فمنها البكاء على الميت:
ومذهب أحمد وأبي حنيفة جوازه قبل الموت وبعده، واختاره أبو إسحاق الشيرازي (^١).
وكرهه الشافعي وكثير من أصحابه بعد الموت، ورخصوا فيه قبل خروج الروح (^٢).
واحتجوا بحديث جابر بن عتيك: أن رسول اللَّه ﷺ جاء يعود عبد اللَّه ابن ثابت فوجده قد غُلب، فصاح به فلم يجبه، فاسترجع وقال: "غُلبنا عليك يا أبا الربيع"، فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال رسول اللَّه ﷺ: "دَعْهن، فإذا وجب فلا تبكين باكية" قالوا: وما الوجوب يا رسول اللَّه؟ قال: "الموت". رواه أبو داود والنسائي (^٣).
_________________
(١) انظر لمذهب الحنفية: "بدائع الصنائع" (١/ ٣١٠). ولمذهب الحنابلة: "الإنصاف" للمرداوي (٢/ ٥٦٧). وانظر لاختيار الشيرازي: "التنبيه" له ص ٥٣.
(٢) انظر لكراهة الشافعي ذلك: "الأم" (١/ ٢٧٩). ومذهب الشافعية جواز البكاء قبل الموت وبعده، وقبله أولى. انظر: "روضة الطالبين" (٢/ ١٤٥).
(٣) "سنن" أبي داود رقم (٣١١١)، و"المجتبى" للنسائي رقم (١٨٤٦). وصححه ابن حبان فأخرجه في "صحيحه" حديث رقم (٣١٨٩)، وصححه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٥٢)، ووافقه الذهبي.
[ ١٨٩ ]
قالوا: وفي "الصحيحين" من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إن الميت ليعذَّب ببكاء أهله عليه" (^١).
وهذا إنما هو بعد الموت، وأما قبله فلا يُسمّى ميتًا.
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ لما قدم من أُحُد سمع نساء بني عبد الأشهل يبكين على هلكاهن، فقال: "لكن حمزة لا بواكي له" فجئن نساء الأنصار، فبكين على حمزة عنده، فاستيقظ فقال: "ويحهن أتين هاهنا يبكين حتى الآن، مُروهن فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم". رواه الإمام أحمد (^٢).
وهذا صريح في نسخ الإباحة المتقدمة.
والفرق بين ما قبل الموت وبعده: أنه قبل الموت يرجي فيكون البكاء عليه حذرًا، فإذا مات انقطع الرجاء وأبرم القضاء فلا ينفع البكاء.
قال المجوزون: قال جابر: أُصيب أبي يوم أحد فجعلت أبكي، فجعلوا ينهونني ورسول اللَّه ﷺ لا ينهاني، فجعلت عمّتي فاطمة تبكي، فقال النبي ﷺ: "تبكين أو لا تبكين، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه". متفق عليه (^٣).
وفي "الصحيحين" أيضًا عن ابن عمر قال: اشتكى سعد بن عبادة
_________________
(١) "صحيح البخاري" رقم (١٢٨٦)، و"صحيح مسلم" رقم (٩٢٨).
(٢) "مسند أحمد" (٢/ ٨٤). ورواه ابن ماجه في "سننه" رقم (١٥٩١). وصححه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٩٥) على شرط مسلم، ووفقه الذهبي، وصححه الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٢٠).
(٣) "صحيح البخاري" رقم (١٢٤٤)، و"صحيح مسلم" رقم (٢٤٧١).
[ ١٩٠ ]
شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد اللَّه بن مسعود، فلما دخل عليه وجده في غشية فقال: قد قضى؟ فقالوا: لا يا رسول اللَّه، فبكى رسول اللَّه ﷺ، فلما رأي القوم بكاءه بكوا، فقال: "ألا تسمعون، إن اللَّه لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم" (^١).
وفي "الصحيحين" أيضًا من حديث أسامة بن زيد ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ انطلق إلى إحدى بناته ولها صبيٌّ في الموت، فرُفع إليه الصبيُّ ونفسه تقعْقَع كأنها شنّة، ففاضت عيناه، فقال سعد: ما هذا يا رسول اللَّه؟ قال: "هذه رحمة جعلها اللَّه في قلوب عباده، وإنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء" (^٢).
وفي مسند الإمام أحمد من حديث ابن عباس ﵄ قال: ماتت رقية ابنة رسول اللَّه ﷺ فبكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فقال النبي ﷺ: "دعهن يا عمر يبكين، وإياكن ونعيق الشيطان" ثم قال: "إنه مهما كان من العين ومن القلب فمن اللَّه ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان" (^٣).
_________________
(١) "صحيح البخاري" رقم (١٣٠٤)، و"صحيح مسلم" رقم (٩٢٤). ووقع في الأصل: "ألا تسمعوا".
(٢) "صحيح البخاري" رقم (١٢٨٤)، و"صحيح مسلم" رقم (٩٢٣).
(٣) "المسند" (١/ ٣٣٥). قال البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٧٠): "وهذا وإن كان غير قوي فقوله ﷺ في الحديث الثابت عنه: "إن اللَّه لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم"، يدل على معناه ويشهد له بالصحة وباللَّه التوفيق". =
[ ١٩١ ]
وفي "المسند" أيضًا عن عائشة: أن سعد بن معاذ لما مات حضره رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄، قالت: "فوالذي نفسي بيده إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتي" (^١).
وفي "المسند" أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: مُرَّ على النبي ﷺ بجنازة يُبكى عليها وأنا معه، ومعه عمر بن الخطاب، فانتهر عمر اللاتي يَبكين عليها، فقال النبي ﷺ: "دعهن يا ابن الخطاب، فإن النفس مصابة، وإن العين دامعة، والعهد قريب" (^٢).
وفي "جامع الترمذي" عن جابر بن عبد اللَّه قال: أخذ النبي ﷺ بيد عبد الرحمن بن عوف، فانطلق إلى ابنه إبراهيم فوجده يجود بنفسه، فأخذه النبي ﷺ فوضعه في حِجره فبكى، فقال له: أتبكي، أولم تكن نَهيت عن البكاء؟ قال: "لا، ولكن نَهَيْتُ عن صوتين أحمقين فاجرين؛ صوت عند مصيبة: خمشِ الوجوه (^٣)، وشقَّ الجيوب، ورنّةِ الشيطان". قال الترمذي: هذا حديث حسن (^٤).
وقد صح عنه ﷺ: "أنه زار قبر أمه فبكى، وأبكى من
_________________
(١) = وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (١٧١٥).
(٢) "المسند" (٦/ ١٤١ - ١٤٢) ضمن حديث طويل. وحسنه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم ٦٧.
(٣) "المسند" (٢/ ٣٣٣). ورواه النسائي في "المجتبى" رقم (١٨٥٩)، وابن ماجه في "سننه" رقم (١٥٨٧). وصححه ابن حبان حيث أورده في صحيحه برقم (٣١٥٧).
(٤) في (ب): "الوجه".
(٥) "جامع الترمذي" رقم (١٠٠٥).
[ ١٩٢ ]
حوله" (^١).
وصح عنه: "أنه قبَّل عثمان بن مظعون حتى سالت دموعه على وجهه" (^٢).
وصح عنه: "أنه نعى جعفرًا وأصحابه وعيناه تذرفان" (^٣).
وصح عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قبَّل النبي ﷺ وهو ميت وبكى (^٤).
فهذه اثنا عشر (^٥) حجة تدل على عدم كراهة البكاء، فتعين حمل أحاديث النهي على البكاء الذي معه ندب ونياحة، ولهذا جاء في بعض ألفاظ حديث عمر (^٦): "الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه" (^٧) وفي بعضها: "يعذب بما نيح عليه" (^٨).
وقال البخاري في "صحيحه": قال عمر: دعهن يبكين على أبي سليمان -يعني: خالد بن الوليد- ما لم يكن نقع أو لقلقة. والنقع:
_________________
(١) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٩٧٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه أبو داود في "سننه" رقم (٣١٦٣)، والترمذي في "جامعه" رقم (٩٨٩) وقال: "حسن صحيح"، وابن ماجه في "سننه" رقم (١٤٥٦) من حديث عائشة ﵂.
(٣) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٣٦٣٠).
(٤) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (١٢٤١)، (١٢٤٢).
(٥) كذا في الأصول، والوجه: اثنتا عشرة.
(٦) في الأصل: "ابن عمر"، وهو سهو. والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
(٧) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (١٢٨٧)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٩٢٧).
(٨) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (١٢٩١)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٩٢٧).
[ ١٩٣ ]
التراب على الرأس (^١). واللقلقة: الصوت (^٢).
وأما دعوى النسخ في حديث حمزة فلا يصح؛ لأن معناه: لا يبكين على هالك بعد اليوم من قتلى أحد.
ويدل على ذلك أن نصوص الإباحة أكثرها متأخرة عن غزوة أحد، منها: حديث أبي هريرة إذ إسلامه وصحبته كانا في السنة السابعة. ومنها البكاء على جعفر وأصحابه، وكان استشهادهم في السنة الثامنة. ومنها البكاء على زينب وكان موتها في الثامنة أيضًا (^٣). ومنها البكاء على سعد بن معاذ وكان موته في الخامسة. ومنها البكاء عند قبر أمه ﷺ وكان عام الفتح في الثامنة.
وقولهم: إنما جاز قبل الموت حذرًا، بخلاف ما بعد الموت.
جوابه: أنّ الباكي قبل الموت يبكي حزنًا، وحزنه بعد الموت أشد، فهو أولى برخصة البكاء من الحالة التي يرجو (^٤) فيها، وقد أشار ﷺ إلى ذلك بقوله: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب،
_________________
(١) "على الرأس"، ساقطة من الأصل، واستدركتها من: (م) و(ن).
(٢) "صحيح البخاري" قبل الحديث (١٢٩١) تعليقًا.
(٣) الأحاديث السابقة واللاحقة في هذه الفقرة فد سبق تخريجها. أما بكاء النبي ﷺ على زينب، فلم أقف عليه. وقد توفيت ﵂ في السنة الثامنة كما قال المصنف. انظر: "الإصابة" لابن حجر (٧/ ٦٦٥). والوارد أنه بكي على ابنة زينب، وذلك في "صحيح البخاري" رقم (٥٦٥٥) و"صحيح مسلم" رقم (٢٤٧١). واسمها أمامة. انظر: "فتح الباري" لابن حجر (٣/ ١٨٦).
(٤) في النسخ الثلاث الأخرى: "يرجى".
[ ١٩٤ ]