عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «يا أيها الناس، إن اللَّه طيّبٌ لا يقبلُ إلا طيبًا، وإن اللَّه تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
_________________
(١) البخاري، برقم ٣٣٩، ومسلم، واللفظ له، برقم ٢٦٧٩.
(٢) الفوائد الجلية في المباحث الفرضية لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز - ﵀ -، ص١٢، وعدة الباحث في أحكام التوارث للشيخ عبد العزيز الناصر الرشيد - ﵀ - ص٧.
(٣) جامع العلوم والحكم، ١/ ٢٧٧.
(٤) سورة المؤمنون، الآية: ٥١.
[ ٢٧ ]
كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (١)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث، أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا ربِّ! يا ربِّ! ومطعمُهُ حرامٌ، ومشربُهُ حرامٌ، وملبسُهُ حرامٌ، وغُذِّيَ بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك» (٢)، وقد قيل كما ذكر ابن رجب ‘ في معنى هذا الحديث: إن اللَّه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبًا طاهرًا من المفسدات كلها: كالرياء، والعجب، ولا من الأموال إلا ما كان طيبًا حلالًا؛ فإن الطيب توصف به الأعمال، والأقوال، والاعتقادات (٣)، والمراد بهذا أن الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات، والابتعاد عن الخبائث والمحرمات، ثم ذكر في آخر الحديث استبعاد قبول الدعاء مع التوسع في المحرمات: أكلًا، وشربًا، ولبسًا، وتغذيةً، ولهذا كان الصحابة، والصالحون يحرصون أشد الحرص على أن يأكلوا من الحلال، ويبتعدوا عن الحرام، فعن عائشة ’ قالت: «كان لأبي بكر غلامٌ يُخرج له الخراجَ، وكان أبو بكر يأكل من خراجه (٤)، فجاء يومًا بشيء، فأكله أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنتُ تكهَّنتُ لإنسانٍ في الجاهلية، وما أُحسِنُ الكِهانةَ، إلا أني خَدعتُهُ
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٧٢.
(٢) مسلم، برقم ١٠١٥.
(٣) جامع العلوم والحكم، ١/ ٢٥٩.
(٤) أي يأتيه بما يكسبه، والخراج ما يقرره السيد على عبده من مال يحضره له من كسبه. الفتح، ٧/ ١٥٤.
[ ٢٨ ]
فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلتَ منه، فأدخل أبو بكر يده (١)، فقاءَ كلَّ شيء في بطنه» (٢)، ورُوي في رواية لأبي نُعيم في الحلية، وأحمد في الزهد: «فقيل له يرحمك اللَّه، كلُّ هذا من أجل هذه اللقمة؟ قال: لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها، سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «كلُّ جسد نبت من سُحْتٍ فالنارُ أولى به»، فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة (٣).
ففي حديث الباب أن هذا الرجل الذي قد توسع في أكل الحرام، قد أتى بأربعة أسباب من أسباب الإجابة:
الأول: إطالة السفر.
والثاني: حصول التبذل في اللباس والهيئة؛ ولهذا قال - ﷺ -: «ربَّ أشْعَثَ (٤) مدفوع بالأبواب لو أقسم على اللَّه لأبره» (٥).
والثالث: يمد يديه إلى السماء «إن اللَّه حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين» (٦).
_________________
(١) فأدخل أبو بكر يده: أي أدخلها في حلقه.
(٢) البخاري، برقم ٣٨٤٢، مع الفتح، ٧/ ١٤٩.
(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية، ١/ ٣١، وأحمد في الزهد بمعناه، ص١٦٤، وصححه الألباني في صحيح الجامع عن جابر عند أحمد، والدارمي، والحاكم. انظر: صحيح الجامع، ٤/ ١٧٢.
(٤) الأشعث: الملبد الشعر المغبر غير مدهون ولا مرجل.
(٥) مسلم، برقم ٢٦٢٢.
(٦) أبو داود، برقم ١٤٨٨، والترمذي، وابن ماجه ٢/ ١٢٧١، وتقدم تخريجه في فضل الدعاء.
[ ٢٩ ]
والرابع: الإلحاح على اللَّه بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء، ومع ذلك كله قال - ﷺ -: «فأنى يستجاب لذلك»، وهذا استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد (١).
فعلى العبد المسلم التوبة إلى اللَّه تعالى من جميع المعاصي والذنوب، ويردّ المظالم إلى أهلها حتى يسلم من هذا المانع العظيم الذي يحول بينه وبين إجابة دعائه.