ما دام قلم التكليف جاريًا عليه لا يستغني عن الصبر في حال من الأحوال، فإنه بين أمر يجب امتثاله وتنفيذه، ونهي يجب عليه اجتنابه وتركه، وقدر يجب عليه الصبر عليه اتفاقًا، ونعمة يجب عليه شكر المنعم عليها؛ وإذا كانت هذه الأحوال لا تفارقه فالصبر لازم له إلى الممات.
وكل ما يلقى العبد في هذه الدار لا يخلو من نوعين:
أحدهما: يوافق هواه ومراده.
والآخر: يخالفه.
وهو يحتاج إلى الصبر في كل منهما.
أما النوع الموافق لغرضه: كالصحة، والسلامة، والجاه، والمال، وأنواع الملاذّ المباحة، وهو أحوج شيء إلى الصبر فيها من وجوه:
أحدها: أن لا يركن إليها، ولا يغترّ بها، ولا تحمله على البطر والأشر والفرح المذموم الذي لا يحب اللَّه أهله.
الثاني: أن لا ينهمك في نيلها ويبالغ في استقصائها، فإنها تنقلب إلى أضدادها، فمن بالغ في الأكل والشرب والجماع انقلب ذلك إلى ضده، وحرم الأكل والشرب والجماع.
_________________
(١) انظر في ذلك أيضًا: "إحياء علوم الدين" (٤/ ٥٩، ٦٠، ٦١، ٦٢).
[ ١١٤ ]
الثالث: أن يصبر على أداء حق اللَّه فيها، ولا يضيعه فيسلَبها.
الرابع: أن يصبر عن صرفها في الحرام فلا يمكِّن نفسه من كل ما تريده منها فإنها (^١) توقعه في الحرام (^٢)، فإن احترز كل الاحتراز أوقعته في المكروه، ولا يصبر على السرّاء إلا الصدّيقون.
قال بعض السلف: "البلاء يصبر عليه المؤمن والكافر، ولا يصبر على العافية إلا صدّيق" (^٣).
وقال عبد الرحمن بن عوف: "ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر" (^٤).
ولذلك حذر اللَّه سبحانه عباده من فتنة المال والأزواج والأولاد، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤].
وليس المراد من هذه العداوة ما يفهمه كثير من الناس أنها عداوة البغضاء والمحادّة، بل عداوة المحبة الصادّة (^٥) للآباء عن الهجرة والجهاد وتعلم العلم والصدقة، وغير ذلك من أعمال البر، كما في "جامع الترمذي" من حديث إسرائيل: حدثنا سماك عن عكرمة عن
_________________
(١) ساقطة من الأصل، واستدركتها من (ب).
(٢) "في الحرام" ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الأخرى.
(٣) قال الغزالي في "الإحياء" (٤/ ٥٩): "قال بعض العارفين: البلاء يصبر عليه المؤمن، والعوافي لا يصبر عليها إلا صدّيق".
(٤) أخرجه الترمذي عنه في "جامعه" رقم (٢٤٦٤)، وقال: "هذا حديث حسن".
(٥) في الأصل: "المضادة"، والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ١١٥ ]
ابن عباس وسأله رجل عن هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]. قال: "هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة، فأرادوا أن يأتوا النبي ﷺ فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا رسول اللَّه ﷺ، فلما أتوا رسول اللَّه ﷺ ورأوا الناس قد فقِهوا في الدين همّوا أن يعاقبوهم، فأنزل اللَّه ﷿ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (^١).
وما أكثر ما فات العبد من الكمال والفلاح بسبب زوجته وولده، وفي الحديث: "الولد مَبْخَلَةٌ مَجْبنَة" (^٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب قال: حدثني حسين (^٣) بن واقد قال: حدثني عبدُ اللَّه بن بُريدة قال: سمعت أبي يقول: "كان رسول اللَّه ﷺ يخطبنا، فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول اللَّه ﷺ عن المنبر فحَملهما فوضعهما بين يديه، ثم قال: صدق اللَّه ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، نظرتُ إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما" (^٤).
_________________
(١) "جامع الترمذي" رقم (٣٣١٧).
(٢) رواه ابن ماجه في "سننه" رقم (٣٦٦٦)، من حديث يعلى العامري. وصححه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٦٤) على شرط مسلم. وله شواهد أمثلها حديث الأسود بن خلف، رواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٩٦).
(٣) في الأصل وباقي النسخ: "زيد". والتصويب من مصادر التخريج.
(٤) "المسند" (٥/ ٣٥٤). وأخرجه أبو داود في "سننه" رقم (١١٠٩)، والترمذي في "جامعه" رقم =
[ ١١٦ ]