قالوا: هذا قول تكثر الدَّلائلُ الموجبة للقول به، فنذكر بعضها.
قالوا: قد أخبرَ اللَّهُ سبحانه على لسان جميع رسله: أنَّ جنة الخُلد إنَّما يكون الدخول إليها يوم القيامة، ولم يأت زمن دخولها بَعْدُ، وقد وصفها اللَّهُ ﷾ لنا في كتابه بصفاتها، ومُحال أن يصف اللَّهُ ﷾ شيئًا بصفة، ثمَّ يكون ذلك الشيء بغير تلك الصفة التي وصفها به.
قالوا: فوجدنا اللَّه تعالى وصف الجنَّة التي أُعِدَّت للمتقين بأنَّها: ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ [فاطر: ٣٥]، فمن دخلها أقام بها، ولم يقم آدم بالجنَّة التي دخلها.
ووصفها بأنَّها: ﴿جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ [الفرقان: ١٥]. وآدم لم يُخَلَّد فيها.
ووصفها بأنَّها: دار ثوابٍ وجزاءٍ، لا دار تكليف وأمرٍ ونهي.
ووصفها بأنَّها (^١): دار سلامةٍ مطلقةٍ، لا دار ابتلاءٍ وامتحانٍ، وقد ابتلي فيها آدم بأعظم الابتلاء.
ووصفها بأنَّها: دارٌ لا يُعصى اللَّهُ فيها أبدًا، وقد عصى آدمُ ربَّه في
_________________
(١) سقط من "ج".
[ ١ / ٦٦ ]
جنته التي دخلها.
ووصفها بأنَّها: ليست دار خوفٍ ولا حَزَنٍ، وقد حصلَ للأبوين فيها من الخوف والحزن ما حصل.
وسَمَّاها: دارَ السلام ولم يسْلَم فيها الأبوانِ من الفِتنة.
ودارَ القرار، ولم يستقرَّا فيها.
وقال في داخليها: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ [الحجر: ٤٨] وقد أُخْرِجَ منها الأبوان.
وقال: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ [الحجر: ٤٨]، وقد ندَّ فيها آدم (^١) هاربًا فارًّا، وطفق يخصف ورق الجنَّة على نفسه، وهذا النَّصَبُ بعينه.
وأخبر أنَّه: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾ [الطور: ٢٣]، وقد سمع فيها آدم لغوَ إبليس وإثمه.
وأخبر أنَّه لا يُسْمَعُ فيها لغوٌ ولا (^٢) كِذَّابٌ، وقد سمع فيها آدم ﵇ كَذِب إبليس وإثمه.
وقد سمَّاها اللَّهُ ﷾: ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥]، وقد كَذَبَ فيها إبليسُ، وحلف على كذبه.
وقد قال تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:
_________________
(١) قوله: "ندَّ فيها آدم" ليس في "أ، ج": "آدم"، وليس في "هـ": "ندَّ".
(٢) قوله: "لغو ولا" سقط من "ج".
[ ١ / ٦٧ ]
٣٠]، ولم يقل: إنِّي جاعل في جنَّة المأوى، فقالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] ومحال أنْ يكون هذا في جنة المأوى.
وقد أخبر اللَّهُ سبحانه عن إبليس أنَّه قال لآدمَ: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾ [طه: ١٢٠].
فإن كان (^١) اللَّهُ ﷾ قد أسكنَ آدم جنة الخلد والمُلك الَّذي لا يَبْلَى، فكيف لا (^٢) يرد عليه ويقول له: كيف تَدُلُّني على شيءٍ أنا فيه، وقد أُعْطِيتُه، ولم يكن اللَّهُ ﷾ قد أخبر آدم إذ أسكنه الجنَّة أنَّه فيها من الخالدين، ولو علم أنَّها دار الخلد لما ركن إلى قول إبليس، ولا مال إلى نصيحته، ولكنَّه لما كان في غير دار خلودٍ غرَّهُ بما أطمعه (^٣) فيه من الخُلْدِ.
قالوا: ولو كان آدم أُسْكِنَ جنة الخلد، وهي دار القُدس التي لا يسكنها إلَّا طاهرٌ مقدَّسٌ، فكيف توصَّل إليها إبليسُ الرجس النجس المذموم المَدْحُور، حتى فتن فيها آدم ﵇ ووسوس له؟ وهذه الوسوسة: إمَّا أنْ تكون في قلبه، وإمَّا أنْ تكونَ في أُذُنِهِ، وعلى التقديرين، فكيف توصلَ الَّلعينُ إلى دخول دار المتقين.
وأيضًا؛ فبعد أنْ قيلَ له: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾
_________________
(١) ليس في "ج".
(٢) من "أ"، وفي باقي النسخ "لم".
(٣) في "ج": "أطعمه" وهو خطأ.
[ ١ / ٦٨ ]
[الأعراف: ١٣]، أيفسح له أنْ يرقى إلى جنة المأوى فوق السَّماء السَّابعة بعد السخط عليه، والإبعادِ له، والدَّحْر (^١) والطرد بعُتُوَّهِ (^٢) واستكباره، وهل هذا يلائم قوله: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ فإنْ كانت مخاطبته لآدم بما خاطبه به وقاسمه عليه ليست تَكَبُّرًا، فما التكبر بعد هذا؟!
فإنْ قلتم: فلعلَّ وسوسته وصلتْ إلى الأبوين، وهو في الأرضِ، وهما فوق السماء في عليين = فهذا غير معقولٍ لغة ولا حسًّا ولا عُرْفًا.
وإن زعمتم أنَّه دخلَ في بطن الحيَّة حتى أوصل إليهما الوسوسة = فأبطلُ وأبطلُ، إذ كيف يَرْقى (^٣) بعد الإهباطِ له إلى أنْ يدخل الجنَّة، ولو في بطن الحيَّة؟!
وإنْ قلتمْ: إنَّه دخلَ في قلوبهما، ووسوس إليهما = فالمحذور قائم.
وأيضًا؛ فإنَّ اللَّهَ ﷾ حكى (^٤) مخاطبته لهما كلامًا سمعاهُ شفاهًا، فقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٠]، وهذا دليلٌ على مشاهدته لهما وللشَّجرة، ولمَّا كان آدم خارجًا من الجنَّة وغير ساكن فيها قال اللَّه تعالى له: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾
_________________
(١) في "ج": "والزجر"، وفي "هـ": "والدحور".
(٢) في حاشية "ج" ما نصُّه: "العُتو: التجاوز عن الحدَّ"، ووقع في "هـ": "لعتوَّه".
(٣) في "ب، د": "ترقَّى".
(٤) جاء في نسخةٍ على حاشية "أ": "حكى عن".
[ ١ / ٦٩ ]
[الأعراف: ٢٢] ولم يقل عن هذه الشجرة، فعندما قال لهما: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٠] لما أطمعهما في مُلْكها، والخلود في مقرَّها أتى باسم الإشارة بلفظ الحضور، تقريبًا لها، وإحضارًا لها عندهما، وربهما تعالى قال لهما: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]، ولمَّا أراد إخراجهما منها، فأتى باسم الإشارةِ بلفظ البُعد والغيبة، كأنَّهما لم يبق لهما من الجنَّة حتى ولا مشاهدة الشجرة التي نُهيا عنها.
وأيضًا؛ فإنَّه سبحانه قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] ووسوسة اللعين من أخبث الكَلِم، فلا يصعد إلى محل القدس.
قال منذر: "وقد روي عن النَّبي -ﷺ-: "أنَّ آدمَ ﵇ نامَ في جنته" (^١) . وجنة الخُلْد لا نوم فيها بالنَّص، وإجماع المسلمين، فإنَّ النَّبي -ﷺ- سُئِلَ: أينامُ أهلُ الجنَّة في الجنَّة؟ قال: "لا، النومُ أخو الموتِ" (^٢) والنوم وفاةٌ، وقد نطق به القرآن، والوفاة تَقَلُّبُ حالٍ، ودار
_________________
(١) لم أقف عليه مرفوعًا. وسيذكر المؤلف أنَّه جاء عن مجاهد.
(٢) أخرجه البزارُ في مسنده، كما في "كشف الأستار": (٤/ ٣٥١٧)، وأبو الشيخ الأصبهاني في تاريخ أصبهان رقم (٣٥٣ و٤٧٧) وغيرهما. من طريق الفريابي والحسين بن حفص وغيرهما عن الثوري عن محمد ابن المنكدر عن جابر فذكره مرفوعًا. وهذا خطأٌ على الثوري، والصواب أنَّ الحديثَ مرسل ليس فيه جابر بن عبد اللَّهِ. هكذا رواه وكيع وجرير وابن المبارك والأشجعي وقطبة وعبيد اللَّه بن موسى، والفريابي -في الرواية الراجحة عنه- ومخلد بن يزيد وقبيصة كلهم =
[ ١ / ٧٠ ]
السَّلام مسلَّمةٌ من تقلب الأحوالِ، والنَّائمُ ميت أو كالميت".
قلت: الحديث الَّذي أشار إليه المعروف أنَّه موقوف من رواية ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: "خُلِقَتْ حواءُ من قَصِيْرى آدم وهو نائمٌ" (^١) .
وقال أَسْبَاط عن السُّدِّي: "أُسْكِن آدم ﵇ الجنَّة، وكان يمشي فيها وَحِشًا ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومةً، فاستيقظ، فإذا عندَ رأسه امرأة قاعدة خلقها اللَّهُ من ضِلَعه، فسألها ما أنت؟ قالت: امرأة، قال: ولِمَ خُلِقْتِ؟ قالت: لتسكن إليَّ" (^٢) .
وقال ابن إسحاق عن ابن عباس ﵄: "أُلْقِيَ على آدم
_________________
(١) = عن الثوري عن ابن المنكدر مرسلًا. أخرجه أحمد في الزهد رقم (٤٣)، وابن المباركِ في الزهد: (٢٧٩)، والعقيلي في الضعفاء: (٢/ ٣٠١)، والبيهقي في البعث والنشور رقم: (٤٨٥ و٤٨٦). ورواه المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه مرسلًا نحوه. أخرجه ابن حبيب في وصف الفردوس رقم (٢٥١). ولهذا قال أبو حاتم الرَّازي -وقد سُئِلَ عن طريق الفريابي-: "الصحيح ابن المنكدر عن النَّبي -ﷺ-، ليس فيه جابر"، علل ابن أبي حاتم (٢/ ٢١٩) رقم (٢١٤٧).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: (٣/ ٨٥٣) رقم (٤٧١٩)، وهو أثر ثابت عن مجاهد.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره رقم (٣٧٦)، والطبري: (١/ ٢٢٩)، وسنده لا بأس به.
[ ١ / ٧١ ]
﵇ السِّنة، ثمَّ أُخِذَ ضلعًا من أضلاعه من شقه الأيسر، ولأم مكانه لحمًا، وآدم نائمٌ، لم يَهُبَّ من نومته، حتى خلق اللَّهُ من ضلعه تلك زوجته حواء، فسواها امرأةً يسكن إليها، فلمَّا كشف عنه السَّنة، وهَبَّ من نومته رآها إلى جنبه فقال: لحْمي ودمي وزوجي (^١)، فسكن إليها" (^٢) .
قالوا: ولا نزاع أنَّ اللَّهَ ﷾ خلقَ آدم في الأرضِ، ولم يَذْكر في موضع واحدٍ أصلًا أنَّه نقله إلى السماء بعد ذلك، ولو كان قد نقله بعد ذلك إلى السَّماءِ لكان هذا أولى بالذكر؛ لأنَّه من أعظم الآيات، ومن أعظم النَّعَمِ عليه، فإنَّه كان مِعْراجًا ببدنه وروحه من الأرضِ إلى فوق السماوات.
قالوا: وكيف نقله سبحانه ويسكنه فوق السَّماءِ، وقد أخبر ملائكته أنَّه جاعِلُهُ في الأرضِ خليفةً (^٣)، وكيف يسكنه دار الخلد التي من دخلها يُخَلَّدُ فيها، ولا يخرج منها؟ قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ [الحجر: ٤٨].
قالوا: ولو لم يكن مَعَنَا في المسألة إلَّا أنَّ اللَّهَ سبحانه أهبط إبليس من السَّماءِ حين امتنع من السجود لآدم ﵇، وهذا أمر تكوين
_________________
(١) في "هـ": "وزوجتي"، وفي "ب، د": "رُوحي".
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره: (١/ ٢٣٠). وهو لا يثبت عن ابن عباسٍ؛ لعدم معرفة الواسطة بين ابن إسحاق وابن عباس؛ ولأنَّ شيخ الطبري ابن حميد، متكلمٌ فيه.
(٣) من المطبوعة.
[ ١ / ٧٢ ]
لا يمكن وقوع خلافه، ثمَّ أدخل آدم ﵇ الجنَّة بعد هذا، فإنَّ الأمرَ بالسجود كان عقيب خلقه من غير فصل، فلو كانت الجنَّة (^١) فوق السماوات لم يكن لإبليس سبيلٌ إلى صعودِه إليها، وقد أُهبِطَ منها.
وأمَّا تلك التقادير التي قدَّرتموها فتكلُّفات ظاهرة:
كقول من قال: يجوز أنْ يصعد إليها صعودًا عارضًا لا مستقرًّا.
وقول من قال: أدْخَلَتْه الحيَّة.
وقول من قال: دخل في أجوافهما (^٢) .
وقول من قال: يجوزُ أن تصل وسوسته إليهما وهو في الأرضِ، وهما فوق السَّماء.
ولا يخفى ما في ذلك من التعسف الشَّديد، والتكلف البعيد، وهذا بخلاف قولنا، فإنَّه لما أهبطه سبحانه من ملكوت السماء حيث لم يسجد لآدم ﵇ أُشْرِبَ عداوته، فلمَّا أسكنه جنته حسده عدوه، وسعى بكيدِهِ وغروره في إخراجه منها، واللَّهُ أعلم.
قالوا: وممَّا يدلُّ على أنَّ جنَّة آدم لم تكن جنة الخلدِ التي وُعِدَ المتقون: أنَّ اللَّهَ سبحانه لما خلقه أعلمه أنَّ لِعُمُرِهِ أجلًا ينتهي إليه، وأنَّه لم يخلقه للبقاءِ، كما روى الترمذي في "جامعه" من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لما خَلَقَ اللَّهُ
_________________
(١) في "أ، ج": "الحيَّة" وهو خطأ، وصوب ناسخ "أ" أنها "الجنة".
(٢) في "ب": و"أجوافها".
[ ١ / ٧٣ ]
آدم ونفخَ فيه من الروح عطس، فقال: الحمدُ للَّهِ، فحمدَ اللَّه (^١) بإذنه، فقال له ربُّه: يرحمك اللَّه يا آدمُ، اذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملأ منهم جلوس فقل: السلام عليكم قالوا: وعليك السَّلام (^٢)، ثمَّ رجع إلى ربَّه فقال: إنَّ هذه التَّحية (^٣) تحيتك وتحية بَنِيْك بينهم، فقال اللَّهُ له ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت، فقال: اخترت يمين ربي -وكلتا يَدَي ربِّي يمينٌ مباركة- ثمَّ بسطها فإذا فيها آدم وذريته، فقال: يا رب ما هؤلاءِ؟ قال: هؤلاء ذُرَّيتُك، فإذا كلُّ إنسانٍ مكتوبٌ عُمُره بين عينيه، فإذا رجلٌ أضوؤهم، أو من أضوئهم قال: يا ربَّ من هذا؟ قال: هذا ابنُك داود، وقد كَتبتُ لَهُ عُمُر أربعين سنةً، قال: يا ربِّ زدْ في عمره، قال: ذلك الَّذي كتبتُ له، قال: ربَّ، فإنَّي قد جعلتُ له من عُمُري سِتَّين سنة، قال: أنت وذاك، قال: ثمَّ أُسكِنَ آدم الجنَّة ما شاءَ اللَّهُ، ثمَّ أُهْبط منها، فكان آدم يَعُدُّ لِنَفْسِهِ: فأتاهُ مَلَكُ الموتِ فقال له آدم: قد عجلتَ قد كُتِبَتْ لي ألفُ سنةٍ، قال: بلى، ولكنَّك جعلتَ لابنك داودَ ستين سنة، فجحَدَ فجحدت ذريته، ونَسِيَ فنسيت ذُرَّيتُه، قال: فمن يومئذٍ أُمِرَ بالكتاب والشُّهودِ" (^٤) .
_________________
(١) قوله: "فحمد اللَّه" من الترمذي وغيره.
(٢) قوله: "قالوا: وعليك السَّلام" من الترمذي.
(٣) في "ب، د": "هذه تحيتك. . . ".
(٤) أخرجه الترمذي برقم (٣٣٦٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة رقم (٢١٨)، وابن أبي عاصم في "السنة" رقم (٢٠٦)، وابن حبان في صحيحه رقم (٦١٦٧)، والحاكم في المستدرك: (١/ ١٣٢ - ١٣٣) رقم (٢١٤) وغيرهم. من طريق الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب عن سعيد المقبري عن =
[ ١ / ٧٤ ]
قال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد رُوِيَ من غير وجهٍ عن أبي هريرة" (^١) .
قالوا: فهذا صريحٌ في أنَّ آدمَ ﵇ لم يُخْلَق في دار البقاءِ التي لا يموت من دخلها، وإنَّما خُلِقَ في دار الفناء التي جعل اللَّهُ تعالى لها ولسُكَّانِها أجلًا معلومًا، وفيها أُسْكِنَ.
فإنْ قيلَ: فإذا كان آدمُ ﵇ قد علم أنَّ له عمرًا مُقَدَّرًا، وأجلًا ينتهي إليه، وأنَّه ليسَ من الخالدين، فكيف لم يَعْلَمْ كَذبَ إبليس في قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ [طه: ١٢٠]؟ وقوله: ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠)﴾ [الأعراف: ٢٠].
_________________
(١) = أبي هريرة فذكر. والحديث تفرَّد به الحارث -وهو صدوقٌ يهم- عن المقبري، كما أشار إليه الترمذي بقوله: ". . غريب". لكن أعلَّه النسائي بأنَّ هذا خطأ، وأنَّ الصواب ما رواه ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبيه عن عبد اللَّه بن سلام فذكره موقوفًا مختصرًا إلى قوله: "هذه تحيتك وتحية ذريتك".
(٢) رواه أبو صالح وأبو سلمة والشعبي ويزيد بن هرمز كلهم عن أبي هريرة مختصرًا. أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم (٢٢٠) وغيره. لكن قال النسائي: "وهو منكر". وله طريق آخر عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا مختصرًا. أخرجه ابن سعد: (١/ ٢٧ - ٢٨) وغيره.
[ ١ / ٧٥ ]
فالجوابُ من وجهين:
أحدهما: أنَّ الخُلد لا يستلزم الدوام والبقاء، بل هو المكث الطويل، كما سيأتي (^١) .
الثاني: أنَّ إبليس لما حلف لهُ، وغَرَّه وأطمعه في الخلود نسي ما قُدَّرَ له من عُمُره.
قالوا: وأيضًا فمن المعلوم الَّذي لا ينازع فيه مسلمٌ أنَّ اللَّه سبحانه خلق آدم ﵇ من تربة هذه الأرض، وأخبر أنَّه خلقه ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [المؤمنون: ١٢]، وأنَّه خلقهُ ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾ [الحجر: ٢٦]. فقيل: هو الَّذي له صلصلة ليُبْسِهِ.
وقيل: هو الَّذي قد تَغَيَّرت رائحته، من قولهم: صَلَّ اللحم إذا تغيَّرَ.
والحَمَأُ: الطِّيْنُ الأسود المُتَغَير. والمَسْنُون: المَصْبُوب.
وهذه كلها أطوار للتراب الَّذي هو مبدؤه الأوَّل، كما أخبرَ عن أطوار خلق الذرية ﴿مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ [الحج: ٥] ولم يخبر ﷾ أنَّه رفعه من الأرضِ إلى فوق السماوات، لا قبل التَّخْلِيق ولا بعده، فأين الدليل الدَّالُّ على إصْعاد مادَّته، أو إصعاده (^٢) هو بعد خلقه، وهذا ما لا دليل لكم عليه، ولا هو لازِمٌ من لوازم ما
_________________
(١) ص (٨٢، ٧٨٤).
(٢) في "ب، ج": "وإصْعَاده".
[ ١ / ٧٦ ]
أخبر اللَّهُ به؟
قالوا: ومن المعلوم أنَّ ما فوق السماوات ليس بمكان للطين الأرضي المتغير الرَّائحة الَّذي قد أنْتَن من تغيره، وإنَّما محل هذا الأرضِ التي هي محل المُتَغيَّرات الفاسدات، وأمَّا ما فوق الأفلاك فلا يلحقه تَغَيُّر ولا نَتَنٌ ولا فسادٌ (^١) ولا استحالة، فهذا أمرٌ لا يرتابُ فيه العقلاء.
قالوا: وقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [هود: ١٠٨]، فأخبر سبحانه أنَّ عطاء جنة الخلد غير مجذوذ.
قالوا: فإذا جُمِعَ ما أخبر اللَّهُ سبحانه به من أنَّه خلقه من الأرضِ، وجعله خليفة في الأرضِ، وأنَّ إبليس وسوس إليه في مكانه الَّذي أسكنه فيه، بعد أنْ أهبطه من السماء بامتناعه من السجود له، وأنَّه أخبر ملائكته أنَّه ﴿جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، وأنَّ دار الخلد: دار جزاء وثوابٍ على الامتحان والتَّكاليف، وأنَّها لا لغوَ فيها ولا تأثيم ولا كِذَّابًا، وأن من دخلها لا يخرج منها، ولا يَبْؤُس ولا يحزن، ولا يخاف ولا ينامُ، وأنَّ اللَّهَ حرمها على الكافرين، وإبليس رأس الكفر، فإذا جُمِعَ ذلك بعضه إلى بعضٍ، وفكَّر فيه المُنْصِفُ الَّذي رُفِعَ له علم الدليل، فشمَّر إليه، وربأ بنفسه عن حضيض التقليد تَبَيَّن له الصوابُ، واللَّهُ الموفق.
_________________
(١) قوله: "ولا فساد" ليس في "أ، ج".
[ ١ / ٧٧ ]
قالوا: ولو لم يكن في هذه المسألة إلَّا أنَّ الجنَّة ليستْ دار تكليفٍ، وقد كلف اللَّه سبحانه الأبوين بِنَهْيهِمَا عن الأكل من الشجرة، فدلَّ على أنَّها دار تكليف (^١) لا دار جزاء وخُلْد.
فهذا أيضًا بعض ما احتجتْ به هذه الفرقة على قولها (^٢)، واللَّهُ أعلم.
_________________
(١) قوله: "دار تكليف" ليس في "ج".
(٢) في "أ، ج، هـ": "قولنا" وهو خطأ.
[ ١ / ٧٨ ]