ثبت في "الصحيحين" (^١) من حديث أيوب عن محمد بن سيرين قال: إمَّا تفاخروا، وإمَّا تذاكروا: الرجال أكثر في الجنَّة أم النساء؟ فقال أبو هريرة ﵁: ألم يقل أبو القاسم -ﷺ-: "إنَّ أوَّل زُمرةٍ تدخل الجنَّة على صورة القمر ليلة البدرِ، والتي تليها على أضوإِ (^٢) كوكبٍ دريٍّ في السماء، لكلِّ امرئٍ منهم زوجتان اثنتان، يُرى مُخُّ سُوقِهِما من وراء اللحم، وما في الجنَّة عَزَبٌ".
فإنْ كن من نساء الدنيا فالنساء في الدنيا أكثر من الرجال، وإنْ كُنَّ من الحور العين لم يلزم أنْ يكُنَّ في الدنيا أكثر، والظاهر أنَّهنَّ من الحور العين؛ لما رواه الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا يونس عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي -ﷺ- قال: "للرَّجل من أهل الجنَّة زوجتان من الحور العين، على كلِّ واحدةٍ سبعون حُلَّة يرى مخ ساقها من وراء الثياب" (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٠٧٣ و٣٠٧٤ و٣٠٨١ و٣١٤٩) من طريق همام بن منبه والأعرج وعبد الرحمن بن أبي عمرة وأبي زرعة كلهم عن أبي هريرة. ومسلم رقم (٢٨٣٤)، واللفظ لمسلم.
(٢) من "هـ" و"صحيح مسلم"، وفي باقي النسخ "أضواء".
(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٣٤٥ و٤٢٠ و٤٢٢). هكذا رواه حماد بن سلمة. ويظهر أنَّه مختصر، ولفظه بتمامه ما تقدم آنفًا. وجملة "على كل واحدةٍ سبعون حُلَّة" غريبة. =
[ ١ / ٢٥٦ ]
فإنْ قيل: فكيف تجمعون بين هذا الحديث وبين حديث جابر ﵁ المتفق عليه: شهدتُ مع رسول اللَّه -ﷺ- العيد، فصلى قبل أنْ يخطب بغير أذان ولا إقامة، ثمَّ خطب بعدما صلَّى، فوعظ النَّاس وذكرهم، ثمَّ أتى النساء فوعظهنَّ ومعه بلال، فذكرهنَّ وأمرهنَّ بالصدقة، قال: فجعلت المرأة تلقي خاتمها وخُرْصها والشيء كذلك،
_________________
(١) = حيث لم يروها أيوب السختياني ولا عوف ولا معمر عن محمد بن سيرين. لكن جاءت عن محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عند الدَّارمي برقم (٢٨٧٤) وفيه ". . إنَّه ليرى مخ ساقها من وراء سبعين حلَّة. . ". لكنَّها رواية مختصرة ومروية بالمعنى، فقد خالف محمد بن المنهال الإمام أحمد. فرواه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٥٠٧) عن يزيد بن زريع عن هشام به بمثل لفظ أيوب المتقدم آنفًا، وفيه "من وراء الحلل" بدلًا من "اللحم". وأيضًا فقد رواه عن أبي هريرة جماعة: همام بن منبه وأبو زرعة والأعرج وعبد الرحمن بن أبي عمرة وأبو صالح وأبو رافع وزياد المخزومي فلم يذكروا ما ذكره حماد بن سلمة "على كلِّ واحدةٍ سبعون حلَّة". انظر: المسند الجامع (٨/ ٤٨٤ - ٤٨٩)، وصفة الجنَّة لأبي نعيم من الرقم (٢٤٠ - ٢٤٤). وقد ورد هذا عن ابن مسعود موقوفًا قال: "إنَّ المرأة من الحور العين ليُرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم من تحت سبعين حلة كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء". أخرجه عبد الرزاق في المصنف رقم (٢٠٨٦٧) وغيره. وقد جاء هذا مقطوعًا وهو أصح، وقد روي مرفوعًا ولا يصح. انظر: علل الدَّارقطني (٥/ ٢٢٧ - ٢٢٨) رقم (٨٣٧).
[ ١ / ٢٥٧ ]
فأمر النَّبي -ﷺ- بلالًا فجمع ما هناكَ، ثمَّ قال: "إنَّ منكنَّ في الجنَّة ليسير". فقالت امرأةٌ: يا رسول اللَّه لِمَ؟ قال: "إنَّكنَّ تُكثرن الَّلعن، وتكفرن العشير" (^١) .
وفي الحديث الآخر: "إنَّ أقلَّ ساكني الجنَّة النساء" (^٢) .
قيل: هذا يدلُّ على أنَّهنَّ إنَّما كُنَّ في الجنَّة أكثر بالحور العين الَّلاتي خلقن في الجنَّة، وأقل ساكنيها نساء الدنيا، فنساء الدنيا أقل أهل الجنَّة، وأكثر أهل النَّار.
وأمَّا كونهنَّ أكثر أهل النَّارِ، فلما روى البخاري في "صحيحه" من حديث عمران بن حصين ﵄ قال: بلغني أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: "اطَّلعتُ في النَّارِ فرأيتُ أكثر أهلها النساءَ، واطَّلعتُ في الجنَّة فرأيت أكثر أهلها الفقراء" (^٣) .
وفي "صحيح مسلم" (^٤) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "اطَّلعتُ في الجنَّة فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء، واطَّلعتُ في النَّار فرأيتُ أكثر أهلها النساء".
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٩٣٥)، ومسلم رقم (٨٨٥) واللفظ لمسلم.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه في (٤٨) الرقاق، برقم (٢٧٣٨) من حديث عمران بن حصين.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه في (٦٣) بدء الخلق، (٨) باب ما جاء في صفة الجنَّة وأنَّها مخلوقة (٣/ ١١٨٤) رقم (٣٠٦٩).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه في (٤٨) الرقاق برقم (٢٧٣٧).
[ ١ / ٢٥٨ ]
وروى الإمام أحمد بإسنادٍ صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "اطَّلعتُ في النَّار فرأيتُ أكثرَ أهلها النساء، واطَّلعتُ في الجنَّة فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء" (^١) .
وفي "المسند" أيضًا من حديث عبد اللَّهِ بن عمرو ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "اطَّلعتُ في الجنَّة فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء، واطَّلعتُ في النَّار فرأيتُ أكثر أهلها الأغنياء والنساء" (^٢) .
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٢٩٧). من طريق شهر بن حوشب عن أبي هريرة فذكره. وسنده منقطع شهر لم يسمع من أبي هريرة، وإنَّما يدخل أحيانًا بينه وبين أبي هريرة واسطة هو عبد الرحمن بن غنم، وقد ورد تصريحه بالسماع من أبي هريرة وفي ثبوته نظر. والمتن محفوظ كما تقدم.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ١٧٣)، وكذا عبد اللَّه في زوائد المسند مختصرًا، وابن حبان في صحيحه (١٦/ رقم ٧٤٨٩) مطوَّلًا. من طريق شريك عن أبي إسحاق عن السائب بن مالك عن عبد اللَّه بن عمرو فذكره في قصة كسوف الشمس. وهذه اللفظة غريبة من حديث أبي إسحاق. فقد روى الحديث عطاء بن السائب عن أبيه السائب عن عبد اللَّه بن عمرو مطوَّلًا، وليس فيه هذه اللفظة إنَّما فيه بدلًا عنها ". . . عرضت عليَّ الجنَّة حتى لو مددت يدي تناولت من قطوفها، وعرضت عليَّ النَّار فجعلت أنفخ خشية أنْ يغشاكم حرَّها. . " هذا لفظ شعبة عن عطاء. أخرجه أحمد (٢/ ١٨٨) والنسائي (٣/ ١٤٩). =
[ ١ / ٢٥٩ ]
وفي الصحيح من حديث ابن عمر ﵄ عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "يا معشر النساء تصدقن، وأكثرن الاستغفار (^١)، فإنِّي رأيتُكنَّ أكثر أهل النَّار، فقالت امرأةٌ منهنَّ جَزْلَة: وما لنا يا رسول اللَّه أكثر أهل النَّار؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيتُ من (^٢) ناقصات عقلٍ ودينٍ أغلبَ لذي لبٍّ منكنَّ، قالت: يا رسول اللَّهِ وما نقصان العقل والدِّين؟ قال: أمَّا نقصان العقل فشهادة امرأتين بشهادة رجلٍ، فهذا نقصان العقل، وتمكث الأيام لا تصلي وتفطر (^٣) فهذا نقصان الدِّين" (^٤) .
وأمَّا كونهنَّ أقل أهل الجنَّة ففي "أفراد مسلم" عن مطرف بن عبد اللَّه: أنَّه كانت له امرأتان، فجاء من عند إحداهما، فقالتِ الأخرى: جئتَ من عند فلانةٍ، فقال: جئتُ من عند عمران بن حصين، فحدثنا رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إنَّ أقلَّ ساكني الجنَّة النساء" (^٥) .
فإنْ قيل: فما تصنعون بالحديث الَّذي رواه أبو يعلى الموصلي: حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد
_________________
(١) = ورواه أيضًا أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد اللَّه بن عمرو فذكره مختصرًا. أخرجاه في الصحيحين وأحمد (٢/ ١٧٥) وغيرهم. وفي الحديث اختلافٌ في صفة صلاة الكسوف ليس هذا موضعه.
(٢) في نسخةٍ على حاشية "أ" "من الاستغفار".
(٣) ليس في "ب".
(٤) في صحيح مسلم "وتفطر في رمضان".
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٧٩).
(٦) أخرجه مسلم برقم (٢٧٣٨).
[ ١ / ٢٦٠ ]
حدثنا أبو رافع إسماعيل بن رافع عن محمد بن زياد (^١) عن محمد بن كعب القرظي عن رجلٍ من الأنصار عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- وهو في طائفةٍ من أصحابه فذكر حديثًا طويلًا وفيه: "فيدخلُ الرجُل منهم على ثنتين وسبعين زوجة ممَّا ينشئ اللَّهُ تعالى وثنتين من ولد آدم، لهما فضلٌ على من أنشأ اللَّهُ، بعبادتهما اللَّه في الدنيا" (^٢) وذكر الحديث.
قيل: هذا قطعة من حديث الصور الطويل، ولا يعرف إلَّا من حديث إسماعيل بن رافع، وقد ضعفه أحمد، ويحيى وجماعة وقال الدَّارقطني وغيره: "متروك الحديث"، وقال ابن عدي: "أحاديثه كلها ممَّا فيه نظر".
وأمَّا البخاري، فقال فيه: ما حكاه الترمذي عنه قال: "سمعت محمدًا يقول: هو ثقة، مقارب الحديث" (^٣) .
_________________
(١) وفي بعض مصادر التخريج "يزيد بن أبي زياد" وفي بعضها "محمد بن يزيد بن أبي زياد" وكلها ترجع إلى اضطراب إسماعيل بن رافع في هذا الحديث، وإسماعيل شبه المتروك.
(٢) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده كما في المطالب رقم (٣٠١٣)، والطبري في تفسيره (١٠/ ١١٠)، والطبراني في الأحاديث الطِّوال رقم (٣٦)، وأبو الشيخ في العظمة رقم (٣٨٦)، والبيهقي في البعث والنشور رقم (٦٦٨ و٦٦٩)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٦٧). والحديث ضعيف جدًّا، تكلم فيه البخاري والبيهقي وعبد الحق والمؤلف وابن كثير والبوصيري وابن حجر وغيرهم. انظر: فتح الباري (١١/ ٣٦٨ - ٣٦٩) وغيره.
(٣) انظر أقوال العلماء فيه في تهذيب الكمال (٣/ ٨٥ - ٩٠).
[ ١ / ٢٦١ ]
قلتُ: ولكن إذا روى مثل هذا ما يخالف الأحاديث الصحيحة لم يلتفت إلى روايته، وأيضًا فالرجل الَّذي رواه عنه القُرَظي لا يُدْرَى منْ هو؟
وقد روى أحمد في "مسنده" من حديث عُمَارة بن خزيمة بن ثابت قال: كُنَّا مع عمرو بن العاص ﵄ في حج أو عمرة، حتَّى إذا كنَّا بمرِّ الظَّهران، فإذا امرأة في هودجها، قال: فمال فدخل الشِّعْبَ فدخلنا معه فقال: كنا مع رسول اللَّه -ﷺ- في هذ المكان، فإذا نحن بغربان كثيرةٍ فيها غُرَابٌ أعصم أحمر المنقار والرجلين، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا يدخل الجنَّة من النساء إلَّا مثل هذا الغراب في هذه الغربان" (^١) .
والأعصم من الغِربان: الَّذي في جناحه ريشة بيضاء.
قال الجوهري: "ويقال هذا كقوهم: الأبلق العَقُوق، وبَيْض الأنُوق، لكلِّ شيء يعزُّ وجوده" (^٢) .
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ١٩٧ و٢٠٥) وعبد بن حميد في مسنده "المنتخب رقم (٢٩٤)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٤٠٠) رقم (٩٢٦٨)، وأبو يعلى في مسنده (١٣/ رقم ٧٣٤٣)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٦٤٥) رقم (٨٧٨١ و٨٧٨٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٣/ ٧٤٣٣) وغيرهم. والحديث قال فيه الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". وقال الهيثمي: "ورجاله ثقات" مجمع الزوائد (١٠/ ٤٠٠).
(٢) الصحاح (٢/ ١٤٦٥ - ١٤٦٦).
[ ١ / ٢٦٢ ]
وفي "النهاية" (^١): "الغراب الأعصم": هو الأبيض الجناحين، وقيل الأبيض الرجلين، أراد: قلَّة من يدخل الجنَّة من النساء؛ لأنَّ هذا الوصف في الغربان قليل عزيز.
وفي حديث آخر: "المرأة الصالحةُ مثل الغراب الأعصم، قيل: يا رسول اللَّه وما الغراب الأعصم؟ قال: "الَّذي إحدى رجليه بيضاء" (^٢) .
_________________
(١) لابن الأثير (٣/ ٢٤٩).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في "مسنده" كما في المطالب العالية (٨/ ٣٨٩) رقم (١٦٨٦) معلقًا. من طريق مطرِّح بن يزيد عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أُمامة. وهذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا، وقد ضعف يحيى بن معين وأبو حاتم الرَّازي جميع أحاديث هذه السلسلة. وعلي بن يزيد هو الألهاني: متروك عند عامة أهل الجرح والتعديل، انظر: تهذيب الكمال (٢١/ ١٧٨ - ١٨٢). وفيه أيضًا مطرَّح بن يزيد وهو متفق على ضعفه. انظر: تهذيب الكمال (٢٨/ ٦٠ - ٦٢). والحديث ضعفه الهيثمي والبوصيري. انظر: مجمع الزوائد (٤/ ٢٧٣). * وورد من حديث عائشة وفيه قصة وفيه ". . . إنَّ مثل المرأة المؤمنة في النساء كمثل الغراب الأعصم في الغربان. . ". أخرجه عبد بن حميد في مسنده رقم (١٥٢٦ - المنتخب)، وأبو الشيخ في الأمثال رقم (١٣٧)، والطبراني في مسند الشاميين رقم (١١٧١). من طريق: كثير بن عبيد ومحمد بن عمرو بن حنان ومحمد بن الفضل عن بقية بن الوليد حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن عائشة. ولكنَّه حديث معلول بالإرسال كما أخرجه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (٦٥/ ٢٢١).
[ ١ / ٢٦٣ ]
وفي حديثٍ آخر: "عائشة في النساء، كالغراب الأعصم في الغربان" (^١) .
_________________
(١) انظر الفائق للزمخشري (٢/ ٣٦٩) والحديث لم أقف عليه.
[ ١ / ٢٦٤ ]