هذه مسألة كثر (^١) فيها النزاع بين الفقراء والأغنياء، واحتجت كل طائفة على الأخرى بما لم يمكنها دفعه من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار، ولذلك يظهر للمتأمل تكافؤ الطائفتين، فإن كلًّا منهما أَدْلت بحجج لا تُدفع، والحق لا يعارض بعضه بعضًا، بل يجب اتباع موجب الدليل أين كان (^٢).
وقد أكثر الناس الكلام في المسألة من الجانبين، وصنفوا فيها من الطرفين، وتكلم فيها الفقهاء والفقراء والأغنياء والصوفية وأهل الحديث والتفسير؛ لشمول معناها وحقيقتها للناس كلهم.
وحكوا عن الإمام أحمد فيها روايتين ذكرهما أبو الحسين في كتاب "التمام" فقال: مسألةٌ: الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر في أصح الروايتين.
وفيه رواية ثانية: الغني الشاكر أفضل. وبها قال جماعة منهم ابن قتيبة.
وجه الأولى -اختارها أبو إسحاق بن شاقِلا والوالدُ السعيد-: قوله
_________________
(١) في الأصل: "أكثر". والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) في الأصل العبارة: "اتباع موجب الدليلين كان". وفي (م): "اتباع الدليل أين كان". والمثبت: "اتباع موجب الدليل أين كان"، هو من: (ب) و(ن).
[ ٣٣٨ ]
تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥].
قال محمد بن على بن الحسين (^١): ﴿الْغُرْفَةَ﴾ الجنة. ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ قال: على الفقر في الدنيا (^٢).
وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "اللهم أحْيِني مسكينًا، وأمِتْني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة"، فقالت عائشة: ولم يا رسول اللَّه؟ قال: "إنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفًا، يا عائشة لا تردّي المسكين ولو بشق تمرة، يا عائشة أحِبّي المساكين وقرّبيهم، فإن اللَّه يقرّبك يوم القبامة" (^٣). (^٤)
قلت: لا حجة له في واحدة من الحجتين:
- أما الآية فإن الصبر فيها يتناول صبر الشاكر على طاعة اللَّه ﷿، وصبره عن معصيته، وصبر المبتلى بالفقر وغيره على بلائه. ولو كان المراد بها الصبر على الفقر وحده لم يدل على رجحانه على الشكر، فإن القرآن كما دل على جزاء الصابرين دل على جزاء الشاكرين أيضًا،
_________________
(١) هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر الباقر ثقة فاضل. انظر: "تقريب التهذيب" ص (٨٧٩).
(٢) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٣٤٧)، (٣/ ١٨٢)، (٨/ ٢٩٧). وذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (١٣/ ٥٦).
(٣) رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٥٢)، وقال: "حديث غريب". ورواه ابن ماجه في "سننه" رقم (٤١٢٦)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، دون قول عائشة ﵂ وما بعده. وبهذا القدر صححه الألباني في "الإرواء": (٣/ ٣٥٨).
(٤) "التمام" (٢/ ٣٠٢) لأبي الحسين بن أبي يعلى الحنبلي.
[ ٣٣٩ ]
كما قال تعالى: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)﴾ [آل عمران: ١٤٥]، ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤].
بل قد أخبر أن رضاه في الشكر، ورضاه أكبر من جزائه بالجنات وما فيها، وإذا جزى اللَّه الصابرين الغرفة بما صبروا لم يدل ذلك على أنه لا يجزي الشاكرين الغرفة بما شكروا.
- وأما الحديث فلا حجة فيه لوجهين:
أحدهما: أنه لا يحتج بإسناده، فإنه من حديث ثابت بن محمد الكوفي عن الحارث بن النعمان، والحارث هذا لم يحتج به أصحاب الصحيح، بل قال فيه البخاري: منكر الحديث. ولذلك لم يصحح الترمذي حديثه هذا ولا حسَّنه ولا سكت عنه، بل حكم بغرابته (^١).
الجواب الثاني: أن الحديث لو صح لم يدل على مطلوبهم؛ فإن المسكنة التي يحبها اللَّه من عبده ليست مسكنة فقر المال، بل مسكنة القلب وهي انكساره وذله وخشوعه وتواضعه للَّه، وهذه المسكنة لا تُنافي الغِنى ولا يُشترط لها الفقر، فإن انكسار القلب للَّه ومسكنته لعظمته وجلاله وكبريائه وأسمائه وصفاته أفضل وأعلى من مسكنة عدم المال، كما أن صبر القادر الواجد عن معاصي اللَّه طوعًا واختيارًا وخشية من اللَّه ومحبة له أعلى من صبر الفقير العاجز.
وقد آتى اللَّه سبحانه جماعة من أنبيائه ورسله الغنى والملك، ولم يخرجهم ذلك عن المسكنة للَّه.
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا الجريري عن أبي
_________________
(١) كما سبق، وانظر قول البخاري في "الضعفاء الصغير" له ص (٢٨).
[ ٣٤٠ ]
السليل (^١) قال: "كان داود النبي ﷺ يدخل المسجد فينظر أغمص (^٢) حلقة من بني إسرائيل فيجلس إليهم، ثم يقول: مسكين بين ظهراني مساكين" (^٣)، هذا مع ما آتاه اللَّه من الملك والغنى والبسطة زيادة على النبوة.
قال أبو الحسين: روى أبو برزة الأسلمي قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إن فقراء المسلمين ليدخلون الجنة قبل أغنيائهم بمقدار أربعين خريفًا حتى يتمنى أغنياء المسلمين يوم القيامة أنهم كانوا فقراء في الدنيا" (^٤). (^٥)
قلت: هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ من رواية جماعة من الصحابة منهم: أبو هريرة، وعبد اللَّه بن عمرو، وجابر بن عبد اللَّه، ويُروى عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك (^٦).
_________________
(١) هو ضُريب بن نُقير أبو السليل القيسي الجُريري، ثقة. انظر: "تقريب التهذيب" ص (٤٥٩).
(٢) أي أحقر مكان. انظر: "لسان العرب" (٧/ ٦١).
(٣) "الزهد" للإمام أحمد رقم (٣٧٩).
(٤) رواه الروياني في "مسنده" رقم (٧٧٠) من طريق نفيع بن الحارث عن أبي برزة به. والحديث أورده الديلمي في "الفردوس" رقم (٨٨٣). ونفيع هذا هو نفيع بن الحارث أبو داود الأعمى، متروك. انظر: "الكامل" لابن عدي (٧/ ٥٩ - ٦١).
(٥) "التمام" (٢/ ٣٠٣).
(٦) أما حديث أبي هريرة فقد سبق ص (٣٠٠). وحديث عبد اللَّه بن عمرو سبق ص (٣١١). وحديث جابر سبق ص (٣١١). =
[ ٣٤١ ]
ولا يدل ذلك على علو درجتهم إذا دخلوا الجنة قبل الأغنياء، بل إنما يدل على السبق لعدم ما يحاسبون عليه، ولا ريب أن وليّ الأمر العادل يتأخر دخوله للحساب وكذلك الغني الشاكر، ولا يلزم من تأخر دخولهما نزول درجتهما عن درجة الفقير كما تقدم (^١).
وأما تمني الأغنياء أنهم كانوا فقراء، فإن صحت هذه اللفظة (^٢) لم تدل على انحطاط درجتهم، كما يتمنى القاضي العادل في بعض المواطن يوم القيامة أنه لم يقضِ بين اثنين في تمرة لما يرى من شدة الأمر؛ فمنزلة الفقر والخمول منزلة السلامة، ومنزلة الغنى والولاية منزلة الغنيمة أو العطب.
قال أبو الحسين: وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قام في أصحابه فقال: "أي الناس خير؟ " فقال بعضهم: غني يعطي حق نفسه وماله، فقال النبي ﷺ: "نِعْمَ الرجل هذا وليس به، ولكن خير الناس
_________________
(١) = وحديث أنس سبق ص (٣٤٢). أما حديث أبي سعيد الخدري، فرواه أبو داود في "سننه" رقم (٣٦٦٦)، بلفظ: "أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذاك خمس مائة سنة". وفيه قصة. ورواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٥١)، وقال: "حديث حسن غريب من هذا الوجه"، وابن ماجه في "سننه" رقم (٤١٢٣)، ولفظ الترمذي: "فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمس مائة سنة". ولفظ ابن ماجه: "إن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بمقدار خمس مائة سنة".
(٢) ص (٣٠٠، ٣٠١).
(٣) وهي التي جاءت في حديث أبي برزة السابق، وسبق بيان ضعف الحديث.
[ ٣٤٢ ]
مؤمن فقير يعطي على جهد" (^١). (^٢)
قلت: لم يذكر لهذا الحديث إسنادًا فينظر فيه، وحديث لا يعلم حاله لا يُحتج به، ولو صح لم يكن فيه دليل؛ لأنه تضمن تفضيل فقير يتصدق من جهده فمعه صبر الصابرين وغنى الشاكرين، فقد جمع بين موجبي التفضيل وسببيه، ولا ريب أن هذا أفضل الأقسام الثلاثة، ودرهمه الواحد يسبق مائة ألف درهم من غيره، كما قال رسول اللَّه ﷺ: "سبق درهم ممائة ألف درهم" قالوا: يا رسول اللَّه وكيف يسبق درهم مائة ألف؟ قال: "رجل كان له درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به، وآخر له مال كثير فأخذ من عرضه مائة ألف فتصدق بها".
رواه النسائي من حديث صفوان بن عيسى حدثنا ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة (^٣).
وذكر البيهقي من حديث الثوري عن أبي إسحاق عن الحارث عن على قال: جاء ثلاثة نفر إلى النبي ﷺ فقال أحدهم: كانت لي مائة أوقية فتصدقت منها بعشر [أواق، وقال الآخر: كانت لي مائة دينار فتصدقت منها بعشرة] (^٤) دنانير، وقال الآخر: كانت لي عشرة دنانير فتصدقت منها
_________________
(١) رواه ابن عدي في "الكامل" (٤/ ٢٣٨) في ترجمة عبد اللَّه بن دينار البهراني، من طريقه عن نافع عن ابن عمر به. وعبد اللَّه بن دينار هذا ضعيف كما في "الكامل" وفي "تقريب التهذيب" ص ٥٠٤.
(٢) "التمام" (٢/ ٣٠٣).
(٣) "سنن النسائي المجتبى" رقم (٢٥٢٨). وصححه ابن خزيمة فأخرجه في "صحيحه" رقم (٢٤٤٣)، وابن حبان فأخرجه في "صحيحه" رقم (٣٣٤٧).
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من (ب) و(ن).
[ ٣٤٣ ]
بدينار، فقال: "كلكم في الأجر سواء، كلكم قد تصدّق بعشر ماله" (^١).
وقال أبو سعيد بن الأعرابي حدثنا ابن أبي العوام حدثنا يزيد بن هارون حدثنا أبو الأشهب عن الحسن قال: قال رجل لعثمان بن عفان ذهبتم يا أصحاب الأموال بالخير تتصدقون وتعتقون وتحجون وتنفقون، فقال عثمان: "وإنكم لتغبطوننا؟ قال: إنا لنغبطكم، قال: فواللَّه لدرهم ينفقه أحد من جهد خير من عشرة آلاف درهم غيض من فيض" (^٢).
وفي "سنن أبي داود" من حديث الليث عن أبي الزبير عن يحيى بن جعدة عن أبي هريرة أنه قال: يا رسول اللَّه أي الصدقة أفضل؟ قال: "جهد المقل، وابدأ بمن تعول" (^٣).
وفي "المسند" و"صحيح ابن حبان" من حديث أبي ذر قال قلت: يا رسول اللَّه أي الصدقة أفضل؟ قال: "جهد من مقل" (^٤).
وفي "سنن النسائي" من حديث على الأزدي (^٥) عن عبيد بن عمير
_________________
(١) "السنن الكبرى" للبيهقي (٤/ ١٨٢)، و"شعب الإيمان" رقم (٣٤٥٥). ورواه أحمد في "المسند" (١/ ١١٤). والحارث -راويه عن علي- ضعيف. انظر: "تقريب التهذيب" ص ٢١١.
(٢) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٣٤٥٦) من طريق ابن الأعرابي به. وأخرجه ابن المبارك في "الزهد" رقم (٧٧٠)، عن الحسن به.
(٣) "سنن أبي داود" رقم (١٦٧٧). وصححه ابن خزيمة فأخرجه في "صحيحه" رقم (٢٤٤٤)، وابن حبان فأخرجه في "صحيحه" رقم (٣٣٤٦).
(٤) "مسند أحمد" (٥/ ١٧٨)، و"صحيح ابن حبان" رقم (٣٦١). وضعفه الألباني في "إرواء الغليل" (٣/ ٤١٥).
(٥) في الأصل وسائر النسخ: "الأوزاعي". والتصويب من "سنن النسائي".
[ ٣٤٤ ]
عن عبد اللَّه بن حُبشي أن النبي ﷺ سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان لا شك فيه، وجهاد لا غلول فيه، وحجة مبرورة" قيل: فأي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القيام" قيل: فأي الصدقة أفضل (^١)؟ قال: "جهد من مقل" قيل: فأي الهجرة أفضل؟ قال: "من هجر ما حوم اللَّه عليه" قيل: فأي الجهاد أفضل؟ قال: "من أهريق دمه وعقر جواده" (^٢).
وهذه الأحاديث كلها تدل على أن صدقة جهد المقل أفضل من صدقة كثير المال ببعض ماله الذي لا يتبين أثر نقصانه عليه وإن كان كثيرًا؟ لأن الأعمال عند اللَّه تتفاضل بتفاضل ما في القلوب لا بكثرتها وصورها، بل بقوة الداعي وصدق الفاعل وإخلاصه وإيثار اللَّه على نفسه.
فأين صدقة من آثر اللَّه على نفسه برغيف هو قوته إلى صدقة من أخرج مائة ألف درهم من بعض ماله غيضًا من فيض؟! فرغيف هذا ودرهمه في الميزان أثقل من مائة ألف هذا، واللَّه المستعان.
فصل
واحتجوا بما رواه ابن عدي من حديث سليمان بن عبد الرحمن حدثنا خالد بن يزيد عن أبيه عن عطاء سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "اللهم توفني فقيرًا، ولا توفني غنيًّا" (^٣).
_________________
(١) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) "سنن النسائي" رقم (٢٥٢٦). ورواه أبو داود في "سننه" (١٤٤٩). وقوى إسناده ابن حجر في "الإصابة" (٤/ ٥٢).
(٣) "الكامل" (٣/ ١٢).
[ ٣٤٥ ]
وهذا الحديث لا يصح، فإن خالد بن يزيد هذا هو خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الدمشقي، أجمعوا على ضعفه وعدم الاحتجاج بحديثه، قال أحمد: ليس بشيء. وقال ابن معين: واه. ونسبه يحيى إلى الكذب، وقد تقدم الكلام فيه (^١).
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة (^٢)، فقال: قد تنازع كثير من المتأخرين في الغني الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل، فرجّح هذا طائفة من العلماء والعباد، ورجح هذا طائفة من العلماء والعباد، وحُكي في ذلك عن الإمام أحمد روايتان.
وأما الصحابة والتابعون فلم ينقل عنهم تفضيل أحد الصِّنفين على الآخر.
وقد قالت طائفة ثالثة: ليس لأحدهما على الآخر فضيلة إلا بالتقوى، فأيهما كان أعظم إيمانًا وتقوى كان أفضل، فإن استويا في ذلك استويا في الفضيلة.
قال: وهذا أصحّ الأقوال؛ لأن نصوص الكتاب والسنة إنما تُفضِّل بالإيمان والتقوى، وقد قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥].
وقد كان في الأنبياء والسابقين الأولين من الأغنياء من هو أفضل من أكثر الفقراء، وكان فيهم من الفقراء من هو أفضل من أكثر
_________________
(١) ص (٣٠٧، ٣٠٨).
(٢) وانظر كلام شيخ الإسلام في هذه المسألة في "مجموع الفتاوى" (١١/ ٢١ - ٢٢، ١٢٢ - ١٣٢، ١٩٥ - ١٩٦).
[ ٣٤٦ ]
الأغنياء، والكاملون يقومون بالمقامين فيقومون بالشكر والصبر على التمام كحال نبينا ﷺ، وحال أبي بكر وعمر ﵄.
ولكن قد يكون الفقر لبعض الناس أنفع والغنى لآخرين أنفع، كما تكون الصحة لبعضهم أنفع والمرض لبعضهم أنفع، كما في الحديث الذي رواه البغويُّ وغيره عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎: "إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك، إني أدبّر عبادي، إني خبير بصير" (^١).
وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء" (^٢).
وفي الحديث الآخر لما علّم الفقراء الذكر عقب الصلوات سمع بذلك الأغنياء فقالوا مثل ما قالوا، فذكروا ذلك للنبى ﷺ فقال: " ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [لحديد: ٢١] " (^٣).
_________________
(١) "شرح السنة" للبغوي (٥/ ٢١ - ٢٣). ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الأولياء" رقم (١)، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣١٨)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" رقم (٢٣١)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" رقم (٢٧). وضعفه. وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم ١٧٧٥.
(٢) سبق تخريجه ص (٣٠٠، ٣٤٤).
(٣) أخرجه مسلم وقد سبق ص (٣٠١).
[ ٣٤٧ ]
فالفقراء يتقدمون في دخول الجنة لخفّة الحساب عليهم، والأغنياء يؤخرون لأجل الحساب، ثم إذا حوسب أحدهم فإن كانت حسناته أعظم من حسنات الفقراء كانت درجته في الجنة فوقه، وإن تأخر في الدخول.
كما أن السبعين ألفًا الذين (^١) يدخلون الجنة بغير حساب -ومنهم عكاشة بن محصن (^٢) - قد يدخل الجنة بحساب من يكون أفضل من أحدهم في الدرجات، لكن أولئك استراحوا من تعب الحساب.
وهذا في الفقراء المذكورين (^٣) في الكتاب والسنة وهو ضدّ الغنى الذي يبيح أخذ الزكاة أو الذي لا يوجب الزكاة.
ثم قد صار في اصطلاح كثير من الناس: الفقر عبارة عن الزهد والعبادة والأخلاق. ويسمون من اتصف بذلك فقيرًا وإن كان ذا مال، [ومن لم يتصف بذلك قالوا: ليس بفقير وإن لم يكن له مال،] (^٤) وقد يسمى هذا المعنى تصوفًا.
ومن الناس من يفرق بين مسمى الفقير والصوفي، ثم من هؤلاء من يجعل مسمى الفقير أفضل، ومنهم من يجعل مسمى الصوفي أفضل.
والتحقيق في هذا الباب: أنه لا ينظر إلى الألفاظ المحدثة بل
_________________
(١) ساقطة من الاْصل، واستدركتها من النسخ الأخرى.
(٢) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٥٨١١)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢١٦) من حديث أبي هريرة.
(٣) كذا في الأصول، وفي بعض المطبوعات: "في الفقر المذكور. . " وهو أوجه للسياق.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الأخرى.
[ ٣٤٨ ]
يُنظر إلى ما جاء به الكتاب والسنة من الأسماء والمعاني، واللَّه قد جعل وصف أوليائه الإيمان والتقوى، فمن كان نصيبه من ذلك أعظم، كان أفضل، ولا اعتبار بما سوى ذلك، واللَّه أعلم.
[ ٣٤٩ ]