[ ٣١٥ ]
أستاذ سابق للفلسفة بالجامعات الفرنسية، وله العديد من الكتب في مجال الفلسفة والتوحيد اعتنق الإسلام بعد دراسة جادة مضنية أوصلته إلى اقتناع كامل به كدين قائم على التوحيد _على عبادة الله الاحد
وعلى حد تعبيره كان من فضل الله عليه أن مَنَّ الله عليه بالإسلام مكافأة من الله له على ما بذله في سبيل تحصيل العلوم المختلفة، وخاصة اجتهاده في الفلسفة والتوحيد، فضلًا عن إلمامه الكبير في مختلف فروع المعرفة.
ويسترسل الدكتور في حديثه فيقول:
"إنه بلا شك أن الإسلام _وهو دين العلم والمعرفة - يدعو معتنقيه إلى التزود بالعلم به، ولا غَروَ في ذلك، فإن أول آية من القرآن الكريم هي قوله تعالى لرسوله الكريم: (اقرأ بِاسمِ رَبّكَ الّذي خَلَق) . والنبي الكريم يقول: "اطلبوا العِلمَ ولو كان في الصين"، فمن تجاربي الشخصية فإني أؤمن إيمانًا لا يتزعزع بأن الفرد الذي يخلص في أبحاثه للحصول على العلم في أي فرع من فروعه لخدمة المجتمع، ولخير البشرية جمعاء، فإن الله ﷾ سيجازيه خير الجزاء على كل ما يقدمه من خير لمجتمعه، فالله يقول في سورة الزلزلة:
(فَمن يعمَل مِثقالَ ذَرَّةٍ خيرًا يَرَه ) .
وبالنسبة لي فإنني لم أكتف بدراستي الخاصة في الفلسفة، بل إنني حاولت في شتى فروع المعرفة، وخاصة في إثبات وحدانية الله خالق كل شيء، ومدبر كل شيء في هذا الكون، الذي تهدده الحضارة المادية الإلحادية التي تكاد تقضي على كل ما توارثته الأجيال الماضية والحاضرة من تقدم وازدهار. فسلاح العلم وحده لا يُستخدم إلا في الخير والبناء، لا في الدمار والخراب، وذلك هو الأمل لأبناء البشرية جمعاء للوصول إلى الحقيقة الكبرى، وإلى خلاص العالم من مشاكله.
[ ٣١٦ ]
فالعلم والبحث كانا سببًا في انبثاق إشراقة الأمل ونور الحق، وإنارة الطريق أمامي.. ويهدني ربي إلى الصراط المستقيم، ويرشدني إلى بر الامان، وينقذني من العذاب الشديد الذي كنت أعانيه نتيجة الصراع العنيف الذي كان يدور في نفسي، ولا ريب في هذا الكلام، فإنني أعتقد بأن الإسلام _وهو شريعة الله والحق - معناه السلام، بكل ما تحتويه هذه الكلمة من معانٍ كبيرة، وأولها السلام بين الشخص ونفسه.
فالنفس _وهي الأمارة بالسوء - لا تستطيع أن تسيطر عليها وتوجهها إلى خير الفرد والمجتمع، إلا الشريعة الإسلامية ومبادئها السمحاء.
فالشهادة تعني أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.. تعني أن الناس جميعًا متساوون، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى
واتصال العبد مباشرة بخالقه خمس مرات يوميًّا _في صلاته - زادٌ يومي يُذَكّرَهُ بوجود الخالق، ويدعوه إلى إتباع ما دَعَا إليه، واجتناب ما نَهى عنه (كُنتم خَيرَ أُمَّةٍ أخرجَت للنَّاسِ تأمُرُونَ بالمعروفِ وتَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ ) .
والزكاة تُوحدُ بين القلوب، وتقضي على الحقد والبغض والحسد، فتقرب بين المسلمين وتجعلهم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا.
وصيام رمضان يعتبر تدريبًا للنفس لكبح جماحها
وخروج الفرد من زينة الدنيا في الحج يذكره بيوم الحشر والحساب
فهذه المباديء تستطيع إقامة المجتمع المثالي الذي ظل يبحث عنه منذ نشأته ولذا فإنني أدعو كل إنسان أن يبحث عن حقيقة الإسلام ومبادئه المختلفة، ولا يتأثر بالادعاءات الكاذبة التي يرددها المغرضون وأصحاب الأغراض الشخصية، فالطريق مفتوح أمام كل إنسان للنظر في كتاب الله وسنة رسوله، وليحكم بعد ذلك بما يمليه عليه ضميره.
[ ٣١٧ ]
ثم يقول الدكتور الجامعي الذي أسلم: إن شيئًا فعلته بعد اعتناقي للإسلام، هو محاولة زيارة الدول الإسلامية لدراسة أحوال معيشتهم، والتعرف عليهم، ولقد سعدت كثيرًا بزيارة المملكة العربية السعودية، والكويت، ومصر وغيرها، وكنت دائمًا أحس بالبيئة الإسلامية التي أفتقدها ويفتقدها كل مسلم يعيش في بلاد الغرب.
ثم يستطرد قائلًا: إنني الآن أقوم بمحاولة إعداد كتاب باللغة الفرنسية عن الشريعة الإسلامية، وتاريخ الإسلام والمسلمين، ودور علماء المسلمين الاوائل في العلوم والفنون المختلفة.
ثم اختتم حديثه وهو في حالة من النشوة والزهو وهو يقول:
أود أن أطلب من المسلمين أن يفتخروا بأنهم مسلمون، وأن يكونوا خير مثل لهذه الشريعة الخالدة، وأن يكونوا جديرين بأن يحملوا هذه العقيدة.
وأحب أن أذكر هنا مثلًا يبين لهم أهمية تمسكهم بدينهم دون التأثر بما يجري من حولهم، وهو أن أصحاب الأعمال هنا يفضلون المسلمين المتمسكين بدينهم، نظرًا لأنهم يكونون على خُلُق طَيّبٍ، وإخلاص تام للأعمال التي يقومون بها، فضلًا عن أن سلوكهم الاجتماعي يجبر الجميع على احترامهم وتقديرهم، واحترام وتقدير عقيدتهم.
كما أطلب من الدول الإسلامية _وخاصة مصر - أن تتحمل المسئولية الكبرى لخدمة الإسلام والمسلمين في العالم أجمع، كأن تهتم مثلًا بتوزيع المطبوعات الإسلامية التي تتناول الأسس والمبادىء الإسلامية بالأسلوب العلمي المبسط، وباللغات المختلفة وأن تهتم بالقرآن الكريم وترجمته للشعوب غير الناطقة بالعربية، والاهتمام أيضًا بأسطوانات وتسجيلات تعليم الصلاة للمسلمين في الدول الغربية بصفة عامة، وفي فرنسا بصفة خاصة، حتى يمكننا _نحن الأوربيين دراسة ومعرفة هذا الدين الحنيف.. كما يمكننا نحن الذين أسلمنا أن نُعَرّف إخواننا غير المسلمين به، ولكل طالب علم ومعرفة، والله يهدي من يشاء من عباده.