ثبت في "الصحيحين" (^١) من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "يدخل الجنَّة من أمتي زمرةٌ: هم سبعون ألفًا، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر"، فقام عُكَّاشة بن مِحْصَنٍ الأسدي فرفع نمرة عليه، فقال: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه أنْ يجعلني منهم، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "اللهم اجعله منهم"، ثمَّ قام رجلٌ من الأنصار فقال: يا رسول اللَّه، ادعُ اللَّهُ أنْ يجعلني منهم، فقال: "سبقك بها عُكَّاشة".
وفي "الصحيحين" (^٢) من حديث سهل بن سعد أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: "ليدخلنَّ الجنَّة من أمتي سبعون ألفًا أو سبع مئة ألف (^٣) آخذٌ بعضهم ببعض حتى يدخل أوَّلُهم وآخرهم الجنَّة، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر".
فهذه هي الزُمرة الأولى، وهم يدخلونها بغير حساب، والدَّليل عليه ما ثبت في "الصحيحين" (^٤) والسِّياق لمسلم، حدثنا سعيد بن منصور حدثنا هشيم أخبرنا حُصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند
_________________
(١) البخاري رقم (٦١٧٦)، ومسلم رقم (٢١٦).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٦١٧٧)، ومسلم رقم (٢١٩).
(٣) في الصحيحين زيادة "متماسكين".
(٤) البخاري رقم (٦١٧٥)، ومسلم رقم (٢٢٠).
[ ١ / ٢٦٥ ]
سعيد بن جبير، فقال: أيكم رأى الكوكب الَّذي انقض البارحة، قلت: أنا، ثمَّ قلتُ: أما إنِّي لم أكن في صلاة، ولكنِّي لُدغت قال: فما صنعت؟ قلتُ: استرقيت قال: فما حملك على ذلك؟ قلتُ: حديث حدثناه الشعبي، قال: وما حدثكم الشعبي؟ قلتُ: حدثنا عن بُرَيدة بن حصيب الأسلمي أنَّه قال: لا رُقية إلَّا من عينٍ أو حُمَة، فقال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس -﵄- عن النَّبي -ﷺ- قال: "عرضت عليَّ الأمم فرأيت النَّبي ومعه الرهط، والنَّبي ومعه الرجل والرجلان، والنَّبي وليس معه أحد، إذ رُفِعَ لي سوادٌ عظيم، فظننتُ أنَّهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه؛ ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر فإذا سوادٌ عظيم فقيل لي (^١): هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنَّة بغير حسابٍ ولا عذاب"، ثمَّ نهض فدخل منزله، فخاض النَّاس في أولئك الَّذين يدخلون الجَنَّة بغير حسابٍ ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الَّذين صحبوا رسول اللَّه -ﷺ-، وقال بعضهم: فلعلهم الَّذين وُلِدُوا في الإسلام ولم يشركوا باللَّه، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول اللَّه فقال: "ما الَّذي تخوضون فيه"؟ فأخبروه، فقال: هم الَّذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عُكاشة بن محصن فقال: ادعُ (^٢) اللَّه أنْ يجعلني
_________________
(١) من قوله "انظر إلى الأفق" إلى "لي" من صحيح مسلم، وليس في جميع النسخ.
(٢) في نسخةٍ على حاشية "أ" "يا رسول اللَّه ادع" وليست في مسلم ولا في جميع النسخ.
[ ١ / ٢٦٦ ]
منهم، فقال: "أنت منهم"، ثمَّ قام رجلٌ آخر فقال: ادعُ اللَّهَ أنْ يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة".
وليس عند البخاري "ولا يَرْقُون".
قال شيخنا (^١): وهو الصواب، وهذه اللفظة وقعت مقحمة في الحديث، وهو غلطٌ من بعض الرواة (^٢)، فإنَّ النَّبي -ﷺ- جعل الوصف
_________________
(١) هو ابن تيمية، انظر: مجموع الفتاوى (١/ ١٨٢، ٣٢٨)، وراجع: مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٣٤)، وزاد المعاد (١/ ٤٩٥ - ٤٩٦). فائدة: تعقَّب الحافظ ابنُ حجر ابنَ تيمية في هذه الزيادة "ولا يرقون" في الفتح (١١/ ٤٠٨ - ٤٠٩)، وأجاب عن هذه التعقبات الشيخ سليمان بن عبد اللَّه آل الشيخ في تيسير العزيز الحميد ص (٨٤ - ٨٥).
(٢) لعله من سعيد بن منصور، فقد خالفه جماعة فلم يذكروا هذه اللفظة عن هشيم، منهم: - سريج بن النعمان عند أحمد (١/ ٢٧١). - وشجاع بن مخلد الفلاس عند عبد اللَّه في زوائده على المسند (١/ ٢٧١). - ومحمد بن الصباح عند أبي نعيم في مستخرجه برقم (٥٢٦). - وأُسيد بن زيد عند البخاري برقم (٦١٧٥). - وزكريا بن يحيى زحمويه عند البيهقي في شعب الإيمان رقم (١١٢٢). - ومحمد بن عبيد القرشي عند ابن أبي الدنيا في التوكل رقم (٣٩). ورواه شعبة وحصين بن نمير ومحمد بن فضيل وعبثر بن القاسم كلهم عن حصين بن عبد الرحمن به ولم يذكروا هذه اللفظة. وجاء الحديث بدون هذه الزيادة "ولا يرقون" عن غير واحدٍ منهم: عمران بن حصين عند مسلم رقم (٣٧١ و٣٧٢) وغيره. وابن مسعود وسيأتي قريبًا. وهذا يؤيد كلام شيخ الإسلام ابن تيمية بأنَّها غلط.
[ ١ / ٢٦٧ ]
الَّذي استحق به هؤلاء دخول الجنَّة بغير حساب، هو تحقيق التوحيد وتجريده، فلا يسألون غيرهم أنْ يرقيهم، ولا يتطيرون -والطيرة: نوعٌ من الشرك- ويتوكلون على اللَّهِ وحده لا على غيره، وتركهم الاسترقاء والتطير هو من تمام التوكل على اللَّهِ كما في الحديث: "الطيرة شرك"، قال ابن مسعود: "وما منَّا إلَّا، ولكن اللَّه يذهبه بالتوكل" (^١) .
فالتوكل ينافي التطير، وأمَّا رقية الغير فهي إحسان من الرَّاقي، وقد رقى رسولَ اللَّهِ جبريلُ، وأذن (^٢) في الرُّقا (^٣)، وقال: "لا بأس بها ما لم يكن فيها شرك" (^٤)، واستأذنوه فيها فقال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" (^٥)، وهذا يدلُّ على أنَّها نفع وإحسان، وذلك مستحب
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم (١٦١٤)، وأبو داود برقم (٣٩١٠)، وابن ماجه برقم (٣٥٣٨)، وأحمد (١/ ٣٨٩)، وابن حبان (٦١٢٢)، والحاكم (١/ ٦٤ - ٦٥) رقم (٤٣ و٤٤). قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلَّا من حديث سلمة ابن كهيل. . . ". والحديث صححه الترمذي وابن حبان والحاكم والذهبي والعراقي وغيرهم. وقوله "وما منَّا إلَّا. . . " مدرجٌ من قول عبد اللَّه بن مسعود قاله سليمان بن حرب.
(٢) في "ب، د" "بل وأذن".
(٣) يشير إلى حديث عائشة وأبي سعيد الخدري عند مسلم رقم (٢١٨٥ و٢١٨٦).
(٤) أخرجه مسلم برقم (٢٢٠٠) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.
(٥) أخرجه مسلم برقم (٢١٩٩) من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄.
[ ١ / ٢٦٨ ]
مطلوب للَّه ورسوله، فالرَّاقي محسنٌ، والمسترقي سائلٌ راجٍ نفع الغير، وتحقيق التوكل ينافي ذلك.
فإنْ قيل: فعائشة قد رقت رسول اللَّه -ﷺ- وجبريل قد (^١) رقاهُ.
قيل: أجل، ولكن هو لم يسترقِ، وهو -ﷺ- لم يقل: لا يرقيهم راقٍ، وإنَّما قال: لا يطلبون من أحدٍ أنْ يرقيهم، وفي امتناعه -ﷺ- أنْ يدعو للرجل الثاني سدٌّ لباب الطلب؛ فإنَّه لو دعا لكلِّ من سأله ذلك، فربما طلبه من ليس من أهله، واللَّهُ أعلم.
وفي "صحيح مسلم" (^٢) من حديث محمد بن سيرين، عن عمران ابن حصين ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يدخل الجنَّة من أُمَّتي سبعون ألفًا بغير حسابٍ ولا عذاب" قيل: من هم؟ قال: "هم الَّذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون".
وفي "صحيحه" (^٣) أيضًا من حديث أبي الزبير أنَّه سمع جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: سمعتُ النَّبي -ﷺ- يذكر حديثًا وفيه "فتنجوا أوَّل زمرةٍ وجوههم كالقمر ليلة البدرِ، سبعون ألفًا لا يحاسبون، ثمَّ الَّذين يلونهم كأضوإِ نجمٍ في السماء ثمَّ كذلك" وذكر تمام الحديث.
وقال أحمد بن منيع في "مسنده": حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز حدثنا حمَّاد عن عاصم عن زِرًّ عن ابن مسعود ﵁ قال: قال
_________________
(١) ليس في "ب".
(٢) رقم (٢١٨).
(٣) رقم (١٩١).
[ ١ / ٢٦٩ ]
رسول اللَّه -ﷺ-: "عُرِضَتْ عليَّ الأُمم بالموسم فراثتْ (^١) عليَّ أمتي ثمَّ رأيتهم فأعجبتني كثرتهم وهيئتهم، قد ملؤوا السهل والجبل، فقال: أرضيتَ يا محمد؟ فقلتُ: نعم، فقال: فإنَّ مع هؤلاء سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، وهم الَّذين لا يسترقون، ولا يكتوون وعلى ربِّهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول اللَّه، ادعُ اللَّهَ أن يجعلني منهم، فقال النَّبي -ﷺ-: أنت منهم، فقال رجلٌ آخر، فقال: "سبقك بها عُكاشة" (^٢) .
وإسناده على شرط مسلم.
_________________
(١) جاء في حاشية "أ": "راث عليَّ الخَبَر يريثُ، أي: أبطأ. النهاية.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٤٠٣)، والطيالسي في مسنده برقم (٣٥٠)، وابن أبي شيبة في مسنده رقم (٣٥٢)، وأبو يعلي في مسنده (٩/ رقم ٥٣٤٠)، والبخاري في الأدب المفرد رقم (٩١١). من طرق عن حماد بن سلمة به مثله. وزادوا "ولا يتطيرون" سوى أبي يعلى وابن أبي شيبة. وله طريقٌ آخر عن ابن مسعود: رواهُ العلاءُ بن زياد والحسن البصري عن عمران عن ابن مسعود مطوَّلًا وفيه "ولا يتطيرون". أخرجه أحمد في المسند (١/ ٤٠١)، والطيالسي في مسنده رقم (٤٠٤)، وأبو يعلي في مسنده (٩/ رقم ٥٣٣٩)، وابن حبان (١٤/ رقم ٦٤٣١) والحاكم (٤/ ٦٢١) رقم (٨٧٢١) وغيرهم. والحديث صححه ابن حبان والحاكم والبوصيري والضياء المقدسي والمؤلف وغيرهم. انظر: إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٢٥٠)، وصفة الجنَّة للمقدسي (١٧٦).
[ ١ / ٢٧٠ ]