من الأصول العامة التي عليها مدار التشريع في هذا الدين، التخفيف والتيسير، وعدم التكليف بما لا يطاق، وبما فيه حرج ومشقة على الأمة في عبادتها لربها (^١).
قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (^٣) وقال ﷿: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج﴾ (^٤) وقال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (^٥).
قال الحافظ ابن كثير ﵀ عند تفسير الآية الأخيرة: «أي ما كلفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيئ فشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجًا ومخرجًا». (^٦)
وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀: «وقد بين الله أن هذه الحنيفية السمحة، التي جاء بها سيدنا محمد ﷺ أنها مبنية على التخفيف والتيسير، لا على الضيق والحرج، وقد رفع الله فيها الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا». (^٧)
وبناء على هذا الأصل في التشريع، أرشد النبي ﷺ أمته، إلى سلوك مسلك الاقتصاد والتيسير في العمل وترك التكلف والتشديد فيه.
_________________
(١) انظر في تقرير هذا الأصل الموافقات للشاطبي ٢/ ١٠٧/ ١١٩ - ١٢٨.
(٢) سورة البقرة (٢٨٦).
(٣) سورة البقرة (١٨٥).
(٤) سورة المائدة (٦).
(٥) سورة الحج (٧٨).
(٦) تفسير ابن كثير ٥/ ٤٥٥.
(٧) أضواء البيان ٥/ ٧٤٨.
[ ٩٥ ]
ففي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: «دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي امرأة فقال: من هذه؟ فقلت امرأة لا تنام تُصَلَّيِ قال: «عليكم من العمل ما تطيقون فو الله لا يملُّ الله حتى تملوا، وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه». (^١)
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحدٌ إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة». (^٢)
وعن أبي بريدة ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي في المسجد، يكثر الركوع والسجود، فقال النبي ﷺ: «أتراه يرائي» فقلت: الله ورسوله أعلم فجمع بين يديه فجعل يصوبهما ويرفعها ويقول: «عليكم هديًا قاصدًا، عليكم هديًا قاصدًا، عليكم هديا قاصدًا، فإنه من يشادّ هذا الدين يغلبه». (^٣)
وعن أنس بن مالك ﵁ قال دخل النبي ﷺ المسجد، وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: «ما هذا؟» قالوا: لزينب تصلي فإذا كسلت أو فترت أمسكت به فقال: «حلُّوه. ليصل أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر قعد». (^٤)
فتضمنت هذه الأحاديث، الأمر بلزوم الاقتصاد في العمل، والنهي عن التشديد، والتعنت في العبادة. وفي هذا دلالة ظاهرة على أن العمل على وجه السداد والتيسير، أفضل من العمل على وجه التكلف والتعسير، فإنه لا يمكن للنبي ﷺ مع كمال
_________________
(١) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٣/ ٣٦ ح (١١٥١) ومسلم واللفظ له ١/ ٥٤٢ ح (٧٨٥).
(٢) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ١/ ٩٣ ح (٣٩).
(٣) أخرجه أحمد ٣٨/ ٦١ ح (٢٢٩٦٣) والحاكم في المستدرك ١/ ٤٧٥ وصححه ووافقه الذهبي.
(٤) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٣/ ٣٦ ح: (١١٥٠) ومسلم ١/ ٥٤١ ح (٧٨٤).
[ ٩٦ ]
حرصه على أمته، أن يوجهها ويرشدها، إلَّا لمَا يعلم أنه خير لها وأزكى في عبادتها لربها، هذا مع امتثاله هذا الهدي في نفسه، وتشديده على المخالف فيه.
كما جاء في قصة الرهط، الذين أرادوا الانقطاع إلى العبادة، وترك بعض المباحات، فقال صلى على الله عليه وسلم: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». (^١)
فأخبر أنه أخشى الأمة وأتقاها لله وهو مع هذا لا ينقطع للعبادة، بل يسلك مسلك الاقتصاد والتوسط، ويجمع بين العبادة، وإعطاء النفس حظها من المباحات، في غير إفراط ولا تفريط.
ومما جاء صريحًا من السنة، في تفضيل الأعمال المؤداة على وجه التيسير والرفق، على غيرها من الأعمال:
قوله ﷺ «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة». (^٢)
قال ابن حجر في شرحه: «قوله أحب الدين: أي خصال الدين؛ لأن خصال الدين كلها محبوبة، لكن ما كان منها سمحًا أي سهلًا فهو أحب إلى الله، ويدل عليه ما أخرجه أحمد بسند صحيح، من حديث أعرابي لم يسمه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه يقول: «خير دينكم أيسره (^٣)». (^٤)
كما جاءت بالحث على الاقتصاد في العمل، والإرشاد إلى مسلك الرفق في
_________________
(١) تقدم تخريجه ص: ٩٨.
(٢) أخرجه البخاري معلقًا في الصحيح. الصحيح مع الفتح ١/ ٩٣، وأخرجه موصولًا من حديث ابن عباس في الأدب المفرد، الأدب المفرد مع شرحه فضل الله الصمد ١/ ٣٨٥ ح (٢٨٧)، وأخرجه البغوي في شرح السنة ٢/ ٤٦٨ قال ابن حجر إسناده حسن: فتح الباري ١/ ٩٤.
(٣) هو في مسند أحمد من حديث مِحْجَن بن الأدْرَع ٣٣/ ٤٥٧، ٤٥٨ ح (٣٠٣٤٩) وقال محققوه: «حسن لغيره».
(٤) فتح الباري ١/ ٩٣، ٩٤.
[ ٩٧ ]
العبادة، الآثارُ عن السلف ﵏.
فعن كعب الأحبار قال: «إن هذا الدين متين، فلا تبغض إليك دين الله، وأوغل برفق، فإن المنبت لم يقطع بُعْدًا، ولم يستبق ظهرًا، واعمل عمل المرء الذي يرى أنه لا يموت اليوم، واحذر حذر المرء الذي يرى أنه يموت غدًا». (^١)
وعن عمر بن إسحاق (^٢) قال: «أدركت من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر ممن سبقني منهم، فما رأيت قومًا أيسر سيرة منهم، ولا أقل تشديدًا منهم». (^٣)
وعن الحسن البصري ﵀ قال: «دين الله وُضع، فوق التقصير، ودون الغلو». (^٤)
وعن يحيى بن جعده (^٥) قال: «كان يقال: اعمل وأنت مشفق، ودع العمل وأنت تحبه، عمل دائم وإن قل، خير من عمل كثير منقطع». (^٦)
وعن مطرف بن الشخير أنه قال لابن له قد اجتهد في العبادة: «خذ الأمور أوسطها، الحسنة بين السيئتين وشر السير الحقحقة». (^٧)
قال أبو عبيد في شرح قول مطرف: «يعني أن الغلو في العبادة سيئة، والتقصير سيئة، والاقتصاد بينهما حسنة» قال: «والحقحقة: أن يلح في شدة السير، حتى تقوم عليه راحلته أو تعطب، فيبقى منقطعًا به» (^٨)
_________________
(١) ذكره الشاطبي في الاعتصام ١/ ٣٠٥.
(٢) عمر ابن إسحاق المدني، مولى زائدة، حجازي مقبول، مات بعد المائة، انظر تقريب التهذيب ص ٤١٠.
(٣) ذكره الشاطبي في الاعتصام ١/ ٣٠٥.
(٤) المصدر نفسه ١/ ٣٠٦.
(٥) يحيى بن جعده بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي قال ابن حجر ثقة من الثالثة تقريب التهذيب ص ٥٨٨.
(٦) ذكره الشاطبي في الاعتصام ص ١/ ٣٠٥.
(٧) أخرجه الطبري في التفسير ٩/ ٤١٢ وأبو نعيم في الحلية ٢٠٩ والبغوي في شرح السنة ٢/ ٤٧١.
(٨) غريب الحديث ٤/ ٣٨٨.
[ ٩٨ ]
وفي تراجم الإمام البخاري لبعض الأحاديث المتقدمة: «باب ما يكره من التشديد في العبادة» (^١) ترجم به في كتاب التهجد لحديث أنس بن مالك في اجتهاد زينب، وحديث عائشة في خبر المرأة المكثرة من الصلاة. (^٢)
وفي كتاب الإيمان ترجم لحديث أبي هريرة المتقدم (إن الدين يسر) (^٣) بقوله «باب الدين يسر، وقول النبي ﷺ: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة». (^٤)
وفي كتاب الرقاق، ترجم لجملة من الأحاديث في هذا المعنى بقوله «باب القصد والمداومة على العمل» (^٥)
وفي هذا دلالة على تقرير الإمام البخاري ﵀ لهذا الأصل، وتفضيله العمل على وجه السداد والمقاربة على غيره، كما هو ظاهر في التراجم.
كما نص على هذه المسألة وقررها العلماء المحققون في السنة والاتباع.
قال البغوي ﵀ معلقًا على حديث أبي هريرة (إن الدين يسر …) «ففي الحديث الأمر بالاقتصاد في العبادة، وترك الحمل على النفس بما يؤودها، فإن الله ﷾ لم يتعبد خلقه بأن ينصبوا آناء الليل والنهار، فلا يستريحوا». (^٦)
وقال القاضي عياض ﵀ في قول النبي ﷺ (عليكم من الأعمال ما تطيقون): «يحتمل الندب لنا إلى تكلف ما لنا به طاقة من العمل، ويحتمل النهي عن تكلف ما لا نطيق، والأمر بالاقتصار على ما نطيق، وهو اللائق بنسق الحديث». (^٧)
_________________
(١) الصحيح مع الفتح ٣/ ٣٦.
(٢) انظرهما بنصهما ص: ١١٦، ١١٧ من هذا الكتاب.
(٣) انظره ص: ١١٦ من هذا الكتاب.
(٤) الصحيح مع الفتح ١/ ٩٣.
(٥) الصحيح مع الفتح ١١/ ٢٩٤.
(٦) شرح السنة ٢/ ٤٧٠.
(٧) إكمال المعلم ٣/ ١٤٧.
[ ٩٩ ]
وقال أيضًا في بيان فضل المداومة على العمل: «وقلنا: إن فضل ذلك يرجع إلى التخفيف في العبادة». (^١)
وقال أبو العباس القرطبي ﵀ في شرح حديث (عليكم من الأعمال ما تطيقون): «هذا حض على التخفيف في أعمال النوافل، ويتضمن الزجر عن التشديد والغلو فيها، وسبب ذلك أن التخفيف يكون معه الدوام والنشاط، فيكثر الثواب لتكرار العمل وفراغ القلب، بخلاف الشاق منها، فإنه يكون معه التشويش والانقطاع غالبًا» (^٢)
وقال النووي ﵀ في شرح الحديث السابق: «في هذا الحديث كمال شفقته ﷺ، ورأفته بأمته، لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم، وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ولا ضرر، فتكون النفس: نشطة والقلب منشرحًا فتتم العبادة، بخلاف تعاطي من الأعمال ما يشق، فإنه بصدد أن يتركه أو بعضه، أو يفعله بكلفه، وبغير انشراح القلب، فيفوته خير عظيم». (^٣)
وقال الشاطبي ﵀ «والدليل على صحة الأخذ بالرفق وأنه الأولى والأحرى وإن كان الدوام على العمل أيضًا مطلوبًا عتيدًا في الكتاب والسنة ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ (^٤)» .. (^٥)
وقال ابن رجب ﵀: «إن أحب الأعمال إلى الله ما كان على وجه السداد والاقتصاد والتيسير، دون ما كان على وجه التكلف والاجتهاد والتعسير، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. (^٦) …» (^٧) ثم ساق جملة من الأدلة لذلك.
_________________
(١) المصدر نفسه ٣/ ١٤٨.
(٢) المفهم ٢/ ٤١٣.
(٣) شرح صحيح مسلم ٦/ ٧١.
(٤) سورة الحجرات (٧).
(٥) الاعتصام ١/ ٢٩٤.
(٦) سورة البقرة (١٨٥).
(٧) المحجة في سير الدلجة ص ٤٦، ٤٧.
[ ١٠٠ ]
وقال ﵀: «فأفضل الناس من سلك طريق النبي ﷺ، وخواص أصحابه، في الاقتصاد في العبادة البدنية، والاجتهاد في الأحوال القلبية، فإن سفر الآخرة يقطع بسير القلوب لا بسير الأبدان». (^١)
إلى غير ذلك من أقوال أهل العلم في هذا المعنى، وهي كثيرة جدًا مشهورة عند أهل العلم، وموطن بسطها في كتب الاعتقاد والسنة، والفقه وأصوله وشروحها.
وبهذا العرض للأدلة وكلام أهل العلم، يتبين فضل الاقتصاد في العمل، على المبالغة فيه. وسلوك مسلك الرفق والتيسير في العبادة، على التعنت والتشديد فيها.
وإذا تقرر هذا، فحقيقة الاقتصاد في العمل مما قد تختلف الناس في حدّه تبعًا لتفاوت الآراء، فما يراه بعضهم مُقْتَصَدًا، قد يراه غيره شديدًا، والعكس بالعكس، ولذا فينبغي أن يكون المرجع في ذلك إلى النصوص الشرعية، التي هي الحكم الفصل عند الاختلاف.
ويمكن من خلال الأحاديث تحديد الضوابط العامة لحقيقة، الاقتصاد في العمل فيما يأتي:
أولا- أن يكون العمل على وجه السداد والمقاربة، لقول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة (فَسَدِدُوا وقَارِبُوا). (^٢)
والتسديد: «العمل بالسداد، وهو القصد والتوسط في العبادة، فلا يقصر فيما أمر به، ولا يتحمل منها ما لا يطيقه» قاله ابن رجب. (^٣)
والمقاربة: هي التوسط بين الإفراط والتفريط، فهي على هذا بمعنى السداد
_________________
(١) المصدر نفسه ص ٥٦.
(٢) تقدم تخريجه ص: ١١٦.
(٣) المحجة في سير الدلجة ص ٥١.
[ ١٠١ ]
أو قريبًا منه. (^١)
وقيل: هي أن يعمل بما يقرب من الكمال، إن لم يستطع الأخذ به. (^٢)
والمقصود هو أن يسلك العبد مسلك التوسط في العبادة، بين الإفراط وهو التشدد في العبادة، وبين التفريط وهو النقص عن المشروع، وأن يجتهد في إيقاع العمل على وجه المقاربة، عند العجز عن الكمال.
ثانيا- ألا يتكلف العامل ما لا يطيق من العمل وعليه دل قول النبي صلى الله عليه في حديث عائشة (عليكم من العمل ما تطيقون). (^٣)
قال ابن حجر: «منطوقه الأمر بالاقتصاد على ما يطاق، ومفهومه يقتضي النهي عن تكلف ما لا يطاق». (^٤) وبه صرح أبو العباس القرطبي كما تقدم (^٥)
والمقصود هو النهي عن تكلف ما لا يطاق في النوافل، وأما الواجبات فإن الله لا يكلف العباد إلا ما يطيقون قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾. (^٦) قال الشاطبي: «ثبت في الأصول أن شرط التكليف، أو سببه القدرة على المكلف به، فما لا قدرة للمكلف عليه، لا يصح التكليف به شرعًا وإن جاز عقلًا». (^٧)
وفي تقرير هذا الأصل استدلال من وجه لطيف، للنهي عن تكلف ما لا يطاق في النوافل، فإن الله إذا لم يكلف عباده ما لا يطيقون في الواجبات فدل من باب
_________________
(١) انظر المصدر السابق ص ٥٢.
(٢) انظر فتح الباري لابن حجر ١/ ٩٥.
(٣) تقدم تخريجه ص: ١١٦.
(٤) فتح الباري ١/ ١٠٢.
(٥) تقدم نقله ص: ١٢٢.
(٦) سورة البقرة (٢٨٦).
(٧) الموافقات ٢/ ١٠٧.
[ ١٠٢ ]
أولى أنه لم يرد منهم تحمل ما لا طاقة لهم به في باب النوافل. فتقرر أن تكلف ذلك ليس من الدين لا على سبيل الوجوب أو النفل.
ومعنى تحمل ما لا يطاق: هو تحمل ما يثقل أداؤه ويشق، وإن كان مطاقًا مع التكلف، وهذا على الصحيح من أقوال أهل العلم في معناه.
قال ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾. (^١) يعني «ربنا لا تكلفنا من الأعمال، ما لا نطيق القيام به، لثقل حمله علينا». (^٢)
وقال ابن كثير في معنى الآية: «أي لا تكلفنا من الأعمال الشاقة، وإن أطقناها». (^٣)
وقال ابن الأنباري (^٤): «أي لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه، وإن كنا مطيقين له على تجشم وتحمل مكروه .. فخاطب العرب على حسب ما تعقل، فإن الرجل منهم يقول للرجل يبغضه: ما أطيق النظر إليك وهو مطيق لذلك، لكنه يثقل عليه». (^٥)
وعلى هذا يدخل كل ما يشق من الأعمال، في حكم ما لا طاقة به، وفي هذا رد على بعض المتنطعة، الذين قد يتكلفون من الأعمال ما يثقل عليهم، بدعوى أنهم مطيقون لفعله.
إذا تقرر هذا فتكلف ما لا يطاق من الأعمال يكون عن طريق:
الأول: أن يكون العمل في نفسه مما لا يطاق، أو مما فيه حرج ومشقة فادحة، أو
_________________
(١) سورة البقرة (٢٨٦).
(٢) تفسير الطبري ٣/ ١٥٨.
(٣) تفسير ابن كثير ١/ ٧٣٨.
(٤) هو أبو بكر، محمد بن أبي محمد القاسم بن محمد بن بشار، الأنباري، النحوي، صاحب التصانيف في النحو والأدب، كان علامة وقته في الآداب، وأكثر الناس حفظًا، وكان صدوقًا، ثقة، دينًا، خيِّرًا من أهل السنة، ولد سنة ٢٧١ هـ، وتوفي سنة ٣٢٨ هـ. وفيات الأعيان لابن خلكان ٤/ ٣٤١ - ٣٤٢.
(٥) ذكره ابن أبي العز في شرح الطحاوية ص ٦٥٤.
[ ١٠٣ ]
يؤدي إلى تضييع ما هو أولى منه، وهذه هي الرهبانية التي قال فيها النبي ﷺ (من رغب عن سنتي فليس مني). (^١)
الثاني: أن لا يكون في الدخول في العمل مشقة ولا حرج، ولكنه عند الدوام عليه تلحق بسببه المشقة والحرج، أو تضييع ما هو أوكد. (^٢)
ثالثًا- أن يتمكن من المداومة على العمل من غير مشقة، وإليه الإشارة من النبي ﷺ في قوله: (وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه) (^٣) وذلك بعد قوله ﷺ (عليكم من العمل ما تطيقون) وفيه دلالة على اعتبار المداومة على العمل في الإطاقة المعتبرة شرعًا، وأن من لم يتمكن من المداومة لم يكن مطيقًا، كما تقدم التنبيه عليه في الضابط السابق، وعليه دلت أقوال أهل العلم في سياق شرحهم لقوله ﷺ: (عليكم من العمل ما تطيقون).
قال القاضي عياض في معناه «أي ما لكم بالمداومة عليه طاقة». (^٤)
وقال النووي: «أي تطيقون الدوام عليه بلا ضرر». (^٥)
وقال ابن حجر: «أي اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه» (^٦)
وبناءً على هذا فكل عمل لم يتمكن العامل من المداومة عليه أو تمكن من المداومة عليه مع مشقة وكلفة، خرج عن كونه مطاقًا، ميسرًا في حقه، وبالتالي قل انتفاعه به. وذلك لأن المداومة مع التيسير مقصودان للشارع في العبادة، فإذا أُخِلَّ بهما أو بأحدهما، تخلف من الأجر والثواب المترتب على تحقيقهما، بقدر ما تخلف من امتثالهما. وهذا بالنسبة لما تشرع المداومة عليه من الأعمال، دون ما
_________________
(١) تقدم تخريجه ص: ٩٨.
(٢) انظر الاعتصام للشاطبي ١/ ٣٠٠.
(٣) تقدم تخريجه ص: ١١٦.
(٤) إكمال المعلم ٣/ ١٤٧.
(٥) شرح صحيح مسلم ٦/ ٧٠ - ٧١.
(٦) فتح الباري ١/ ١٠٢.
[ ١٠٤ ]
ثبت في السنة فعله في وقت دون وقت، فالسنة فيه عدم الالتزام والمداومة، على ما تقدم تقريره في فصل التفاضل بين الأعمال باعتبار المداومة (^١) والله تعالى أعلم.
رابعًا- أن لا يورث ذلك العملُ العاملَ مللًا واستثقالًا للعبادة، وعلى هذا دل قول النبي ﷺ (فو الله لا يمل الله حتى تملوا) (^٢)
والملل هو استثقال الشيء ونفور النفس عنه بعد محبته (^٣). ومعناه في حق الله: منع ثواب من مل العمل، وقطع أجره. (^٤)
قال ابن رجب: «سمى هذا المعنى من الله مللًا وسآمة، مقابلة للعبد على ملله وسآمته، كما قال الله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم﴾. (^٥) فسمى إهمالهم وتركهم نسيانًا، مقابلة لنسيانهم له. هذا أظهر ما قيل في هذا». (^٦)
والمقصود هو المنع من كل عمل يفضي بالعبد إلى السأم من العبادة واستثقالها، وإنما كُرِه ذلك، لما يترتب عليه من محاذير شرعية.
قال الشاطبي: «الدخول في عمل على نية الالتزام له، إن كان في المعتاد بحيث إذا داوم عليه أورثه مللًا، ينبغي أن يعتقد أن هذا الالتزام مكروه ابتداءً، إذ هو مؤدٍ إلى أمور جميعها نهي عنها» (^٧) ثم ذكر.
١ - أن الله ورسوله أهدى في هذا الدين التسهيل والتيسير وهذا الالتزام يشبه من لم يقبل هديته، وهذا غير لائق بالمملوك مع سيده فكيف به مع ربه.
_________________
(١) انظر ص: ١١١.
(٢) تقدم تخريجه ص: ١١٦.
(٣) انظر فتح الباري لابن حجر ١/ ١٠٢.
(٤) انظر النهاية لابن الأثير ٤/ ٣٦٠، والمفهم لأبي العباس القرطبي ٢/ ٤١٤، وفتح الباري لابن رجب ١/ ١٦٦.
(٥) سورة التوبة (٦٧).
(٦) فتح الباري ١/ ١٦٦.
(٧) الاعتصام ١/ ٣٠١.
[ ١٠٥ ]
٢ - خوف التقصير، أو العجز عن القيام بما هو أولى، وآكد في الشرع.
٣ - خوف كراهية النفس لذلك العمل المُلْتَزَم، لأنه قد فرض من جنس ما يشق الدوام عليه، بحيث لا يقرب من وقت العمل إلا والنفس تشمئز منه، وتَودُّ لو لم تعمل وإلى هذا المعنى يشير حديث عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغضوا لأنفسكم عبادة الله ..». (^١)
٤ - خوف الانقطاع عن العمل؛ لأن بغض العمل وكراهيته مظنة الانقطاع وهو مكروه لمن ألزم نفسه لأجل نقض العهد، وعليه دل قوله تعالى ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. (^٢)
٥ - الخوف من الدخول في الغلو في الدين، فإن الغلو هو المبالغة في الأمر، ومجاوزة الحد فيه إلى حيز الإسراف. (^٣)
فبهذه الضوابط الشرعية يمكن تحديد مفهوم الاقتصاد في العمل من عدمه. فمتى ما تحققت هذه الضوابط في العمل، فهو من الأعمال الميسرة المقتصدة ومتى ما تخلفت أو بعضها، خرج عن مسلك الاقتصاد والرفق، إلى مسلك التكلف والتعنت.
وإذا ثبت فضل الاقتصاد في العمل، وتأصيله في باب التعبد والسير إلى الله تعالى، بما تقدم ذكره من الأدلة وأقوال أهل العلم في تقريره، فقد ينقدح في بعض الأذهان مظنة التعارض بين هذا الأصل، وبين ما جاء في بعض النصوص من ترتب الثواب على قدر المشقة، كقول النبي ﷺ لعائشة ﵂، لما استأذنته في أن تعتمر من مكة، فأذن لها أن تهل بعمرة من التنعيم وقال لها: «ولكنها على قدر نفقتك أو
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ٣/ ٢٨ وإسناده ضعيف، وله شاهد من حديث أنس أخرجه أحمد في المسند ٣/ ١٩٩ قال محققه «حسن بشواهده» وليس فيه «ولا تبغضوا لأنفسكم عبادة الله».
(٢) سورة الحديد (٢٧).
(٣) انظر الاعتصام للشاطبي ١/ ٣٠١ - ٣٠٤.
[ ١٠٦ ]
نصبك» (^١)
وفي رواية: «إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك». (^٢)
وقوله ﷺ «أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى». (^٣)
وقد نقل ابن حجر عن ابن المنير وغيره في شرحه «إن السبب في زيادة الأجر وجود المشقة بالمشي إلى الصلاة». (^٤)
والجواب على هذا أن المشقة المذكورة في هذه النصوص والتي يعظم الأجر بقدرها، هي المشقة التي يستلزمها العمل دون أن تكون مقصودة للشارع ولا للعامل، فالحج والاعتمار من الأماكن البعيدة، مثلا، أعظم أجرًا من الحج والاعتمار من الأماكن القريبة، وذلك لزيادة النفقة والنصب في حق القادم البعيد، وإن كانت الكلفة الحاصلة بذلك ليست مقصودة للشارع ولا للعامل، لكن لا سبيل لتحقق المشروع إلا بها ولا سبيل لدفعها، فيؤجر العامل عليها، وهذا بخلاف ما لو أمكن دفعها فتعمدها العامل، فلا يؤجر عليها، كأن يكون للحاج أو المعتمر طريقان أحدهما قريب سهل، والآخر بعيد شاق، فسلك البعيد طلبًا للأجر بزيادة المشقة، فلا يؤجر على ذلك بل يلحقه الذم، حيث لم يسلك مسلك الرفق في تحقيق المشروع، وهذا التقرير هو الذي دلت عليه النصوص وأقوال أهل العلم.
أما النصوص فكثيرة جدًا، وقد تقدم في بداية هذا الفصل ذكر طرف منها، وهي متضمنة أن الله لم يرد بنا في الدين العسر، ولم يشرع لنا ما فيه كلفة وحرج ومشقة علينا، فضلًا أن تكون الكلفة والمشقة مقصودة بالتشريع.
_________________
(١) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٣/ ٦١٠ ح (١٧٨٧) ومسلم ٢/ ٨٧٧.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٦٤٤ وقال (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي.
(٣) أخرجه البخاري من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ الصحيح مع الفتح ٢/ ١٣٧ ح ٦٥١ ومسلم ١/ ٤٦٠، ح (٦٦٢)
(٤) فتح الباري ٢/ ١٣٨.
[ ١٠٧ ]
بل قد جاء في النصوص أن المانع من تشريع بعض الأمور، التي هي محبوبة للشارع، وتتحقق بها بعض المقاصد الشرعية، إنما هو دفع المشقة عن الأمة.
كقوله ﵊: «لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة». (^١)
وأخر صلاة العِشَاء يوما وقال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا». (^٢)
فبين النبي ﷺ أن المانع له من الأمر بالسواك عند كل صلاة، وتأخير العشاء إلى ذلك الوقت، هو خشية المشقة على الأمة، ومعلوم أن النبي ﷺ إذا كان قد ترك بعض ما هو محبوب في الشرع لرفع المشقة عن أمته، لا يمكن مع هذا أن يأمرها بسلوك مسلك الشدة في العبادة من غير مصلحة ويرتب الثواب على ذلك. فهذا من أبعد ما يكون، وهو من أظهر الأدلة لهذه المسألة والله أعلم.
وأما ما جاء عن العلماء في تقرير هذه المسألة:
فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «قول بعض الناس الثواب على قدر المشقة، ليس بمستقيم على الإطلاق، كما قد يستدل به طوائف على أنواع من الرهبانيات والعبادات المبتدعة … ولو قيل الأجر على قدر منفعة العمل وفائدته، لكان صحيحًا اتصاف (الأول) باعتبار تعلقه بالأمر (والثاني): باعتبار صفته في نفسه.
فأما كونه مُشِقًا (^٣) فليس سببًا لفضل العمل ورجحانه، ولكن قد يكون العمل الفاضل مشقًا، ففضله لمعنى غير مشقته، والصبر عليه مع المشقة يزيد ثوابه
_________________
(١) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٢/ ٣٧٤ ح (٨٨٧) ومسلم ١/ ٢٢٠ ح (٢٥٢).
(٢) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٢/ ٥٠ ح (٥٧١).
(٣) جاء في حاشية الكتاب طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف «هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب (شاقًا)»
[ ١٠٨ ]
وأجره، فيزداد الثواب بالمشقة، كما أن من كان بعده عن البيت في الحج والعمرة أكثر: يكون أجره أعظم من القريب، كما قال النبي ﷺ لعائشة في العمرة: «أجرك على قدر نصبك». لأن الأجر على قدر العمل في بعد المسافة، وبالبعيد يكثر النصب فيكثر الأجر ..
فكثيرًا ما يكثر الثواب على قدر المشقة والتعب، لا لأن التعب والمشقة مقصود من العمل، ولكن لأن العمل مستلزم للمشقة والتعب، وهذا في شرعنا الذي رفعت عنا فيه الآصار والأغلال، ولم يجعل علينا فيه حرج، ولا أريد بنا فيه العسر، وأما في شرع من قبلنا فقد تكون المشقة مطلوبة منهم». (^١)
ويقول الإمام الشاطبي «إن المشقة ليس للمكلف أن يقصدها في التكليف نظرًا إلى عظم أجرها، وله أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته من حيث هو عمل، أما هذا الثاني فلأنه شأن التكليف في العمل كله، لأنه إنما يقصد نفس العمل المترتب عليه الأجر، وذلك هو قصد الشارع بوضع التكليف به، وما جاء على موافقة قصد الشارع هو المطلوب.
وأما الأول فإن الأعمال بالنيات، والمقاصد معتبرة في التصرفات كما يذكر في موضعه إن شاء الله فلا يصلح فيها إلا ما وافق قصد الشارع، فإذا كان قصد المكلف إيقاع المشقة خالف قصد الشارع، من حيث إن الشارع لا يقصد بالتكليف نفس المشقة، وكل قصد يخالف قصد الشارع باطل، فالقصد للمشقة باطل، فهو إذا من قبيل ما ينهى عنه، وما ينهى عنه لا ثواب فيه، بل فيه الإثم إن ارتفع النهي عنه إلى درجة التحريم، فطلب الأجر بقصد الدخول في المشقة قصد مناقض». (^٢)
وذكر في الاعتصام في معرض الحديث عن البدع: «فمن ذلك أن يكون للمكلف طريقان في سلوكه للآخرة، أحدهما سهل والآخر صعب،
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٢٠ - ٦٢٢ وانظر أيضًا الكتاب نفسه ٢٢/ ٣١٣ - ٣١٥.
(٢) الموافقات ٢/ ١٢٨ - ١٢٩.
[ ١٠٩ ]
وكلاهما في التوصل إلى المطلوب على حد واحد، فيأخذ بعض المتشددين بالطريق الأصعب، الذي يشق على المكلف مثله، ويترك الطريق الأسهل بناء على التشديد على النفس، كالذي يجد للطهارة مائين: سخنا وباردًا فيتحرى البارد الشاق (^١) استعماله، ويترك الآخر، فهذا لم يعط النفس حقها الذي طلبه الشارع منه، وخالف دليل رفع الحرج من غير معنى زائد، فالشارع لم يرض بشرعية مثله» (^٢).
وبهذا يندفع توهم معارضة النصوص الواردة في ترتب الأجر على المشقة، للأصل العظيم السابق تقريره وهو أن أفضل الأعمال ما كان على وجه الاقتصاد والتيسير، وأنها أحب إلى الله مما كان منها على وجه التشدد والتعسير.
وبه يتحقق المقصود من تقرير هذا الأصل في باب المفاضلة بين الأعمال، وكونه من المبادئ العظيمة لهذا الدين بحسب ما تقدم ذكره من الضوابط الواجب مراعاتها في هذا الباب والله تعالى أعلم.
_________________
(١) قوله (البارد الشاق) إنما قصد الشاطبي ﵀: التمثيل عندما يكون استعمال البارد هو الشاق، لا أن البارد لازم للمشقة، بل قد يكون الساخن هو الشاق كما في بعض الأوقات في البلدان الحارة، أو في حق بعض الناس، ولو كانت العبارة (… فيتحرى ما يشق استعماله) لكانت أدق دفعًا للإيهام.
(٢) الاعتصام ١/ ٣٤٠.
[ ١١٠ ]