إن الذين يجلسون في حلقات التحفيظ مساءً - طلابًا ومعلمين - يكادون ينفردون بالأجر المذكور في حديث أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً" (^١). إذ قلَّ أنْ يجلس أحد من بعد صلاة العصر إلى قُبيل المغرب إلا هم. وحلقات التحفيظ عمومًا فيها فضائل كثيرة، وأجور عظيمة، منها ما ورد في الأدلة التالية:
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ؛ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ. وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ؛ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ" (^٢). قال النووي ﵀:
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٦٦٧) وأحمد (٢٢١٨٥) بنحوه. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٦٥)، والوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين رقم (١٠٦).
(٢) رواه مسلم (٢٦٩٩).
[ ٤٤ ]
قيل: المراد بالسكينة هنا: الرحمة، وهو ضعيف؛ لعطف الرحمة عليه، وقيل: الطمأنينة والوقار، وهو أحسن، وفي هذا دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد، وقوله ﷺ: "وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ؛ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ" معناه: من كان عمله ناقصا لم يلحقه بمرتبة أصحاب الأعمال فينبغي ألا يتكل على شرف النسب وفضيلة الآباء، ويقصر في العمل" (^١).
وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ فَقَالَ: "أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ، أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ، فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟ " فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ: "أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷿ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ" (^٢). قال
_________________
(١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، حديث رقم (٢٦٩٩).
(٢) رواه مسلم (٨٠٣). ومعنى: (يغدو) أي: يذهب في الغدوة، وهي أول النهار، و(بطحان): بضم الباء وإسكان الطاء: موضع بقرب المدينة. (أو العقيق) قيل: أراد العقيق الأصغر وهو على ثلاثة أميال أو ميلين من المدينة، وخصهما بالذكر لأنهما أقرب المواضع التي يقام فيها أسواق الإبل إلى المدينة. (كوماوين) تثنية كوماء قُلبت الهمزة واوًا، وأصل الكوم: العلو. أي: فيحصل ناقتين عظيمتي السنام، وهي من خيار مال العرب (زهراوين) أي: سمينتين مائلتين إلى البياض من كثرة السمن (بغير إثم) كسرقة وغصب سمى موجب الإثم إثما مجازا (ولا قطع رحم) أي: بغير ما يوجبه، وهو تخصيص بعد تعميم= عون المعبود (١٤٥٦).
[ ٤٥ ]
العظيم آبادي ﵀: والحاصل: أنه ﷺ أراد ترغيبهم في الباقيات وتزهيدهم عن الفانيات، فذِكْرُه هذا على سبيل التمثيل والتقريب إلى فهم العليل، وإلا فجميع الدنيا أحقر من أن يُقابَل بمعرفة آية من كتاب الله تعالى أو بثوابها من الدرجات العلى" (^١).
وقال ابن عباس ﵄: مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، يَتَذَاكَرُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا أَظَلَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا، حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي بِهِ الْعِلْمَ سَهَّلَ اللَّهُ طَرِيقَهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ" (^٢).
_________________
(١) عون المعبود شرح سنن أبي داود (١٤٥٦).
(٢) سنن الدارمي (٣٥٧). والأدلة في هذا المعنى كثيرة، وفيما ذكُر كفاية إن شاء الله، إذ المقصود التذكير بفضلها، والحث على المداومة عليها، وليس المراد الاستقصاء والجمع، فذلك في بابه.
[ ٤٦ ]