قد سَلَكَ بَعْضُ المتأخِّرين (^١) في ذلك طريقة في بعضها، وهو أنَّ الدَّاعيَ يُسْتَحَبُّ له أنْ يجمعَ بين تلك الألفاظ المختلفة، ورأى ذلك (^٢) أفضل ما يُقَالُ فيها، فرأى أنه يستحب للداعي بدعاء الصدِّيق ﵁ أن يقول: "اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيْرًا كَبيْرًا"، ويقول المصلي على النبي ﷺ: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وعلى أزواجه وذريته وارحم محمدًا وآل محمدٍ وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" وكذلك في البركة والرحمة.
_________________
(١) كالنووي في الأذكار ص ٨٠.
(٢) سقط من (ب)، وقارن بمجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٥٨ - ٤٦٢).
[ ٣٧٣ ]
ويقول في دعاء الاستخارة: "اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هذا الأمرَ خَيرٌ ليْ في دِيْني وَمَعَاشِي وعَاقِبَة أمْرِي وعَاجل أمْرِي وآجِله" (^١) ونحو ذلك.
قال: لِيُصيبَ ألفاظ النبي ﷺ يقينًا فيما شَكَّ فيه الرَّاوي، ولتجتمعَ له ألفاظ (^٢) الأدعية الأُخَر فيما اختلفت ألفاظها.
ونازعه في ذلك آخرون، وقالوا (^٣): هذا ضعيف من وجوه:
أحدها: أنَّ هذه طريقة مُحْدَثة لم يسبق إليها أحد من الأئمة المعروفين.
الثاني: أنَّ صاحبها إنْ طَرَدَها لَزِمَه أن يَسْتحِب للمصلي أنْ يَسْتفتح بجميع أنواع الاستفتاحات، وأن يتشهد لجميع أنواع التشهدات، وأن يقول في ركوعه وسجوده جميع الأذكار الواردة فيه، وهذا باطل قطعًا، فإنه خلاف عمل الناس، ولم يستحبَّه أحد من أهل العلم، وهو بِدْعَة، وإن لم يطْردها تناقض وفَرَّقَ بين متماثلين.
الثالث: أنَّ صاحبها ينبغي له أن يستحب للمصلي والتَّالي أن يجمع بين القراءات المتنوِّعة في التِّلاوة في الصلاة وخارجها، قالوا: ومعلوم أن المسلمين مُتَّفقُون على أنه لا يستحب ذلك للقارئ في الصلاة ولا خارجها إذا قرأ قراءة عِبَادة وتَدَبُّر، وإنما
_________________
(١) أخرجه البخاري في (٨٣) الدعوات (٦٠١٩).
(٢) سقط من (ظ).
(٣) في (ح) (وقال) وهو خطأ.
[ ٣٧٤ ]
يفعل ذلك القراء أحيانًا ليمتحن بذلك حفظ القارئ لأنواع (^١) القراءات، وإحاطته بها، واستحضاره إياها، والتَّمكُّن من استحضارها عند طلبها، فذلك تمرين وتدريب لا تعبُّد يُستحَبُّ لكل تَالٍ وقارئ، ومع هذا ففي ذلك للناس كلام ليس هذا موضعه، بل المشروع في حق التالي أن يقرأ بأيِّ حرف شاء، وإن (^٢) شاء أن يقرأ بهذا مرة وبهذا مرة جاز ذلك، وكذا (^٣) الداعي إذا قال: "ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا" مرة، ومرة قال: "كبيرًا" جاز ذلك، وكذلك الداعي إذا صلى على النبي ﷺ مرة بلفظ هذا الحديث، ومرة باللفظ (^٤) الآخر، وكذلك إذا تشهد، فإن شاء تشهَّد بتشهُّد ابن مسعود (^٥)، وإن شاء بتشهد ابن عباس (^٦)، وإن شاء بتشهد ابن عمر (^٧)، وإن شاء بتشهد عائشة (^٨)؛ ﵃ أجمعين.
_________________
(١) في (ش) (أنواع).
(٢) سقط من (ب) (وإن شاء).
(٣) في (ح) (وكذلك).
(٤) في (ب، ش، ج) (بلفظ).
(٥) عند البخاري في (١٦) صفة الصلاة، (٦٤) باب: التشهد في الآخرة (٧٩٧) ومسلم في (٤) الصلاة رقم (٤٠٢).
(٦) عند مسلم في (٤) الصلاة رقم (٤٠٣).
(٧) عند أبي داوود برقم (٩٧١) وهو مختلف في رفعه ووقفه، وهو ثابت وقفه على ابن عمر.
(٨) عند مالك في الموطأ رقم (٢٤٢ و٢٤٣) وابن أبي شيبة في مصنفه (١/ ٢٦١) رقم (٢٩٩٣) والبيهقي في الكبرى (٢/ ١٤٤) موقوفًا عليها. وهو صحيح، وروي مرفوعًا ولا يثبت.
[ ٣٧٥ ]
وكذلك في الاستفتاح إن شاء استفتح بحديث عَلِيّ (^١)، وإن شاء بحديث أبي هريرة (^٢) وإن شاء باستفتاح عمر (^٣)، وإن شاء فعل هذا مرة، وهذا مرة وهذا مرة.
وكذلك إذا رفع رأسه من الركوع إن شاء قال: "اللهم ربنا لك الحمد" (^٤)، وإن شاء قال: "ربنا لك الحمد" (^٥)، وإن شاء قال: "ربنا ولك الحمد" (^٦)، ولا يستحب له أحد (^٧) أن يجمع بين ذلك كله.
وقد احتج غير واحد من الأئمة، منهم الشافعي رحمه الله تعالى على جواز الأنواع المأثورة في التشهدات ونحوها، بالحديث الذي رواه أصحاب الصحيح والسنن وغيرهم: عن النبي ﷺ أنه قال:
٣٢٣ - "أنزل القرآن على سبعة أحرف" (^٨).
_________________
(١) أخرجه مسلم في (٦) صلاة المسافرين وقصرها (٧٧١).
(٢) أخرجه البخاري في (٦) صفة الصلاة (٧١١)، ومسلم في (٥) كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٥٩٨).
(٣) عند مالك في الموطأ برقم (٢٤٠) وغيره وهو صحيح ثابت عنه.
(٤) أخرجه البخاري في (١٦) صفة الصلاة (٧٦٣)، ومسلم في (٤٠٩) الصلاة (٤٠٩) من حديث أبي هريرة.
(٥) أخرجه البخاري في (١٥) الجماعة والإمامة (٦٨٩) من حديث أبي هريرة.
(٦) أخرجه البخارى في (١٦) صفة الصلاة (٧٦٦) من حديث رفاعة بن رافع الزرقي.
(٧) وقع في (ج) (ولا يستحب لأحد أن يجمع).
(٨) أخرجه البخاري في (٦٩) فضائل القرآن (٤٧٠٦) من حديث عمر بن =
[ ٣٧٦ ]
فجوَّز النبي ﷺ القراءة بكل حرف من تلك الأحرف، وأخبر أنه "شافٍ كافٍ" (^١)، ومعلوم أن المشروع في ذلك أن يقرأ بتلك الأحرف على سبيل البدل، لا على سبيل الجمع، كما كان الصحابة يفعلون.
الرابع: أن النبي ﷺ لم يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة في آن واحد، بل إما أن يكون قال هذا مرة، وهذا مرة كألفاظ الاستفتاح والتشهد، وأذكار الركوع والسجود وغيرها، فاتباعه ﷺ يقتضي أن لا يجمع بينها، بل يقال هذا مرة، وهذا مرة وإما أن يكون الراوي قد شك في أي الألفاظ قال، فإن ترجح عند الداعي بعضها صار إليه، وإن لم يترجح عنده بعضها كان مخيرًا بينها، ولم يشرع له الجمع، فإن هذا نوع ثالث لم يرد عن النبي ﷺ، فيعود الجمع بين تلك الألفاظ في آن واحد على مقصود الداعي بالإبطال؛ لأنه قصد متابعة الرسول، ففعل ما لم يفعله قطعًا.
ومثال ما يترجح فيه أحد الألفاظ حديث الاستخارة (^٢)، فإن الراوي شك هل قال النبي ﷺ:
٣٢٤ - "اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني
_________________
(١) = الخطاب.
(٢) تقدم برقم (٢٠٨).
(٣) تقدم قريبًا.
[ ٣٧٧ ]
ومعاشي وعاقبة أمري"، أو قال: "وعاجل أمري وآجله"، بدل: "وعاقبة أمري"، والصحيح اللفظ الأول، وهو قوله: "وعاقبة أمري" لأن عاجل الأمر وآجله هو مضمون قوله: "ديني ومعاشي، وعاقبة أمري" فيكون الجمع بين المعاش وعاجل الأمر وآجله تكرارًا، بخلاف ذكر المعاش والعاقبة، فإنه لا تكرار فيه؛ فإن المعاش هو عاجل الأمر، والعاقبة آجله.
٣٢٥ - ومن ذلك ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قَرَأَ عَشْر آياتٍ مِنْ أوَّلِ سُوْرَة الكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتنة الدَّجَّال"، رواه مسلم (^١). واختلف فيه، فقال بعض الرواة (^٢): "من أول سورة الكهف" (^٣)، وقال بعضهم (^٤): "من آخرها"؛ وكلاهما في
_________________
(١) في (٦) صلاة المسافرين وقصرها (٨٠٩) من طريق هشام الدستوائي عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء فذكره.
(٢) في (ظ، ج) (بعضهم) بدلًا من (بعض الرواة). وَهُم:
(٣) سعيد بن أبي عروبة، عند أحمد في مسنده (٦/ ٤٤٩).
(٤) همام بن يحيى العوذي، عند مسلم (٨٠٩)، وأحمد (٦/ ٤٤٩)، وأبي داوود (٤٣٢٣).
(٥) شيبان بن عبد الرحمن، عند أحمد في مسنده (٦/ ٤٤٩).
(٦) سقط من (ب، ت، ش) من قوله (عُصِم …) إلى، قوله (من أول سورة الكهف).
(٧) هو شعبة بن الحجاج، عند مسلم (٨٠٩). وقد وقع عليه اختلاف آخر، فبعضهم رواه عنه، (من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف) وبعضهم جعل الحديث من مسند ثوبان، ورواية الجماعة أصح وأرجح.
[ ٣٧٨ ]
"الصحيح" (^١)، لكن الترجيح لمن قال: "من أول سورة الكهف" لأن في "صحيح مسلم" (^٢) من حديث النَّوَّاس بن سَمْعان في قصة الدجال:
٣٢٦ - "فَإذَا رأيْتُمُوه فَاقْرَأوا عَلَيْه فَوَاتِحَ سُوْرَة الكَهْفِ" ولم يُخْتلف في ذلك، وهذا يدل على أنَ مَنْ روى العشر من أوِّل السورة حفظ الحديث، ومن روى من آخرها لم يحفظه.
الخامس: أنَّ المقصود إنما هو المَعْنَى، والتَّعبير عنه بعبارة مؤدية له، فإذا عبَّر عنه بإحدى العبارتين حصل المقصود، فلا يجمع بين العبارات المتعددة.
السادس: أن أحد اللفظين بَدَلٌ عن الآخر، فلا يُستحَب الجمع بين البَدَلِ والمُبْدَلِ معًا، كما لا يستحب ذلك في المبدلات التي لها أبدال، والله أعلم.
_________________
(١) في (ب، ج) (وكلاهما صحيح).
(٢) في (٥٢) الفتن وأشراط الساعة (٢٩٣٧).
[ ٣٧٩ ]