قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ [الزمر: ٧٣].
والخَزَنَة: جمع خازن، مثل حَفَظَة وحَافِظ، وهو المُؤْتَمَن على الشيء الَّذي قد استحفظه.
وروى مسلمٌ في "صحيحه" (^١) من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "آتي بابَ الجنَّة يومَ القيامة فأستفتح، فيقول الخازنُ: من أنتَ؟ فأقول محمدٌ، فيقول: بك أمرتُ أنْ لا أفتح لأحدٍ قبلَكَ".
وقد تقدَّم حديث أبي هريرة المتفق عليه (^٢): "من أنفق زوجين في سبيل اللَّه دعاهُ خزنةُ الجنَّة كلُّ خزنة باب: أي فُلُ هلُمَّ". قال أبو بكر: يا رسول اللَّه، ذاك الذي لا تَوَى عليه، فقال النَّبي -ﷺ-: "إنِّي لأرجو أنْ تكون منهم".
وفي لفظٍ: هل يدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟ قال: "نعم، وأرجو أنْ تكون منهم".
_________________
(١) برقم (١٩٧).
(٢) تقدم ص (١١٠).
[ ١ / ٢٢١ ]
لمَّا سَمَتْ هِمَّةُ الصِّدَّيق إلى تكميل مراتب الإيمان، وطمعت نفسه أنْ يُدْعَى من تلك الأبواب كلَّها، فسأل رسول اللَّه -ﷺ- هل يحصل ذلك لأحد من النَّاس، ليسعى في العمل الَّذي ينال به ذلك، فأخبره بحصوله وبشَّره بأنَّه من أهله، فكأنَّهُ قال: هل يكمل أحد هذه المراتب فيُدعى يوم القيامة من أبوابها كلها؟
فلِلَّهِ ما أعلى هذه الهمَّة، وأكبر هذه النَّفس.
وقد سمَّى اللَّهُ ﷾ كبير الخزنة رِضْوان (^١) . وهو اسمٌ مشتقٌّ من الرِّضا، وسمَّى خازن النَّارِ مالكًا (^٢)، وهو اسمٌ مشتقٌّ من الملك، وهو القوَّة والشِّدَّة حيث تَصَرَّفت حُرُوفُه.
_________________
(١) جاء ذلك في حديث أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص (٣٣٢) والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٢٩٣ - ٢٩٦) رقم (٣٤٢١): من طريق الضحاك عن ابن عباس. وسنده ضعيفٌ جدًّا. وفي حديث عن أنس عند الدارقطني في الرؤية رقم (٦٤) وغيره. وهو حديثٌ منكر، وسيأتي ص (٣٩٣). وفي الباب أحاديث عن أُبي بن كعب وعن أبي سعيد الخدري وعائشة، ولا يصح في هذا الباب شيء واللَّه أعلم.
(٢) في قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧].
[ ١ / ٢٢٢ ]