الصَّبْرُ ثَلَاثَةٌ:
أَوَّلُهَا: أَنْ تَقْهَرَ دَوَاعِيَ الْهَوَى فَلَا يَبْقَى لَهُ قُوَّةُ الْمُنَازَعَةِ هَذَا لِلْمُقَرَّبِينَ.
وَثَانِيهَا: أَنْ تَغْلِبَ دَوَاعِي الْهَوَى وَيَسْقُطَ بِالْكُلِّيَّةِ مُنَازَعَةُ بَاعِثِ الدِّينِ فَسَلَّمَ نَفْسَهُ إلَى جُنْدِ الشَّيْطَانِ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْغَافِلُونَ، وَهُمْ الَّذِينَ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ شِقْوَتُهُمْ وَاسْتَرَقَّتْهُمْ شَهَوَاتُهُمْ، وَعَلَامَتُهَا الْقُنُوطُ وَالْغُرُورُ بِالْأَمَانِيِّ، وَهُوَ غَايَةُ الْحُمْقِ.
وَثَالِثُهَا: أَنْ تَكُونَ الْحَرْبُ سِجَالًا بَيْنَ الْجُنْدَيْنِ فَتَارَةً لَهُ الْيَدُ عَلَيْهَا وَتَارَةً لَهَا عَلَيْهِ، وَهَذَا مِنْ الْمُجَاهِدِينَ لَا مِنْ الْفَائِزِينَ، وَهُمْ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا.
(تَتِمَّةٌ): قَالَ الْفَاضِلُ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ «إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا ابْتَلَاهُ» لِيَسْمَعَ تَضَرُّعَهُ أَيْ تَذَلُّلَهُ وَمُبَالَغَتَهُ فِي السُّؤَالِ «فَإِذَا دَعَا قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ صَوْتٌ مَعْرُوفٌ وَقَالَ جِبْرِيلُ يَا رَبِّ اقْضِ حَاجَتَهُ فَيَقُولَ دَعُوا عَبْدِي فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ صَوْتَهُ» قَالَ الْغَزَالِيُّ؛ وَلِهَذَا الْمَعْنَى تَرَاهُ يُكْثِرُ ابْتِلَاءَ أَوْلِيَائِهِ، وَأَصْفِيَائِهِ الَّذِينَ هُمْ أَعَزُّ عِبَادِهِ، وَإِذَا رَأَيْت اللَّهَ يَحْبِسُ عَنْك الدُّنْيَا وَيُكْثِرُ عَلَيْك الشَّدَائِدَ وَالْبَلْوَى فَاعْلَمْ أَنَّك عَزِيزٌ عِنْدَهُ، وَأَنَّك عِنْدَهُ بِمَكَانٍ، وَأَنَّهُ لَيَسْلُكَ بِك طَرِيقَ أَوْلِيَائِهِ أَمَا تَسْمَعُ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]- بَلْ اعْرِفْ مِنَّتَهُ عَلَيْك فِيمَا يَحْفَظُ عَلَيْك مِنْ صَلَوَاتِك وَيُكْثِرُ مِنْ أُجُورِك وَثَوَابِك وَيُنْزِلُك مَنْزِلَ الْأَبْرَارِ.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ الْعَارِفُ الْجِيلَانِيُّ التَّلَذُّذُ بِالْبَلَاءِ مِنْ مَقَامَاتِ الْعَارِفِينَ لَكِنْ لَا يُعْطِيهِ اللَّهُ لِعَبْدٍ إلَّا بَعْدَ بَذْلِهِ جَهْدَهُ فِي مَرْضَاتِهِ فَإِنَّ الْبَلَاءَ تَارَةً بِمُقَابَلَةِ جَرِيمَةٍ وَتَارَةً تَكْفِيرٌ وَتَارَةً رَفْعٌ لِلدَّرَجَاتِ وَتَبْلِيغُ الْمَنَازِلِ الْعَالِيَةِ؛ وَلِكُلٍّ مِنْهَا عَلَامَةٌ فَعَلَامَةُ الْأَوَّلِ عَدَمُ الصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلَاءِ، وَكَثْرَةُ الْجَزَعِ وَالشَّكْوَى لِلْخَلْقِ، وَعَلَامَةُ الثَّانِي الصَّبْرُ، وَعَدَمُ الشَّكْوَى وَخِفَّةُ الطَّاعَاتِ عَلَى بَدَنِهِ، وَعَلَامَةُ الثَّالِثِ الرِّضَا وَالطُّمَأْنِينَةُ وَخِفَّةُ الْعَمَلِ عَلَى الْبَدَنِ وَالْقَلْبِ. اهـ. وَيَدُورُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ بِصَبِّ الْبَلَاءِ وَالْمَصَائِبِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» كَمَا فِي الْجَامِعِ.