قالوا: أمَّا قولكم: إنَّ اللَّهَ سبحانه أخبر أنَّ جنَّة الخلدِ إنَّما يقع الدخول إليها يوم القيامة، ولم يأتِ زمن دخولها بَعْدُ.
فهذا حقٌّ في الدخول المطلق، الَّذي هو دخول استقرارٍ ودوامٍ، وأمَّا الدخول العارض، فيقع قبل يوم القيامة.
وقد دخل النَّبي -ﷺ- الجنَّة ليلة الإسراء (^١)، وأرواح المؤمنين والشهداء في البَرْزخ في الجنَّة (^٢)، وهذا (^٣) غير الدخول الَّذي أخبر اللَّهُ به في يوم القيامة (^٤)، فدخول الخُلُود إنَّما يكون يوم القيامة، فمن أين لكم أنَّ مُطْلق الدخول لا يكون في الدنيا، وبهذا خَرَجَ الجواب عن استدلالكم بكونها دار المقامة، ودار الخلد؟
قالوا: وأمَّا احتجاجكم بسائرِ الوجوهِ التي ذكرتموها في الجنَّة، وأنَّها لم توجد في جنَّة آدم ﵇ من العُري، والنصب والحزن والَّلغوِ والكذب وغيرها.
فهذا كله حقٌّ لا ننكره نحن، ولا أحد من أهل الإسلام، ولكن هذا
_________________
(١) تقدم ص (٤٣ و٤٤).
(٢) تقدم ص (٣٩ و٤٠).
(٣) في نسخة على حاشية "أ": "وهو".
(٤) قوله: "في يوم القيامة" وقع في "أ، ب، د": "في القيامة"، وجاء في "هـ": "يوم القيامة".
[ ١ / ٨٦ ]
إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة، كما يدل عليه سياق الآيات كلها، فإنَّ نفي ذلك مقرونٌ بدخول المؤمنين إيَّاها، وهذا لا ينفي أنْ يكونَ فيها بين أبوي (^١) الثقلين ما حكاهُ اللَّهُ ﷾ من ذلك، ثمَّ يصير الأمر عند دخول المؤمنين إيَّاها إلى ما أخبر اللَّهُ عنها، فلا تَنَافي بين الأمرين.
وأمَّا قولكم: إنَّها دارُ جزاءٍ وثوابٍ لا دار تكليفٍ، وقد كلَّف اللَّهَ سبحانه آدم بالنهي عن الأكل من تلك الشجرة، فدلَّ على أنَّ تلك الجنَّة دار تكليفٍ لا دار خلود.
فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّه إنَّما (^٢) يمتنع أنْ تكون دارَ تكليفٍ إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة، فحينئذٍ ينقطع التكليف. وأما وقوع التكليف فيها في دار الدنيا، فلا دليلَ على امتناعه البَتَّة، كيف وقد ثبت عن النَّبي -ﷺ- أنَّه قال: "دخلتُ (^٣) الجنَّة فرأيتُ امرأةً تَوَضَّأُ إلى جانب (^٤) قصرٍ فقلتُ لمن أنتِ. . " (^٥) الحديث.
_________________
(١) في "ج": "أنْ يكون فيها أبو الثقلين"، وفي "ظ": "فيها أبوي الثقلين".
(٢) سقط من "ج".
(٣) في "أ، ج، د": "دخلتُ البارحة" ولا توجد لفظة "البارحة" في الصحيحين، ولا في "ب، هـ".
(٤) في نسخة على حاشية "أ" "جنب".
(٥) هذا اللفظ مُركَّبٌ من حديثي جابر بن عبد اللَّهِ وأبي هريرة ﵃. أخرجه البخاري رقم (٤٩٢٨) من حديث جابر ﵄، ورقم (٦٦٢٢) من حديث أبي هريرة، ومسلم في صحيحه رقم (٢٣٩٤ و٢٣٩٥).
[ ١ / ٨٧ ]
وغير ممتنع أن يكون فيها منْ يعمل بأمر اللَّهِ ويعبد اللَّه قبل يوم القيامة، بل هذا هو الواقع (^١)، فإنَّ مَنْ فيها الآن مُؤْتَمَرُون بأوامر مِنْ قِبل ربَّهم لا يتعدُّونها سواء سُمِّيَ ذلك تكليفًا أو لم يُسَمَّ.
الوجه الثاني: أنَّ التكليف فيها لم يكن بالأعمالِ التي يكلَّف بها النَّاس في الدنيا: من الصيام والصلاة والجهاد ونحوها، وإنَّما كان حَجْرًا عليهما في شجرةٍ واحدةٍ من جملة أشجارها، إمَّا واحدة بالعَيْن أو بالنَّوع، وهذا القدرُ لا يمتنع وقوعه في دار الخلد، كما أنَّ كلَّ أَحَدٍ محجورٍ عليه أنْ يَقْرَبَ أهل غيرِهِ فيها، فإنْ أردْتُم بكونها ليست دار تكليفٍ امتناع وقوع مثل هذا فيها في وقت من الأوقات، فلا دليلَ عليه، وإنْ أردتم أنَّ تكاليف الدنيا منتفيةٌ عنها، فهو حقٌّ، ولكن لا يدل على مطلوبكم.
وأمَّا استدلالكم بنوم آدم فيها، والجنَّة لا ينامُ أهلها.
فهذا إنْ ثبتَ النَّقْلُ بنَوْمِ آدم، فإنَّما ينفي النوم عن أهلها يوم دخول الخلود، حيث لا يموتون، وأمَّا قبل ذلك فلا.
وأمَّا استدلالكم بقصة وسْوَسَة إبليس له بعد إهباطه، وإخراجه من السَّماء. فَلَعْمرُ اللَّهِ إنَّه لَمِنْ أقْوَى الأدلة، وأظهرها على صحة قولكم، وتلك التَّعسُّفاتِ كدخوله (^٢) الجنَّة، وصعوده إلى السَّماءِ بعد إهباط اللَّه له منها (^٣) لا يرتضيها مُنْصِف؛ ولكن لا يمتنع أن يصعد إلى هناكَ
_________________
(١) في "أ، ج، د، هـ": "الواضح".
(٢) في "ب، ج، د": "لدخوله".
(٣) قوله: "بعد إهباط اللَّهِ له منها" سقط من "أ".
[ ١ / ٨٨ ]
صُعُودًا عارِضًا لِتَمام الابتلاءِ والامتحان الَّذي قدَّره اللَّهُ تعالى وقدَّر أسبابه، وإنْ لم يكن ذلك المكان مَقْعَدًا له مُسْتَقِرًّا كما كان، وقد أخبر اللَّهُ سبحانه عن الشياطين أنَّهم كانوا قبل مبعث رسول اللَّه -ﷺ-، يقعدون من السَّماء مقاعد للسمع، فيستمعون الشيءَ من الوحي، وهذا صعودٌ إلى هناك، ولكنَّه (^١) صعودٌ عارضٌ لا يستقرون في المكان الَّذي يصعدون إليه = مع قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، [الأعراف: ٢٤] فلا تنافي بين هذا الصعود وبين الأمر بالهبوط، فهذا محتملٌ، واللَّهُ أعلم.
وأمَّا استدلالكم بأنَّ اللَّهَ سبحانه أعلم آدم ﵇ مقدار أجله، وما ذكرتم من الحديثِ وتقرير الدَّلالة منه (^٢) .
فجوابه: أنَّ إعلامه بذلك لا ينافي إدخاله جنَّة الخُلْد، وإسكانه فيها مُدَّة.
وأمَّا إخباره سبحانه أنَّ داخلها لا يموت، وأنَّه لا يَخْرُج منها، فهذا يومُ القيامة.
وأمَّا احتجاجكم بكونه خُلِقَ من الأرض، فلا ريب في ذلك، ولكن من أين لكم أنَّه كَمَّلَ خَلْقَهُ فيها؟ وقد جاء في بعض الآثارِ: "أنَّ اللَّهَ سبحانه ألقاهُ على باب الجنَّة أربعين صباحًا، فجعل إبليسُ يَطِيْفُ به، ويقول: لأمرٍ ما خُلِقْتَ، فلمَّا رآهُ أجوفَ علم أنَّه خلق لا يَتَمالك،
_________________
(١) في "أ، ج": "وإليه".
(٢) سقط من "ب".
[ ١ / ٨٩ ]
فقال: لئن سُلَّطْتُ عليه لأُهْلِكَنَّهُ، وإنْ (^١) سُلَّطَ عليَّ لأَعْصِينَّه" (^٢)، مع أنَّ قوله سبحانه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣١ - ٣٣] يدلُّ على أنَّه كان في السَّماء معهم بحيثُ أنبأهم بتلك الأسماء، وإلا فهم لم ينزلوا كلهم إلى الأرضِ، حتَّى سمعوا منه ذلك، ولو كان خلْقُه قد كمل في الأرضِ لم يمتنع أنْ يصعده سبحانه إلى السَّماءِ لأمرٍ دَبَّرهُ وقدَّرهُ ثمَّ يعيدهُ إلى الأرضِ، فقد أصعد المسيح صلوات اللَّه وسلامه عليه إلى السَّماءِ، ثمَّ ينزله إلى الأرضِ قبل يوم القيامة، وقد أسرى ببدن رسول اللَّه -ﷺ- وروحه إلى فوق السماوات.
فهذا جواب القائلين بأنَّها جنَّة الخلد لمنازعيهم، واللَّهُ أعلم.
_________________
(١) في "ب، د": "ولئن".
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ، لكن أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢٦١١) عن أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا بلفظ "لمَّا صوَّر اللَّهُ آدم في الجنَّة، تركه ما شاء اللَّهُ أن يتركه، فجعل يطيف به، ينظر ما هو، فلمَّا رآهُ أجوف عرف أنَّهُ خُلِق خلْقًا لا يتمالك".
[ ١ / ٩٠ ]