٧ - ومن أحوال المجانين، والحمقى: الإخبار بالأشياء المعلومة ضرورة كالسماء فوق الأرض، والنار محرقة، أو بأضدادها، والتصديق بذلك كالأرض فوق السماء، والسؤال عما هو ظاهر لكل أحد، أو عن ما ليس بمعقول، فإذا وقع مثل ذلك من العاقل ألحق بالمجانين، وضحك منه.
كما حكي أن أحمق سأله بعض العلماء: متى يفطر الصائم؟
قال: إذا غربت الشمس.
قال: فإن لم تغرب إلى نصف الليل (١).
وحكي أن رجلًا قال لولده - وكان الولد أحمق -: اشتر لنا حبلًا فَي طول كذا كذا ذراعًا.
فقال: في عرض كم؟
فقال: في عرض مصيبتي فيك (٢).
ومن هذا القبيل ما يتفق في كل عام لكثير من العوام أن يسألوا العلماء في تاسع عشري شعبان: غدًا يكون صوم أو فطر؟
وقد اتفق لشيخ الإسلام الوالد أنه سئل عن هذه المسألة فقال [من المجتث]:
قِيلَ صْومٌ غَدًا فَقُلْتُ هَذا جُنُونُ
_________________
(١) انظر: "أدب الدنيا والدين" للماوردي (ص: ٣٤١).
(٢) انظر: "البصائر والذخائر" لأبي حيان التوحيدي (٤/ ٧٦).
[ ١٠ / ٥٥ ]
إِنْ رَأَوْهُ كانَ أَوْ ما رَأَوْا لا يَكُونُ
ومن هذا القبيل: البلاهة في الدين، وهي مذمومة كما روى ابن أبي الدنيا في "العقل" عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كانَ رَجُلٌ فِي صَوْمَعةٍ فَمَطرَتِ السَّماءُ وَأَعْشَبَتِ الأَرْضُ، فَرَأى حِمارًا لَهُ يَرْعى، فَقالَ: يا رَبِّ! لَوْ كانَ لَكَ حِمارٌ رَعَيْتُهُ مَعَ حِمارِي، فَبَلَغَ ذَلِكَ نبِيًّا مِنَ أَنْبِياءِ بَنِي إِسْرائِيلَ، فَأرادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِ، فَأَوْحَى اللهُ تَعالَى: إِنَّما أَجْزِي عِبادِي علَى قَدْرِ عُقُولهِمْ" (١).
وأخرجه عن عطاء، ولم يرفعه؛ قال: كان ممن كان قبلكم راهب أشرف، فرأى الأرض مخضرة ذات نبات، فقال: يا رب! ما عندي ما أتصدق به، فلو كان لك حمار فأرعاه مع حماري، فأراد النبي الذي في عصره أن ينهاه، فأوحى الله تعالى إليه أن دعه؛ فإنما أجزي عبادي على قدر ما قسمت لهم من العقل (٢).
وروى أبو نعيم عن زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى قال: إن نبيًا من الأنبياء ﵈ أمر قومه أن يقرضوا ربهم ﷿، فقال رجل منهم: يا رب! ليس عندي إلا تبن حماري، فإن كان [لك] حمار
_________________
(١) ورواه ابن عدي في "الكامل" (١/ ١٦٥) وقال: هذا حديث منكر، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤٦٤٠).
(٢) ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٤٦٣٩) عن عطاء عن جابر - ﵁ - موقوفًا.
[ ١٠ / ٥٦ ]
علفته من تبن حماري هذا.
قال: فكان يدعو بهذا في صلاته، قال: فنهاه نبيه عن ذلك.
فأوحى الله تعالى إليه: لأي شيء نهيته؟ قد كان يضحكني في اليوم كذا وكذا مرة.
وفي رواية متصلة عن النبي - ﷺ - كما قال أبو نعيم: "فَإِنِّي إِنَّما أُجازِي عِبادِيَ عَلى قَدْرِ عُقُولهِمْ" (١).
قلت: لعل وجه معاتبة الله تعالى هذا النبي على نهي هذا الأبله عن ذلك لأن البله أمر خلقي فلا يفيد صاحبه النهي شيئًا، بل ربما أوقعه البله بالنهي في أعجب منه.
وقوله: إنه كان يضحكني: الضحك من الله تعالى بمعنى الرضا؛ كأنه يقول: أنا طبعته على البله، ومنعته الفطنة، فرضيت بما يصدر منه؛ فإنه على وفق ما أردت منه (٢).
وقوله في الرواية الأخرى: "إنما أجازي عبادي على قدر عقولهم"؛ فيه إشارة إلى أن العبد المؤمن كلما كان أتم عقلًا كان أوسع علمًا ومعرفة، وأكثر عملًا وتقوى، فيكثر ثوابه، فيرجع المعنى إلى أن الثواب بقدر العقول الكاملة، وليس للعبد الذي خلقه الله تعالى كامل
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٢٢٣).
(٢) هذا التأويل على مذهب المتأخرين، ومذهب السلف إثبات الصفة لله تعالى، مع التنزيه عن التشبيه والتسليم بمعناها إلى الله تعالى.
[ ١٠ / ٥٧ ]
العقل، وافر الفطنة، ثابت اللب أن يتشبه بالنُّوكى والبُلْهِ في الأفعال الخارجة عن استحسان العقل لأنه يكون كافرًا لنعمة العقل والفطانة.