قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
قال مجاهد وغيره: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾: موسى ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾: هو محمد -ﷺ- (^١).
وفي حديث الإسراء المتفق على صحته: أنه -ﷺ-، لما جاور موسى قال: "رب لم أظن أن يُرفَع علَيَّ أحد"، ثم علا فوق ذلك بما لا يعلمه إلا اللَّه، حتى جاوز سدرة المنتهى" (^٢).
وفي "صحيح مسلم" (^٣) من حديث عمرو بن العاص -﵄-، أنه سمع النَّبي -ﷺ- يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى عليَّ صلاةً صلَّى اللَّه عليه عشرًا (^٤)، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلةٌ في الجنة لا تنبغي إلَّا لعبدٍ
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٤٨٣) رقم (٢٥٥٣)، والطبري في تفسيره (٣/ ١). وسنده حسن.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٧٠٧٩)، واللفظ له، ومسلم رقم (١٦٢) من حديث أنس ﵁.
(٣) رقم (٣٨٤).
(٤) في مسلم "بها عشرًا".
[ ١ / ٣٢٠ ]
من عباد اللَّه، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة".
وفي "صحيح مسلم" (^١): من حديث المغيرة بن شعبة -﵁- عن النَّبي -ﷺ-: "أنَّ موسى سألَ ربَّهُ: ما أدنى أهل الجنَّة منزلةً؟ فقال: رجلٌ يجيء بعدما دخل أهل الجنَّةِ الجنَّةَ، فيقال له: ادخلِ الجنَّة، فيقول: ربِّ كيف، وقد نزل النَّاسُ منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أنْ يكون لك مثل مَلِكٍ (^٢) من ملوك الدنيا، فيقول: رضيتُ ربِّ، فيقول له: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، فقال في الخامسة: رضيت ربِّ، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذَّت عينك، فيقول (^٣): رضيتُ ربِّ. قال: ربِّ فأعلاهم منزلةً؟ قال: أولئك الَّذين أردت، غرستُ كرامتهم بيديَّ، وختمتُ عليها فلم ترَ عينٌ، ولم تسمع أذنٌ، ولم يخطر على قلب بشر".
وقال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد أخبرنا شَبَابَة عن إسرائيل عن ثوير قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنَّ أدنى أهل الجنَّة منزلةً لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسُررِهِ مسيرة ألفِ سنة، وأكرمهم على اللَّهِ من ينظر إلى وجهه غُدوةً وعشيةً، ثمَّ قرأ رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾
_________________
(١) رقم (١٨٩).
(٢) في مسلم: "مثل مُلْكِ مَلِكٍ".
(٣) من قوله "رضيت رب، فيقول: هذا لك وعشرة" إلى "فيقول" من مسلم، وقد سقط من جميع النسخ.
[ ١ / ٣٢١ ]
[القيامة: ٢٢ - ٢٣] " (^١) .
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم (٢٥٥٣ و٣٣٣٠)، وعبد بن حميد في مسنده "المنتخب رقم ٨١٧"، والآجري في الشريعة (٦٢٠ و٦٢١)، والدَّارقطني في الرؤية رقم (١٧٠ - ١٧٢ و١٧٤) وغيرهم. من طريق إسرائيل عن ثوير به كما تقدم. ورواهُ عبد الملك بن أبجر، واختلف عليه. - فرواهُ أبو معاوية عن عبد الملك بن أبجر عن ثوير عن ابن عمر فذكره مرفوعًا. أخرجه أحمد (٢/ ١٣)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (٩٧)، والدَّارقطني في الرؤية رقم (١٧٣)، وأبو الشيخ في العظمة رقم (٦٠٤)، والطبراني كما ذكره المؤلِّف، وغيرهم. قلتُ: وهذا خطأ، أخطأ فيه أبو معاوية، وهو كثير الخطأ عن غير الأعمش، ويحتمل من اضطراب ثوير وهو ضعيف. خالفه حسين بن علي الجعفي فوقفه. - فرواهُ حسين عن عبد الملك عن ثوير عن ابن عمر موقوفًا من قوله. أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٥٨) رقم (٣٣٩٨٩)، والَّلالكائي في شرح أصول الاعتقاد رقم (٨٦٦). - ورواهُ الثوري - في الرواية الرَّاجحة عنه - عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر موقوفًا. أخرجه الترمذي بعد حديث رقم (٢٥٥٣)، والطبري في تفسيره (٢٩/ ١٩٣). - ورواهُ أبو مريم عن ثوير أنَّ رجلًا حدَّثه كان عند ابن عمر فذكره مرفوعًا. أخرجه أبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (٤٥١). - ورواهُ الأعمش عن ثوير عن ابن عمر قوله بنحوه ولم يذكر الرؤية. أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٦٢) رقم (٣٤٠١٣)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة (٣٤). فهذا الاضطراب فيما يظهر من ثوير بن أبي فاخته -وهو ضعيف- بل ضعفه بعضهم جدًّا واتَّهمه بالكذب، وهو متجه هنا، خاصة والحديث مداره على ثوير =
[ ١ / ٣٢٢ ]
قال: "وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن إسرائيل عن ثوير عن ابن عمر مرفوعًا (^١) . قال: ورواهُ عبد الملك بن أبجر، عن ثُويْر، عن ابن عمر: موقوفًا. ورواهُ عبيد اللَّه الأشجعي عن سفيان عن ثُوير عن مجاهد عن ابن عمر نحو، ولم يرفعه".
قلتُ: ورواه الطبراني في "معجمه" من حديث أبي معاوية عن عبد الملك بن أبجر عن ثوير عن ابن عمر مرفوعًا: "إنَّ أدنى أهل الجنَّة منزلةً لرجل ينظر في ملكه ألفي سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناهُ، ينظر إلى أزواجه وسرره وخدمه" الحديث.
ورواهُ أبو نعيم عن إسرائيل عن ثوير قال: سمعتُ ابن عمر.
قال إسرائيل: لا أعلم ثويرًا إلَّا رفعه إلى النَّبي -ﷺ-.
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن هو: ابن موسى، حدثنا سُكَين بن عبد العزيز، حدثنا أبو الأشعث الضرير، عن شهر بن حوشب، عن أبي
_________________
(١) = هذا وهو رافضي متفقٌ على ضعفه. والحديث ضعفه الترمذي بقوله "غريب" والذهبي والهيثمي وغيرهم. انظر مختصر استدراك الذهبي على مستدرك الحاكم لابن الملقن (٢/ ٩٦٨)، ومجمع الزوائد (١٠/ ٤٠١). والثابت عن ابن عمر: ما رواه ابن عون عن محمد بن سيرين قال: إنَّ أدنى أهل الجنَّة منزلةً، لمَن يقال له تمنَّ، ويذكِّره أصحابه، فيقال له: هولك ومثله معه، قال محمد بن سيرين: قال ابن عمر: "هو لك وعشرة أمثاله، وعند اللَّه المزيد". أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (٣٦) وسنده صحيح.
(٢) في جميع النسخ "غير مرفوع" وهو خطأ، والتصويب من الترمذي.
[ ١ / ٣٢٣ ]
هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن أدنى أهل الجنة منزلة من له سبع درج، وهو على السادسة، وفوقه السابعة، وإن له لثلاث مئة خادم، ويُغْدَى عليه ويُراح كل يوم بثلاث مئة صحفة -ولا أعلمه إلا قال- من ذهب، في كل صحفة لون ليس في الأُخرى، وإنه ليلَذّ أوله كما يلذ آخره، ومن الأشربة ثلاث مئة إناء، في كل إناء لون ليس في الآخر، وإنَّه ليلذ أوله كما يلذ آخره، وإنه ليقول: يا رب لو أذنت لي لأطعمت أهل الجنة وسقيتهم لم ينقص ممَّا عندي شيء، وإن له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا، وإن الواحدة منهن ليأخذ مقعدها قدر ميل من الأرض" (^١) .
قلت: سكين بن عبد العزيز: ضعفه النسائي (^٢) . وشهر بن حوشب: ضعفه مشهور.
والحديث منكر، مخالف للأحاديث الصحيحة (^٣):
- فإن طول ستين ذراعًا لا يحتمل أن يكون مقعدة صاحبه بقدر ميل من الأرض.
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٥٣٧)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (٢٢٩). والحديث كما قال المؤلِّف منكر. قال ابن كثير: "تفرَّد به أحمد، وهو غريب، وفيه انقطاع".
(٢) وضعفه أيضًا أبو داود والدَّارقطني، ووثَّقه ابن معين والعجلي والطنافسي، وقال أبو حاتم وابن عدي: "لا بأس به". انظر ترجمته في تهذيب الكمال (١١/ ٢١٠ - ٢١١)، والكامل لابن عدي (٣/ ٤٦٢ - ٤٦٣).
(٣) في "هـ" "الأحاديث الصِّحاح".
[ ١ / ٣٢٤ ]
- والذي في "الصحيحين" (^١)، في أول زمرة تلج الجنة: "لكل امرئ منهم زوجتان من الحور العين"، فكيف يكون لأدناهم ثنتان وسبعون؟
- وأقل ساكني الجنة نساء الدنيا (^٢)، فكيف يكون لأدنى أهل الجنة جماعة منهن؟
- وأيضًا فإن الجنتين الذهبيتين أعلى من الفضيتين (^٣)؟ فكيف يكون أدناهم في الذهبيتين؟.
قال الدولابي: "شهر بن حوشب لا يشبه حديثه حديث النَّاس". وقال ابن عون: "إنَّ شهرًا نزكوه". وقال النسائي وابن عدي: "ليس بالقوي". وقال أبو حاتم: "لا يحتج به". وتركه شعبة ويحيى بن سعيد، وهذان من أعلم الناس بالحديث، ورواته وعلله، وإن كان غير هؤلاء، قد وثقه وحسَّن حديثه، فلا ريب أنه إذا تفرد بما يخالف ما رواه الثقات لم يقبل (^٤) . واللَّه أعلم.
_________________
(١) تقدم ص (٢٥٦).
(٢) تقدم ص (٢٥٨ - ٢٦٠).
(٣) راجع الباب (٢٢) ص (٢٠٦ - ٢١١).
(٤) انظر ترجمته وأقوال أئمة والتعديل فيه في تهذيب الكمال (١٢/ ٥٧٨ - ٥٨٩).
[ ١ / ٣٢٥ ]