اعلم أن كتاب الله تعالى وسنة نبيه - ﷺ - ناطقان بالأمر بالتشبه بالأنبياء والملائكة والمقربين والصالحين، وبمدح المتشبهين بهم، والمتبعين لآثارهم وسننهم، وبأن المتشبهين بهم محشورون معهم وفي زمرتهم.
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ﴾ [لقمان: ١٥].
قال قتادة: أي: من أقبل عَلَيَّ. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١).
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣].
قال تعالى ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٩٥].
وقال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨]؛ أي: طوعًا، فإن كل شيء يسجد لله طوعًا أو كرهًا، وإنما أمره بالطاعة والاجتناب، لينال جزيل الثواب.
وروى سعيد بن منصور في "سننه"، وابن المنذر في "تفسيره"،
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٧١).
[ ١ / ١٣١ ]
والحاكم في "تاريخه"، وابن مَردويه في "تفسيره"، وأبو منصور الديلمي في "مسند الفردوس" عن أبي مسلم الخَولاني - مرسلًا - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ الْمالَ وَأَكُوْنَ مِنَ التَّاجِرِيْنَ، وَلَكِنْ أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنْ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِيْنَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىْ يَأْتِيَكَ الْيَقِيْنُ" (١).
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود مثله، وعن أبي الدرداء نحوه؛ كلاهما مرفوعًا.
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤].
أمرهم بالتشبه بالحواريين.
وقال تعالى مُثنيًا على عباده الصالحين: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤].
قال البخاري رحمه الله تعالى: أي: أئمة نقتدي بمن قبلنا،
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "الزهد" (ص: ٣٩١)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ١٣١) عن أبي مسلم الخولاني، والديلمي في "مسند الفردوس" (٦٢٩٧) عن أبي ذر. قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (١/ ٤٢٠): رواه ابن "مردويه" في التفسير من حديث ابن مسعود بسند فيه لين.
[ ١ / ١٣٢ ]
ويقتدي بنا من بعدنا (١).
وقال الله ﷾ ذامًّا من يتبع غير سبيل المؤمنين، متوعدًا لهم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
وقد استدل الإمام الشافعي بهذه الآية على كون الإجماع حجة، وإذا أجمع المسلمون على اعتقادٍ أو قول أو فعل من أفعال الطاعة وأقوالها، فقد وجب على كل مسلم أن يتشبه بهم في ذلك الاعتقاد أو الفعل أو القول، وإن خالفهم كان خارقًا للإجماع، فإن كان ذلك مما عُلم من الدين ضرورة كان خرق الإجماع كفرًا (٢).
وقال الله تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وفي أولي العزم أقوال أشهرها (٣):
١ - إنهم إبراهيم، وموسى، ونوح، وعيسى ﵈.
٢ - ومنها: إنهم إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ونوح، وداود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط ﵈.
_________________
(١) انظر: "صحيح البخاري" (٦/ ٢٦٥٤).
(٢) انظر: "الرسالة" للإمام الشافعي (ص: ٤٧١) وما بعدها.
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٥).
[ ١ / ١٣٣ ]
لأن الله تعالى ذكرهم في سورة الأنعام، وأثنى عليهم، ثم قال تعالى ﴿ذَلِكَ﴾ [الأنعام: ٨٨] أي: ما دان به هؤلاء الأنبياء ﵈: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٨ - ٩٠].
فأمر الله تعالى نبيه - ﷺ - بالاقتداء بهداهم.
وأما قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]،
فهو نهي عن التشبه به في أمر خاص، وهو لا ينافي التشبه به في سائر أنواع الهدى.
قال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]:
لا تعجل كما عجل، ولا تغاضب كما غاضب. رواه الإمام أحمد في "الزهد"، وغيره (١).
ثم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ [الأنعام: ٨٩].
قال ابن عباس: هم أهل مكة (٢).
وقيل: هم قريش.
_________________
(١) ورواه الطبري في "التفسير" (٢٩/ ٤٥).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير" (٤/ ١٣٣٨).
[ ١ / ١٣٤ ]
وقيل: كفار عصره - ﷺ - (١).
وقوله: ﴿بِهَا﴾، بالثلاثة المذكورة؛ وهي: الكتاب والحكم والنبوة.
أو المراد بها: الشرائع التي دان بها هؤلاء الأنبياء ﵈؛ أي: ما اجتمعوا عليه من الملة، وهي أصول التوحيد.
وقوله: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ [الأنعام: ٨٩] أي: بحفظها، ودعايتها، والعمل بها، والإيمان بها.
والمراد بالتوكيل التوفيق لهذه الأمور قومًا ليسوا بها بكافرين.
قال ابن عباس: هم الأنصار. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٢).
وروى نحوه عبد بن حميد عن سعيد بن المسيِّب.
وقيل: هم والمهاجرون.
وقال قتادة: هم النبيون الثمانية عشر الذين قص الله تعالى على نبيه - ﷺ -. رواه عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، وغيرهما (٣).
وقيل: غيرهم من الأنبياء ليقتدوا بهم، ويدل عليه قوله: ﴿أُولَئِكَ
_________________
(١) انظر هذه الأقوال وغيرها في: "تفسير ابن أبي حاتم" (٤/ ١٣٣٨)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (٣/ ٨١).
(٢) رواه الطبري في "التفسير" (٧/ ٢٦٤)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (٤/ ١٣٣٩).
(٣) رواه الطبري في "التفسير" (٧/ ٢٦٤) ورجح هذا القول، وابن أبي حاتم في "التفسير" (٤/ ١٣٣٩).
[ ١ / ١٣٥ ]
الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقال أبو رجاء: هم الملائكة. رواه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وغيرهما (١).
وعلى هذين القولين فالأنبياء، والملائكة ﵈ مأمورون بالتشبه بالصالحين، موكلون بالاستنان بسنتهم.
وقال بعضهم: هو عام في كل مؤمن من الإنس والجن والملائكة (٢).
فكلهم على هذا موكلون بإقامة سنة هؤلاء الأنبياء ﵈ من أصول التوحيد، ومكارم الأخلاق.
وهذا هو المختار عندي.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وصفهم بالهدى بعد أن وصف دينهم بأنه هدى الله، تأكيدًا ومبالغة في تصديقهم، وتحريضًا على الاقتداء بهم؛ حيث ذيَّل وصفهم بالهدى، وبأن الله هداهم؛ أي: تولى هدايتهم بنفسه بالأمر بالاقتداء بهم، حيث يقول: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
والاقتداء: موافقة المقتدى به في أفعاله، وأقواله، وهو معنى التشبه به.
_________________
(١) رواه الطبري في "التفسير" (٧/ ٢٦٤)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (٤/ ١٣٣٩).
(٢) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (٧/ ٣٥).
[ ١ / ١٣٦ ]
وقد استدل بعض العلماء بهذه على وجوب اتباع شرائع الأنبياء ﵈ فيما عدم فيه النص، كما في "صحيح مسلم"، وغيره أن ابنة الرَّبِيع أم حارثة جرحت إنسانًا، فاختصموا إلى النبي - ﷺ -، فقال: "الْقِصاصُ الْقِصاصُ"، فقالت أم الربِيع: أَيقتصُّ من فلانة! والله لا يقتصُّ منها، فقال النبي - ﷺ -: "سُبْحَانَ اللهِ يَا أُمَّ الرَّبِيع الْقِصَاصُ كِتابُ اللهِ"، قالت: والله لا يقتصُّ منها أبدًا، فما زالوا حتى قَبِلَ الدِّية، فقال رسول الله - ﷺ -: "إِنَّ مِنْ عِبادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَىْ اللهِ لأَبَرَّه" (١).
فأحال - ﷺ - على قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥].
وليس في كتاب الله تعالى نص على القصاص في السِّن إلا في هذه الآية، وهي خبر عن شرع التوراة، ومع ذلك فحكم بها، وأحال عليها؛ ذكره القرطبي، ثم قال: وإلى هذا ذهب معظم أصحاب مالك، وأصحاب الشافعي.
قال: وخالف في ذلك كثير من أصحاب مالك، وأصحاب الشافعي، والمعتزلة؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
_________________
(١) رواه البخاري (٢٥٥٦)، ومسلم (١٦٧٥) واللفظ له، قال ابن الأثير في "جامع الأصول" (١٠/ ٢٧١): هذا الحديث أخرجه الحميدي في المتفق، وكأن كل واحد من روايتي البخاري ومسلم منفردة، - وذكر الاختلاف ثم قال: - وهذا اختلاف كثير وحيث جعلهما حديثًا واحدًا اتبعناه.
[ ١ / ١٣٧ ]
وقال: وهذا لا حجة فيه؛ لأنه يحتمل التقييد إلا فيما نص عليكم من الأخبار عنهم مما لم يأت في كتابكم (١).
قال في "صحيح البخاري": عن العوام قال: سألت مجاهد عن سجدة (ص)، فقال: سألت ابن عباس - ﵄ - قال بعد أن قرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]: فكان داود ﵇ ممن أمر بالاقتداء به (٢). انتهى.
وقال القاضي ناصر الدين البيضاوي رحمه الله تعالى: والمراد بهداهم ما توافقوا عليه من التوحيد، وأصول الدين دون الفروع المختلف فيها؛ فإنها ليست هدى مضافًا إلى الكل، ولا يمكن التأسي بهم جميعًا فيها، فليس فيه دليل على أنه ﵇ متعئد بشرع من قبله (٣).
وقال شيخ الإسلام الوالد رحمه الله تعالى موضحًا لكلام القاضي، وزائدًا عليه: [من الرجز]
فَبُهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ يُرِيْدُ مَا تَوَافَقُوْا عَلَيْهِ مِمَّا جَزَمَا
بِهِ مِنَ التَّوْحِيْدِ وَالأصُوْلِ لِلدِّيْنِ لا التَّحْرِيْمِ وَالتَّحْلِيْلِ
فِيْ أكثَرِ الأَشْيَا أَوِ الْفُرُوْعِ فَلا تَوَافُقٌ مِنَ الْجَمِيْعِ
_________________
(١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (٧/ ٣٦ - ٣٧).
(٢) رواه البخاري (٤٥٩٢).
(٣) انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٤٢٨).
[ ١ / ١٣٨ ]
فَلَيْسَ ذلكُم (١) هُدَىً يُضافُ لِلْكُلِّ إِذْ حَصَلَ الاخْتِلافُ
وَلَمْ تَصِرْ مِنْ بَعْدِ نسخِها هُدَىْ وَلَيْسَ نسخٌ فِيْ الأُصُوْلِ أَبَدَا
وَلَيْسَ فِيْ ذَلِكَ أَنَّ أَحْمَدَا بِشَرْعِ مَنْ سبَقَهُ تُعُبِّدَا
نَعَمْ يَدُلُّ أَنَّهُ تَفَضَّلا عَلَىْ الْجَمِيْعِ فَإِلَهُنا عَلا
فَرَّقَ أَوْصافَ الْكَمالِ وَالشَّرَفْ فِيْهِمْ وَكُلُّها بِهِ قَدِ ائْتَلَفْ
دَاوُدُ كَابْنِهِ سُلَيْمانَ شَكُوْرْ أيُّوْبُ فِيْ الْمِحْنَةِ وَالْبَلا صَبُوْرْ
يُوْسُفُ جامعٌ لِذَيْنِ مُوْسَىْ مَعْ مُعْجِزَاتٍ جَمَعَ النَّامُوْسا
وَشِرْعَةً وَزَكَرِيَّا وَالذِينْ مِنْ بَعْدِهِ ذَوُوْ زَهَادةٍ وَديْنْ
وَكانَ إِسْماعِيْلُ صادِقَ الْمَقالْ يُوْسُفُ ذَا ضَرَاعَةٍ عِنْدَ السُّؤَالْ
وَأُمِرَ الْهادِيْ بِأَنْ يَقْتَدِيا بِهِمْ وَقَطْعًا إِنَّهُ لَنْ ينيَا
فِيْما بِهِ أَمَرَهُ اللهُ عَلا فَجَمَعَ الأَوْصافَ فِيْهِمْ كُمَّلا
وَكانَ جامِعًا لِما تَفَرَّقا مِنْ مُوْجِبِ الْكَمالِ فِيْهِمْ مُطْلَقا
وَحَيْثُ كانَ الأَمْرُ هَكَذَا فَلا شَكَّ بِأَنَّهُ عَلَيْهِمْ فُضِّلا
وقد تبين بذلك أن الأنبياء ﵈ متوافقون في أصل التوحيد والاعتقادات، وكذلك في محاسن الأخلاق، ولطائف الآداب، ولذلك قال - ﷺ -: "الأَنْبِياءُ أَوْلادُ عَلاَّتٍ؛ أُمَّهاتُهُمْ شَتَّىْ، وَدِيْنُهُمْ واحِدٌ"،
_________________
(١) في "أ": "ذلك".
[ ١ / ١٣٩ ]
كما في "الصحيح" (١).
والمراد: أن دينهم واحد من حيث أصل التوحيد، والتخلق بمكارم الأخلاق، والتأدب بمحاسن الآداب، وإلا فإنهم مختلفون في الشرائع، وكل نبي فشريعته ناسخة لما خالفها من شريعة من قبله، ومهما كانت الشريعة منسوخة لم يكن اتباعها في محل النسخ هدى - كما أشار إليه الشيخ الوالد رضي الله تعالى عنه في كلامه المذكور آنفًا -، وما أشار إليه في كلامه المتقدم - أيضًا - من أن أوصاف الكمال، ومحاسن الخصال لما كانت مُفَرَّقَة في الأنبياء ﵈ أراد الله تعالى أن يستتمها النبي - ﷺ - ليكون أكملهم، وأفضلهم، فامر بالاقتداء بهم في جميعها.
هذا من أحسن ما يقال في هذا المقام.
وممَّا يدل عليه قوله - ﷺ -: "بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ". رواه الإمام أحمد، وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وصححه الحاكم (٢).
ورواه البخاري في "الأدب المفرد"، والحاكم - وصححه أيضًا -،
_________________
(١) رواه البخاري (٣٢٥٩) واللفظ له، ومسلم (٢٣٦٥).
(٢) رواه أحمد في "المسند" (٢/ ٣٨١) بلفظ: "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق"، والذي رواه باللفظ الذي ذكره المؤلف: البزار في "المسند" (٨٩٤٩)، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ١٥): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ورواه البزار إلا أنه قال: "لأتمم مكارم الأخلاق" ورجاله كذلك غير محمد بن رزق الله الكلوذاني وهو ثقة.
[ ١ / ١٤٠ ]
والبيهقي بلفظ: "إِنَّما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صالح الأَخْلاقِ" (١)؛ أي: لأستتمها.
أو نقول: في الحديث إشارة إلى أن مكارم الأخلاق - وإن كانت قد تخلق بها الأنبياء قبل النبي - ﷺ - كاحتمال نوح ويوسف، وصبر أيوب ويعقوب وزكريا، وسخاء إبراهيم، وشجاعة موسى، وحلم هارون ﵈ إلا أن الأخلاق الكريمة لم تتم إلا بمحمد - ﷺ -، ومعلوم أنها لم تتم به حتى تمت له، وما تممها لغيره حتى استتمها لنفسه؛ إذ محال أن يامر نبيٌّ ببر لا يعمل به.
وكذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
ويوضح ما حررناه في ذلك: ما رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" من طريق جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ بَعَثَنِيْ بِتَمامِ مَكارِمِ الأَخْلاقِ، وَكَمالِ مَحاسِنِ الأَعْمالِ" (٢)، فقد علمت أن النبي - ﷺ - حيث استتم محاسن الأخلاق، وأتمها لأمته بما أمره الله تعالى به من الاقتداء بهدى الأنبياء ﵈ وبما زاده عليهم من الأخلاق والآداب والشرائع، فقد صار بذلك أكمل الأنبياء وأفضلهم، وصارت أمته أفضل الأمم وأتمهم شريعة، كما قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
_________________
(١) رواه البخاري في "الآدب المفرد" (٢٧٣)، والحاكم في "المستدرك" (٤٢٢١)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ١٩٢).
(٢) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٦٨٩٥)، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ١٨٨): فيه عمر بن إبراهيم القرشي وهو ضعيف.
[ ١ / ١٤١ ]
فمن اقتدى به - ﷺ - وتشبه به فقد اكتفى عن التشبه بغيره؛ لأنه هو الإنسان الكامل، الجامع لجميع متفرقات الكمالات والفضائل، ومن تشبه بأحد ممن أمر بالتشبه بهم من الأنبياء والصالحين في خصلة من خصال الخير، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، فهو متشبه بالنبي - ﷺ - لما علمت من أن الأخلاق الكريمة قد اجتمعت كلها فيه، وتممت له وبه - ﷺ -، فهو بهذا الاعتبار مراة الوجود التي يتمثل فيها جميع ما في الوجود من الأخلاق السَّنِية، والأوصاف الزكية، وكما قال البوصيري في "الهمزية" رحمه الله تعالى: [من الخفيف]
كَيْفَ تَرْقَىْ رُقُيَّكَ الأَنْبِيَاءُ يَا سَمَاءً ما طاوَلَتْها سَماءُ
لَمْ يُساوُوْكَ فِيْ عُلاكَ وَقَدْ حا لَ سَمنا مِنْكَ دُوْنهمْ وَسَناءُ
إِنَّما مَثَّلُوْا صِفَاتِكَ لِلنَّا سِ كَمَا مَثَّلَ النُّجُوْمَ الْماءُ
أَنْتَ مِصْباحُ كُلِّ فَضْلٍ فَما تَصْد دُرُ إِلاَّ عَنْ ضَوْئِكَ الأَضْواءُ
وحيث كان الأمر كذلك، فقد كان ينبغي أن لا يهتم بالأمر بالتشبيه بغيره - ﷺ -، ولكن جاء الكتاب والسنة بالإرشاد إلى التشبه بمن نحن
[ ١ / ١٤٢ ]
ذاكروهم في هذا الكتاب، على طريقة التنويع في التشريع والإرشاد، والتوسيع في الطرق الموصلة إلى الخير والسداد، وأشارت إلى غَور بعيد من المعرفة، وهو أن الطرق - وإن تعددت - فإنها راجعة إلى طريقة واحدة، وهي طريقته - ﷺ -، وكان سائر الطرق والشرائع، وجميع السبل والمشارع سواقٍ وجعافر (١)، وأنهار وغدائر، آخذة من البحر المحيط، راجعة إليه، صادرة عنه، واردة عليه، كما قال في البردة: [من البسيط]
وَكُلُّهُمْ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ مُلْتَمِسٌ غَرْفًا مِنَ الْبَحْرِ أَوْ رَشْفًا مِنَ الدِّيَمِ
ولا شك أن المتشبه بالأخيار والصالحين مقتبس من أنوارهم، مغترف من فيض بحارهم، ورُبَّ ضعيف يمنعه هول البحار، واختلاف أمواجها من الاستقاء منها، والارتواء من مائها، فإذا ورد ماء السواقي ظفر منها بالريِّ من نبعها، والبَلال من جرعها، ورُبَّ ضعيف عن احتمال أشعة الأنوار المحمديَّة، وشهب الأضواء المصطفويَّة يأتي إليه نصيبه منها على يدي بعض الورثة من العلماء والصلحاء، فلو حجر عليه أن لا يتلقى إلا من قِبَلِهِ - ﷺ - لضاق به الفضاء، وعاد من البحر المحيط بلا ارتواء.
ونظير ذلك أن الخفاش لضعف بصره لا يبصر في ضوء الشمس والقمر، ويبصر في الأضواء الضعيفة المستمدة من بعض الكواكب، أو
_________________
(١) الجعفر: النهر الكبير الواسع.
[ ١ / ١٤٣ ]
ما بقي في أطراف الليل من أنوار الشمس.
فكان التشبه بالصالحين والأخيار وسيلة موصلة للضعفاء إلى التشبه بالنبي - ﷺ -.
وأيضًا لا شك أن الداعي للعبد إلى التشبه بالصالحين إنما هو محبتهم، وانجذاب روحه إلى أرواحهم، وتحرك قلبه لما تحركت له قلوبهم، ورُبَّ روح تنجذب إلى بعض الصالحين دون بعض لمجانسة ظاهرة أو باطنة، ومشاكلة بادية أو كامنة، وتضعف عن الانجذاب إلى الروح المحمديَّة بلا واسطة لكمال نورها وقوة سلطانها في ظهورها (١)، فورد الشرع بالإرشاد إلى التشبه بالصالحين ليكون وسيلة للضعفاء إلى التشبه به - ﷺ -، وإلى انجذاب أرواحهم إلى روحه، فلا يعودون منه بغير حظ، ولا يَرِدون الآخرة بلا نصيب.
وفي التشبه بهم - أيضا - إيصال الخير إلى الوسائط مع حصول الغرض الأعظم بالتشبه بهم، وهو التخلق بالأخلاق المحمدية، والاتصاف بالأوصاف الأحمدية؛ لما علمت من أن التشبه بهم راجع إلى المُتَشَبَّه به - ﷺ -.
_________________
(١) النبي - ﷺ - هو الإنسان الذي اختاره الله تعالى ليكون قدوة لكل المؤمنين دون استثناء، ولا بأس بالاقتداء بغيره من الأنبياء والصالحين، فالجميع مؤتم به - ﷺ -، وهو ﵊ الإمام.
[ ١ / ١٤٤ ]