أن يجنيَ ثمرًا، هيهاتَ هيهاتَ! كلُّ مَنْ عمل حسنًا، فإن الله لا يجزيه إلا حسنًا، ولا تنزل الأبرارُ منازلَ الفجار (١).
وبه إلى ابن الجوزيِّ: أنا عمرُ بن طغر: أنا جعفرُ بن أحمدَ: ثنا عبد العزيزِ بن عليٍّ: ثنا عليُّ بن عبد الله، عن عليِّ بن الموفقِ، قال: سمعتُ حاتمًا يقول: لقينا التركَ، وكان بيننا جولةٌ، فرماني تركي بوهق، فقلبني عن فرسي، ونزل عن دابته، فقعد على صدري، وأخذ بلحيتي، وأخرج من خفه سكينًا ليذبحني، فَوَحَقِّ سيدي! ما كان قلبي عنده، ولا عند سكينه، إنما كان عند سيدي، أنظرُ ماذا ينزل به القضاء منه (٢).
فقلت: سيدي! قضيتَ عليَّ أن يذبحني هذا، فعلى الرأس والعين، وها أنا لك ومليكك، فبينا أنا أخاطب سيدي، وهو قاعد على صدري ليذبحني، إذا سهم قد نحوه، فسقط، فأخذت السكين من يده، وذبحته، فما هو إلا أن تكون قلوبُكم عند السيد حتى تروا منه ما لم تروا من الآباء والأمهات.
* فكَمْ في غوغاءِ عبادِ الله -﷿-، من أسودَ وأحمرَ، لو توجَّه إلى الله في أمر، أجابَهُ إليه.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أنا ابن ناصرٍ: أنا الحسنُ بن أحمدَ: أنا
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٨/ ٧١).
(٢) رواه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (٨/ ٢٤٤).
[ ١٥٢ ]
هلالُ بن محمدٍ: أنا عليُّ بن محمدٍ: ثنا محمدُ بن عيسى: حدثني محمدُ بن عبد الرحمن، عمَّنْ حدثه: أنهم كانوا بالبصرة، في سنة قحط وغلاء، واحتبس القطر، فخرجوا يستسقون، وخرجت اليهود والنصارى، فاعتزلت اليهود ومعهم التوراة، والنصارى ومعهم الإنجيل، والمسلمون ومعهم القرآن، كلهم يدعون، وانصرفوا ولم يُسْقَوْا.
فبينا أنا أمشي في طريق المزن، نظرت إذا بين يديَّ فتى عليه أطمارٌ رثةٌ، ثقيلة البؤس، فهو يمشي وأنا خلفه حتى خرج إلى الجَبَّان، فدخل بعضَ تلك المساجد التي بالقرب من المقابر، ودخلتُ خلفه، تحولُ بيني وبينه أركانُ المسجد، فصلى ركعتين، ثم رفع يديه يدعو، وقال في دعائه: يا ربِّ! استغاث بك عبادُك، فلم تَسقهم، يا ربِّ! الآنَ شَمِتَ بنا اليهودُ والنصارى، أقسمتُ عليه يا ربِّ إلا سقيتنا الساعةَ، ولم تَرُدَّني.
قال: فما برح يدعو حتى جاءت السحابة، ومُطرنا، فخرجَ، وخرجتُ في أثره لأعرف موضعه.
فلما عرفتُه، انصرفتُ، وهيأتُ دراهمَ في صُرَّة، ثم جئت فاستأذنت عليه، فدخلت، وإذا ليس في البيت إلا قطعةُ حصيرٍ ومطهرةٌ فيها ماء، وإذا هو قاعد يعمل الخوصَ، فسلَّمت، فرحَّب بي وبَشَّ، فتحدثتُ معه ساعةً، ثم أخرجتُ الصرةَ، فقلت: رحمك الله! انتفعْ بهذه، فتبسم وقال: جزاك الله خيرًا، أنا غنيٌّ عنها. فألححتُ عليه، فجعل يدعو ويأبى أن يأخذها. فلما أكثرت عليه، تنكر لي وقال: حسبُك الآنَ، ليس بي إليها حاجة.
[ ١٥٣ ]