لما كان الصبر حبسَ اللسان عن الشكوى إلى غير اللَّه، والقلب عن التسخط، والجوارح عن اللطم وشقّ الثياب ونحوها، كان ما يضاده واقعًا على هذه الجملة.
فمنه الشكوى إلى المخلوق، فإذا شكا العبد ربه إلى مخلوق مثله فقد شكا من يرحمه إلى من لا يرحمه، ولا تضاده الشكوى إلى اللَّه كما تقدم (^١) من شكاية يعقوب إلى اللَّه مع قوله ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨، ٨٣].
وأما إخبار المخلوِق بالحال، فإن كان للاستعانة بإرشاده أو معاونته والتوصل إلى زوال ضرَرِه لم يقدح ذلك في الصبر، كإخبار المريض بشَكاتِه (^٢)، وإخبار المظلوم لمن ينتصر به بحاله، وإخبار المبتلى ببلائه لمن يرجو أن يكون فرجه على يديه.
وقد كان النبي ﷺ إذا دخل على المريض يسأله عن حاله ويقول: "كيف تجدك" (^٣)، وهذا استخبار منه واستعلام لحاله.
وأما الأنين فهل يقدح في الصبر، فيه روايتان عن الإمام أحمد (^٤).
_________________
(١) تقدم ذلك ص (٢٤، ٩٢ - ٩٣).
(٢) العبارة في النسخ الثلاث الأخرى: "كإخبار المريض للطيب بشكايته".
(٣) رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٩٨٣) وقال: "حديث حسن غريب"، وابن ماجه في "سننه" رقم (٤٢٦١) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (٣/ ٣٦٠)، والإنصاف (٢/ ٤٦٤).
[ ٥٢٣ ]
قال أبو الحسين (^١): أصحهما الكراهة؛ لما روي عن طاوس: أنه كان يكره الأنين في المرض (^٢). وقال مجاهد: كل شيء يكتب على ابن آدم مما يتكلم به حتى أنينه في مرضه (^٣) (^٤)
قال هؤلاء: ولأن الأنين شكوى بلسان الحال ينافي الصبر.
وقال عبد اللَّه بن أحمد: قال (^٥) لي أبي في مرضه الذي تُوفي فيه: أخرج إلى كتاب عبد اللَّه بن إدريس فأخرجت الكتاب، فقال: أخرج أحاديث ليث بن أبي سليم فأخرجت أحاديث ليث، فقال: اقرأ عليّ حديث ليث. قال: قلت لطلحة: إن طاووسًا كان يكره الأنين في المرض، فما سُمع له أنين حتى مات. فما سمعت أبي أنَّ في مرضه ذلك إلى أن توفي (^٦).
والرواية الثانية: أنه لا يكره، ولا يقدح في الصبر.
قال بكر بن محمد عن أبيه: سئل أحمد عن المريض يشكو ما يجد من الوجع؟ فقال: تعرف فيه شيئًا عن رسول اللَّه ﷺ؟ قال: نعم حديث
_________________
(١) هو القاضي أبو الحسين محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن الفراء الحنبلي.
(٢) رواه: البغوي في "مسند ابن الجعد" رقم (٢٨٢١)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٣٥٤١٢)، وهناد في "الزهد" رقم (٣٩٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٤) و(٥/ ١٨)، وابن الجوزي في "الثبات عند الممات" ص ١٤٤.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (١٠٨٣٠)، وهناد في "الزهد" رقم (١١٠٢).
(٤) "التمام" للقاضي أبي الحسين (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦).
(٥) مكررة في الأصل.
(٦) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٩/ ١٨٣)، عن عبد اللَّه بن أحمد به. ورواه ابن الجوزي في "الثبات عند الممات" ص ١٥٩ - ١٦٠ عن صالح ابن أحمد به إلا أنه قال: "فلم يئن إلا في الليلة التي توفي فيها".
[ ٥٢٤ ]
عائشة "وارأساه! " (^١) وجعل يستحسنه.
قال المروذي: دخلت على أبي عبد اللَّه وهو مريض، فسألته فتغرغرت عينه، وجعل يخبرني ما مرّ به في ليلته من العلة (^٢).
والتحقيق: [أن الأنين] (^٣) على قسمين: أنين شكوى فيكره. وأنين استراحة وتفريج فلا يكره، واللَّه أعلم.
وقد روي في أثر: "إن المريض إذا بدأ بحمد اللَّه ثم أخبر بحاله لم يكن شكوى" (^٤).
وقال شقيق البلخي: "من شكا مصيبة نزلت به إلى غير اللَّه لم يجد في قلبه لطاعة اللَّه حلاوة أبدًا" (^٥).
فصل
والشكوى نوعان:
شكوى بلسان القال.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٧٠).
(٢) انظر لروايتي بكر بن محمد عن أبيه والمروذي: "التمام" (١/ ٢٥٦).
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
(٤) رواه الخلال -كما في "طبقات الحنابلة" (١/ ٢٠٨) - عن ابن مسعود مرفوعًا: "إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاك". ورواه الخطيب في: "تاريخ بغداد" (١٠/ ٢٧٦) من قول محمد بن سيرين: "إذا حمد اللَّه العبد قبل الشكوى لم تكن شكوى".
(٥) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٠٧٤)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٣/ ١٤٤).
[ ٥٢٥ ]
وشكوى بلسان الحال ولعلها أعظمها، ولهذا أمر النبي ﷺ من أنعم عليه أن يظهر أثر نعمة اللَّه عليه، وأعظم من ذلك من يشتكي ربه وهو بخير، فهذا أمقت الخلق عند ربه.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد اللَّه بن يزيد حدثنا كهمس عن عبد اللَّه بن شقيق قال: قال كعب الأحبار: "إن من حسن العمل سبحة الحديث، ومن شر العمل التجديف". قيل لعبد اللَّه: ما سُبحة الحديث؟ قال: سبحان اللَّه وبحمده في خلال الحديث. قيل: فما التجديف؟ قال: يصبح الناس بخير، فيُسألون، فيزعمون: أنهم بشرّ (^١).
فصل
ومما ينافي الصبر: شقّ الثياب عند المصيبة، ولطم الوجه، والضرب بإحدى اليدين على الأخرى، وحلق الشعر، والدعاء بالويل، ولهذا برئ رسول اللَّه ﷺ ممن سلق وحلق وخرق (^٢).
سلق: رفع صوته عند المصيبة، وحلق رأسه، وخرق ثيابه.
_________________
(١) لم أقف عليه للإمام أحمد. والأثر رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٢٩٤٣٣)، (٣٥٠٤٤)، ومن طريقه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٢١). ورواه الطبراني في "الكبير" رقم (٤٩٦) من المجلد ١٧ مرفوعًا من حديث عصمة بن مالك الخطمي. ومعنى "التجديف": كفر النعمة واستقلال العطاء. "النهاية": (١/ ٢٤٧).
(٢) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (١٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري. وهو متفق عليه من حديث أبي موسى بلفظ: "إن رسول اللَّه ﷺ بريء من الصالقة والحالقة والشاقة". "صحيح البخاري" رقم (١٢٩٦)، و"صحيح مسلم" رقم (١٠٤).
[ ٥٢٦ ]
ولا ينافيه البكاء والحزن، قال تعالى عن يعقوب: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾ [يوسف: ٨٤]. قال قتادة: "كظم على الحزن، فلم يقل إلا خيرًا" (^١).
وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ما كان من العين ومن القلب فمن اللَّه والرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان" (^٢).
وقال هشيم عن عبد الرحمن بن يحيى عن حبان بن أبي جبلة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "من بثّ فلم يصبر" (^٣).
وقال خالد بن أبي عثمان: مات ابن لي فرآني سعيد بن جبير مقنّعًا، فقال: "إياك والتقنع؛ فإنه من الاستكانة" (^٤).
وقال بكر بن عبد اللَّه المزني: "كان يُقال: من الاستكانة الجلوس في البيت بعد المصيبة" (^٥).
وقال عبيد بن عمير: "ليس الجزع أن تدمع العين ويحزن القلب، ولكن الجزع القول السيّئ والظن السيّئ (^٦) " (^٧).
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٨٢).
(٢) رواه أحمد في "مسنده" (١/ ٢٣٧). وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" برقم (١٧١٥).
(٣) سبق تخريجه ص (١٨١).
(٤) سبق هذا الأثر ص (١٨٧).
(٥) لم أجده مسندًا. وقد ذكره في "تسلية أهل المصائب" ص (٢١٢).
(٦) في النسخة (ب) بعد هذه الكلمة: "الجملة التالية": "وسئل القاسم بن محمد عن الجزع؟ فقال: القول السيئ والظن السيئ".
(٧) سبق هذا الأثر ص (١٨٦).
[ ٥٢٧ ]
ومات ابن لبعض قضاة البصرة، فاجتمع إليه العلماء والفقهاء، فتذاكروا ما يتبيّن به جزع الرجل من صبره، فأجمعوا: أنه إذا ترك شيئًا مما كان يصنعه فقد جزع (^١).
وقال الحسين بن عبد العزيز الجروي: مات ابن لي نفيس، فقلت لأمه: اتقي اللَّه واحتسبيه واصبري، فقالت: مصيبتي به أعظم من أن أفسدها بالجزع (^٢).
وقال عبد اللَّه بن المبارك: أتى رجل يزيدَ بن يزيد وهو يصلي، وابنه في الموت، فقال: ابنك يقضي وأنت تصلي؟ فقال: إن الرجل إذا كان له عمل يعمله، فتركه يومًا واحدًا كان ذلك خللًا في عمله (^٣).
وقال ثابت: أصيب عبد اللَّه بن مطرف بمصيبة فرأيته (^٤) أحسن شيء شارة وأطيبه ريحًا، فذكرت له ما رأيت منه، فقال: تأمرني يا أبا محمد أن أستكين للشيطان، وأريه أنه قد أصابني سوء، واللَّه يا أبا محمد لو كانت لي الدنيا كلها ثم أخذها مني، ثم سقاني شربة يوم القيامة ما رأيتها ثمنًا لتلك الشربة (^٥).
_________________
(١) سبق هذا الأثر ص (١٨٧).
(٢) سبق هذا الأثر ص (١٨٦).
(٣) لم أجده مسندًا وذكره في "تسلية أهل المصائب" ص (٢١٣).
(٤) أي رأى مطرفًا، والد عبد اللَّه الذي أصيب بمصيبة، وتلك المصيبة هي موت ابنه عبد اللَّه.
(٥) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٧/ ٢٤٤)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ١٩٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠١٧٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥٨/ ٣١٩)، وابن الجوزي في "الثبات عند الممات" ص ٣٩.
[ ٥٢٨ ]
ومما يقدح في الصبر: إظهار المصيبة والتحدث بها، وكتمانها رأس الصبر.
قال الحسن بن الصباح في "مسنده": حدثنا خلف بن تميم حدثنا زافر بن سليمان عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "من البر كتمان المصائب (^١) والأمراض والصدقة، وذكر أنه من بث لم يصبر" (^٢).
وروي من وجه آخر عن أنس يرفعه: "من كنوز البر كتمان المصائب وما صبر من بث" (^٣).
ولما نزل في إحدى عيني عطاء الماء، مكث عشرين سنة لا يعلم به أهله، حتى جاء ابنه يومًا من قبل عينه، فعلم أن الشيخ قد أصيب (^٤).
ودخل رجل على داود الطائي في فراشه فرآه يزحف، فقال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون. فقال: مه لا تُعلم بهذا أحدًا. وقد أُقعد قبل ذلك بأربعة أشهر لم يعلم بذلك أحد (^٥).
وقال مغيرة: شكا الأحنف إلى عمه وجع ضرسه، فكرر ذلك عليه، فقال: ما تكرر على، لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة فما شكوتها إلى أحد (^٦).
_________________
(١) في الأصل: "البر" والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) الحديث سبق تخريجه ص (١٨١).
(٣) لم أجده. وانظر ما سبق ص (١٨١).
(٤) انظر: "تسلية أهل المصائب" ص (٢١٥).
(٥) انظر: "تسلية أهل المصائب" ص (٢١٥).
(٦) رواه أحمد في "الزهد" رقم (١٣٠٦).
[ ٥٢٩ ]
فصل
ويضاد الصبر الهلع، وهو: الجزع عند ورود المصيبة، والمنع عند ورود النعمة قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١].
وهذا تفسير الهلوع قال الجوهري: الهلع: أفحش الجزع، وقد هلِع بالكسر، فهو هَلِعٌ وهلوع، وفي الحديث: "شر ما في العبد شحٌّ هالع، وجبن خالع" (^١) (^٢).
قلت: هنا أمران: أمر لفظي. وأمر معنوي.
فأما اللفظي: فإنه وَصَف الشح بكونه هالعًا والهالع صاحبه، وأكثر ما يُسمى هلوعًا، ولا يُقال: هالع له؛ فإنه لا يتعدى، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه على النسب، كقولهم: ليل نائم، وسرٌّ كاتم، ونهار صائم، ويوم عاصف، كله عند سيبويه على النسب (^٣)، أي: ذو كذا، كما قالوا: تامر، ولابن.
والثاني: أن اللفظة غُيّرت عن بابها للازدواج مع خالع، وله نظائر.
وأما المعنوي: فهو أن الشحّ والجبن أردأ صفتين في العبد، ولا سيما إذا كان شحه هالعًا، أي: مُلق له في الهلع، وجبنه خالعًا، أي: قد
_________________
(١) رواه أبو داود في "سننه" رقم (٢٥١١). من حديث أبي هريرة ﵁. وصححه ابن حبان فأخرجه في "صحيحه" برقم (٢٣٥٠). وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٥٦٠).
(٢) "الصحاح" (٣/ ١٣٠٨).
(٣) انظر: "لسان العرب" (١/ ٧٥٨).
[ ٥٣٠ ]
خلع قلبه من مكانه، فلا سماحة ولا شجاعة، لا نفع بماله ولا ببدنه، كما يُقال: لا طعنة ولا جفنة، ولا يطرد ولا يثرد، بل قد قمعه وصغّره وحقّره ودسّاه (^١) الشخ والخوف والطمع (^٢) والفزع.
وإذا أردت معرفة الهلوع، فهو الذي إذا أصابه الجوع أظهر الاستجاعة وأسرع بها، وإذا أصابه الألم أسرع الشكاية، وإذا أصابه القهر أظهر الاستضامة والاستكانة وباء بها سريعًا.
وإذا أصابه الوجع أسرع الانطراح على جنبه، وأظهر الشكاية. وإذا بدا له مأخذ طمع طار إليه سريعًا. وإذا ظفر به أحلّه من نفسه محل الروح فلا احتمال ولا إفضال.
وهذا كله من صغر النفس ودناءتها، وتدسيتها في البدن وإخفائها وتحقيرها، واللَّه المستعان.
_________________
(١) في الأصل: "وسادة". والتصويب من (م) و(ب). ودساه أي: أخفاه. انظر: "لسان العرب" (١٤/ ٢٥٦).
(٢) في الأصل: "الطمع". بدون واو. والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ٥٣١ ]