قالت الفقراء: لم يذكر اللَّه سبحانه الغنى والمال في القرآن إلا على أحد وجوه:
الأول: على وجه الذم، كقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦، ٧]، وقوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧]، وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]، وقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] الآية، ونظائر ذلك كثير.
الوجه الثانى: أن يذكره على وجه الابتلاء والامتحان، كما قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦].
وقال تعالى مخبرًا عن ابتلائه بالغنى كما ابتلى بالفقر: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ
[ ٣٥٠ ]
إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥)﴾ [الفجر: ١٥] الآية، وقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].
الوجه الثالث: إخباره أن الأموال والأولاد لا تقرّب إليه شيئا، وإنما يقرّب إليه الإيمان والعمل الصالح، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ [سبأ: ٣٧].
الوجه الرابع: إخباره أن الدنيا والغنى والمال إنما جعلها متعة لمن لا نصيب له في الآخرة، وأن الآخرة جعلها للمتقين، فقال تعالى: ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه: ١٣١]، وقال: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠].
وإلى هذا المعنى أشار النبي ﷺ بقوله لعمر: "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة"، وسيأتي الحديث (^١).
الوجه الخامس: أنه لم يذكر المترفين وأصحاب الثروة إلا بالذم كقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥)﴾ [الواقعة: ٤٥]، وقوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦]، وقوله: ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣)﴾ [الأنبياء: ١٣].
الوجه السادس: أنه سبحانه ذم محب المال، فقال: ﴿وَتَأْكُلُونَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (٥١٩١)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٤٧٩)، كلاهما من حديث عمر بن الخطاب ﵁ في قصة إيلاء النبي ﷺ من نسائه، ولفظ البخاري فيه: "إن أولئك قوم قد عُجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا".
[ ٣٥١ ]
التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ [الفجر: ١٩، ٢٠]، فذمهم بحب المال وعيّرهم به.
الوجه السابع: أنه سبحانه ذم متمنّي الدنيا والغنى والسعة فيها، ورأوا ذلك عطاء عظيمًا، ومدح من أنكر عليهم وخالفهم، فقال تعالى عن أغنى أهل زمانه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾ [القصص: ٧٩، ٨٠].
فأخبروا أن ما عند اللَّه خير لمن آمن وعمل صالحًا، ولا يلقّى هذه الوصية وهي الكلمة التي تكلم بها الذين أوتوا العلم أو المثوبة والجنة التي دل عليها قوله: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾، أو السيرة والطريقة التي دل عليها قوله: ﴿لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، وعلى كل حال لا يلقّى ذلك إلا الصابرون على الفقر وعن الدنيا وشهواتها وما أُترف فيه الأغنياء، وقد شهد اللَّه سبحانه لهم بأنهم من أهل العلم دون الذين تمنوا الدنيا وزينتها.
الوجه الثامن: أنه سبحانه أنكر على من ظنّ أن التفضيل يكون بالمال الذي يحتاج إليه لإقامة الملك، فكيف بما هو زيادة وفضلة؟! فقال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (^١) [البقرة: ٢٤٧]، فرد اللَّه سبحانه قولهم، وأخبر أن الفضل [ليس بالمال كما
_________________
(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل.
[ ٣٥٢ ]
توهّموه، وأن الفضل] (^١) بالعلم لا بالمال.
وقال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨]، ففضله ورحمته العلم والإيمان والقرآن، والذي يجمعونه هو المال وأسبابه.
ومثله قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣٢].
الوجه التاسع: أنه (^٢) سبحانه أخبر أن التكاثر في جمع المال وغيره ألهى الناس وشغلهم عن الآخرة والاستعداد لها، وتوعّدهم على ذلك، فقال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ١ - ٥].
فأخبر سبحانه أن التكاثر شغل أهل الدنيا وألهاهم عن اللَّه والدار الآخرة حتى حضرهم الموت، فزاروا المقابر، ولم يفيقوا من رقدة من ألهاه التكاثر، وجعل الغاية زيارة المقابر دون الموت إيذانًا بأنهم غير مستوطنين ولا مستقرين في القبور، وأنهم فيها بمنزلة الزائرين يحضرونها مدة ثم يظعنون عنها كما كانوا في الدنيا كذلك زائرين لها غير مستقرين فيها، ودار القرار هي الجنة أو النار.
ولم يعيّن سبحانه المتكاثر (^٣) بل ترك ذكره إما لأنّ المذموم هو نفس
_________________
(١) ما بين المعقوفين من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) الأصل: "أنه أخبر. . " وهو تكرار.
(٣) في الأصل: "المكاثرة"، وفي (م) و(ن): "المتكاثر به". والمثبت من (ب).
[ ٣٥٣ ]
التكاثر بالشيء لا المتكاثر به، كما يُقال: شغلك اللعب واللهو، ولم يذكر ما يلعب به ويلهو به.
وإما إرادة الإطلاق (^١)، وهو كل ما يكاثر به العبد غيره من أسباب الدنيا من مال أو جاه أو عبيد أو إماء أو بناء أو غراس أو علم لا يبتغي به وجه اللَّه أو عمل لا يقربه إلى اللَّه، فكل هذا من التكاثر الملهي عن اللَّه والدار الآخرة.
وفي "صحيح مسلم" من حديث عبد اللَّه بن الشخير أنه قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ قال: "يقول ابن آدم مالي مالي (^٢). وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت" (^٣).
ثم أوعد سبحانه من ألهاه التكاثر وعيدًا مؤكدًا إذا عاين تكاثره هباء منثورًا، وعلم أن دنياه التي كاثر بها إنما كانت خدعًا وغرورًا، فوجد عاقبة تكاثره عليه لا له، وخسر هنالك تكاثره كما خسر أمثاله، وبدا له من اللَّه ما لم يكن في حسابه، وصار تكاثره الذي شغله عن اللَّه والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه، فعذّب بتكاثره في دنياه، ثم عذّب به في البرزخ، ثم يعذّب به يوم القيامة فكان أشقى الخلق بتكاثره، إذ أفاد منه العطب دون الغنيمة والسلامة، فلم يفزْ من تكاثره إلا بأن صار من الأقليق، ولم يحظَ من علوه في الدنيا إلا بأن حصل مع الأسفلين.
فيا له تكاثرًا ما أقلّه؟! ورزءًا ما أجلّه؟! وغناء جالبًا لكل فقر،
_________________
(١) الأصل: "أراده للإطلاق".
(٢) سقطت من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٣) "صحيح مسلم" رقم (٢٩٥٨).
[ ٣٥٤ ]
وخيرًا توصّل به إلى كل شر، يقول صاحبه إذا انكشف عنه غطاؤه: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾ [الفجر: ٢٤]، وعملت بطاعة اللَّه قبل وفاتي ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠] تلك كلمة يقولها فلا يعوّل عليها، ورجعة يسألها فلا يجاب إليها.
وتأمل قوله أولًا: ﴿رَبِّ﴾ استغاث بربه، ثم التفت إلى الملائكة الذين أمروا بإحضاره إلى بين يدي ربه ﵎ فقال: ﴿ارْجِعُونِ﴾ ثم ذكر سبَب سؤال الرجعة وهو: أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه وسلطانه وقوله وأسبابه، فيقال له: ﴿كَلَّا﴾، لا سبيل لك إلى الرّجعى وقد عُمّرتَ ما يتذكر فيه من تذكّر.
ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استقاله، وأن يفسح له في المهلة؛ ليتدارك ما فاته، أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرّط الرجعة كلمة هو قائلها لا حقيقة تحتها، وأن سجيّته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحا لو أجيب، وأنما ذلك شيء يقوله بلسانه، وأنه لو رُدّ لعاد لما نهي عنه، وأنه من الكاذبين، فحكمة أحكم الحاكمين وعزته وعلمه وجدّه يأبى إجابته إلى ما سأل؛ فإنه لا فائدة في ذلك، ولو ردّ لكانت حاله الثانية مثل حاله الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ [الأنعام: ٢٧، ٢٨].
وقد حام أكثر المفسرين حول معنى هذه الآية، وما وردوا. فراجع أقوالهم تجدها لا تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا (^١)، ومعناها أجل
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: "تفسير البغوي" (٢/ ٩٢)، و"تفسير ابن كثير" (٢/=
[ ٣٥٥ ]
وأعظم مما فسروها به، ولم يتفطنوا لوجه الإضراب بـ ﴿بَلْ﴾ ولا للأمر الذي بدا لهم وكانوا يخفونه، وظنوا أن الذي بدا لهم العذاب، فلما لم يروا ذلك ملتئمًا مع قوله: ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ قدروا مضافًا محذوفًا وهو جزاء ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾، فدخل عليهم أمر آخر لا جواب لهم عنه وهو: أن القوم لم يكونوا يخفون شركهم وكفرهم، بل كانوا يظهرونه ويَدْعون إليه ويحاربون عليه.
ولما علموا أن هذا وارد عليهم، قالوا: إن القوم في بعض موارد القيامة ومواطنها أخفوا شركهم وجحدوه، وقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام: ٢٣]، فلما وُقفوا على النار بدا لهم جزاء ذلك الذي أخفوه. قال الواحدي: وعلى هذا أهل التفسير (^١).
ولم يصنع أرباب هذا القول شيئا؛ فإن السياق والإضراب بـ ﴿بَلْ﴾ والإخبار عنهم بأنهم لو ردّوا لعادوا مشركين لا يلتئم بهذا الذي ذكروه فتأمله (^٢).
وقالت طائفة منهم الزجاج: بل بدا للأتباع ما أخفاه عنهم الرؤساء من أمر البعث (^٣).
وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير، وفيه من التكلف ما ليس بخافٍ.
_________________
(١) = ١٢١ - ١٢٢)، و"تفسير القرطبي" (٦/ ٢٦٤).
(٢) انظر مفاد الكلام السابق للواحدي في الوسيط (٢/ ٢٦٣).
(٣) في (ب): "بأنهم لو ردُّوا لعادوا لما نهوا عنه، وقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ لا يلتئم بهذا الذي ذكروه فتأمّله". وفيها زيادة غير ملائمة للسياق.
(٤) انظر كلام الزجاج في "زاد المسير" (٣/ ٢٣).
[ ٣٥٦ ]
وأجود من هذا ما فهمه المبرّد من الآية قال: كأن كفرهم لم يكن باديًا لهم إذ خفيت عليهم مضرّته (^١).
ومعنى كلامه: أنهم لما خفيت عليهم عاقبته ووباله فكأنه كان خفيًّا عنهم لم تظهر لهم حقيقته، فلما عاينوا العذاب ظهرت لهم حقيقته وشره.
قال: وهذا كما تقول في من كنت حدثته في أمر قبل: ظهر لك الآن ما كنتُ قلتُ لك؟! وقد كان ظاهرًا له قبل هذا.
ولا يسهل أن يعبر عن كفرهم وشركهم الذي (^٢) كانوا ينادون به على رؤوس الأشهاد ويدعون إليه كل حاضر وباد بأنهم كانوا يخفونه لخفاء عاقبته عنهم، ولا يُقال لمن أظهر الظلم والفساد وقتل النفوس والسعي في الأرض بالفساد أنه أخفى ذلك لجهله بسوء عاقبته وخفائها عليه.
فمعنى الآية -واللَّه أعلم بما أراد من كلامه-: أن هؤلاء المشركين لما وقفوا على النار وعاينوها وعلموا أنهم داخلوها تمنّوا أنهم يردون إلى الدنيا فيؤمنون باللَّه وآياته ولا يكذبون رسله، فأخبر سبحانه أن الأمر ليس كذلك وأنه ليس في طبائعهم وسجاياهم الإيمان، بل سجيّتهم الكفر والشرك والتكذيب، وأنهم لو ردّوا لكانوا بعد الرد كما كانوا قبله، وأخبر أنهم كاذبون في زعمهم أنهم لو ردوا لآمنوا وصدقوا.
فإذا تقرر مقصود الآية ومرادها تبيّن لك معنى الإضراب بـ ﴿بَلْ﴾،
_________________
(١) انظر كلام المبرد في: "زاد المسير" (٣/ ٢٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٩٢)، و"تفسير القرطبي" (٦/ ٢٦٤).
(٢) في الأصل: "الذين". والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ٣٥٧ ]
وتبيّن معنى الذي بدا لهم والذي كانوا يخفونه. والحامل لهم على قولهم: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ﴾، فالقوم كانوا يعلمون في الدنيا أنهم على باطل وأن الرسل صدقوهم فيما بلّغوهم عن اللَّه، وتيقنوا ذلك وتحققوه ولكنهم أخفوه ولم يظهروه بينهم بل تواصوا بكتمانه.
فلم يكن الحامل لهم على تمنّي الرجوع والإيمان معرفة ما لم يكونوا يعرفونه من صدق الرسل، فإنهم كانوا يعلمون ذلك ويخفونه، فظهر لهم يوم القيامة ما كانوا ينطوون عليه من علمهم أنهم على الباطل وأن الرسل على الحق، فعاينوا ذلك عيانًا بعد أن كانوا يكتمونه ويخفونه، فلو ردّوا لما سمحت نفوسهم بالإيمان، ولعادوا إلى الكفر والتكذيب، فإنهم لم يتمنوا الأيمان لعلمهم يومئذ أنه هو الحق وأن الشرك باطل، وإنما تمنوه لما عاينوا العذاب الذي لا طاقة لهم باحتماله.
وهذا كمن كان يُخفي محبة (^١) شخص ومعاشرته وهو يعلم أن حبه باطل وأن الرشد في عدوله عنه، فقيل له: إن اطلع عليك قيّمه (^٢) عاقبك. وهو يعلم ذلك ويكابر، ويقول: بل محبته ومعاشرته هي الصواب، فلما أخذه وليّه ليعاقبه على ذلك، وتيقن العقوبة تمنى أن يعفى من العقوبة، وأنه لا يجتمع به بعد ذلك، وفي قلبه من محبته والحرص على معاشرته ما يحمله على المعاودة بعد معاينة العقوبة بل بعد أن مسّته وأنهكته، فظهر له عند العقوبة ما كان يخفي من معرفته بخطئه وصواب من نهاه عنه ولو ردّ لعاد لما نُهي عنه.
_________________
(١) مطابقة المثل تقضي أن يقال: كان يحبّ شخصًا ويعاشره. والذي كان يخفيه هو معرفته بخطئه لا حبَّ الشخص. (ص).
(٢) في النسخ الثلاث الأخرى: "وليه".
[ ٣٥٨ ]
وتأمل مطابقة الإضراب لهذا المعنى وهو نفي قولهم: أنا لو رُددنا لآمنا وصدقنا، لأنه ظهر لنا الآن أن (^١) ما قالت الرسل هو الحق، أي: ليس كذلك بل كنتم تعلمون ذلك وتعرفونه وكنتم تخفونه، فلم يظهر لكم شيء لم تكونوا عالمين به لِتُعذَروا، بل ظهر لكم ما كان معلومًا لكم وكنتم تواصون بإخفائه وكتمانه واللَّه أعلم.
ولا تستطل هذا الفصل المعترض في أثناء هذه المسألة فلعله أهم منها وأنفع، وباللَّه التوفيق.
فلنرجع إلى تمام الكلام فيها وقوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾ [التكاثر: ٥] جوابه محذوف دلّ عليه ما تقدم، أي: لما ألهاكم التكاثر، وإنما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لما فقد منكم علم اليقين، وهو العلم الذي يصل بصاحبه إلى حدّ الضروريات التي لا يُشك ولا يمارى في صحتها وثبوتها.
ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته لما ألهاه عن موجبه وترتب أثره عليه، فإن مجرّد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه، فإذا صار له علم يقين كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد، فإذا صار عين يقين كجملة المشاهدات كان تخلف موجبه عنه من أندر شيء، وفي هذا المعنى قال حسان في أهل بدر:
سِرْنا وساروا إلى بَدْرٍ لِحَينهم (^٢) … لو يعلمونَ يقين العِلْمِ ما ساروا (^٣)
_________________
(١) ليست في الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) في (ب): "لحتفهم".
(٣) انظره في ديوان حسان: (١/ ٤٧٦).
[ ٣٥٩ ]
وقوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ [التكاثر: ٣، ٤]، قيل: هو تأكيد لحصول العلم كقوله: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾ [النبأ: ٤، ٥].
وقيل: ليس بتأكيد بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت، والعلم الثاني في القبر.
هذا قول الحسن ومقاتل ورواه عطاء عن ابن عباس (^١).
ويدل على صحة هذا القول عدة أوجه:
أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل، وقد أمكن اعتباره مع فخامة المعنى وجلالته وعدم الإخلال بالفصاحة.
الثاني: توسط ﴿ثُمَّ﴾ بين العلمين، وهي مؤذنة بتراخي ما بين المرتبتين زمانًا وخَطَرًا.
الثالث: أن هذا القول مطابق للواقع فإن المحتضر يعلم عند المعاينة حقيقة ما كان عليه، ثم يعلم في القبر وما بعده ذلك علمًا هو فوق العلم الأول.
الرابع: أن عليّ بن أبي طالب وغيره من السلف فهموا من الآية عذاب القبر.
قال الترمذي: حدثنا أبو كُريب حدثنا حكام بن سلم الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن الحجاج عن المنهال بن عمرو عن زرّ عن
_________________
(١) انظر: "الوسيط" للواحدي (٤/ ٥٤٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٢٠) و"تفسير القرطبي" (٢٠/ ١١٨)، و"تفسير ابن كثير" (٤/ ٥٤٨).
[ ٣٦٠ ]
على قال: "ما زلنا نشكُّ في عذاب القبر حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ [التكاثر: ١] " (^١).
قال الواحدي: يعني أن معنى قوله: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ [التكاثر: ٤] في القبور.
الخامس: أن هذا مطابق لما بعده من قوله ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾ [التكاثر: ٦، ٧] فهذه الرؤية الثانية غير الأولى وليست تأكيدًا لفظيًّا للرؤية الأولى، والفرق بين الرؤية الأولى والثانية من وجهين:
إطلاق الأولى وتقييد الثانية بعين اليقين، وتقدم الأولى وتراخي الثانية عنها.
ثم ختم السورة بالإخبار المؤكّد بواو القسم ولام التوكيد والنون الثقيلة عن سؤال النعيم، فكل أحد يُسأل عن نعيمه الذي كان فيه في الدنيا هل ناله من حلّه ووجهِه أم لا؟
فإذا تخلص من هذا السؤال سئل عسْه سؤالًا آخر: هل شكر اللَّه تعالى عليه فاستعان به على طاعته أم لا؟
فالأول سؤال عن سبب استخراجه (^٢)، والثاني عن محل صرفه.
كما في جامع الترمذي من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر
_________________
(١) "جامع الترمذي" رقم (٣٣٥٥)، وقال: "هذا حديث غريب".
(٢) في الأصل: "فالأول سبب عن استخراجه". وفي (ب): "فالأول سبب استخراجه". والمثبت من (م) و(ن).
[ ٣٦١ ]
[عن ابن مسعود] (^١) عن النبي ﷺ قال: "لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟ " (^٢).
وفيه أيضًا عن أبي برزة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه". قال: هذا حديث صحيح (^٣).
وفيه أيضًا من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إن أول ما يسأل عنه يوم القيامة -يعني العبد من النعيم- أن يُقال له: ألم نُصِحّ لك جسمك، ونُرْوِيك من الماء البارد؟! " (^٤).
وفيه أيضًا من حديث الزبير بن العوام قال: لما نزلت ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ (^٥) يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر: ٨] قال الزبير: يا رسول اللَّه فأي النعيم نسأل عنه وإنما هو الأسودان، التمر والماء؟ قال: "أما إنه
_________________
(١) ما بين المعقوفين ليس في الأصل، ولا في سائر النسخ الثلاث، وإنما هو من جامع الترمذي.
(٢) "جامع الترمذي" رقم (٢٤١٦)، وقال: "حديث غريب لا نعرفه من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ إلا من حديث الحسين بن قيس، وحسين بن قيس يضعف في الحديث من قِبَل حفظه".
(٣) "جامع الترمذي" رقم (٢٤١٧)، وفيه قال: "حديث حسن صحيح".
(٤) "جامع الترمذي" رقم (٣٣٥٨)، وقال: "حديث غريب".
(٥) في الأصل: "ولتسئلن". وفي (م) و(ن): ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ﴾. وفي (ب): ﴿لَتُسْأَلُنَّ﴾.
[ ٣٦٢ ]
سيكون". قال: هذا حديث حسن (^١).
وعن أبي هريرة نحوه وقال: "فإنما هما الأسودان والعدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا، قال: إن ذلك سيكون" (^٢).
وقوله: "إن ذلك سيكون" إما أن يكون المراد به أن النعيم سيكون ويحدث لكم، وإما أن يرجع إلى السؤال أي أن السؤال يقع عن ذلك، وإن كان تمرًا وماء فإنه من النعيم. ويدل عليه قوله ﷺ في الحديث الصحيح -وقد أكلوا معه رطبًا ولحمًا وشربوا من الماء البارد-: "هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة" (^٣). فهذا سؤال عن شكره والقيام بحقه.
وفي الترمذي من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: "يُجاء بالعبد يوم القيامة كأنه بَذَج (^٤)، فيوقف بين يدي اللَّه، فيقول اللَّه: أعطيتك وخوّلتك وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب جمعته وثمّرته فتركته أكثر ما كان فارجعني آتك به (^٥) فإذا عبد لم يقدم خيرًا، فيمضى به إلى النار" (^٦).
_________________
(١) "جامع الترمذي" رقم (٣٣٥٦). ورواه ابن ماجه في "سننه" رقم (٤١٥٨).
(٢) أخرجه الترمذي في "جامعه" رقم (٣٣٥٧). ثم قال الترمذي عقبه: "وحديث ابن عيينة عن محمد بن عمرو -أي حديث الزبير السابق- عندي أصح من هذا".
(٣) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٠٣٨) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "لتسألن عن هذا النعيم".
(٤) البذج: ولد الضأن، وجمعه بِذْجان. "النهاية" لابن الأثير (١/ ١١٠).
(٥) في "جامع الترمذي" بعد هذه الكلمة: "كلّه، فيقول له: أرني ما قدمت، فيقول: يا ربّ جمعته وثمّرته فتركته أكثر ما كان، فارجعني آتك به كله".
(٦) "جامع الترمذي" رقم (٢٤٢٧) وقال: "روى هذا الحديث غير واحد عن =
[ ٣٦٣ ]
وفيه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول اللَّه ﷺ: "يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول اللَّه له: ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وسخّرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وتربع (^١)، فكنتَ تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني". قال: هذا حديث صحيح (^٢).
وقد زعم طائفة من المفسرين: أن هذا الخطاب خاص بالكفار وهم المسؤولون عن النعيم، وذكروا ذلك عن الحسن ومقاتل (^٣)، واختار الواحدي ذلك، واحتج بحديث أبي بكر لما نزلت هذه الآية: قال يا رسول اللَّه: "أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيّهان من خبز شعير ولحم وبسر قد ذَنَّب (^٤) وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نُسأل عنه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: "إنما ذلك للكافر"، ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١)﴾ [سبأ: ١٧] (^٥).
قال الواحدي: والظاهر يشهد لهذا القول؛ لأن السورة كلها خطاب
_________________
(١) = الحسن قوله، ولم يسندوه. . . ".
(٢) قال في "النهاية" (٢/ ١٨٦): "في حديث القيامة: "ألم أذرك تربع وترأس" أي تأخذ ربع الغنيمة. . . يريد ألم أجعلك رئيسًا مطاعًا؛ لأن الملك كان يأخذ الربع من الغنيمة في الجاهلية دون أصحابه" اهـ.
(٣) "جامع الترمذي" رقم (٢٤٢٨)، وفيه قال: "صحيح غريب".
(٤) انظر قول الحسن ومقاتل في: "الوسيط للواحدي" (٤/ ٥٤٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٢٠)، و"تفسير القرطبي" (٢٠/ ١٥).
(٥) أي البسر الذي قد بدا فيه الإرطاب من قِبَل ذنبه. انظر: "لسان العرب" (١/ ٣٩٠).
(٦) لم أقف عليه مسندًا. وعزاه القرطبي في "تفسيره" (٢٠/ ١٢٠) لأبي نصر القشيري.
[ ٣٦٤ ]
للمشركين وتهديد لهم. والمعنى أيضًا يشهد لهذا وهو أن الكفار لم يؤدوا حق النعيم عليهم حيث أشركوا به وعبدوا غيره، فاستحقوا أن يسألوا عما أنعم به عليهم توبيخًا لهم، هل قاموا بالواجب فيه أم ضيعوا حق النعمة؟ ثم يعذبون على ترك الشكر بتوحيد المنعم.
قال: وهذا معنى قول مقاتل، وهو قول الحسن قال: لا يُسأل عن النعيم إلا أهل النار (^١).
قلت: ليس في اللفظ ولا في السنة الصحيحة ولا في أدلة العقل ما يقتضي اختصاص الخطاب بالكفار، بل ظاهر القرآن وصريح السنة والاعتبار يدل على عموم الخطاب لكل من اتصف بإلهاء التكاثر له، فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض المتصفين بذلك.
ويدل على ذلك قول النبي ﷺ عند قراءة هذه السورة: "يقول ابن آدم: مالي مالي (^٢)، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت. . . " الحديث وهو في صحيح مسلم (^٣).
وقائل ذلك قد يكون مسلمًا وقد يكون كافرًا.
ويدل عليه الأحاديث التي تقدمت، وسؤال الصحابة للنبي ﷺ وفهمهم العموم حتى قالوا له: "وأيّ نعيم نُسأل عنه؟ وإنما هما الأسودان" (^٤).
_________________
(١) لم أقف على نص كلامه هذا. وانظر معناه في "الوسيط" (٤/ ٥٤٩).
(٢) سقطت من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث.
(٣) وقد سبق ص (٣٥٦).
(٤) وقد سبق تخريجه قريبًا.
[ ٣٦٥ ]
فلو كان الخطاب مختصًّا بالكفار لبيّن لهم ذلك وقال: ما لكم ولها إنما هي للكفار.
فالصحابة فهموا التعميم، والأحاديث صريحة في التعميم، والذي أُنزل عليه القرآن أقرّهم على فهم العموم.
وأما حديث أبي بكر الذي احتج به أرباب هذا القول فحديث لا يصح.
والحديث الصحيح في تلك القصة يشهد ببطلانه ونحن نسوقه بلفظه، ففي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة قال: خرج رسول اللَّه ﷺ ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال: "ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ " قالا: الجوع يا رسول اللَّه، قال: "وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قُومًا" فقاما معه فأتى رجلًا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته امرأته قالت: مرحبًا وأهلًا. فقال لها رسول اللَّه ﷺ: "وأين فلان؟ " قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول اللَّه ﷺ وصاحبيه ثم قال: الحمد للَّه، ما أحد اليوم أكرم أضيافًا مني قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذا، وأخذ المُدية (^١)، فقال له رسول اللَّه ﷺ: "إياك والحلوب"، فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول اللَّه ﷺ لأبي بكر وعمر: "والذي نفسي بيده لَتُسْألُنّ عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوعُ، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم" (^٢).
_________________
(١) المُدية: السكين والشفرة. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٤/ ٣١٠).
(٢) "صحيح مسلم" رقم (٢٠٣٨).
[ ٣٦٦ ]
فهذا الحديث الصحيح صريح في تعميم الخطاب وأنه غير مختص بالكفار.
وأيضًا، فالواقع يشهد بعدم اختصاصه، وأن الإلهاء بالتكاثر واقع من المسلمين كثيرًا، بل أكثرهم قد ألهاه التكاثر (١).
وخطاب القرآن عام لمن بلغه، وإن كان أول من دخل فيه المعاصرون لرسول اللَّه ﷺ، فهو متناول لمن بعدهم، وهذا معلوم بضرورة الدين وإن نازع فيه من لا يُعتد بقوله من المتأخرين، فنحن اليوم ومن قبلنا ومن بعدنا داخلون تحت قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ونظائره، كما دخل تحته الصحابة بالضرورة المعلومة من الدين.
فقوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (^١)﴾ [التكاثر: ١] خطاب لكل من اتصف بهذا الوصف، وهم في الإلهاء والتكاثر درجات لا يحصيها إلا اللَّه.
فإن قيل: فالمؤمنون لم يلههم التكاثر ولهذا لم يدخلوا في الوعيد المذكور لمن ألهاه.
قيل: هذا هو الذي أوجب لأرباب هذا القول تخصيصه بالكفار؛ لأنه لم يمكنهم حمله على العموم، ورأوا أن الكفار أحق بالوعيد فخصّوه بهم (^٢).
وجواب هذا: أن الخطاب للإنسان من حيث هو إنسان على طريقة القرآن في تناول الذم له من حيث هو إنسان كقوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ
_________________
(١) رحم اللَّه الإمام ابن القيم، كيف لو رأى حالنا في هذا العصر؟!
(٢) في الأصل: "به"، والمثبت من: (ن).
[ ٣٦٧ ]
عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]، ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠]. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ [العاديات: ٦]. ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٦]. ونظائره كثيرة.
فالإنسان من حيث هو عار عن كل خير من العلم النافع والعمل الصالح، وإنما اللَّه سبحانه هو الذي يكمله بذلك ويعطيه إياه وليس له ذلك من نفسه، بل ليس له من نفسه إلا الجهل المضاد للعلم، والظلم المضاد للعدل، وكل علمٍ وعدلٍ وخيرٍ فيه فمن ربه لا من نفسه.
فإلهاء التكاثر طبيعة العبد وسجيّته التي هي له من نفسه، ولا خروجَ له عن ذلك إلا بتزكية اللَّه له وجعله مريدًا للآخرة مُوثرًا لها على التكاثر بالدنيا، فإن أعطاه ذلك وإلا فهو مُلتَهٍ بالتكاثر في الدنيا ولا بدّ.
وأما احتجاجه بالوعيد على اختصاص الخطاب بالكفار فيُقال: الوعيد المذكور مشترك، وهو العلم عند معاينة الآخرة، وهذا أمر يحصل لكل أحد لم يكن حاصلًا له في الدنيا.
وليس في قوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)﴾ [التكاثر: ٣] ما يقتضي دخول النار فضلًا عن التخليد فيها.
وكذلك رؤية الجحيم لا يستلزم دخولها لكل من رآها، فإن أهل الموقف يرونها ويشاهدونها عيانًا، وقد أقسم الرب ﵎ أنه لا بد أن يَرِدَها الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، فليس في جملة من جمل هذه السورة ما ينفي عموم خطابها.
وأما ما ذُكر (^١) عن الحسن أنه لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار،
_________________
(١) في النسخ الأخرى: "ذكره".
[ ٣٦٨ ]
فباطل قطعًا، إما عليه وإما منه، والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده، وباللَّه التوفيق.
ولا يخفى أن مثل هذه السورة مع عظم شأنها وشدة تخويفها وما تضمنته من تحذير التكاثر الملهي، وانطباق معناها على أكثر الخلق، يأبى اختصاصها من أولها إلى آخرها بالكفار ولا يليق ذلك بها، ويكفي في رد ذلك تأمل الأحاديث المرفوعة فيها، واللَّه أعلم.
وتأمل ما في هذا العتاب الموجع لمن استمر على إلهاء التكاثر له مدة حياته كلها إلى أن رأى (^١) القبور ولم يستيقظ من نوم الإلهاء، بل أرقد التكاثرُ قلبَه فلم يستفق منه إلا وهو في عسكر الأموات.
وطابق بين هذا وبين حال أكثر الخلق يتبين لك أن العموم مقصود. وتأمل تعليقه سبحانه الذم والوعيد على مطلق التكاثر من غير تقييد بمتكاثرٍ به معيّن؛ ليدخل فيه التكاثر بجميع أسباب الدنيا على اختلاف أجناسها وأنواعها.
وأيضًا فإن التكاثر تفاعل وهو طلب كلّ من المتكاثرين أن يكثر صاحبه، فيكون أكثر منه فيما يكاثره به، والحامل له على ذلك توهمه أن العزة للمكاثر كما قيل:
ولست بالأكثرِ منهم حَصًى … وإنما العِزّة للكاثر (^٢)
فلو حصلت له الكثرة من غير تكاثر لم تضره، كما كانت الكثرة
_________________
(١) في النسخ الأخرى: "زار".
(٢) البيت للأعشى في ديوانه (٩٤).
[ ٣٦٩ ]
حاصلة لجماعة من الصحابة ولم تضرهم إذ لم يتكاثروا بها.
وكل مَن كاثر إنسانًا في دنياه أو جاهه أو غير ذلك، شغلته مكاثرته عن مكاثرة أهل الآخرة، فالنفوس الشريفة العلويّة ذات الهمم العالية إنما تكاثر بما يدوم عليها نفعه وتكمل به وتزكو وتصير مفلحة، فلا تحب أن يَكْثُرَها غيرها في ذلك، وينافسه في هذه المكاثرة ويسابقه إليها، فهذا هو التكاثر الذي هو غاية سعادة العبد. وضده تكاثر أهل الدنيا بأسباب دنياهم، فهذا تكاثر مُلْهٍ عن اللَّه والدار الآخرة، وهو صائر إلى غاية القلّة، فعاقبة هذا التكاثر قلٌّ وفقر وحرمان.
والتكاثر بأسباب السعادة الأخروية تكاثر لا يزال يذكر باللَّه ولقائه، وعاقبته الكثرة الدائمة التي لا تزول ولا تفنى، فصاحب هذا التكاثر لا يهون عليه أن يرى غيره أفضل قولًا منه وأحسن عملًا وأغزر علمًا. وإذا رأى غيره أكثر منه في خصلة من خصال الخير يعجز عن لحاقه فيها، كاثره بخصلة أخرى هو قادر على المكاثرة بها.
وليس هذا التكاثر مذمومًا ولا قادحًا في إخلاص العبد، بل هو حقيقة المنافسة واستباق الخيرات، وقد كانت هذه حال الأوس مع الخزرج في تواصلهم بين يدي رسول اللَّه ﷺ ومكاثرة بعضهم لبعض في أسباب مرضاته ونصره، وكذلك كانت حال عمر مع أبي بكر فلما تبيّن له مدى سبقه قال: "واللَّه لا أسابقك إلى شيء أبدًا" (^١).
_________________
(١) رواه أبو داود في "سننه" رقم (١٦٧٨). وصححه الحاكم في المستدرك (١/ ٤١٤) على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
[ ٣٧٠ ]
فصل
وتأمل حسن موقع ﴿كَلَّا﴾ في هذا الموضع فإنها تضمّنت ردعًا لهم وزجرًا عن التكاثر ونفيًا وإبطالًا لما يؤملونه من نفع التكاثر لهم وعِزتِهم وكمالهم به، فتضمنت اللفظة نهيًا ونفيًا، وأخبرهم سبحانه أنه لا بد أن يعلموا عاقبة تكاثرهم علمًا بعد علم، وأنهم لا بد أن يروا دار المكاثرين بالدنيا التي ألهتهم عن الآخرة رؤية بعد رؤية، وأنه سبحانه لا بد أن يسألهم عن أسباب تكاثرهم من أين استخرجوها وفيما صرفوها.
فلله ما أعظمها من سورة، وأجلّها وأعظمها فائدة، وأبلغها موعظة وتحذيرًا، وأشدها ترغيبًا في الآخرة وتزهيدًا في الدنيا، على غاية اختصارها وجزالة ألفاظها وحسن نظمها، فتبارك من تكلم بها حقًّا، وبلّغها رسوله عنه وَحْيًا.
فصل
وتأمل كيف جعلهم عند وصولهم إلى غاية كل حيّ زائرين غير مستوطنين، بل هم مستودعون في المقابر مدة وبين أيديهم دار القرار، فإذا كانوا عند وصولهم إلى الغاية زائرين، فكيف بهم وهم في الطريق في هذه الدار؟! فهم فيها عابرو سبيل إلى محل الزيارة، ثم منتقلون من محل الزيارة إلى المستقر.
فهاهنا ثلاثة أمور: عبور السبيل في هذه الدنيا، وغايته زيارة القبور، وبعدها النقلة إلى دار القرار.
[ ٣٧١ ]
فصل
فلنرجع إلى تمام المناظرة. قالوا: فاللَّه تعالى حمى أولياءه عن الدنيا، وصانهم عنها، ورغب بهم عنها تكريمًا لهم، وتطهيرًا عن أدناسها، ورفعة عن دناءتها؛ وذمّها (^١) لهم، وأخبرهم بهوانها عليه وسقوط قدرها عنده، وأعلمهم أن بسطها فتنة، وأنه سبب الطغيان والفساد في الأرض، وإلهاء التكاثر بها عن طلب الدار الآخرة، وأنها متاع الغرور، وذم محبيها ومؤثريها.
وأخبر أن من أرادها وأراد زينتها وحرثها فليس له في الآخرة من نصيب (^٢).
وأخبر أن بسطها فتنة وابتلاء لا كرامة ومحبة، وأن إمداد أهلها بها ليس مسارعة لهم في الخيرات، وأنها لا تقرب إليه ولا تزلف لديه (^٣)، وأنه لولا تتابع الناس في الكفر لأعطى الكفار منها فوق مناهم، ووسعها عليهم أعظم التوسعة بحيث يجعل سقوف بيوتهم وأبوابهم ومعارجهم وسررهم كلها من فضة، وأخبر أنه زينها لأعدائه ولضعفاء العقول الذين لا نصيب لهم في الآخرة (^٤)، ونهى رسوله عن مد عينيه إليها وإلى ما متع
_________________
(١) في الأصل: "وذمًّا"، والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [الشورى: ٢٠].
(٣) يريد قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦].
(٤) وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ [الزخرف: =
[ ٣٧٢ ]
به أهلها (^١)، وذم من أذهب طيباته فيها واستمتع بها (^٢).
وقال لنبيه: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ [الحجر: ٣] وفي هذا تعزية (^٣) لما منعه أولياءه من التمتع بالدنيا وكثرة الأكل فيها، وتأديبًا لمن بسط له فيها ألا يطغى فيها ولا يعطي نفسه شهواتها ولا يتمتع بها.
وذم سبحانه محبيها المفتخرين بها المتكاثرين بها الظانين أن الفضل
والكرامة في سعتها وبسطها، فأكذبهم اللَّه سبحانه، وأخبر أنه ليس كما قالوه ولا توهّموه، ومثّلها لعباده بالأمثلة التي تدعو كل لبيب عاقل إلى الزهد فيها وعدم الوثوق بها والركون إليها، فأحضر صورتها وحقيقتها في قلوبهم بما ضربه له مثلًا، كماء أنزله (^٤) من السماء فخالط نبات الأرض، فلما أخذت به الأرض زخرفها وتزيّنت به بأنواع النبات أتاها أمره فجعل تلك الزينة يبسًا هشيمًا تذروه الرياح كأن لم يكن قط منه شيء (^٥).
_________________
(١) = ٣٣ - ٣٥].
(٢) وذلك في قوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الحجر: ٨٨]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه: ١٣١].
(٣) قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾ [الأحقاف: ٢٠].
(٤) في (م) و(ن): "معرفة".
(٥) الأصل: "أنزلناه".
(٦) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ =
[ ٣٧٣ ]
وأخبر سبحانه عن فنائها وسرعة انقضائها وأنه إذا عاين العبد الآخرة فكأنه لبث فيها ساعة من نهار أو يومًا أو بعض يوم، ونهى أن يغتروا بها (^١).
وأخبرهم أنها لهو ولعب وزينة وتفاخر وتكاثر ومتاع غرور وطريق ومعبر إلى الآخرة، وأنها عرض عاجل لا بقاء لها (^٢).
ولم يذكر مريدها بخير قط، بل حيث ذكره ذمه، وأخبر أن مريدها مخالف لربه تعالى في إرادته، فاللَّه يريد شيئًا ومريد الدنيا يريد خلافه، فهو مخالف لربه بنفس إرادته، وكفى بهذا بعدًا عنه سبحانه.
وأخبر سبحانه عن أهل النار أنهم إنما دخلوها بسبب غرور الدنيا وأمانيها لهم (^٣).
_________________
(١) = الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾ [يونس: ٢٤]. وقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾ [الكهف: ٤٥].
(٢) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)﴾ [الروم: ٥٥]. وقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾ [طه: ١٠٤].
(٣) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠].
(٤) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ =
[ ٣٧٤ ]
قالوا: وهذا كله تزهيد لهم منه سبحانه فيها، وترغيب في التقلّل منها ما أمكن.
قالوا: وقد عرضها سبحانه وعرض مفاتيح كنوزها على أحب الخلق إليه وأكرمهم عليه عبده ورسوله، فلم يُردها ولم يخترها، ولو آثرها وأرادها لكان أشكر الخلق بما أخذه منها، ولأنفقه كله في مرضاة اللَّه وسبيله قطعًا، بل اختار التقلّل منها وصبر على شدة العيش فيها.
قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن محمد حدثنا عباد -يعني ابن عباد- حدثنا مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: دخلت امرأة من الأنصار، فرأت فراش رسول اللَّه ﷺ عباءة مثنية، فرجعت إلى منزلها فبعثت إليّ بفراش حشوه الصوف، فدخل عليّ رسول اللَّه ﷺ فقال: "ما هذا"؟ فقلت: فلانة الأنصارية دخلت عليّ فرأت فراشك فبعثت إليّ بهذا، فقال: "ردّيه" فلم أردّه، وأعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فقال: "يا عائشة رُدّيه، واللَّه لو شئتُ لأجرى اللَّه معي جبال الذهب والفضة" (^١).
وعرض عليه مفاتيح كنوز الدنيا، فقال: "بل أجوع يومًا وأشبع يومًا، فإذا جعتُ تضرعتُ إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك" (^٢).
وسأل ربه أن يجعل رزقه ورزق أهله قوتًا كما في "الصحيحين" من
_________________
(١) = وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)﴾ [الحديد: ١٤].
(٢) سبق تخريجه ص (٣٠٣).
(٣) سبق تخريجه ص (٢١٥).
[ ٣٧٥ ]
حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا" (^١).
وفيهما عنه قال: "والذي نفس أبي هريرة بيده ما شبع نبي اللَّه وأهله ثلاثة أيام تباعًا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا" (^٢).
وفي "صحيح البخاري" عن أنس: "ما أعلم رسول اللَّه ﷺ رأى رغيفًا مرقّقًا ولا شاة سميطًا حتى لحق بربه" (^٣).
وفي "صحيحه" أيضًا عنه قال: "خرج رسول اللَّه ﷺ ولم يشبع من خبز الشعير" (^٤).
وفي "الصحيحين" عن عائشة: "ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض" (^٥).
وفي "صحيح مسلم" عن عمر: "لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يظل اليوم يلتوي ما يجد دقلًا يملأ بطنه" (^٦).
وفي "المسند" و"الترمذي" عن ابن عباس: "كان رسول اللَّه ﷺ
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٠٢).
(٢) "صحيح البخاري" رقم (٥٣٧٤)، و"صحيح مسلم" رقم (٢٩٧٦).
(٣) "صحيح البخاري" رقم (٥٤٢١). وقوله: "سميطًا" أي: مشوية. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٤٠٠).
(٤) "صحيح البخاري" رقم (٥٤١٤) من حديث أبي هريرة ﵁، ولم أقف عليه من حديث أنس.
(٥) "صحيح البخاري" رقم (٥٤١٦)، و"صحيح مسلم" رقم (٢٩٧٠).
(٦) "صحيح مسلم" رقم (٢٩٧٨). والدقل: رديء التمر ويابسه. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/ ١٢٧).
[ ٣٧٦ ]
يبيت الليالي المتتابعة طاويًا وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (^١).
وفي الترمذي من حديث أبي أمامة: "ما كان يفضل عن أهل بيت رسول اللَّه ﷺ خبز الشعير" (^٢).
وفي "المسند" عن عائشة: "والذي بعث محمدًا بالحق ما رأى مُنخلًا، ولا أكل خبزًا منخولًا منذ بعثه اللَّه ﷿ إلى أن قُبض" قال عروة فقلت: فكيف كنتم تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نقول: أف -أي: ننفخه- فيطير ما طار، ونعجن الباقي (^٣).
وفي "صحيح البخاري" عن أنس قال: لقد رهن رسول اللَّه ﷺ درعه بشعير، ولقد سمعته يقول: "ما أصبح لآل محمد صاع ولا أمسى، وإنهم لتسعة أبيات" (^٤).
وفي "مسند الحارث بن أبي أسامة (^٥) " أن فاطمة جاءت بكسرة خبز
_________________
(١) "المسند" (١/ ٢٥٥)، و"جامع الترمذي" رقم (٢٣٦٠). ورواه ابن ماجه أيضًا في "سننه" (٣٣٤٧). وطاويًا: أي خالي البطن، جائع لم يأكل. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٣/ ١٤٦).
(٢) "جامع الترمذي" رقم (٢٣٥٩)، وقال: "حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه".
(٣) "المسند" (٦/ ٧١). وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٣١٢): "رواه أحمد وفيه سليمان بن رومان ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا".
(٤) "صحيح البخاري" رقم (٢٥٠٨).
(٥) في الأصل: "أمامة"، وهو خطأ. والتصويب من النسخ الأخرى.
[ ٣٧٧ ]
إلى النبي ﷺ، فقال: "ما هذه الكسرة يا فاطمة؟ " قالت: قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة. فقال: "أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام" (^١).
وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر قال: "لما حفر النبي ﷺ الخندق، أصابهم جهد شديد حتى ربط النبي ﷺ على بطنه حجرًا من الجوع" (^٢).
وقد أسرف أبو حاتم بن حبان في "تقاسيمه" في رد هذا الحديث، وبالغ في إنكاره، وقال: المصطفى أكرم على ربه من ذلك (^٣).
وهذا من وهمه، وليس في هذا ما ينقص مرتبته عند ربه، بل ذلك
_________________
(١) مسند الحارث مفقود، والموجود منه زوائده للهيثمي. وهذا الحديث ليس من الزوائد، وقد نسبه أيضًا للحارث: العراقيُّ في المغني عن حمل الأسفار (٣/ ٧٣). والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (٣/ ٢١٣)، وابن سعد في "الطبقات" (١/ ٤٠٠)، والطبراني في "المعجم الكبير" رقم (٧٥٠) وغيرهم من حديث أنس ﵁. والحديث ضعف إسناده العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (٣/ ٧٣).
(٢) "المسند" (٣/ ٣٠١). ورواه البخاري في "صحيحه" رقم (٤١٠١) من حديث جابر ﵁، وهو حديث طويل، وفيه قصة دعوة جابر للنبي ﷺ إلى طعام، وفيه قول جابر عن النبي ﷺ: "ثم قام وبطنه معصوب بحجر". والحديث رواه أيضًا مسلم في "صحيحه" رقم (٢٠٣٩)، وليس فيه محل الشاهد.
(٣) انظر: "صحيح ابن حبان" (٨/ ٣٤٥).
[ ٣٧٨ ]
رفعة له وزيادة في كرامته، وعبرة لمن بعده من الخلفاء والملوك وغيرهم.
وكأن أبا حاتم لم يتأمل سائر الأحاديث في معيشة النبي ﷺ، وهل ذلك إلا من أعظم شواهد صدقه؟! فإنه لو كان كما يقول أعداؤه وأعداء ربه أنه مَلِك طالبُ مُلكٍ ودنيا، لكان عيشه عيش الملوك وسيرته سيرتهم، ولقد توفاه اللَّه وإن درعه مرهونة عند يهودي على طعام أخذه لأهله (^١)، وقد فتح اللَّه عليه بلاد العرب وجُبيَت إليه الأموال، ومات ولم يترك درهمًا واحدًا ولا دينارًا ولا شاة ولا بعيرًا ولا عبدًا ولا أمة.
قال الإمام أحمد حدثنا حسين حدثنا محمد بن مطرف عن أبي حازم عن عروة: أنه سمع عائشة تقول: كان يمر بنا هلال وهلال ما يوقد في بيت من بيوت رسول اللَّه ﷺ نار. قالت: يا خالة فعلى أيّ شيء كنتم تعيشون؟ قالت: "على الأسودين: التمر والماء" (^٢).
وقد تقدم حديث أبي هريرة في قصة أبي الهيثم بن التّيهان، وإنه خرج رسول اللَّه ﷺ-من بيته فرأى أبا بكر وعمر فقال: "ما أخرجكما؟ " قالا: الجوع، قال: "أنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما" (^٣).
وذكر أحمد من حديث مسروق قال: دخلت على عائشة فدعت لي
_________________
(١) وقد سبق تخريجه ص (٣٠٢).
(٢) "المسند" (٦/ ٧١). والحديث رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٢٥٦٧)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٩٧٢).
(٣) تقدم ص (٣٦٨) وانظر ص (٣٦٦).
[ ٣٧٩ ]
بطعام وقالت: ما أشبع من طعام فأشاء أن أبكي إلا بكيت، قال: قُلت لم؟ قالت (^١): "أذكر الحال التي فارق عليها رسول اللَّه ﷺ الدنيا، واللَّه ما شبع في يوم مرتين من خبز البرّ حتى قبض" (^٢). وفيه عنها: "ما شبع رسول اللَّه ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قُبض" (^٣). والحديثان صحيحان.
وفيه: "ما شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق باللَّه" (^٤).
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة: "ما شبع رسول اللَّه ﷺ وأهله ثلاثًا تباعًا من خبز البرّ حتى فارق الدنيا" (^٥).
وفي الترمذي عن ابن عباس قال: "كان النبي ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاويًا وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير" (^٦).
وفيه عن أنس عنه ﷺ: "لقد أخفت في اللَّه وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في اللَّه وما يؤذى أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة وما
_________________
(١) في الأصل: قال. وهو خطأ.
(٢) "الزهد" للإمام أحمد رقم (٩٠٨). ورواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٥٦). بلفظ: "واللَّه ما شبع من خبز ولحم مرتين في يوم". وقال: "حديث حسن صحيح". وانظر الحديث الآتي.
(٣) "مسند أحمد" (٦/ ٩٨). ورواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٩٧٠).
(٤) "مسند أحمد" (٦/ ١٢٧). ورواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٦٨٧).
(٥) وقد سبق تخريجه قريبًا.
(٦) سبق تخريجه قريبًا.
[ ٣٨٠ ]
لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال" (^١).
والحديثان صحيحان.
وفيه أيضًا عن أنس بن مالك عن أبي طلحة قال: "شكونا إلى رسول اللَّه ﷺ الجوع ورفعنا عن بطوننا حجرًا حجرًا، فرفع رسول اللَّه ﷺ عن حجرين" (^٢).
وفيه أيضًا عن علقمة عن عبد اللَّه قال: نام رسول اللَّه ﷺ على حصير فقام وقد أثّر في جنبه، فقلنا: يا رسول اللَّه لو اتخذنا لك وطاء (^٣) فقال: "ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها" حسن صحيح (^٤).
وفيه عن علي بن أبي طالب قال: خرجت في يوم شات من بيت رسول اللَّه ﷺ، وقد أخذت إهابًا معطونًا (^٥)، فجوّبت وسطه (^٦) وأدخلته في عنقي فشددت به وسطي، فحزمته بخوص النخل، وإني لشديد الجوع، ولو كان في بيت رسول اللَّه ﷺ طعام لطعمت منه، فخرجت ألتمس شيئًا فمررت بيهودي في مال له وهو يسقي ببكرة له، فاطلعت عليه من ثلمة من الحائط، فقال: مالك يا أعرابي؟ هل لك في
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٨٨).
(٢) "جامع الترمذي" رقم (٢٣٧١)، وقال: "حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
(٣) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٤) "جامع الترمذي" رقم (٢٣٧٧).
(٥) معطونًا أي: منتنًا منمرق الشعر. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٣/ ٢٥٩).
(٦) أي: لبستُه. انظر: "النهاية" (١/ ٣١٠).
[ ٣٨١ ]
كلّ دلو بتمرة؟ قلت: نعم، فافتح الباب حتى أدخل. ففتح ودخلت فأعطاني دلوه، فكلما نزعتُ دلوًا أعطاني تمرة، حتى امتلأت كفي أرسلت دلوه وقلت: حسبي. فأكلتها، ثم جرعت من الماء فشربت ثم جئت المسجد (^١) فوجدت رسول اللَّه ﷺ فيه (^٢).
وقال سعد بن أبي وقاص: "لقد رأيتنا نغزو مع رسول اللَّه ما لنا طعام إلا الحُبْلَة وهذا السَّمُر" (^٣).
والحُبْلَة: ثمر العضاه ذات الشوك. وهو حديث صحيح.
وكان ﷺ (^٤) يصلي من الليل أحيانًا وعليه كساء صوف بعضه عليه وبعضه على عائشة. قال الحسن: أثمان ستة دراهم أو سبعة (^٥).
وقال أحمد حدثنا أبو سعيد حدثنا زائدة حدثنا عطاء عن أبيه، عن
_________________
(١) ساقطة من الأصل، وفي النسخ الثلاث الأخرى: "الماء". والمثبت من "جامع الترمذي".
(٢) "جامع الترمذي" رقم (٢٤٧٣)، وقال: "حسن غريب".
(٣) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٤٥٣)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٩٦٦). والسّمُرُ: ضرب من شجر الطّلح، الواحدة: سَمُرة. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٣٩٩).
(٤) "ﷺ" ليست في الأصل، وأثبتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٥) لم أقف عليه هكذا. ورواه الطبراني في "الكبير" رقم (٧٤٦) من المجلد رقم (٢٢)، وفي "الأوسط" رقم (٥٦٩٥)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" رقم (٢٦٤٣)، وأبو عوانة في "مسنده" (٢/ ٦٠) دون ذكر الصوف. أما قول الحسن فرواه أحمد في "الزهد" رقم (٧٥).
[ ٣٨٢ ]
على قال: "جهز رسول اللَّه ﷺ-فاطمة في خميل وقربة ووسادة من أدم حشوها ليف" (^١).
والخميل: الكساء الذي له خُمُل.
قال: وحدثنا بهز بن أسد حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد قال: قال أبو بردة دخلت على عائشة فأخرجت إلينا إزارًا غليظًا مما يصنع باليمن وكساء من هذه التي تدعونها الملبّدة، فقالت: "قُبض رسول اللَّه ﷺ في هذين الثوبين" (^٢).
قالوا: ولو كان الغنى مع الشكر أفضل من الفقر مع الصبر لاختاره رسول اللَّه ﷺ إذ عرضت عليه الدنيا، ولأمره ربه أن يسأله إياه، كما أمره أن يسأله زيادة العلم، ولم يكن رسول اللَّه ﷺ ليختار إلا ما اختاره اللَّه له، ولم يكن ليختار اللَّه له إلا الأفضل إذ كان أفضل خلقه وأكملهم.
قالوا: وقد أخبر النبي ﷺ أن خير الرزق ما كان بقدر كفاية العبد، فلا يعوزه ما يضره ولا يفضل عنه ما يطغيه ويلهيه.
قال الإمام أحمد: حدثنا ابن مهدي حدثنا همام (^٣) عن قتادة عن
_________________
(١) "المسند" (١/ ١٠٨). وروى الحديث أيضًا النسائي في "سننه" رقم (٣٣٨٤). وابن ماجه في سننه رقم (٤١٥٢). عن عطاء به. والحديث صححه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٨٥)، ووافقه الذهبي.
(٢) "المسند" (٦/ ١٣١). والحديث رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٥٨١٨)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٠٨٠).
(٣) كذا في الأصل وسائر النسخ الخطية. وكذا في المطبوع من "المسند" و"الزهد" =
[ ٣٨٣ ]
خليد العصري عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ما طلعت شمس قط إلا بُعث بجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: يا أيها الناس هلمّوا إلى ربكم، فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى. ولا آبت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: اللهم أعط منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا" (^١).
قال أحمد: وحدثنا وكيع حدثنا أسامة بن زيد عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة عن سعد بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "خير الرزق ما يكفي وخير الذكر الخفي" (^٢).
وتأمل جمعه في هذا الحديث بين رزق القلب والبدن: رزق الدنيا والآخرة، وإخباره أن خير الرّزقين ما لم يتجاوز الحد فيكفي من الذكر إخفاؤه، فإذا زاد على الإخفاء خيف على صاحبه الرياء والتكثر به على الغافلين، وكذلك رزق البدن إذا زاد على الكفاية خيف عليه الطغيان والتكاثر.
_________________
(١) = للإمام أحمد. إلا أن ابن حجر في "إتحاف المهرة" (١٢/ ٥٦٧) ذكر أن الإمام أحمد أخرجه من طريق هشام.
(٢) "المسند" (٥/ ١٩٧)، و"الزهد" رقم (١٠٢). وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم (٤٤٣).
(٣) "المسند" (١/ ١٧٢). وصححه ابن حبان فأخرجه في "صحيحه" رقم (٨٠٩). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨١): "وفيه محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة، وقد وثقه ابن حبان وقال: روى عن سعد بن أبي وقاص، قلت: وضعفه ابن معين، وبقية رجالهما رجال الصحيح".
[ ٣٨٤ ]
قالوا: وقد غبط رسول اللَّه ﷺ المتقلل من الدنيا بما لم يغبط به الغني.
قال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا علي بن صالح عن أبي المهلب عن عبيد اللَّه بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إن أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الحاذ (^١)، ذو حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه، وكان غامضًا في الناس (^٢) لا يُشار إليه بالأصابع، فعجلت منيته، وقلّ تراثه، وقلّت بواكيه" قال عبد اللَّه بن أحمد: سألت أبي ما تراثه؟ قال: ميراثه (^٣).
قالوا: وحمية اللَّه تعالى لعبده المؤمن عن الدنيا إنما هو من محبته له وكرامته عليه.
قال الإمام أحمد حدثنا أبو سعيد حدثنا سليمان بن بلال عن عمرو بن أبي عمرو عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه ﵎ يحمي عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه، كما تحمون مرضاكم الطعام والشراب تخافون عليهم" (^٤).
_________________
(١) قال ابن الأثير في النهاية (١/ ٤٥٧): "الحاذُ والحال واحد، وأصل الحاذ: طريقة المتن، وهو ما يقع عليه اللّبْدُ من ظهر الفرس، أي: خفيف الظهر من العيال".
(٢) أي: مغمورًا غير مشهور. انظر: "لسان العرب" (٧/ ٢٠٠).
(٣) "الزهد" رقم (٥٦). ورواه في "المسند" (٥/ ٢٥٢). والحديث رواه أيضًا: الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٤٧) وقال: "حديث حسن"، وابن ماجه في "سننه" رقم (٤١١٧). وظاهر الحديث أنه قدسي كما يقتضيه السياق، وورد في "الزهد" ما يدل عليه وهو قوله "يعني قال اللَّه ﷿".
(٤) "الزهد" رقم (٥٧)، و"المسند" (٥/ ٤٢٧). ورواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٠٣٦) من حديث محمود بن لبيد عن =
[ ٣٨٥ ]
قالوا: وقلّ أن يقع إعطاء الدنيا وتوسعتها إلا استدراجًا من اللَّه لا إكرامًا ومحبة لمن أعطاه.
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا رشدين (^١) بن سعد عن حرملة بن عمران التجيبي عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "إذا رأيت اللَّه يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج ثم تلا قولَه تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤] " (^٢).
قالوا: وَلِهَوان الدنيا على اللَّه منعها أكثر أوليائه وأحبائه.
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إن من أمتي من لو أتى باب أحدكم فسأله دينارًا لم يعطه إياه، ولو سأله فلسًا لم يعطه إياه، ولو سأل اللَّه الجنة لأعطاه إياها، ولو سأله الدنيا لم يعطها إياه، وما يمنعها إياه لهوانه عليه، ذو طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على اللَّه لأبرّه" (^٣).
_________________
(١) = قتادة بن النعمان عن النبي ﷺ به نحوه، ومن حديث محمود بن لبيد عن النبي ﷺ. وقال الترمذي عقب حديث قتادة: "حديث حسن غريب، وقد روي هذا الحديث عن محمود بن لبيد عن النبي ﷺ مرسلًا". ثم رواه بسنده.
(٢) في الأصل: "رشدي"، والتصويب من (م) و(ن).
(٣) "المسند" (٤/ ١٤٥). وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم (٤١٣).
(٤) "الزهد" (٦٧). ورواه هناد في "الزهد" رقم (٥٨٧)، وابن أبي الدنيا في كتاب "التواضع =
[ ٣٨٦ ]
وهذا يدل على أنه إنما يمنعه إياها لهوانها عليه، لا لهوانه هو عليه، ولهذا يعطيه أفضل منها وأجل، فإن اللَّه يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الآخرة إلا من يحب.
قالوا: وقد أخبرهم النبي ﷺ أن أقربهم منه يوم القيامة مجلسًا ذوو التقفل من الدنيا الذين لم يستكثروا منها.
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا محمد بن عمرو قال سمعت عراك بن مالك يقول: قال أبو ذر: إني لأقربكم مجلسًا من رسول اللَّه ﷺ يوم القيامة، وذلك أني سمعته يقول: "إن أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئة ما تركته فيها"، وإنه واللَّه ما منكم من أحد إلا وقد تشبّث منها بشيء غيري (^١).
قالوا: وقد غبط النبي ﷺ من كان عيشه كَفافًا وأخبر بفلاحه.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد اللَّه بن يزيد حدثنا حيوة قال: أخبرني أبو هانئ أن أبا علي الجنبي أخبره أنه سمع فضالة بن عبيد يقول إنه
_________________
(١) = والخمول" رقم (١)، والحارث في مسنده -كما في "بغية الباحث" رقم (١١٠٣) -. وهو مرسل. إلا أن الطبراني وصله في "الأوسط" رقم (٧٥٤٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٤٤٧) من حديث سالم بن أبي الجعد عن ثوبان مرفوعًا نحوه. وصحح إسناده العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (٣/ ٢٣٧). وصححه الألباني بشواهده في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٢٦٤٣).
(٢) "الزهد" رقم (٧٩٥). ورواه في "المسند" (٥/ ١٦٥). ورواية "الزهد" هي التي فيها التصريح بالسماع بين محمد بن عمرو وعراك.
[ ٣٨٧ ]
سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "طوبى لمن هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كَفافًا وقنع" (^١).
وذكر أيضًا من حديث عبد اللَّه بن عمرو أن رسول اللَّه ﷺ قال: "قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا وقنّعه اللَّه بما آتاه" (^٢).
قالوا: ولو لم يكن في التقلّل إلا خفة الحساب لكفى به فضلًا على الغنى.
قال عبد اللَّه بن الإمام أحمد: حدثنا بيان بن الحكم حدثنا محمد بن حاتم قال حدثنا بشر بن الحارث حدثنا عيسى بن يونس عن هشام عن الحسن قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ثلاثة لا يحاسب بهن العبد: ظل خُصّ (^٣) يستظل به، وكسرة يشدّ بها صلبه، وثوب يواري عورته" (^٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا ليث عن أبي عثمان قال: لما افتتح المسلمون جُوخا (^٥) دخلوا يمشون فيها وأكداس
_________________
(١) "المسند" (٦/ ١٩). ورواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٤٩)، وقال: "حديث حسن صحيح".
(٢) "المسند" (٢/ ١٦٨). ورواه مسلم في "صحيحه" رقم (١٠٥٤).
(٣) الخُصّ: بيت يعمل من الخشب والقصب. سمي بذلك لما فيه من الخصائص وهو الفُرج والأنقاب. "النهاية": (٢/ ٣٧).
(٤) الزهد رقم (٦٥). ورواه هناد في "الزهد" رقم (٥٦٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٣٦٨). وهو ظاهر الإرسال.
(٥) غير محررة في النسخ، والصواب ما أثبت. وجُوخا بالضم والقصر وقد يُفتح، =
[ ٣٨٨ ]
الطعام فيها أمثال الجبال، ورجل يمشي إلى جنب سلمان فقال: "يا أبا عبد اللَّه ألا ترى إلى ما فتح اللَّه علينا، ألا ترى إلى ما أعطانا اللَّه"، فقال سلمان: "وما يعجبك مما ترى؟ إلى جنب كل حبّة مما ترى حساب! " (^١).
قالوا: وقد شهد النبي ﷺ لأصحابه (^٢) أنهم يوم فقرهم وفاقتهم خير منهم يوم غناهم وبسط الدنيا عليهم.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد حدثنا أبو الأشهب عن الحسن قال: قال نبي اللَّه ﷺ: "يا أهل الصفة كيف أنتم؟ " قالوا: نحن بخير قال: "أنتم اليوم خير أم يوم تغدو على أحدكم جفنة، وتروح أخرى، ويغدو في حلة، ويروح في أخرى (^٣)، وتسترون بيوتكم بمثل أستار الكعبة؟ " قالوا: يا رسول اللَّه نحن يومئذ خير يعطينا ربنا ﵎ فنشكر. قال: "بل أنتم اليوم خير" (^٤).
_________________
(١) = اسم نهر عليه كورة واسعة في سواد بغداد بالجانب الشرقي. . قاله ياقوت في "معجم البلدان": (٢/ ١٧٩).
(٢) لم أقف عليه فيما بين يدي من كتب الإمام أحمد. وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٦٥٤).
(٣) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٤) في حاشية الأصل كتب ما نصه: "يحتمل أن يكون هذا في الجنة، فيكون النعيم الذي فيها، دون ما يحصل من كمال المعرفة باللَّه بلذة الفقر ونحوها من أنواع الطاعات المتلذ بها، ويحتمل أن يكون في الدنيا ويشهد له ما بعده، ولكن لا يلزم منه أن يكون الغِنى أفضل بدليل ما قرن به من ضَرْب بعضهم رقاب بعض، واللَّه أعلم".
(٥) لم أقف عليه هكذا. وقد رواه أحمد في كتاب "العلل ومعرفة الرجال" رقم (٤٩٥٥) عن =
[ ٣٨٩ ]
فهذا صريح في أنهم في وقت صبرهم على فقرهم خير منهم في وقت غناهم مع الشكر.
وقال عبد اللَّه بن أحمد: حدثنا ابن نمير حدثنا حفص بن غياث عن داود بن أبي هند عن أبي حرب بن أبي الأسود عن طلحة البصري قال: قدمت المدينة ولم يكن لي بها معرفة، فكان يجري علينا مدٌّ من تمر بين اثنين، فصلى بنا رسول اللَّه ﷺ (^١) صلاة، فهتف به هاتف من خلفه فقال: يا رسول اللَّه ﷺ قد أحرق بطوننا التمر وتخرقت عنا الخُنُف (^٢). فخطب فحمد اللَّه وأثنى عليه وقال: "واللَّه لو أجد لكم اللحم والخبز (^٣) لأطعمتكموه، وليأتين عليكم زمان تغدو على أحدكم الجفان وتراح، ولَتلْبَسُن (^٤) مثل أستار الكعبة" قالوا: يا رسول اللَّه ﷺ نحن اليوم خير منا أو يومئذ؟ قال: "أنتم اليوم خير منكم يومئذ، أنتم اليوم خير منكم يومئذ؛ يضرب بعضكم رقاب بعض" (^٥) قال أحمد: وحدثنا عبد الوهاب
_________________
(١) = الحسن أن النبي ﷺ قال لأهل الصفة: "كيف أصبحتم" اهـ فقط دون باقي الحديث. وهو ظاهر الإرسال.
(٢) "رسول اللَّه ﷺ" ليست في الأصل، وأثبتها من (ب).
(٣) الخنُف جمع خنيف، وهو نوع غليظ من أردأ الكتان، أراد ثيابا تعمل منه كانوا يلبسونها. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٨٤). وفي النسخ الثلاث الأخرى: "الكنف".
(٤) في الأصل سقطت الواو من "والخبز"، واستدركتها من النسخ الثلاث.
(٥) في النسخ الثلاث زيادة: "بيوتكم" وليست في الأصل ولا مصادر الحديث.
(٦) "زوائد الزهد" رقم (١٣٧). وروى الحديث من طرق أخرى: أحمد في "المسند" (٣/ ٤٨٧)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" رقم (١٤٣٤)، وابن حبان في "صحيحه" رقم (٦٦٨٤).
[ ٣٩٠ ]
عن سعيد عن قتادة قال: ذُكر لنا أن نبي اللَّه ﷺ دخل على أهل الصفة فذكر نحوه (^١).
قالوا ولو لم يكن في الغنى والمال إلا أنه فتنة، وقلّ من يسلم من إصابتها له وتأثيرها في دينه، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥].
وفي الترمذي من حديث كعب بن عياض قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتى المال". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (^٢).
قالوا: والمال والغنى يدعوان (^٣) إلى النار، والفقر يدعو إلى الجنة.
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد أنبأنا أبو الأشهب حدثنا سعيد بن أيمن مولى كعب بن سور قال: بينما رسول اللَّه ﷺ يحدّث أصحابه إذ جاء رجل من الفقراء فجلس إلى جنب رجل من الأغنياء فكأنه قبض من ثيابه عنه، فقال رسول اللَّه ﷺ: "أخشيت يا فلان أن يغدو غناك عليه أو أن يغدو فقره عليك؟ " قال: يا رسول اللَّه! وشرٌّ الغنى؟ قال: "نعم إن غناك يدعوك إلى النار، وإن فقره يدعوه إلى الجنة" قال: فما ينجيني منه؟ قال: "تواسيه" قال: إذن أفعل، فقال الآخر: لا إرب لي فيه، قال: "فاستغفر وادع لأخيك" (^٤).
_________________
(١) "الزهد" رقم (٢٠٣).
(٢) "جامع الترمذي" رقم (٢٣٣٦).
(٣) في الأصل و(م) و(ب): "يدعوا". والمثبت من (ن).
(٤) "الزهد" رقم (٢٠٧)، وهو مرسل.
[ ٣٩١ ]
قالوا: وحق الغنى أعظم من أن يقوم العبد بشكره.
وقد روى الترمذي في "جامعه" من حديث عثمان بن عفان: أن النبي ﷺ قال: "ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجِلْف (^١) الخبز والماء". قال: هذا حديث حسن صحيح (^٢).
وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي أمامة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شرّ لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى" (^٣).
وفي "صحيحه" أيضًا من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد قال: بينما نحن في سفر مع رسول اللَّه ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له فجعل يضرب يمينًا وشمالًا، فقال رسول اللَّه ﷺ: "من كان معه فضل من ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له". قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى ظننا أنه لا حق لأحد منا في فضل (^٤).
قالوا: فهذا موضع النظر في تفضيل الغني الشاكر الذي يبذلُ الفضلَ كلّه، وأما غنيٌّ يتمتع بأنواع الفضل ويشكر بالواجب وبعض المستحب
_________________
(١) الجلْف: الخبز وحده لا أُدْمَ معه، وقيل: الخبز الغليظ اليابس. ويروى بفتح اللام جمع جِلْفة، وهي الكسرة من الخبر. وقال الهروي: الجلف هاهنا: الظّرف. . يريد ما يُترك فيه الخبز. انظر: "النهاية" لابن الأثير (١/ ٢٨٧).
(٢) "جامع الترمذي" رقم (٢٣٤١).
(٣) "صحيح مسلم" رقم (١٠٣٦).
(٤) "صحيح مسلم" (١٧٢٨).
[ ٣٩٢ ]
فكيف يفضل على فقير صابر راضٍ عن اللَّه في فقره؟!
قالوا: وقد أقسم رسول اللَّه ﷺ لأصحابه وهم أئمة الشاكرين، أنه لا يخاف عليهم الفقر، وإنما يخاف عليهم الغنى، ففي "الصحيحين" من حديث عمرو بن عوف وكان شهد بدرًا أن رسول اللَّه ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول اللَّه ﷺ هو صالح أهل البحرين، وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافوا صلاة الفجر مع رسول اللَّه ﷺ. فلما صلى رسول اللَّه ﷺ انصرف، فتعرضوا له، فتبسم رسول اللَّه ﷺ حين رآهم، ثم قال: "أظنكم (^١) سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين" فقالوا: أجل يا رسول اللَّه ﷺ. قال: "فأبشروا وأمّلوا ما يسركم فواللَّه ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسط الدنيا عليكم كما بسُطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم" (^٢).
وقال الإمام أحمد حدثنا روح حدثنا هشام عن الحسن قال: قيل لأبي ثعلبة الخشني: أين دنياكم التي كنتم تعدّون يا أصحاب محمد؟ قال: "ليبشر الآخر بدنيا قد أظلّت تأكل -واللَّه الذي لا إله إلا هو- الإيمان، كما تأكل النار الحطب الجزل" (^٣).
_________________
(١) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث.
(٢) "صحيح البخاري" رقم (٣١٥٨)، و"صحيح مسلم" رقم (٢٩٦١).
(٣) لم أقف عليه. وقد ذكر في معناه حديث لا أصل له، أن النبي ﷺ قال: "لتأتينكم بعدي دنيا تأكل إيمانكم كما تأكل النار الحطب". انظر: "إحياء علوم الدين" (٣/ ١٧٨). وقال العراقي في تخريجه: لم أجد له أصلًا. =
[ ٣٩٣ ]
وقال أحمد: حدثنا يزيد حدثنا هشام بن حسان قال: سمعت الحسن يقول: "واللَّه ما أحد من الناس بسط اللَّه له دنيا فلم يخف أن يكون قد مَكَر به فيها، إلا كان قد نقص علمه وعجز رأيه، [وما أمسكها اللَّه عن عبد فلم يظن أنه قد خِيْر له فيها، إلا كان قد نقص علمه وعجز رأيه] (^١) " (^٢).
قالوا: وقد مر على النبي ﷺ فقير وغني فقال عن الفقير: "هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا" (^٣).
فروى البخاري في "صحيحه" عن سهل بن سعد قال: مرّ رجل على رسول اللَّه ﷺ فقال: "ما تقولون في مثل هذا؟ " قالوا: حريٌّ إن خطب أن ينكح، وإن شفع يشفّع، وإن قال أن يسمع، قال: ثم سكت، فمرّ رجل من فقراء المسلمين فقال: "ما تقولون في هذا؟ " قالوا: حريٌّ إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفّع، وإن قال أن لا يسمع، فقال رسول ﷺ: "هذا خير من ملء الأرض مثل هذا" (^٤).
وقد بشّر رسول اللَّه ﷺ[الفقراء الصابرين] (^٥) بما لم يبشّر به الأغنياء.
_________________
(١) = والجزل من الحطب: الغليظ القوي. انظر: "النهاية" لابن الأثير (١/ ٢٧٠).
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الأخرى.
(٣) "الزهد" رقم (٢٠٠). ورواه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٤٢).
(٤) هو الحديث الآتي.
(٥) "صحيح البخاري" رقم (٥٠٩١).
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الأخرى.
[ ٣٩٤ ]
ففي الترمذي من حديث فضالة بن عبيد أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا صلّى بالناس يخرّ رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة وهم أصحاب الصفة، حتى يقول الأعراب: هؤلاء مجانين. فإذا صلّى رسول اللَّه ﷺ انصرف إليهم وقال: "لو تعلمون ما لكم عند اللَّه لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة". قال فضالة: وأنا يومئذ مع رسول اللَّه ﷺ (^١).
وبشّرهم بسبقهم إلى الجنة، وقد اختلفت الروايات في مدة هذا السبق.
ففي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو: أنه جاءه ثلاثة نفر فقالوا: يا أبا محمد واللَّه ما نقدر على شيء: لا نفقة ولا دابة ولا متاع، فقال لهم: ما شئتم، إن شئتم رفعتم إلينا فأعطيناكم ما يسرّكم (^٢)، وإن شئتم ذكرنا أمركم للسلطان، وإن شئتم صبرتم فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة بأربعين خريفًا". قالوا: نصبر، لا نسأل شيئًا (^٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (^٤).
_________________
(١) "جامع الترمذي" رقم (٢٣٦٨)، وقال: "حديث حسن صحيح".
(٢) في صحيح مسلم: "ما يسّر اللَّه لكم".
(٣) "صحيح مسلم" رقم (٢٩٧٩).
(٤) "مسند أحمد" (٢/ ٣٤٣)، و"جامع الترمذي" رقم (٢٣٥٤). ورواه ابن ماجه أيضًا رقم (٤١٢٢).
[ ٣٩٥ ]
وفي الترمذي أيضًا من حديث أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "فقراء المهاجرين يدخلون الجنّة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة" (^١). وهو حديث حسن.
وفيه أيضًا من حديث جابر بن عبد اللَّه عن النبى ﷺ قال: "يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفًا" (^٢). وهو حديث حسن.
وهذا موافق لحديث عبد اللَّه بن عمرو، ولحديث أنس الذي في الترمذي أيضًا: "إن المساكين يدخلون قبل الأغنياء بأربعين خريفًا" (^٣).
فهؤلاء ثلاثة: جابر وأنس وعبد اللَّه بن عمرو وقد اتفقوا على الأربعين.
وهذا أبو هريرة وأبو سعيد قد اتفقا على التقدير بخمسمائة سنة.
ولا تعارض بين هذه الأحاديث إذ السبق والتأخير درجات بحسب الفقر والغنى، فمنهم من يسبق بأربعين، ومنهم من يسبق بخمسمائة، ولا يتقيد السبق بهذا المقدار بل يزيد عليه وينقص.
وقد روى أبو داود في "سننه" من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: "إن أول الأمة دخولًا الجنة أبو بكر الصديق" (^٤).
_________________
(١) "جامع الترمذي" رقم (٢٣٥١)، وقال: "حديث حسن غريب من هذا الوجه".
(٢) "جامع الترمذي" رقم (٢٣٥٥)، وقال: "حديث حسن". وقد تقدمت هذه الأحاديث.
(٣) "جامع الترمذي" رقم (٢٣٥٢)، وقال: "حديث غريب".
(٤) "سنن أبي داود" رقم (٤٦٥٢). وصححه الحاكم فى المستدرك (٣/ ٧٣) على شرط الشيخين، ووافقه =
[ ٣٩٦ ]
ومعلوم أن المدة التي بينه وبين إخوانه من فقراء المهاجرين لا تطول، وأنها أطول مدة بين دخوله وبين دخول آخر من يدخل الجنة.
وقد روى الإمام أحمد في "مسنده" من حديث عبد اللَّه بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: "هل تدرون أول من يدخل الجنة؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "فقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره، يموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، تقول الملائكة: ربنا نحن ملائكتك وخزنتك وسكان سماواتك لا تدخلهم الجنة قبلنا، فيقول: عبادي لا يشركون بي شيئًا يتقى بهم المكاره يموت أحدهم وحاجته في صدره لم يستطع لها قضاء، فعند ذلك تدخل عليهم الملائكة من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" (^١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد حدثنا دويد (^٢) عن سلم بن بشير عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: "التقى مؤمنان على باب الجنة: مؤمن غني ومؤمن فقير كانا في الدنيا، فأُدخل الفقير الجنة وحُبس الغني ما شاء اللَّه أن يُحبس ثم أُدخل الجنة، فلقيه الفقير فيقول: أي أخي ما حبسك؟ واللَّه لقد احتبست حتى خفتُ عليك. فيقول: أي أخي، إني حُبست بعدك محبسًا فظيعًا كريهًا ما وصلت إليك حتى سال مني من العرق ما لو ورده ألف بعير كلها آكلة حمض (^٣)
_________________
(١) = الذهبي.
(٢) "المسند" (٢/ ١٦٨). وصححه الحاكم في المستدرك (٢/ ٧١ - ٧٢)، ووافقه الذهبي.
(٣) في الأصل: "دريد"، والتصويب من النسخ الأخرى ومن "المسند".
(٤) الحمض هو كل نبت في طعمه حموضة، وهو للإبل كالفاكهة للإنسان. انظر: =
[ ٣٩٧ ]
لصدرت عنه رواء" (^١).
وقال الطبراني في "معجمه": حدثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرمي وعلي بن سعيد الرازي حدثنا علي بن بهرام العطار حدثنا عبد الملك بن أبي كريمة عن الثوري عن محمد بن زيد عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وذلك خمسمائة عام" (^٢) فقال رجل: أمنهم أنا يا رسول اللَّه؟ قال: "إن تغدّيت رجعت على عشاء، وإذا تعشيت يبيت معك غداء؟ " قال: نعم. قال: "لست منهم"، فقام رجل فقال: أمنهم أنا يا رسول اللَّه؟ قال: "هل سمعت ما قلنا لهذا؟ " قال: نعم، ولستُ كذلك. قال: "هل تجد ثوبًا سترًا (^٣) سوى ما عليك؟ " قال: نعم. قال: "فلست منهم"، فقام آخر فقال: أمنهم أنا يا رسول اللَّه؟ قال: "هل سمعت ما قلنا لهذين قبلك؟ " قال: نعم. قال: "هل تجد قرضًا كلما
_________________
(١) = "النهاية" لابن الأثير (١/ ٤٤١).
(٢) "مسند أحمد" (١/ ٣٠٤). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٦٣ - ٢٦٤): "رواه أحمد وفيه (دويد) غير منسوب، فإن كان هو الذي روى عنه سفيان فقد ذكره العجلي في كتاب "الثقات"، وإن كان غيره لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح غير سلم بن بشير وهو ثقة". وقال العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (٤/ ١٩٣): "وفيه دريد [هكذا في المطبوع والصواب: دويد] غير منسوب يحتاج إلى معرفته، قال أحمد: حديثه مثله".
(٣) ساقطة من الأصل، وكتب في حاشيته: لعله: "عام". وأثبتها من (م) و(ن). وفي (ب): "سنة".
(٤) هكذا في الأصل و(م). وفي (ن): "يسيرًا". وفي (ب): "ستيرًا".
[ ٣٩٨ ]
شئت أن تستقرض؟ " قال: نعم. قال: "فلستَ منهم". فقام آخر فقال: أمنهم أنا يا رسول اللَّه؟ فقال: "هل سمعت ما قلت لهؤلاء؟ " قال: نعم. قال: "تقدر أن تكتسب؟ " قال: نعم، قال: "فلست منهم" قال: فقام خامس فقال: أنا منهم يا رسول اللَّه؟ فقال: "هل سمعت ما قلت لهؤلاء؟ " قال: نعم. قال: "هل تمسي عن ربك راضيًا وتصبح كذلك؟ " قال: نعم. قال: "فأنت منهم" فقال النبي ﷺ: "إن سادة المؤمنين في الجنة من إذا تغدّى لم يجد عشاء، وإذا تعشّى لم يبت عنده غداء، وإن استقرض لم يجد قرضًا، وليس له فضل كسوة إلا ما يواري به ما لا يجد منه بدًّا، ولا يقدر على أن يكتسب ما يعيشه، ويمسي عن اللَّه راضيًا ويصبح راضيًا ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩].
قال الطبراني: هذا حديث غريب من حديث سفيان الثوري عن محمد بن زيد، يقال: هو العبدي تفرّد به عبد الملك (^١).
قلت: محمد بن زيد هو العبدي، وثقه قوم، وضعفه آخرون. قال الدارقطني: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، روى له الترمذي وابن ماجه (^٢).
وفي هذه الطبقة محمد بن زيد الشامي يروي عن أبي سلمة بن
_________________
(١) لم أقف عليه في معاجم الطبراني. وأخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٧/ ٩٩ - ١٠٠) من طريق الطبراني به.
(٢) انظر: الثقات لابن حبان رقم (١٠٧٣١)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٧/ ٢٥٦)، وتهذيب التهذيب (٩/ ١٧٣).
[ ٣٩٩ ]
عبد الرحمن وهو متروك (^١)، ونخاف أن يكون هذا هو، والثوري لم ينسبه، وإنما يقال: هو العبدي، فاللَّه أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن عامر العقيلي عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "عرض عليّ أول ثلاثة يدخلون الجنة، وأول ثلاثة يدخلون النار، فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة: فالشهيد وعبد مملوك لم يشغله رق الدنيا عن طاعة ربه، وفقير متعفف ذو عيال. وأما أول ثلاثة يدخلون النار: فأمير متسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدي حق اللَّه في ماله، وفقير فخور" (^٢).
وروى الترمذي منه ذكر الثلاثة الذين يدخلون الجنة فقط (^٣).
قالوا: ويكفي في فضل الفقير أن عامّة أهل الجنة الفقراء، وعامة أهل النار الأغنياء.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن السائب بن مالك عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "اطّلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطّلعت
_________________
(١) انظر: لسان الميزان (٥/ ١٧٣).
(٢) "المسند" (٢/ ٤٢٥). وصححه ابن خزيمة فأخرجه في "صحيحه" برقم (٢٢٤٩). وقال الحاكم في المستدرك (١/ ٣٨٧): "عامر بن شبيب العقيلي شيخ من أهل المدينة مستقيم الحديث، وهذا أصل في هذا الباب، تفرد به عنه يحيى بن أبي كثير، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
(٣) "جامع الترمذي" رقم (١٦٤٢)، وقال: "حديث حسن".
[ ٤٠٠ ]
على أهل النار فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء" (^١).
وفي صحيح البخاري عن أبي رجاء قال: جاء عمران بن حصين إلى امرأته من عند رسول اللَّه ﷺ فقالت: حدثنا ما سمعت من النبي ﷺ، فقال: إنه ليس من حديث. فلم تدعه، أو قال: فأغضبته، فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "نظرت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، ونظرت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء" (^٢).
وفي "الصحيحين" من حديث أسامة بن زيد: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين، وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء" (^٣).
وفي "صحيح مسلم" عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ اطلع في النار فرأى أكثر أهلها النساء، واطلع في الجنة فرأى أكثر أهلها الفقراء" (^٤).
قالوا: ويكفي في فضل الفقر أن كل أحد يتمناه يوم القيامة من الأغنياء.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد اللَّه بن نمير حدثنا إسماعيل يعني ابن أبي خالد عن نفيع عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ما
_________________
(١) "المسند" (٢/ ١٧٣). وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (٢٨٠٠).
(٢) "صحيح البخاري" رقم (٣٢٤١)، وليس فيه مجيء عمران إلى امرأته وما حصل بينهما، وإنما هذا عند أحمد في "المسند" (٤/ ٤٣٧).
(٣) "صحيح البخاري" رقم (٥١٩٦)، و"صحيح مسلم" رقم (٢٧٣٦).
(٤) "صحيح مسلم" رقم (٢٧٣٧).
[ ٤٠١ ]
من أحد يوم القيامة غني ولا فقير إلا ودّ أن ما كان أوتي في الدنيا أو من الدنيا قوتًا" (^١).
قال البخاري: يتكلمون في نفيع (^٢). وهذا ألين ما قيل فيه.
قالوا: وقد صرح رسول اللَّه ﷺ بتفضيل الفقراء في غير حديث، فمنها: ما تقدم من حديث سهل بن سعد (^٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن أبي ذر قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "يا أبا ذر ارفع بصرك فانظر أرفع رجل تراه في المسجد"، قال: فنظرت فإذا رجل جالس عليه حُلّة (^٤) له، قال: فقلت: هذا، فقال: "يا أبا ذر ارفع بصرك فانظر أوضع رجل تراه في المسجد" قال: فنظرت فإذا رجل ضعيف عليه أخلاق قال: قلت: هذا. قال: فقال رسول اللَّه ﷺ: "والذي نفسي بيده لهذا أفضل عند اللَّه يوم القيامة من قراب الأرض من هذا".
قال: وحدثنا وكيع ووافقه زائدة حدثنا الأعمش عن سليمان بن مسهر (^٥) عن خرشة بن الحر عن أبي ذر فذكره، وقال: "لهذا خير عند اللَّه
_________________
(١) "المسند" (٣/ ١١٧). والحديث رواه ابن ماجه في "سننه" رقم (٤١٤٠). وضعفه العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (٣/ ٢٠٥). وضعفه جدًّا الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" برقم (٤٨٦٩).
(٢) "الضعفاء الصغير" ص ١١٥.
(٣) تقدم ص (٣٩٦)، وهو في "صحيح البخاري".
(٤) قال الخطابي في "غريب الحديث" (١/ ٤٩٨): "الحلّة: ثوبان: إزار ورداء، ولا تكون حُلّة إلا وهي جديدة تُحلّ عن طيّها فتُلبس".
(٥) في الأصل: "سليمان بن يسار". وكذا في النسخ الثلاث. والتصويب =
[ ٤٠٢ ]
يوم القيامة من ملء الأرض مثل هذا".
قال الإمام أحمد: وحدثنا أبو معاوية ووافقه يعلى قالا: حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن أبي ذر فذكره بنحوه (^١).
قالوا: والذي يفصل بيننا في المسألة ويشفي العليل: أن الفقر يوفر أجر صاحبه ومنزلته عند اللَّه، والغني ولو شكر، فإن ما ناله في الدنيا بغناه يُحسب عليه من ثوابه يوم القيامة، وإن تناوله بأحلّ وجه، فقليل الفضل في الدنيا نقص من كثير الآخرة.
وفي "صحيح مسلم" من حديث عبد اللَّه بن عمرو أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من غازية تغزو في سبيل اللَّه فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم" (^٢).
وفي "الصحيحين" عن خبّاب بن الأرتّ قال: "هاجرنا مع رسول اللَّه ﷺ نلتمس وجه اللَّه، فوقع أجرنا على اللَّه، فمنّا من مات لم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد (^٣) وترك نمرة، فكنّا إذا
_________________
(١) = من "المسند" و"الزهد" للإمام أحمد، ومن "الزهد" لوكيع.
(٢) "المسند" (٥/ ١٧٠)، و"الزهد" رقم (١٤٨). ورواه وكيع في "الزهد" رقم (١٤٤)، وهناد في "الزهد" رقم (٨١٥) وغيرهم. وصححه ابن حبان فأخرجه في "صحيحه" رقم (٦٨١).
(٣) "صحيح مسلم" رقم (١٩٠٦).
(٤) في الأصل: "بدر". وهو سهو، والتصويب من: (م) و(ب)، ومن مصادر التخريج.
[ ٤٠٣ ]
غطّينا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطّينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه شيئًا من الإذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها" (^١).
وفي "الصحيحين" عن قيس بن أبي (^٢) حازم قال: دخلنا على خباب نعوده وقد اكتوى سبع كيّات. فقال: "إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا" وذكر الحديث (^٣).
وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر قال: "ما يصيب عبد (^٤) من الدنيا شيئًا إلا انتقص من درجاته عند اللَّه وإن كان عليه كريمًا" (^٥).
وفي "صحيح البخاري" عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: أتي عبد الرحمن بطعام، وكان صائمًا. فقال: "قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، وكفن في بردة؛ إن غطّي رأسه بدت رجلاه، وإن غطّي رجلاه
_________________
(١) "صحيح البخاري" رقم (١٢٧٦)، و"صحيح مسلم" رقم (٩٤٠). ويهدبها: أي يجنبها. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٥/ ٢٥٠)
(٢) ساقطة من الأصل، واستدركتها من (م) و(ن)، ومن مصادر التخريج.
(٣) "صحيح البخاري" رقم (٥٦٧٢)، و"صحيح مسلم" رقم (٢٦٨١). وليس في مسلم محلّ الشاهد.
(٤) في (م) و(ن): "ما من عبد يصيب". وفي (ب): "ما أوتي عبد".
(٥) لم أقف عليه فيما طبع من سنن سعيد. وقد رواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٦٧٦) من طريق سعيد به. والأثر رواه أيضًا: ابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٣٤٦٢٨)، وهناد في "الزهد" رقم (٥٥٧)، وابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا". رقم (٣١١)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٣٠٦).
[ ٤٠٤ ]
بدا رأسه، وقتل حمزة وهو خير مني فلم يوجد له كفن إلا بردة، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط -أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا- وقد خشيت أن تكون عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا. ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام" (^١).
قال أبو سعيد ابن الأعرابي (^٢): وليس عبد الرحمن بن عوف وخباب قالا ذلك دون غيرهما، لقد قاله الأكابر من أصحاب رسول اللَّه ﷺ، وكرهوا ما فتح اللَّه عليهم من الدنيا، وأشفقوا منه، وعلموا أن ما اختاره اللَّه لنبيه كان أفضل، وأن ما أخّروا له كان أنقص، منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبو عبيدة، وعمار بن ياسر، وسلمان، وعبد اللَّه بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وأبو هاشم بن عتبة وجماعة لم نذكرهم للاختصار.
فأما أبو بكر فحدثنا ابن أبي الدنيا حدثنا عبد الرحمن بن زبان (^٣) الطائي حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا عبد الواحد بن زيد حدثني أسلم (^٤) عن مرة عن زيد بن أرقم قال: كنا مع أبي بكر الصديق ﵁ فدعا بشراب فأتي بماء وعسل، فلما أدناه من فيه بكى حتى أبكى أصحابه، فسكتوا وما سكت، ثم عاد فبكى حتى ظنوا أنهم لم يقدروا على مسألته، قال: ثم مسح عينيه، فقالوا: يا خليفة رسول اللَّه ما
_________________
(١) "صحيح البخاري" رقم (١٢٧٤)، (١٢٧٥).
(٢) لابن الأعرابي كتاب سماه: "تشريف الفقير على الغني". انظر: "لسان الميزان" (٥/ ٢٨). فلعل كلامه هذا منه، واللَّه أعلم.
(٣) في الأصل وسائر النسخ الثلاث: "أبان". والتصويب من "ذم الدنيا" و"تاريخ بغداد".
(٤) في الأصل وسائر النسخ الثلاث: "سلمان". والتصويب من مصادر التخريج.
[ ٤٠٥ ]
أبكاك؟ فقال: كنت مع رسول اللَّه ﷺ فرأيته يدفع عن نفسه شيئًا ولم أرَ معه أحدًا، فقلت: يا رسول اللَّه ما الذي تدفع عن نفسك؟ قال: "هذه الدنيا مثّلت لي، فقلت لها (^١): إليك عني، ثم رجعت فقالت: إنك إن أفلتّ مني فلن يفلت مني مَنْ بعدك" (^٢).
وذكر ليث بن سعد عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن ابن عوف عن أبيه: أن أبا بكر قال في مرضه الذي مات فيه: "إني وليت أمركم ولست بخيركم، وكلكم وَرِمَ أنفه (^٣) من ذلك أن يكون هذا الأمر له، وذلك لما رأيت الدنيا قد أقبلت وأقبلت، ولما تقبل حتى يتخذوا نضائد الحرير وستور الديباج، وحتى يألم أحدُكم من الاضطجاع على الصوف كما يألم من الاضطجاع على الحسك والسعدان (^٤)، ثم أنتم أول ضال بالناس تصفقون بهم يمينًا وشمالًا، ما هذا الطريق؟ أخطأت إنما هو البحر أو الفجر. واللَّه لأن يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حدٍّ، خير له من أن يخوض غمرات الدنيا" (^٥).
_________________
(١) في الأصل: إليها، والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "ذم الدنيا" رقم (١١)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣٠٩)، وابن أبي عاصم في "الزهد" رقم (١٨٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٥١٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٣٠ - ٣١)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١٠/ ٢٦٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٠/ ٣٢٩). وضعفه جدًّا الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (٤٨٧٨).
(٣) أي: امتلأ وانتفخ من ذلك غضبًا، وخصّ الأنف بالذكر لأنه موضع الأنفة والكبر. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٥/ ١٧٧).
(٤) الحَسَك جمع حَسَكة، وهي: شوكة صلبة معروفة. والسّعْدان: نبتٌ ذو شوك. انظر: "النهاية" لابن الأثير (١/ ٣٨٦) و(٢/ ٣٦٧).
(٥) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٠/ ٤١٧ - ٤١٨)، وفيه: "إني وليت =
[ ٤٠٦ ]
وذكر محمد بن عطاء بن خباب قال: كنت جالسًا مع أبي بكر فرأى طائرًا فقال: "طوبى لك يا طائر تأكل من هذه الشجر، ثم تبعر، ثم لا تكون شيئًا، وليس عليك حساب، وددت أني مكانك" فقلت له: أتقول هذا وأنت صديق رسول اللَّه ﷺ؟! (^١).
وأما عمر فإنه لما اُتي بكنوز كسرى بكى، فقال له عبد الرحمن بن عوف: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فواللَّه إن هذا ليوم شكر ويوم سرور ويوم فرح، فقال عمر: "إن هذا لم يعطه قوم (^٢) إلا أُلقي بينهم العداوة والبغضاء" (^٣).
ودخل عليه أبو سنان الدؤلي وعنده نفر من المهاجرين، فأرسل عمر إلى سَفَط (^٤) أتي به من قلعة بالعراق، وكان فيه خاتم، فأخذه
_________________
(١) = أمركم خيركم في نفسي. . . " الخ. وروى نحوه: الطبراني في "الكبير" رقم (٤٣)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٣٤)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٠/ ٤٢١).
(٢) لم أقف عليه. وروى ابن المبارك في "الزهد" رقم (٢٤٠)، وأحمد في "الزهد" رقم (٥٨١)، وابن أبي الدنيا في كتاب "المتمنين" رقم (٩٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٧٨٦). عن الحسن عن أبي بكر قريبًا منه. وروى ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٠/ ٣٣٠) عن الضحاك عن أبي بكر قريبًا منه أيضًا.
(٣) في الأصل: "قومًا". والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
(٤) رواه معمر في "الجامع" رقم (٢٠٠٣٦)، وابن المبارك في "الزهد" رقم (٧٦٨)، وابن أبي شيبة: (١٣/ ٢٦٤) وأبو داود في "الزهد" (٨٦)، وعبد اللَّه بن أحمد في "زوائد الزهد" رقم (٥٩٧)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٦/ ٣٥٨).
(٥) السّفط: الذي يعبئ فيه الطيب وما أشبهه من أدوات النساء. انظر: "لسان =
[ ٤٠٧ ]
بعض ولده فأدخله في فيه، فانتزعه عمر منه ثم بكى، فقال له مَن عنده: لم تبكي وقد فتح اللَّه لك وأظهرك وأقر عينك؟ فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقى اللَّه بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة" وأنا مشفق من ذلك (^١).
قال أبو سعيد: وجدت في كتاب بخط يدي عن أبي داود قال: حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد حدثنا يونس عن الحسن؟ أن عمر بن الخطاب أُتي بفروة كسرى بين يديه، وفي القوم سراقة بن مالك، فألقى إليه سواريْ كسرى، فجعلهما في يديه فبلغا منكبيه، فلما رآهما في يدي سراقة قال: الحمد للَّه، سوارا كسرى بن هرمز في يدي سراقة بن مالك بن جعشم أعرابي من بني مدلج، ثم قال: "اللهم قد علمت أن رسولك قد كان يحب أن يصيب مالًا فينفقه في سبيلك وعلى عبادك، فزويت ذلك عنه نظرًا منك له وخيارًا، اللهم إني أعوذ بك أن يكون هذا مكرًا منك بعمر، ثم قال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦] (^٢).
_________________
(١) = العرب" (٧/ ٣٥١).
(٢) رواه أحمد في "المسند" (١/ ١٦)، والبزار في مسنده "البحر الزخار" رقم (٣١١). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٢٢): "رواه أحمد وأبو يعلى في الكبير وفيه ابن لهيعة وفيه كلام"، وقال في (١٠/ ٢٣٦): "رواه أحمد والبزار وأبو يعلى في الكبير وإسناده حسن". وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (٤٨٧١).
(٣) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٦/ ٣٥٨)، وفي "دلائل النبوة" (٦/ ٣٢٥)، من طريق أبي سعيد به.
[ ٤٠٨ ]
والمقصود: أن سعة الدنيا وبسطها تعجيل من أجر الآخرة، وتضييق من سعتها.
قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري عن ابن أبي صُعير عن جابر بن عبد اللَّه قال: لما كان يوم أحد أشرف النبي ﷺ على الشهداء الذين قُتلوا يومئذ فقال: "إني شهيد على هؤلاء فزمِّلوهم بدمائهم" (^١).
قال معمر: وأخبرني من سمع الحسن يقول: قال النبي ﷺ: "هؤلاء قد مضوا وقد شهدت عليهم لم يأكلوا من أجورهم شيئًا، وإنكم تأكلون من أجوركم، وإني لا أدري ما تحدثون بعدي" (^٢).
وقال ابن المبارك: أخبرنا جرير بن حازم قال: سمعت الحسن يقول: خرج رسول اللَّه ﷺ بأصحابه إلى بقيع الغرقد فقال: "السلام عليكم يا أهل القبور، لو تعلمون ما نجّاكم اللَّه مما هو كائن بعدكم". ثم أقبل على أصحابه فقال: "هؤلاء خير منكم" فقالوا: يا رسول اللَّه إخواننا، أسلمنا كما أسلموا، وهاجرنا كما هاجروا، وجاهدنا كما جاهدوا، وأتوا على آجالهم فمضوا فيها وبقينا في آجالنا، فما يجعلهم خيرًا منا؟ فقال: "إن هؤلاء خرجوا من الدنيا ولم يأكلوا من أجورهم شيئًا، وخرجوا وأنا شهيد عليهم، وإنكم قد أكلتم من أجوركم ولا أدري ما تحدثون بعدي". قال: فلما سمعها القوم واللَّه عقلوها
_________________
(١) "المصنف" رقم (٦٦٣٣)، (٩٥٨٠). ورواه أحمد في "المسند" (٥/ ٤٣١). وصححه الألباني في "إرواء الغليل" برقم (٧١٤).
(٢) "مصنف عبد الرزاق" رقم (٦٦٣٤)، (٩٥٨١). وهذا سند ضعيف، لجهالة من سمع الحسن.
[ ٤٠٩ ]
وانتفعوا بها فقالوا: وإنا لمحاسبون بما أصبنا من الدنيا بعدهم، وإنه لمنتقص به من أجورنا، فأكلوا طيبًا، وأنفقوا قصدًا، وقدّموا فضلًا (^١).
وقال عبد اللَّه بن أحمد: قرأت على أبي هذا الحديث: حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر قال: "ما أعطي رجل من الدنيا إلا نقص من درجته، وإنه من أهل الجنة" (^٢).
قالوا: وقد صرح سادات الأغنياء بأنهم ابتلوا بالضرّاء فصبروا، وابتلوا بالسرّاء فلم يصبروا، قال ذلك عبد الرحمن بن عوف وغيره (^٣).
وكان هذا مصداقًا لما رواه مصعب بن سعد (^٤) عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لأنا من فتنة السرّاء أخوف عليكم من فتنة الضرّاء، إنكم ابتليتم في فتنة الضرّاء فصبرتم، وإن الدنيا حلوة خَضِرة" (^٥).
_________________
(١) "الزهد" لابن المبارك رقم (٤٩٨). ورواه ابن عبد البر في "الاستذكار" (٥/ ١١١) من طريق ابن المبارك به. ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" رقم (٦٧٢٠) عن ابن جريج قال: حُدّثت أن النبي ﷺ وذكره نحوه.
(٢) لم أقف عليه في الزهد. وقد سبق تخريجه ص (٤٠٦).
(٣) وقد سبق تخريجه ص (١١٥).
(٤) جاء الاسم في الأصل: "مصعب بن عمير بن سعد". وهو خطأ. والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
(٥) رواه البزار في مسنده "البحر الزخار" رقم (١١٦٨)، وأبو يعلى في "مسنده" رقم (٧٨٠)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٩٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٣٠٨). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤٦): "رواه أبو يعلى والبزار، وفيه رجل لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح". وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" برقم (٤٢٩٦).
[ ٤١٠ ]
قالوا: وهاهنا قضيتان صادقتان بهما يتبين الفضل:
إحداهما: أن الأقلِّين هم الأكثرون يوم القيامة.
والثانية: أن الأكثرين هم الأقلون.
أما الأولى: فقد تقدم الدليل عليها بما فيه كفاية.
وأما الثانية: ففي "الصحيحين" من حديث أبي ذر قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول اللَّه ﷺ يمشي وحده ليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد قال: فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت فرآني فقال: "من هذا؟ " قلت: أبو ذر جعلني اللَّه فداك. قال: "يا أبا ذر! تعالَ". فمشيت معه ساعة فقال: "إن الأكثرين هم المقلون يوم القيامة، إلا من أعطاه اللَّه خيرًا فنفخ فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرًا" وذكر الحديث (^١).
قالوا: ولو كان الغنى أفضل من الفقر لما حضّ اللَّه رسوله على الزهد في الدنيا والإعراض عنها، وذم الحرص عليها والرغبة فيها، بل كان ينبغي أن يحضّ عليها وعلى اكتسابها والاستكثار منها، كما حض على اكتساب الفضائل التي بها كمال العبد من العلم والعمل، فلما حضّ على الزهد فيها والتقلّل دلّ على أن الزاهدين فيها المتقلّلين منها أفضل الطائفتين.
وقد أخبر أنها لو ساوت عند اللَّه جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء (^٢). وأنها أهون على اللَّه من السخلة الميتة على
_________________
(١) "صحيح البخاري" رقم (٦٤٤٣)، و"صحيح مسلم" (٢/ ٦٨٧ - ٦٨٨) رقم (٩٤).
(٢) سبق تخريجه ص (٣٢٩).
[ ٤١١ ]
أهلها (^١). وأن مثلها في الآخرة كمثل ما يعلق بأصبع من أدخل أصبعه في البحر (^٢). وأنها ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر اللَّه وما والاه وعالم أو متعلم (^٣). وأنها سجن المؤمن وجنة الكافر (^٤).
وأمر العبد أن يكون فيها كأنه غريب أو عابر سبيل، وأن يعُدّ نفسه من أهل القبور، وإذا أصبح فلا ينتظر المساء وإذا أمسى فلا ينتظر الصباح (^٥).
ونهى عن اتخاذ ما يرغِّب فيها، ولعن عبد الدينار وعبد الدرهم، ودعا عليه بالتعس والانتكاس وعدم إقالة العثرة بالانتقاش (^٦).
وأخبر أنها خضرة حلوة، أي: تأخذ بالعيون بخضرتها وبالقلوب بحلاوتها، وأمر باتقائها والحذر منها، كما يُتقى النساء ويُحذر منهن (^٧).
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٣٠).
(٢) سبق تخريجه ص (٣٣٠).
(٣) سبق تخريجه ص (٣٣٠).
(٤) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٩٥٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) روى البخاري في "صحيحه" رقم (٦٤١٦) عن عبد اللَّه بن عمر قال: "أخذ رسول اللَّه ﷺ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل". وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء".
(٦) روى البخاري أيضًا في "صحيحه" رقم (٢٨٨٧) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة: إن أعطي رضي، وإن لم يُعطَ سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش".
(٧) روى مسلم في "صحيحه" رقم (٢٧٤٢) عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "إن الدنيا حُلوة خضرة، وإن اللَّه مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء".
[ ٤١٢ ]
وأخبر أن الحرص عليها وعلى الرياسة والشرف يفسد الدين، كإفساد الذئبين الضاريين إذا أُرسلا في زريبة غنم أو أشد إفسادًا (^١).
وأخبر أنه في الدنيا كراكب استظل تحت شجرة في يوم صائف، ثم راح وتركها (^٢).
وهذه في الحقيقة حال سكّان الدنيا كلهم، ولكن هو ﷺ شهد هذه الحال وعمي عنها بنو الدنيا.
ومرّ بهم وهم يعالجون خُصًّا لهم قد وهى فقال: "ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك" (^٣).
وأمر بستر على بابه فنزع، وقال: "إنه يذكرني الدنيا" (^٤).
وأعلم الناس أنه ليس لأحد منهم حق في سوى بيتٍ يسكنه، وثوب يواري عورته، وقوت يقيم صلبه (^٥).
وأخبر أن الميت يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى
_________________
(١) روى الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٧٦) من حديث كعب بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه". وقال: "حديث حسن صحيح".
(٢) سبق تخريجه ص (٣٢٩).
(٣) رواه أبو داود في "سننه" رقم (٥٢٣٦)، والترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٣٥)، وقال: "حديث حسن صحيح"، وابن ماجه في "سننه" رقم (٤١٦٠). كلهم من حديث عبد اللَّه بن عمرو. وتقدم التعريف بالخُصّ ص (٣٩٠).
(٤) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢١٠٧) من حديث عائشة أنه قال لها: "حوّلي هذا، فإني كما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا".
(٥) سبق تخريجه ص (٣٩٣).
[ ٤١٣ ]
عمله (^١).
وأخبر أن للمتخوّض فيما شاءت نفسه من مال اللَّه [بغير حق] (^٢) النار يوم القيامة (^٣).
وأقسم أنه لا يخاف الفقر على أصحابه، وإنما يخاف عليهم الدنيا، وتنافسهم فيها، وإلهاءها لهم (^٤).
وأخبر أنه ليس لابن آدم من ماله إلا ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدّق فأمضى (^٥).
وأخبر أن حسب ابن آدم من الدنيا لقيمات يُقمن صلبه، فإن لم يقتصر عليها فثلث بطنه لطعامه، وثلثه لشرابه، وثلثه لنفسه (^٦).
_________________
(١) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٥١٤)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٩٦٠) عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله".
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث.
(٣) روى البخاري في "صحيحه" رقم (٣١١٨) عن خولة الأنصارية قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن رجالًا يتخوّضون في مال اللَّه بغير حق، فلهم النار يوم القيامة".
(٤) سبق تخريجه (٣٩٥).
(٥) سبق تخريجه ص (٣٩٣).
(٦) رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٨٠)، وابن ماجه في "سننه" رقم (٣٣٤٩). عن المقدام بن معديكرب قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما ملأ آدمي وعاء شرًّا من بطن، حسب الآدمي لقيمات يُقمن صُلبه، فإن غلبت الآدمي نفسُه، فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفَس" هذا لفظ ابن ماجه. وقال =
[ ٤١٤ ]
وفي هذا الحديث الإرشاد إلى صحة القلب والبدن والدين والدنيا.
وأخبر أن غنى العبد فيها غنى نفسه لا كثرة عرضه (^١).
وسأل اللَّه أن يجعل رزقه فيها قوتًا (^٢).
وغبط من كان رزقه فيها كفافًا بعد أن هدي للإسلام (^٣).
وأخبر أن من كانت الدنيا همّه جعل اللَّه فقره بين عينيه، وشتت عليه شمله، ولم يأته منها إلا ما كتب له (^٤).
وعرض عليه ربه تعالى أن يجعل له بطحاء مكة ذهبًا، فقال: "لا يا رب ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا، فإذا جعت تضرّعت إليك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك" (^٥).
_________________
(١) = الترمذي: "حديث حسن صحيح".
(٢) روى البخاري في "صحيحه" رقم (٦٤٤٦)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٠٥١)، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس".
(٣) سبق تخريجه ص (٣٠٢).
(٤) سبق تخريجه ص (٣٨٩).
(٥) روى الترمذي في "جامعه" رقم (٢٤٦٥) عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ومن كانت الدنيا همه جعل اللَّه فقره بين عينيه، وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدّر له". وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٩٤٩). ورواه ابن ماجه في "سننه" رقم (٤١٠٥) من حديث زيد بن ثابت نحوه. وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٩٥٠).
(٦) تقدم تخريجه ص (٢١٥) وأعاده المصنف ص (٣٧٧).
[ ٤١٥ ]
وأعلمهم أن "من أصبح منهم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا" (^١).
وأخبر أن بذل العبد ما فضل عن حاجته خير له، وإمساكه شرّ له، وأنه لا يلام على الكفاف (^٢).
ونهى أمّته أن ينظر أحدهم إلى من هو فوقه في الدنيا، وأمره أن ينظر إلى من هو دونه فيها (^٣).
وأخبر أنه لم يبقَ من الدنيا إلا بلاء وفتنة وضرب مثلها مثل ما يخرج من ابن آدم عند خلائه، وإن كان أوله طيبًا لذيذًا فهذا آخره (^٤).
وأخبر أن عباد اللَّه ليسوا بالمتنعمين فيها، فإن أمامهم دار النعيم، فهم لا يرضون بنعيمهم في الدنيا عوضًا من ذلك النعيم (^٥).
وأخبر أن نجاةَ أول هذه الأمة بالزهد واليقين، وهلكة آخرها بالبخل وطول الأمل (^٦).
_________________
(١) رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٤٦) وقال: "حديث حسن غريب"، وابن ماجه في "سننه" رقم (٤١٤١)، من حديث عبيد اللَّه بن محصن الخطمي.
(٢) سبق تخريجه ص (٣٩٤).
(٣) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٩٣٦) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة اللَّه".
(٤) سبق تخريجه ص (٣٣١).
(٥) روى أحمد في "مسنده" (٥/ ٢٤٣) عن معاذ بن جبل أن رسول اللَّه ﷺ لما بعث به إلى اليمن قال: "إياي والتنعم، فإن عباد اللَّه ليسوا بالمتنعمين". وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٣٥٣).
(٦) روى ابن أبي الدنيا في "قصر الأمل" رقم (٢٠)، وفي "اليقين" رقم (٣)، =
[ ٤١٦ ]
وكان يقول: "لبيك لا عيش إلا عيش الآخرة" (^١).
وأخبر أنه إذا أحب عبده حماه من الدنيا كما يحمي الإنسان مريضه من الطعام والشراب (^٢).
ودخل على عثمان بن مظعون وهو في الموت، فأكبّ عليه يقبّله ويقول: "رحمك اللَّه يا عثمان ما أصبت الدنيا ولا أصابت منك" (^٣).
_________________
(١) = والطبراني في "الأوسط" رقم (٧٦٥٠)، وابن عدي في الكامل (٦/ ١٢٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٥٢٦)، (١٠٨٤٤)، (١٠٨٤٦)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد، ويهلك آخرها بالبخل والأمل". وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٣٤٢٧).
(٢) رواه أحمد في "مسنده" (٣/ ٢١٦) من حديث أنس. ورواه البخاري في "صحيحه" رقم (٢٩٦١)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٨٠٥) من حديث أنس أيضًا، بلفظ: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة". ورواه أيضًا البخاري في "صحيحه" رقم (٣٧٩٧)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٨٠٤) من حديث سهل بن سعد به.
(٣) سبق تخريجه ص (٣٨٧).
(٤) رواه أحمد في "الزهد" رقم (٦١)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ١٠٥)، عن عبد ربه بن سعيد المدني مرسلًا. ورواه ابن عبد البر في "التمهيد" (٢١/ ٢٢٤)، والذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٥/ ٤٨١) من حديث القاسم عن عائشة قالت: "لما مات عثمان بن مظعون كشف النبي ﷺ عن وجهه وقبّل بين عينيه ثم بكى بكاء طويلًا، فلما رفع على السرير قال: طوباك يا عثمان لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها". وصححه ابن عبد البر قبل روايته له في "التمهيد"، وصححه في "الاستذكار" (٣/ ١٢٠). وروى الطبراني في "الكبير" رقم (١٠٨٢٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" =
[ ٤١٧ ]
فغبطه بذلك.
وكان يقول: "الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن، والرغبة في الدنيا تطيل الهم والحزن" (^١).
وكان يقول: "من جعل الهموم همًّا واحدًا كفاه اللَّه (^٢) سائر همومه، ومن تشعبت به الهموم في (^٣) أحوال الدنيا لم يبالِ اللَّه في أي (^٤) أوديته هلك" (^٥).
_________________
(١) = (١/ ١٠٥)، عن ابن عباس نحو حديث عائشة، وفيه: "فلقد خرجت ولم تتلبس منها بشيء".
(٢) رواه أحمد في "الزهد" رقم (٥١)، وابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (١٣١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٥٣٦) عن طاووس مرسلا. ورواه نحوه الطبراني في "الأوسط" رقم (٦١٢٠)، وابن عدي في "الكامل" (١/ ٣٦٧)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" رقم (١٣٤٣)، من حديث أبي هريرة مرفوعًا. وقال ابن الجوزي عنه: "لا يصح عن رسول اللَّه ﷺ". ورواه نحوه القضاعي في "مسند الشهاب" رقم (٢٧٨) من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا. وضعفه الألباني جدا في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" تحت الحديث رقم (١٢٩١).
(٣) لفظ الجلالة أثبته من النسخ الثلاث، وليس في الأصل.
(٤) في الأصل: "دون"، والمثبت من النسخ الثلاث وهو الموافق لمصدر التخريج.
(٥) ساقطة من الأصل، وأثبتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٦) رواه ابن أبي شيبة: (١٣/ ٢٢١)، وابن ماجه في "سننه" رقم (٢٥٧)، (٤١٠٦)، وغيرهم من حديث عبد اللَّه بن مسعود. وضعف إسناده البوصيري في "مصباح الزجاجة" (١/ ٣٨). ورواه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤٤٣) من حديث عبد اللَّه بن عمر وصححه، ووافقه =
[ ٤١٨ ]
وأخبر أنه: "يؤتى يوم القيامة بأنعم الناس كان في الدنيا، فيقول ﷿: اصبغوه في النار صبغة. فيصبغونه صبغة، ثم يؤتى به فيقول: يا ابن آدم هل أصبت نعيمًا قطّ؟ هل رأيت قرّة عين قطّ؟ هل أصبت سرورًا قط؟ فيقول: لا وعزتك. ثم يقول: ردّوه إلى النار. ثم يُؤتى بأشد الناس كان بلاء في الدنيا وأجهده جهدًا، فيقول ﵎: اصبغوه في الجنة صبغة. فيُصبغ فيها، ثم يُؤتى به فيقول: يا ابن آدم هل رأيت ما تكره قطّ؟ فيقول: لا، وعزتك ما رأيت شيئًا قط أكرهه" (^١).
وفي حديث مناجاة موسى الذي رواه الإمام أحمد في كتاب "الزهد": حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل حدثنا عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبه فذكره وفيه: "ولا تعجبكما زينته ولا ما مُتع به ولا تمدان إلى ذلك أعينكما، فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين، وإني لو شئت أن أزينكما بزينة يَعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت، ولكني أرغب بكما عن ذلك وأزويه عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي، وقديمًا ما خرت لهم في ذلك، فإني لأذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة، وإني لأجنبهم سكونها (^٢) وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك الغرة، وما ذاك لهوانهم على ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالمًا موفرًا لم تَكْلِمْه الدنيا ولم يطغه الهوى، واعلم أنه لم يتزيّن لي العباد بزينة هي أبلغ من الزهد في
_________________
(١) = الذهبي.
(٢) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٨٠٧)، من حديث أنس بن مالك نحوه.
(٣) في النسخ الثلاث الأخرى: "سلوتها". وهي محتملة.
[ ٤١٩ ]
الدنيا؛ فإنها زينة المتقين، عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، أولئك أوليائي حقًّا، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلّل لهم قلبك ولسانك"، وذكر الحديث (^١).
وقال أحمد: حدثنا غوث بن جابر قال: سمعت محمد بن داود عن أبيه عن وهب قال: "قال الحواريون: يا عيسى، من أولياء اللَّه الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون؟ " قال: "الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس (^٢) إلى ظاهرها، والذين نظروا إلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، فأماتوا منها ما يخشون أن يميتهم، وتركوا ما علموا أن سيتركهم، فصار استكثارهم منها استقلالًا، وذكرهم إياها فواتًا، وفرحهم بما أصابوا منها حزنًا، فما عارضهم من نائلها رفضوه، وما عارضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه، خَلِقت الدنيا عندهم فليسوا [يجددونها، وخربت بينهم فليسوا] (^٣) يعمّرونها، وماتت في صدورهم فليسوا يحيونها، يهدمونها فيبنون بها آخرتهم، ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم، رفضوها فكانوا فيها هم الفرحين، ونظروا إلى أهلها صرعى قد حلت بهم المثلات فأحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة، يحبون اللَّه ويحبون ذكره، ويستضيئون بنوره ويضيئون به، لهم خبر عجيب،
_________________
(١) "الزهد" للإمام أحمد رقم (٣٤٢). ورواه أيضًا: أحمد في "الزهد" رقم (٣٤١)، وابن أبي الدنيا في "التواضع والخمول" رقم (٩)، وفي "الأولياء" رقم (١١٥)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ١٠ - ١٢)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦١/ ٦٠).
(٢) في الأصل: "حين نظروا". والمثبت من النسخ الأخرى ومن مصادر التخريج.
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ٤٢٠ ]
وعندهم الخبر العجيب، بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وبهم علم الكتاب وبه علموا، ليسوا يرون نائلًا مع ما نالوا، ولا أمانًا دون ما يرجون، ولا خوفًا دون ما يحذرون" (^١).
وحدثنا روح حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال: قيل لعيسى ابن مريم: يا رسول اللَّه، لو اتخذت حمارًا تركبه لحاجتك، قال: "أنا أكرم على اللَّه من أن يجعل لي شيئًا يشغلني به" (^٢).
وقال: "اجعلوا كنوزكم في السماء، فإن قلب المرء عند كنزه" (^٣).
وقال: "اتقوا فضول الدنيا، فإن فضول الدنيا عند اللَّه رجز" (^٤).
وقال: "يا بني إسرائيل اجعلوا بيوتكم كمنازل الأضياف، فما لكم
_________________
(١) "الزهد" رقم (٣٣٩). ورواه أيضًا: ابن أبي الدنيا في "الأولياء" رقم (١٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ١٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ٤٦٦).
(٢) "الزهد" رقم (٣٠٩). ورواه أيضًا: ابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٣٤٢٣٥)، وابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (١٣٠)، وهناد في "الزهد" رقم (٥٨٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ٤١٨).
(٣) رواه أحمد في "الزهد" رقم (٣١٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ٤٥٦).
(٤) رواه ابن المبارك في "الزهد" رقم (٨٤٨)، وهناد في "الزهد" رقم (٥٨١)، وابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٢١٥)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ٤٤٤ - ٤٤٥). ورواه ابن أبي الدنيا في "القناعة والعفاف" رقم (١٧٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ٤٤٤)، بلفظ: "وإياكم وفضول الدنيا. . . ".
[ ٤٢١ ]
في العالم من منزل، إن أنتم إلا عابرو سبيل" (^١).
وقال: "يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبني على موج البحر دارًا؟ قالوا: يا روح اللَّه ومن يقدر على ذلك؟ قال: إياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارًا" (^٢).
وقال: "أكل خبز البر، وشرب ماء العذب، ونوم على المزابل مع الكلاب، كثير لمن يريد أن يرث الفردوس" (^٣).
قال أحمد: وحدثنا ابن نمير (^٤) عن الأعمش عن خيثمة قال: قال المسيح: "بشدة ما يدخل الغني الجنة" (^٥).
وقال المسيح: "حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، ومرارة الدنيا حلاوة الآخرة" (^٦).
وقال: "يا بني إسرائيل تهاونوا بالدنيا تهن عليكم، وأهينوا الدنيا
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه رقم (٣٤٢٤٢)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ٤٢٦). ووقع في الأصل: "عابري".
(٢) سبق تخريجه ص (٣٣١).
(٣) سبق تخريجه ص (٣٣١).
(٤) في النسخ الثلاث الأخرى: "وحدثنا بهز". مكان: "وحدثنا ابن نمير".
(٥) لم أقف عليه بهذا الإسناد، وهذا اللفظ. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه رقم (٣٤٢٣٧)، وعنه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ١١٩)، من طريق الأعمش به قال: "ما يدخل الجنة غني". وأخرجه أحمد في "الزهد" رقم (٤٧٦)، عن وهب أن عيسى ﵇ قال: "بحق أقول لكم: إن أكناف السماء لخالية من الأغنياء، ولدخول جمل في سم الخياط أيسر من دخول غني الجنة".
(٦) سبق تخريجه ص (٣٣٠ - ٣٣١).
[ ٤٢٢ ]
تكرم عليكم الآخرة، ولا تكرموا الدنيا تهن عليكم الآخرة، فإن الدنيا ليست بأهل الكرامة، وكل يوم تدعو إلى الفتنة والخسارة" (^١).
وقال إسحاق بن هانئ في "مسائله": قال أبو عبد اللَّه -وأنا أخرج من داره-: قال الحسن: "أهينوا الدنيا فواللَّه لأهنأ ما تكون حين تهان" (^٢).
وقال الحسن: "واللَّه ما أبالي شرّقت أم غرّبت" (^٣).
قال: وقال لي أبو عبد اللَّه: "يا إسحاق ما أهون الدنيا على اللَّه ﷿" (^٤).
وقال: "الدنيا قليلها يجزي وكثيرها لا يجزي" (^٥).
قالوا: وقد تواتر عن السلف: أن حب الدنيا رأس الخطايا وأصلها (^٦)
_________________
(١) أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في "زوائد الزهد" -كما في "الدر المنثور" (٢/ ٢٠٥)، و"كشف الخفاء" (٢/ ٢٩١) -، ولم أقف عليه في المطبوع من "الزهد".
(٢) "مسائل ابن هانئ" (٢/ ١٨١). ورواه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٣١٤)، (٤٨٩) عن الحسن.
(٣) "مسائل ابن هانئ" (٢/ ١٨١).
(٤) "مسائل ابن هانئ" (٢/ ١٨٠).
(٥) انظر: "طبقات الحنابلة" (١/ ١٠).
(٦) هو مروي عن مالك بن دينار كما في "ذم الدنيا" لابن أبي الدنيا رقم (٤١٦). وعن سعد بن مسعود التجيبي كما في "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٢٠/ ٤٠٢). وقال شيخ الإسلام: هذا معروف عن جندب بن عبد اللَّه البجلي ﵁. انظر "الفتاوى": (١٨/ ١٢٣).
[ ٤٢٣ ]
وقد روي فيه حديث مرفوع لا يثبت (^١)، ولكنه يروى عن المسيح:
قال عبد اللَّه بن أحمد: حدثنا عبيد اللَّه بن عمر القواريري حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن بديل بن ميسرة قال حدثني جعفر بن جرفاس: أن عيسى ابن مريم قال: "رأس الخطيئة حب الدنيا، والنساء حبالة الشيطان، والخمر جماع كل شر" (^٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عمر بن سعد أبو داود الحفري عن سفيان قال: كان عيسى بن مريم يقول: "حب الدنيا أصل كل خطيئة، والمال فيه داء كبير"، قالوا: وما داؤه؟ قال: "لا يسلم صاحبه (^٣) من الفخر والخيلاء"، قالوا: فإن سلم؟ قال: "يشغله إصلاحه عن ذكر اللَّه ﷿ (^٤) ".
قالوا: وذلك معلوم بالتجربة والمشاهدة؛ فإن حبّها يدعو إلى كل خطيئة ظاهرة وباطنة، ولا سيما خطيئة يتوقف تحصيلها عليها، فيُسكِر
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٥٠١) عن الحسن مرفوعًا. وقال البيهقي: لا أصل له من حديث النبي ﷺ. وقال ابن تيمية: ليس له إسناد معروف. "الفتاوى": (١٨/ ١٢٣). وحكم عليه الألباني بالوضع في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" برقم (١٢٢٦).
(٢) "الزهد" رقم (٤٧٤)، وهو من زوائد عبد اللَّه بن أحمد.
(٣) زيادة من الزهد، وليست في الأصل.
(٤) "الزهد" رقم (٤٧٥). ورواه ابن أبي الدنيا في "الزهد": (٤٣) وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٣٨٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٤٥٨) وفي "الزهد": (١٣٤)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ٤٢٩).
[ ٤٢٤ ]
عاشقَها حبُّها عن علمه بتلك الخطيئة وقبحها وعن كراهتها واجتنابها، وحبها يوقع في الشبهات ثم في المكروهات ثم في المحرمات، وطالما أوقع في الكفر.
بل جميع الأمم المكذبة لأنبيائهم إنما حملهم على كفرهم وهلاكهم حب الدنيا، فإن الرسل لما نهوهم عن الشرك والمعاصي التي كانوا يكتسبون بهما الدنيا، حملهم حبها على مخالفتهم وتكذيبهم، فكل خطيئة في العالم أصلها حب الدنيا.
ولا تنسَ خطيئة الأبوين قديمًا، فإنما كان سببها حب الخلود في الدنيا.
ولا تنسَ ذنب إبليس، وسببه حب الرياسة التي محبتها شرٌّ من محبة الدنيا.
وبسببها كفر فرعون وهامان وجنودهما وأبو جهل وقومه واليهود.
فحب الدنيا والرياسة [هو الذي عمر النار بأهلها، والزهد في الدنيا والرياسة هو الذي عمر الجنة بأهلها. والسكر بحب الدنيا] (^١) أعظم من السكر بشرب الخمر بكثير، وصاحب هذا السكر لا يفيق منه إلا في ظلمة اللحد، ولو انكشف عنه غطاؤه في الدنيا لعلم ما كان فيه من السكر وأنه أشد من سكر الخمر، والدنيا تسحر العقول أعظم سحر.
قال الإمام أحمد: حدثنا سيار حدثنا جعفر سمعت مالك بن دينار يقول: "اتقو السحّارة، فإنها تسحر قلوب العلماء" (^٢).
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، وأثبته من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) "الزهد" ص: ٢٥٩ طبعة محمد عبد السلام شاهين. ورواه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٣٩)، وأبو نعيم في "حلية =
[ ٤٢٥ ]
وقال يحيى بن معاذ الرازي: "الدنيا خمر الشيطان، من سكر منها فلا يفيق إلا في عسكر الموتى نادمًا (^١) بين الخاسرين" (^٢).
وأقل ما في حبها أنه يُلهي عن حب اللَّه وذكره، ومن ألهاه ماله عن ذكر اللَّه فهو من الخاسرين. وإذا لهى القلب عن ذكر اللَّه سكنه الشيطان وصرفه حيث أراد، ومن فقهه في الشرّ أنه يرضيه ببعض أعمال الخير ليريه أنه يعمل فيها الخير وقد تعبد لها قلبه، فأين يقع ما يفعله من البر مع تعبده لها وقد لعنه رسول اللَّه ﷺ ودعا عليه فقال: "لُعِنَ عبد الدينار والدرهم" (^٣)؟!
وقال: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، إن أعطي رضي، وإن منع سخط" (^٤). وهذا تفسير منه ﷺ، وبيان لعبوديتها.
وقد عُرضت الدنيا على النبي ﷺ بحذافيرها، وتعرضت له فدفع في صدرها باليدين، وردّها على عقبيها.
ثم عرضت بعده على أصحابه وتعرضت لهم، فمنهم من سلك سبيله ودفعها عنه وهم القليل، ومنهم من استعرضها وقال: ما فيك؟
_________________
(١) = الأولياء" (٢/ ٣٦٤) و(٦/ ٢٨٧).
(٢) في الأصل: "نادمين". والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
(٣) لم أجده مسندا. وذكره عنه: ابن الجوزي في "صفوة الصفوة" (٤/ ٩٨)، والثعالبي في "ثمار القلوب" ص ٧٧.
(٤) رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٧٥)، من حديث أبي هريرة ﵁، وقال: "حديث حسن غريب من هذا الوجه".
(٥) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٢٨٨٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٤٢٦ ]
قالت: فيَّ الحلال والشبهة والمكروه والحرام، فقالوا: هاتِ حلالك ولا حاجة لنا فيما عداه فأخذوا حلالها.
ثم تعرضت لمن بعدهم فطلبوا حلالها وحده فقالت: قد ذهب به من قبلكم. فأخذوا مكروهها وشبهها.
ثم تعرضت لمن بعدهم فطلبوا حلالها فلم يجدوه، فطلبوا شُبَهَهَا ومكروهها، فقالت: قد أخذه من كان من قبلكم، قالوا: فهاتِ حرامك فأخذوه. فطلبه من بعدهم، فقالت: هو في أيدي الظلمة، قد استأثروا به عليكم، فتحيلوا على تحصيله منهم بالرغبة والرهبة، فلا يمد فاجر يده إلى شيء من الحرام إلا وجد أفجر منه وأقوى قد سبقه إليه.
هذا وكلهم ضيوف وما بأيديهم عارية، كما قال ابن مسعود: "ما أصبح أحد في الدنيا إلا ضيف وماله عارية، فالضيف مرتحل، والعارية مؤداة" (^١).
قالوا: وإنما كان حب الدنيا رأس الخطايا، ومفسدًا للدين من وجوه:
أحدها: أن حبها يقتضي تعظيمها، وهي حقيرة عند اللَّه، ومن أظهر (^٢) الذنوب تعظيم ما حقّر اللَّه.
وثانيها: أن اللَّه تعالى لعنها ومقتها وأبغضها إلا ما كان له فيها، ومن
_________________
(١) رواه أحمد في "الزهد" رقم (٩٠٦)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٣٤٥٥٧)، وابن أبي الدنيا في "قصر الأمل" رقم (١٧٣)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ١٣٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٦٤٤).
(٢) في النسخ الثلاث الأخرى: "أكبر".
[ ٤٢٧ ]
أحب ما لعنه اللَّه ومقته وأبغضه فقد تعرّض للفتنة ومقته وغضبه.
وثالثها: أنه إذا أحبّها صيّرها غايته وتوسل إليها بالأعمال التي جعلها اللَّه وسائل إليه وإلى الدار الآخرة، فعكس الأمر، وقلب الحكمة فانتكس قلبُه، وانعكس سيره إلى وراء.
فهاهنا أمران:
أحدهما: جعل الوسيلة غاية.
والثاني: التوسّل بأعمال الآخرة إلى الدنيا.
وهذا شرٌّ معكوس من كل وجه، وقلب منكوس غاية الانتكاس، وهذا هو الذي انطبق عليه (^١) قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: ١٥، ١٦]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾ [الإسراء: ١٨]، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [الشورى: ٢٠].
فهذه ثلاث آيات يشبه بعضها بعضًا، وتدل على معنى واحد، وهو: أن من أراد بعمله الدنيا وزينتها دون اللَّه والدار الآخرة، فحظه ما أراد وهو نصيبه ليس له نصيب غيره، والأحاديث عن رسول اللَّه ﷺ مطابقة لذلك مفسرة له، كحديث أبي هريرة في الثلاثة الذين أول ما تسعّر بهم
_________________
(١) بعد هذه الكلمة في النسخ الثلاث: "حذو القذة بالقذة".
[ ٤٢٨ ]
النار: المغازي، والمتصدق، والقارئ، الذين أرادوا بذلك الدنيا. وهو في "صحيح مسلم" (^١).
وفي "سنن النسائي" عن أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه رجل غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: "لا شيء له"، فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول اللَّه ﷺ: "لا شيء له"، ثم قال: "إن اللَّه تعالى لا يقبل إلّا ما كان خالصًا وابتُغي به وجهه" (^٢).
فهذا قد بطل أجره وحبط عمله مع أنه قصد حصول الأجر؛ لما ضم إليه قصد الذكر بين الناس، فلم يخلص عمله للَّه فبطل كله.
وفي "مسند الإمام أحمد" عن أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه الرجل يريد الجهاد في سبيل اللَّه وهو يبتغي عرض الدنيا، فقال رسول اللَّه ﷺ: "لا أجر له" فأَعظَمَ الناسُ ذلك، وقالوا للرجل: عُد لرسول اللَّه ﷺ لعله لم يفهم، فعاد فقال: يا رسول اللَّه الرجل يريد الجهاد في سبيل اللَّه وهو يبتغي عرض الدنيا، فقال رسول اللَّه ﷺ: "لا أجر له" ثم أعاد الثالثة فقال رسول اللَّه ﷺ: "لا أجر له" (^٣).
_________________
(١) "صحيح مسلم" رقم (١٩٠٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) "سنن النسائي" رقم (٣١٤٠). وحسنه العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (٤/ ٣٢٥). والألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٥٢).
(٣) "المسند" (٢/ ٢٩٠). ورواه أبو داود في "سننه" رقم (٢٥١٦). وصححه ابن حبان حيث أخرجه في "صحيحه" برقم (٤٦٣٧)، وصححه =
[ ٤٢٩ ]
وفي "المسند" أيضًا و"سنن النسائي" عن عبادة بن الصامت أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من غزا في سبيل اللَّه ﷿ وهو لا ينوي في غزاته إلا عقالًا فله ما نوى" (^١).
وفي "المسند" و"السنن" عن يعلي بن منية قال: كان النبي ﷺ يبعثني في سرايا فبعثني ذات يوم في سرية، وكان رجلًا يركب بغلًا، فقلت له: ارحل، فإن النبي ﷺ قد بعثني في سرية، فقال: ما أنا بخارج معك حتى تجعل لي ثلاثة دنانير، ففعلت، فلما رجعت من غزاتي ذكرت ذلك لرسول اللَّه ﷺ، فقال: النبي ﷺ: "ليس له من غزاته هذه ومن دنياه وآخرته إلا ثلاثة دنانير" (^٢).
وفي "سنن أبي داود" أن عبد اللَّه بن عمرو قال: يا رسول اللَّه أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال: "يا عبد اللَّه بن عمرو إن قاتلت صابرًا محتسبًا بعثك اللَّه صابرًا محتسبًا، وإن قاتلت مرائيًا مكاثرًا بعثك اللَّه مرائيًا مكاثرًا، يا عبد اللَّه بن عمرو على أي حال قاتلت أو قُتلت بعثك اللَّه على تلك
_________________
(١) = الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٨٥)، ووافقه الذهبي.
(٢) "المسند" (٥/ ٣١٥)، و"سنن النسائي" رقم (٣١٣٨). وصححه ابن حبان حيث أخرجه في "صحيحه" برقم (٤٦٣٨)، وصححه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ١٠٩)، ووافقه الذهبي.
(٣) "المسند" (٤/ ٢٢٣)، و"سنن أبي داود" رقم (٢٥٢٧). وصححه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ١١٢) على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وإنما جعل يعلى هذه الدنانير للرجل، لأنه أراده أجيرًا يكفيه ويُجري له سهمه، فأبى ذلك الرجل إلا أن يسمي له يعلى أجرًا محددًا ورفض السهم، كما جاء ذلك موضّحًا في سياق أبي داود.
[ ٤٣٠ ]
الحال" (^١).
وفي "المسند" و"السنن" عن أبي أيوب قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنها ستفتح عليكم الأمصار، وتضربون فيها بعوثًا، فيكره الرجل منكم البعث، فيخلص من قومه، ويعرض نفسه على القبائل يقول: من أكفيه بعث كذا وكذا؟ ألا وذلك الأجير إلى آخر قطرة من دمه" (^٢).
فانظر محبة الدنيا ماذا حرمت هذا الجاهل (^٣) المجاهد من الأجر، وأفسدت عليه عمله، وجعلته أول الداخلين إلى النار.
فصل
ورابعها: أن محبتها تعترض (^٤) بين العبد وبين فعل ما يعود عليه نفعه في الآخرة لاشتغاله عنه بمحبوبه.
والناس هاهنا مراتب:
فمنهم: من يشغله محبوبه عن الإيمان وشرائعه.
_________________
(١) "سنن أبي داود" رقم (٢٥١٩). وصححه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٨٥ - ٨٦)، ووافقه الذهبي.
(٢) "المسند" (٥/ ٤١٣)، و"سنن أبي داود" رقم (٢٥٢٥). والراوي عن أبي أيوب هذا الحديث هو ابن أخيه، قال عنه الترمذي في "جامعه" بعد الحديث رقم (٢٥٤٤): "وأبو سورة هو: ابن أخي أبي أيوب، يُضعّف في الحديث؛ ضعفه يحيى بن معين جدًّا. وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: أبو سورة هذا منكر الحديث، يروي مناكير عن أبي أيوب لا يتابع عليها". وانظر "تهذيب التهذيب" لابن حجر (١٢/ ١٢٤).
(٣) هذه الكلمة محتملة في الأصل لأن تكون: "الجاهر"، واللَّه أعلم.
(٤) الأصل: "تعرض".
[ ٤٣١ ]
ومنهم: من يشغله عن الوجبات التي تجب عليه للَّه ولخلقه، فلا يقوم بها ظاهرًا ولا باطنًا.
ومنهم: من يشغله حبها عن كثير من الواجبات.
ومنهم: من يشغله عن واجب يعارض تحصيلها وإن قام بغيره.
ومنهم: من يشغله عن القيام بالواجب في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي، فيفرّط في وقته وفي حقوقه.
ومنهم: من يشغله عن عبودية قلبه في الواجب وتفريغه للَّه عند أدائه، فيؤديه ظاهرًا لا باطنًا، وأين هذا في عشاق الدنيا ومحبيها؟! هذا من أندرهم.
وأقل درجات حبها أن يشغل عن أعظم سعادة العبد، وهو تفريغ قلبه لحب اللَّه، ولسانه لذكره، وجمع قلبه على لسانه، ولسانه وقلبه (^١) على ربه.
فعشقها ومحبتها تضرّ بالآخرة ولا بد، كما أن محبة الآخرة تضرّ بالدنيا، وفي هذا حديث قد روي مرفوعًا: "من أحب دنياه أضرّ بآخرته، [ومن أحب آخرته أضرّ بدنياه] (^٢)، فآثروا ما يبقى على ما يفنى" (^٣).
_________________
(١) كلمة: "وقلبه" ليست في الأصل، وإنما أثبتها من (م) و(ب).
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الأخرى. ووقع الأصل: "آخرته".
(٣) رواه أحمد في "المسند" (٤/ ٤١٢)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣٠٨)، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، وصححه الحاكم، وخالفه =
[ ٤٣٢ ]
فصل
وخامسها: أن محبتها تُجعل أكبر همّ العبد، وقد روى الترمذي في جامعه من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "من كانت الآخرة أكبر همّه جعل اللَّه غناه في قلبه وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همّه جعل اللَّه فقره بين عينيه، وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدّر له" (^١).
وسادسها: أن محبّها أشد الناس عذابًا، وهو معذب في دُوره الثلاث؛ يعذّب في الدنيا بتحصيلها والسعي فيها ومنازعة أهلها، وفي دار البرزخ بفواتها والحسرة عليها وكونه قد حيل بينه وبين محبوبه على وجه لا يرجو اجتماعه به أبدًا، ولم يحصل له هناك محبوب يعوّضه عنه، فهو أشد الناس عذابًا في قبره، يعمل الهمّ والغمّ والحزن والحسرة في روحه ما تعمل الديدان وهوام الأرض في جسمه.
كما قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثنا عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه: "أن حزقيل كان ممن سبى بختنصر"، فذكر عنه حديثًا طويلًا وفي آخره، قال: "فبينا أنا نائم على شطّ الفرات إذ أتاني ملك فأخذ برأسي فاحتملني حتى وضعني بقاع من الأرض، قد كانت معركة، قال: وإذا فيه عشرة آلاف قتيل قد بدّدت الطير والسباع لحومهم وفرّقت أوصالهم. قال لي: إن
_________________
(١) = الذهبي بقوله: "فيه انقطاع".
(٢) "جامع الترمذي" رقم (٢٤٦٥). وحسنه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٩٤٩).
[ ٤٣٣ ]
قومًا يزعمون أنه من مات منهم أو قتل فقد انفلت مني وذهبت عنه قدرتي، فادعهم. قال حزقيل: فدعوتهم فإذا كلُّ عظم قد أقبل إلى مفصله الذي انقطع منه، ما الرجل بصاحبه بأعرف من العظم بمفصله الذي فارق، حتى أمّ بعضها بعضًا، ثم نبت عليها اللّحم ثم نبتت العروق ثم انبسطت الجلود، وأنا انظر إلى ذلك، ثم قال: ادع أرواحهم، قال: فدعوتها، فإذا كل روح قد أقبل إلى جسده الذي فارق، فلما جلسوا سألتهم: فيما كنتم؟ قالوا: إنا لما متنا وفارقنا الحياة لقينا ملك فقال: هلمّوا أعمالكم وخذوا أجوركم، كذلك سنّتنا فيكم وفيمن كان قبلكم وفيمن هو كائن بعدكم، قال: فنظر في أعمالنا فوجدنا نعبد الأوثان فسلّط الدود على أجسادنا وجعلت الأرواح تألمه، وسلّط الغمّ على أرواحنا وجعلت أجسادنا تألمه، فلم نزل كذلك نعذّب حتى دعوتنا" (^١). ولا يستريح عاشق الدنيا.
فقولهم: "كنا نعبد الأوثان"، فسيان عبادة الأثمان وعبادة الأوثان؛ تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم.
والمقصود: أن محب الدنيا معذّب في قبره ومعذّب يوم لقاء ربه.
قال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
قال بعض السلف: "يعذبهم بجمعِها، وتزهق أنفسهم بحبّها، وهم كافرون بمنع حق اللَّه فيها".
_________________
(١) "الزهد" رقم (٤٢٥).
[ ٤٣٤ ]
فصل
وسابعها: أن عاشقها ومحبها الذي يؤثرها على الآخرة من أسفه الخلق وأقلّهم عقلًا (^١)، إذ آثر الخيال على الحقيقة، والمنام على اليقظة، والظل الزائل على النعيم الدائم، والدار الفانية على الدار الباقية، وباع حياة الأبد في أرغد عيش بحياة إنما هي
أحلامُ نومٍ أو كظلٍّ زائلٍ … إنّ اللبيبَ بمثلها لا يُخدَعُ (^٢)
كما نزل أعرابي بقوم فقدّموا له طعامًا فأكل، ثم قام إلى ظل خيمة فنام، فاقتلعوا الخيمة فأصابته الشمس، فانتبه وهو يقول:
وإن امرأً دنياه أكبرُ همّه … لَمستمسكٌ منها بحبل غرورِ (^٣)
وكان بعض السلف يتمثل بهذا البيت:
يا أهلَ لذّاتِ دنيا لا بقاء لها … إن اغترارًا بظلّ زائل حمق (^٤)
_________________
(١) في الأصل بعد هذه الكلمة زيادة: "ومحبها الذي يؤثرها". وحذفها أصوب، وهو بذلك يوافق النسخ الثلاث الأخرى، واللَّه أعلم.
(٢) من أربعة أبيات لعمران بن حطّان الخارجي في "روضة العقلاء" لابن حبان ص (٢٨٧).
(٣) نسب هذا البيت لهاتف من الهواتف في: "الهواتف" لابن أبي الدنيا رقم (٨٨)، و"ذم الدنيا" له أيضًا رقم (٢٦) وهو يشبه بيتًا للشويعر الحنفي -وقد أنشده له ثعلب- صدره: وإن الذي يمسي ودنياه همّه انظر: "المؤتلف والمختلف" للآمدي ص (٢١٠).
(٤) روى ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٢٤)، عن الحسن بن على أنه كان كثيرًا ما ينشده.
[ ٤٣٥ ]
قال يونس بن عبد الأعلى: "ما شبّهت الدنيا إلا كرجل نام فرأى في منامه ما يكره وما يحبّ، فبينا هو كذلك انتبه" (^١).
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو على الطائي حدثنا عبد الرحمن المحاربي عن ليث قال: رأى عيسى ابن مريم الدنيا في صورة عجوز عليها من كل زينة، فقال لها: كم تزوّجت؟ قالت: لا أحصيهم، قال: فكلُّهم مات عنك أو كلهم طلّقك؟ قالت: بل كلُّهم قتلتُه. فقال عيسى: "بؤسًا لأزواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين كيف تهلكينهم واحدًا واحدًا، ولا يكونوا منك على حذر" (^٢).
أرى أشقياء الناس لا يسأمونها … على أنهم فيها عراة وجُوَّعُ
أراها وإن كانت تُحَبّ فإنها … سحابة صيف عن قليل تَقشّعُ (^٣)
أشبه الأشياء بالدنيا الظلّ، تحسب له حقيقة ثابتة وتحسبه ساكنًا، وهو في تقلّص وانقباض، وتتبعه لتدركه فلا تلحقه.
وأشبه الأشياء بها السراب ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ [النور: ٣٩].
وأشبه الأشياء بها المنام يرى فيه العبد ما يحب وما يكره، فإذا
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٢١)، عن يونس بن عبيد. فلعل ما وقع هنا من نسبته ليونس بن عبد الأعلى خطأ، واللَّه أعلم.
(٢) "ذم الدنيا" رقم (٢٧).
(٣) البيتان لعمران بن حطان الخارجي، انظرهما في: "ذم الدنيا" لابن أبي الدنيا رقم (١٩٠) و(٢٤٠)، و"حلية الأولياء" (٦/ ٣٧٣ - ٣٧٤)، و"تاريخ دمشق" (٤٣/ ٤٩٧).
[ ٤٣٦ ]
استيقظ علم أن ذلك لا حقيقة له.
وأشبه الأشياء بها امرأة عجوز شوهاء قبيحة المنظر والمخبر، غدّارة بالأزواج، تزيّنت للخُطّاب بكل زينة، وسترت كل قبيح، فاغتر بها من لم يجاوز بصره ظاهرها، فطلب النكاح، فقالت: لا مهر إلا نقد الآخرة، فإنا ضرّتان واجتماعنا غير مأذون فيه ولا مستباح. فآثر الخاطب العاجلة وقال: ما على من واصل حبيبته من جناح، فلما كشف قناعها وحلّ إزارها إذا كل آفة وبليّة، فمنهم من طلّق واستراح، ومنهم من اختار المقام فما استتمت ليلة عرسه إلا بالعويل والصّياح، تاللَّه لقد أذّن مؤذنها على رؤوس الخلائق بحيّ على غير الفلاح، فقام المجتهدون والمصلّون لها فواصلوا في طلبها الغدوّ بالرّواح، وسروا ليلهم فلم يحمد القوم السرى عند الصباح، طاروا في صيدها فما رجع أحد منهم إلا وهو مكسور الجناح، فوقعوا في شبكتها فأسلمتهم للذّبّاح.
قال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن علي بن شقيق حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض قال: قال ابن عباس: "يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها بادية مشوّه خلقها، فتشرف على الخلائق، فيُقال: تعرفون هذه؟ فيقولون: نعوذ باللَّه من معرفة هذه. فيُقال: هذه الدنيا التي تشاجرتم عليها، بها تقاطعتم الأرحام، وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم، ثمّ تُقذف في جهنّم فتقول: يا رب أين أتباعي وأشياعي. فيقول اللَّه ﷿: ألحقوا بها أتباعها وأشياعها" (^١).
_________________
(١) "ذم الدنيا" رقم (١٢٣). ورواه ابن الأعرابي في "الزهد وصفة الزاهدين" رقم (٧٠)، والبيهقي =
[ ٤٣٧ ]
قال ابن أبي الدنيا: وحدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا روح بن عبادة حدثنا عوف عن أبي العلاء (^١) قال: "رأيت في النوم عجوزًا كبيرة عليها من كل زينة الدنيا، والناس عكوف عليها متعجّبون ينظرون إليها، فجئت فنظرت فعجبت من نظرهم إليها وإقبالهم عليها، فقلت لها: ويلك من أنت؟ قالت: أما تعرفني؟ قلت: لا، قالت: أنا الدنيا. قال: قلت: أعوذ باللَّه من شرّك. قالت: فإن أحببت أن تعاذ من شرّي فأبغض الدرهم" (^٢).
قال ابن أبي الدنيا: وحدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا سفيان بن عيينة قال: قال لي أبو بكر بن عياش: رأيت الدنيا (^٣) عجوزًا مشوّهة شمطاء تصفّق بيديها، وخلفها خلق يتبعونها ويصفّقون ويرقصون، فلما كانت بحذائي أقبلت عليّ فقالت: لو ظفرتُ بك صنعت بك ما صنعتُ بهؤلاء. ثم بكى أبو بكر (^٤).
_________________
(١) = في "شعب الإيمان" رقم (١٠٦٧١).
(٢) هو حيان بن عمير القيسي، الجُرَيْري، أبو العلاء البصري، من أوساط التابعين، توفي قبل المائة. انظر: "تقريب التهذيب" ص (٢٨١).
(٣) "ذم الدنيا" رقم (٢٨). وهذا الأثر بعينه مروي عن العلاء بن زياد العدوي، رواه عنه: ابن أبي الدنيا في "المنامات" رقم (١٠٣)، وابن أبي شيبة في "المصنف" رقم (٣٠٥١٨)، (٣٥٦٦٣)، وأحمد في "الزهد" رقم (١٤٢٩)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤)، والمزي في "تهذيب الكمال" (٢٢/ ٥٠١).
(٤) في النسخ الثلاث بعد هذه الكلمة: "في النوم".
(٥) "ذم الدنيا" رقم (٢٩)، (٣٠). ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٨/ ٣٠٤).
[ ٤٣٨ ]
قال: وحدثنا محمد بن على حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل قال: "بلغني أن رجلًا عُرج بروحه، قال: فإذا بامرأة على قارعة الطريق عليها من كل زينة الحليّ والثياب، وإذا هي لا يمرّ بها أحد إلا جرحته، وإذا هي أدبرت كانت أحسن شيء رآه الناس، وإذا أقبلت أقبح شيء: عجوزًا شمطاء زرقاء عمشاء، فقلت: أعوذ باللَّه. قالت: لا واللَّه، لا يُعيذك اللَّه حتى تبغض الدرهم. قال: قلت: من أنتِ؟ قالت: أنا الدنيا" (^١).
ووصف عليٌّ ﵁ الدنيا فقال: "دارٌ من صحّ فيها أمن، ومن سقم فيها ندم، ومن افتقر فيها حزن، ومن استغنى فيها فتن (^٢)، في حلالها الحساب، وفي حرامها النار" (^٣).
وقال ابن مسعود: "الدنيا دارُ من لا دارَ له، ومالُ من لا مالَ له، ولها يَجمع من لا عقل له (^٤) " (^٥).
_________________
(١) "ذم الدنيا" رقم (١٢٤).
(٢) في الأصل: "أمن فتن". وحَذفتُ كلمة: "أمن" ليوافق النسخ الثلاث ومصدر التخريج.
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (١٨). ورواه أيضًا في "ذم الدنيا" رقم (١٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٦٢٢)، عن على: "حلالها حساب، وحرامها النار".
(٤) "له" ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٥) رواه أحمد في "الزهد" رقم (٨٨٣)، وابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (١٦)، وابن أبي شيبة في "المصنف" رقم (٣٥٧٠٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٦٣٧). وحكم الألباني بانقطاع سنده في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (٤/ ٤٠٦). وروي مرفوعًا من حديث عائشة ﵂. رواه أحمد في "المسند" =
[ ٤٣٩ ]
وذكر ابن أبي الدنيا: أن الحسن كتب إلى عمر بن عبد العزيز: "أما بعد: فإن الدنيا دارُ ظعن ليست بدار إقامة، وإنما نزل آدم إليها عقوبة، فاحذرها يا أمير المؤمنين، فإن الزاد منها تركها، والغنى فيها فقرها. لها في كل حين قتيل، تذل من أعزّها، وتفقر من جمعها. وهي كالسمّ أكلَه من لا يعرفه [ليشفيه] (^١) وهو حتفه، فكن فيها كالمداوي جراحاته يحتمي قليلًا مخافة (^٢) ما يكره طويلًا، ويصبر على شدّة الدواء مخافة طول البلاء. فاحذر هذه الدار الغرّارة الختّالة الخدّاعة التي قد تزيّنت بخدعها وفتنت بغرورها، وختلت بآمالها، وتشوّفت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلوّة، فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة. فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر بالأول (^٣) مزدجر، والعارف باللَّه تعالى حين أخبره عنها مدكر. فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغترّ وطغى، ونسي المعاد، فشغل فيها لبّه، حتى زلّت عنها قدمه، فعظمت ندامته، وكبرت حسرته، واجتمعت عليه سكرات الموت وألمه، وحسرات الفوت ونغصه، فذهب منها بكمده ولم يدرك ما طلب، ولم يرح نفسه من التعب، فخرج بغير زاد، وقدم على غير مهاد، فاحذرها يا أمير المؤمنين. وأسرّ ما تكون فيها أَحْذَر ما تكون لها، فإن صاحب الدنيا
_________________
(١) = (٦/ ٧١)، وابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (١٨٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٦٣٨). وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" برقم (١٩٣٣).
(٢) ليست في الأصل، ولا في سائر النسخ، وأثبتها من "ذم الدنيا".
(٣) في الأصل: "ما يخافه"، بدل: "مخافة"، والمثبت من النسخ الأخرى.
(٤) في الأصل: "ولا الأول بالآخر"، والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ٤٤٠ ]
كما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه، السّارّ فيها غدًا ضارٌّ، وقد وصل الرخاء منها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء، فسرورها مشوب بالحزن. لا يرجع منها إلى ما ولّى فأدبر، ولا يدرى ما هو آت فينتظر، أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعيشها نكد. فلو كان الخالق لها لم يخبر عنها خبرًا، ولم يضرب لها مثلًا، لكانت قد أيقظت النائم، ونبّهت الغافل، فكيف وقد جاء من اللَّه ﷿ عنها زاجر، وفيها واعظ، فما لها عند اللَّه ﷿ قدر ولا وزن، وما نظر إليها منذ خلقها. ولقد عرضت على نبينا ﷺ بمفاتيحها وخزائنها لا تنقصه عند اللَّه جناح بعوضة فأبى أن يقبلها، كره أن يحب ما أبغض خالقُه، أو يرفع ما وضع مليكه، فزواها عن الصالحين اختبارًا، وبسطها لأعدائه اغترارًا، فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها، ونسي ما صنع اللَّه بمحمد ﷺ حين شدّ الحجر من بطنه" (^١).
وقال الحسن أيضًا: "ابن آدم لا تعلِّق قلبك بالدنيا، فتعلِّقه بشرّ معلَّق، قطّع حبالها، وغلّق أبوابها، حسبك يا ابن آدم منها ما يبلغك المحل" (^٢).
وكان يقول: "إن قومًا أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب، فأهينوها، فأهنأ ما تكون إذا أهنتموها، هيهات هيهات ذهبت الدنيا، وبقيت الأعمال قلائد في الأعناق! " (^٣).
_________________
(١) "ذم الدنيا" رقم (٢٩٣). ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٣١٣ - ٣١٤). ورواه أبو نعيم أيضًا في (٢/ ١٣٤ - ١٣٩) بأطول مما هاهنا ومع اختلاف وتقديم وتأخير.
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٤٠٥).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٤٨٩).
[ ٤٤١ ]
وقال المسيح: "لا تتخذوا الدنيا ربًّا فتتخذكم الدنيا عبيدًا. اعبروها ولا تعمروها، واعلموا أن أصل كل خطيئة حب الدنيا، ورب شهوة أورثت أهلها حزنًا طويلًا. ما سكنت الدنيا في قلب عبد إلا التاط قلبُه منها بثلاث: شغل لا ينفك عناؤه، وفقر لا يدرك غناؤه، وأمل لا يدرك منتهاه. الدنيا طالبة مطلوبة، فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل فيها رزقه، وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يجيء الموت فيأخذ بعنقه. يا معشر الحواريين ارضوا بدنيء الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بدنيء الدين مع سلامة الدنيا" (^١).
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا هارون بن عبد اللَّه حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا مالك بن دينار قال: قال أبو هريرة: "الدنيا موقوفة (^٢) ما بين
_________________
(١) أقوال المسيح ﵊ التي ساقها الإمام ابن القيم ﵀ هنا هي أقوال مفرقة، قد جمعها الإمام ابن القيم في سياق واحد، وهي كالتالي: • قوله: "لا تتخذوا الدنيا ربًّا فتتخذكم الدنيا عبيدًا". رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٣١). • وقوله: "اعبروها. . . حزنًا طويلًا". رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٣٢)، (٣٣)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٨/ ١٤٥)، (١٤٥ - ١٤٦)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ٤٢٦)، (٤٢٨)، (٤٢٩). • وأما قوله: "ما سكنت الدنيا. . . فيأخذ بعنقه". فقد رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٣٥)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ٤٢٩). • وأما قوله: "يا معشر الحواريين ارضوا. . . سلامة الدنيا". فقد رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٤٤٩)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ٤٤١).
(٢) في الأصل محتملة هذه الكلمة لـ "مرقوفة"، وعلى كلّ حال فالمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ٤٤٢ ]
السماء والأرض منذ خلقها إلى يوم يفنيها، تنادي ربها: يا رب لم تبغضني؟ فيقول: اسكتي يا لا شيء، اسكتي يا لا شيء" (^١).
وقال الفضيل: "تجيء الدنيا يوم القيامة تتبختر في زينتها ونضرتها، فتقول: يا رب اجعلني لأحسن عبادك دارًا، فيقول: لا أرضاك له، أنت لا شيء فكوني هباء منثورًا" (^٢).
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٣٦٠).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (١٢٥).
[ ٤٤٣ ]