الفرق بين هذه الأسماء بحسب حال العبد في نفسه وحاله مع غيره، فإن حبس نفسه ومنعها عن إجابة داعي ما لا يحسن؛ إن كان خُلُقا ومَلَكَة سمي صبرًا. وإن كان بتكلُّف وتمرُّن وتجرُّع لمرارته سمي تصبُّرًا، كما يدل عليه هذا البناء لغة، فإنه موضوع للتكلُّف؛ كالتحلُّم، والتشجُّع، والتكرُّم، والتحمُّل ونحوها.
وإذا تكلفه العبد واستدعاه صار سجية له؛ كما في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "ومن يَتَصَبّر يُصَبّره اللَّه" (^٢).
وكذلك العبد يتكلف التعفف حتى يصير العَفَافُ له سجية، وكذلك سائر الأخلاق.
وهي مسألة اختلف الناس فيها هل يمكن اكتساب الأخلاق أم لا يمكن اكتسابها؟
فقالت طائفة: الخُلق كالخَلْقِ الظاهر لا يمكن اكتساب (^٣) واحد منهما والتخلُّق لا يصير خُلُقًا أبدًا؛ كما قال الشاعر:
_________________
(١) وانظر في الفرق بين الصبر والتصبر: "إحياء علوم الدين" للغزالي (٤/ ٥٩).
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (١٤٦٩)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٠٥٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) من قوله: "الأخلاق أم لا يمكن اكتسابها" في الفقرة السابقة، إلى هنا ساقط من النسخ الثلاث.
[ ٣١ ]
يُراد من القلب نسيانُكم … وتأبى الطباعُ على النّاقِل (^١)
وقال الآخر:
يا أيُّها المتحلّي غيرَ شِيمَته … إن التخلُّقَ يأتي دونه الخُلُق (^٢)
وقال الآخر:
فَضَحَ التطبُّعُ شيمةَ المطبوع (^٣)
قالوا: وقد فرغ اللَّهُ سبحانه من الخَلْق، والخُلُق، والرزق، والأجل.
وقالت طائفة أخرى: بل يمكن اكتساب الخُلُق كما يُكتسَب العقل والحلم والجود والسخاء والشجاعة. والوجود شاهد بذلك.
قالوا: والمُزاولات تُعطي الملَكات.
_________________
(١) البيت للمتنبي. انظر: "ديوان المتنبي" مع الشرح المنسوب إلى العكبري ص: ٢٢.
(٢) البيت هكذا بشطريه في النوادر ٤٨٩ لأبي زيد. و"الكامل" للمبرد (١/ ١٦). منسوبًا إلى سالم بن وابصة، ونُسِبَ للعرجي مُركبًا من بيتين هكذا: يا أيها المتحلي غير شيمته … ومن شمائله التبديل والمَلقُ ارجع إلى خُلقك المعروف ديْدَنُه … إن التخلّق ياتن دونه الخُلُقُ انظر: "البيان والتبيين" للجاحظ (١/ ٢٣٣)، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه (٢/ ٣١٩)، و"الشعر والشعراء" لابن قتيبة ص ٣٨٧.
(٣) عجز بيت للشريف الرضي وصدره: هيهات لا تتكلفن لي الهوى وهو في "ديوانه" (١/ ٦٥٢).
[ ٣٢ ]
ومعنى هذا: أن من زاول شيئًا واعتاده وتمرن عليه صار ملَكةً له وسجية وطبيعة.
قالوا: والعوائدُ تنقل الطّبائع؛ فلا يزال العبد يتكلف التصبُّر حتى يصير الصبر له سجية، كما أنه لا يزال يتكلف الحلم والوقار والسكينة والثبات حتى تصير له أخلاقًا بمنزلة الطبائع.
قالوا: وقد جعل اللَّه سبحانه في الإنسان قوة القبول والتعلم والتهيؤ للكمال (^١)، فنقل الطبائع عن مقتضياتها غير مستحيل، غير أن هذا الانتقالَ قد يكون ضعيفًا فيعود العبد إلى طبعه بأدنى باعث، وقد يكون قويًّا ولكن لم ينتقل الطبع انتقالًا تامًّا (^٢)، فقد يعود إلى طبعه إذا قوي الباعث واشتد، وقد يستحكم الانتقال بحيث يستحدث صاحبُه طبعًا ثانيَا، فهذا لا يكاد يعود إلى طبعه الذي انتقل عنه.
وأما الاصْطبار فهو أبلغ من التصبُّر؛ فإنه افتعال للصبر بمنزلة الاكتساب، فالتصبر مبدأ الاصطبار، كما أن التكسب مقدمة الاكتساب، فلا يزال التصبُّر يتكرر حتى يصير اصطبارًا.
وأما المُصابرة فهي مقاومة الخصم في ميدان الصبر؛ فإنها مفاعلة تستدعي وقوعَها بين اثنين كالمُشاتمة والمُضاربة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]؛ فأمرهم بالصبر وهو حال الصابر في نفسه، والمصابرة وهي حاله في التصبُّر مع خصمه، والمرابطة وهي الثبات واللزوم والإقامة على التصبُّر والمصابرة، فقد
_________________
(١) قوله: "والتهيؤ للكمال" ليس في (ب).
(٢) قوله: "انتقالًا تامًّا" ليس في (ب).
[ ٣٣ ]
يصبر (^١) العبد ولا يصابر، وقد يصابر ولا يرابط، وقد يصبر ويصابر ويرابط من غير تعبُّد بالتقوى، فأخبر سبحانه أن ملاك ذلك (^٢) كله التقوى، وأن الفلاح موقوف عليها فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]؛ فالمرابطة كما أنها لزوم الثغر الذي يُخاف هجوم العدوّ منه في الظاهر، فهي لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان فيزيله عن مملكته.
_________________
(١) في الأصل: "بعد تصبر" وهو تصحيف.
(٢) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الأخرى.
[ ٣٤ ]