[ ٢٠ ]
قال: ومن مكايده ومصايده ما فتن به عشاق الصور، وتلك لعمري والله " الفتنة الكبرى " والبلية العظمى التي استعبدت النفوس بغير خلاقها، وملكت النفوس لمن يسومها سوم الهوان من عشاقها، وألقت الحرب بين العشق والتوحيد، ودعت إلى موالاة كل شيطان مريد، فصيرت القلب للهوى أسيرًا، وجعلته عليها حاكمًا وأميرًا، فأوسعت القلوب فتنة، وملأتها محنة، وحالت بينها وبين رشدها، وصرفتها عن طريق قصدها، ونادت عليها في سوق الرقيق فباعتها بأبخس الأثمان، وعاضتها بأخس الحظوظ وأدنى المطالب عن المعالي في غرف الجنان، فضلا عما هو فوق ذلك من القرب من الرحمن، فسكنت إلى ذلك المحبوب الخسيس الدنيء المهابة أضعاف لذاتها، والوصول إليه أكبر أسباب مضرتها بما أوشكته حبيبا يستحيل عدوًا عن قريب ويتبرأ منه محبة حتى كأنه لم يكن له بحبيب، وأن يمتنع به في هذه الدار فسوف يجد به أعظم الآلم بعد حين لاسيما إذا صار (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) فيا حسرة المحب الذي باع نفسه لغير الحبيب الأول بثمن بخس، وشهوة عاجلة ذهبت لذتها وبقيت تبعتها، وانقضت منفعتها، وبقيت مضرتها، فذهبت الشهوة وبقيت الشقوة، وزالت المسرة، وبقيت المضرة، فيا حسرتاه لِصَبّ جمع له بين الحسرتين: حسرة فوق المحبوب الأعلى والنعيم المقيم، وحسرة ما يقاسيه من النَّصب في العذاب الأليم فهناك يعلم المخدوع أي بضاعة أضاع، وأن من كان مالك رقة قلبه لم يكن يصلح أن يكون له من جملة الخدم والأتباع فأي مصيبة أعظم من مصيبة ملكٍ نزل عن سرير ملكه، وجعل لمن لا يصلح أن يكون مملوكه أسيرًا، وجعل تحت أوامره ونواهيه مقهورًا فلو رأيت قلبه وهو في يد محبوبه لرأيته كعصفورة في يد طفل يسومها غياض الردى والطفل يلهو أو يلعب فهل يليق بالعاقل أن يتبع هذا الملك المطاع لمن يسومه سوء العذاب ويوقع بينه وبين وليه ومولاه الحق الذي لا غنى له عنه، ولا بد له منه أعظم الحجاب، فالمحب لمن أحبه قتيل، وهو له عبد خاضع ذليل، إن دعاه لباه، وإن قيل له ما تتمنى فهو غاية ما يتمناه، ولا يأنس بغيره، ولا يسكن إلى سواه، فحقيق به أن لا يملك رقه إلا الحبيب، وأن لا يبيع نصيبه بأحسن نصيب. ثم قال: فمن المحبة النافعة محبة الزوجة وما ملكت يمين الرجل فإنها معينة على ما شرع له من النكاح وملك اليمين من إعفاف الرجل نفسه وأهله فلا تطمح نفسها إلى غيره، وكلما كانت المحبة بين الزوجين أتم وأقوى كان هذا المقصود أتم وأكمل قال الله تعالى: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها) وقال تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) .
[ ٢١ ]
وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ سئل: مَنْ أحب الناس إليك؟ قال: " عائشة " - ﵂ - ولهذا كان مسروق ﵁ إذا حدث عنها يقول: حدثتني الصِّدِّيقة بنت الصديق حبيبة رسول الله ﷺ المبرأة من فوق سبع سموات. وصح عنه ﷺ أنه قال: " حبب إلىّ من دنياكم النساء والطيب وجُعِلت قرة عيني في الصلاة ". فلا عيب على الرجل في محبته لأهله وعشقه لها إلا إذا شغله ذلك عما هو أنفع له من محبة الله ورسوله بحيث يضعها وينقصها فهي مذمومة. واعلم أن المحبة النافعة ثلاثة أنواع: محبة الله، ومحبة في الله، ومحبة ما يعين على طاعة الله، ومحبة ما يقطع عن محبة الله وينقصها. فمحبة الله أصل المحبات المحمودة وأصل الأيمان والتوحيد. والنوعان الآخران تبع لها، والمحبة مع الله أصل الشرك والمحبات المذمومة. والنوعان الآخران تبع لها، ومحبة الصور المحرمة وعشقها من موجبات الشرك قاله ابن القيم في كلامه على العشق المحرم قال: وعشق هو مقت من الله وبعد من رحمته، وهو أضر شيء على العبد في دينه ودنياه، وهو عشق " المُرْدان " " كما ابتلى الله به من سقط من عينه، وطرد عن بابه وأبعد قلبه عنه وهو من أعظم الحجب القاطعة عن الله تعالى، كما قال بعض السلف: إذا سقط العبد من عين الله ابتلاه بمحبة المردان. وهذه المحبة التي جلبت على قوم لوط ما جلبت ولا أتوا إلا من هذا العشق قال الله تعالى: (إنهم لفي سكرتهم يعمهون) . ودواء هذا الداء الردى الاستعانة بمقلب القلوب، وصدق الالتجاء إليه، والاشتغال بذكره، والتعرض لمحبته وقربه، والنظر في الألم الذي يعقب هذا العشق، واللذة التي تغويه فتفوت عليه فوات أعظم محبوب وحصول أعظم مكروه، وإن أقدمت نفسه على هذا أو أثر به فليكبر عليه تكبيرة الجنازة، وليعلم أن البلاء قد أحاط به نعوذ بالله من هذا الداء. وكلما كان أبعد من الإخلاص كانت محبته لعشق الصور أشد وكلما كان أكثر إخلاصًا وأشد توحيدًا كان أبعد من عشق الصور ولهذا أصاب امرأة العزيز ما أصابها من العشق لشركها ونجا يوسف الصديق - ﵇ - بإخلاصه قال الله تعالى: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) فالسوء: العشق، والفحشاء: الزنا، فالمخلص من أخلص حبه لله فخلصه من فتنة عشق الصور، والمشرك متعلق قلبه بغير الله لم يخلص توحيده وحبه لله.