قالت الأغنياء: لقد أجلبتم علينا أيها الفقراء بخيل الأدلّة ورجلها، ونحن نعلم أن عندكم مثلها وأكثر من مثلها، ولكن توسطتم بين التطويل والاختصار، وظننتم أنها حكمت لكم بالفضل دون ذوي اليسار، ونحن نحاكم إلى ما حاكمتمونا إليه، ونعرض بضاعتنا على من عرضتم بضاعتكم عليه، ونضع أدلّتنا وأدلّتكم في ميزان الشرع والعقل الذي لا يعول، فحينئذ يتبين لنا ولكم الفاضل من المفضول.
ولكن أخرجوا من بيننا من تشبّه بالفقراء الصادقين الصابرين، ولبس لباسهم على قلب أحرص الناس على الدنيا وأشحّهم عليها وأبعدهم من الفقر والصبر، من كل مظهر للفقر مبطن للحرص غافل عن ربه متبع لهواه مفرّط في أمر معاده، قد جعل زيّ الفقر صناعة (^١)، أو فقيرِ جائحة (^٢)، فقرُه اضطرار لا اختيار، فزهده زهد إفلاس لا زهد رغبة في اللَّه والدار الآخرة، أو فقيرٍ (^٣) يشكو ربه بلسان قاله وحاله غير راض عن ربه في فقره، بل إن أُعطي رضي وإن منع سخط، شديد اللهف على الدنيا والحسرة عليها، وهو أفقر الناس [منها، فهو أرغب شيء] (^٤)
_________________
(١) بعد هذه الكلمة في (م) و(ن): "والتحلي بما هو أبعد الناس منه بضاعته". وفى (ب): "وتحلى بما هو أبعد الناس منه بضاعة".
(٢) في (ب) و(ن): "حاجة". والأمر محتمل.
(٣) في الأصل: فقيرا. والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى، إلا أنه في نسخة (ب): [فيها، فهو أرغب شيء].
[ ٤٨٢ ]
فيها، وهي أزهد شيء فيه.
وأخرجوا من بيننا ذا الثروة الجموع المنوع المتكاثر بماله المستأثر به، الذي قد عضّ عليه بناجذه، وثنى عليه خنصره، يفرح بزيادته ويأسى على نقصانه، فقلبه به مشغوف، وهو على تحصيله ملهوف، إن عرض سوق الإنفاق والبذل أعطى قليلًا وأكدى، وإن دعي إلى الإيثار أمعن في الهرب جدًّا.
وأخلصونا وإخواننا من سباق الطائفتين وسادات الفريقين الذين تسابقوا إلى اللَّه والدار الآخرة بإيمانهم وأحوالهم، ونافسوا في القرب منه بأعمالهم وأموالهم، فقلوبهم عاكفة عليه، وهمتهم المسابقة إليه، ينظر غنيُّهم إلى فقيرهم، فإذا رآه قد سبقه إلى عمل صالح شمّر إلى اللحاق به، وينظر فقيرهم إلى غنيهم فإذا رآه قد فاته بإنفاق في طاعة اللَّه أنفق هو من أعماله وأقواله وصبره وزهده نظير ذلك أو أكثر منه، فهؤلاء إخواننا الذين تكلم الناس في التفضيل بينهم وأيهم أعلى درجة، وأما أولئك فإنما ينظر أيهم تحت الآخر في العذاب وأسفل منه، واللَّه المستعان.
إذا عرف هذا، فقد مدح اللَّه سبحانه في كتابه أعمالًا، وأثنى على أصحابها، ولا تحصل إلا بالغنى، كالزكاة والإنفاق في وجوه البر، والجهاد في سبيل اللَّه بالمال، وتجهيز الغزاة، وإعانة المحاويج، وفكّ الرقاب، والإطعام في زمن المسغبة.
وأين يقع صبر الفقير من فرحة الملهوف المضطر المشرف على الهلاك إذا أعانه الغني ونصره على فقره ومخمصته؟
وأين يقع صبره من نفع الغني بماله في نصرة دين اللَّه وإعلاء كلماته
[ ٤٨٣ ]
وكسر أعدائه؟
وأين صبر أبي ذر على الفقر إلى شكر الصديق ربّه وشرائه المعذبين في اللَّه وإعتاقهم، وإنفاقه على نصرة الإسلام حتى قال رسول اللَّه ﷺ: "ما نفعني مال أحد ما نفعني مال أبي بكر" (^١)؟
وأين يقع صبر أهل الصفة من إنفاق عثمان تلك النفقات العظيمة التي قال له رسول اللَّه ﷺ في بعضها: "ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم " (^٢)، ثم قال: "غفر اللَّه لك يا عثمان ما أسررت، وما أعلنت، وما أخفيت، وما أبديت" أو كما قال (^٣).
وإذا تأملتم القرآن، وجدتم الثناء فيه على المنفقين أضعاف الثناء فيه على الفقراء الصابرين.
_________________
(١) رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٣٦٦١)، وقال: "حسن غريب من هذا الوجه"، وابن ماجه في "سننه" رقم (٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٣٧٠١)، وقال: "حديث حسن غريب من هذا الوجه". من حديث عبد الرحمن بن سمرة.
(٣) هذه الرواية أخرجها أحمد في "فضائل الصحابة" رقم (٨٥٤) من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵁. وللحديث طرق أخرى نحو ما سبق. منها ما أخرجه: ابن عدي في "الكامل" (١/ ٣٤٠) من حديث حذيفة، ثم ضعفه. ومنها ما أخرجه: العقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٤٠٨) من حديث أبي سعيد الخدري. ومنها ما أخرجه أبو نعيم -كما في "كنز العمال" رقم (٣٢٨٤٧) - من حديث أبي موسى الأشعري. ومنها ما أخرجه أحمد في "فضائل الصحابة" رقم (٧٣٦) و(٨٥٣)، وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٤٩) عن حسان بن عطية مرسلًا.
[ ٤٨٤ ]
وقد شهد رسول اللَّه ﷺ بأن اليد العليا خير من اليد السفلى، وفسر اليد العليا بالمعطية، والسفلى بالسائلة (^١).
وقد عدّد اللَّه سبحانه على رسوله من نعمه أن أغناه بعد فقره (^٢)، وكان غناه هو الحالة التي نقله إليها، وفقره الحالة التي نقله منها، وهو سبحانه كان ينقله من الشيء إلى ما هو خير منه.
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ [الضحى: ٤]: إن المراد به الحالتان، أي: كل حالة لك خير مما قبلها، ولهذا عقّبه بقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥]، فهذا يدخل فيه عطاؤه في الدنيا والآخرة.
قالوا: والغنى مع الشكر زيادة فضل ورحمة: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ [البقرة: ١٠٥].
قالوا: والأغنياء الشاكرون سبب لطاعة الفقراء الصّابرين، لتقويتهم إياهم بالصدقة عليهم، والإحسان إليهم، وإعانتهم على طاعتهم، فلهم نصيب وافر من أجور الفقراء، زيادة إلى نصيبهم من أجر الإنفاق وطاعاتهم التي تخصهم، كما في "صحيح ابن خزيمة" من رواية سلمان الفارسي عن النبي ﷺ وذكر شهر رمضان، فقال: "من فطّر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن
_________________
(١) روى البخاري في "صحيحه" رقم (١٤٢٩)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٠٣٣) عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا المنفقة، والسفلى السائلة".
(٢) قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى: ٨].
[ ٤٨٥ ]
ينقص من أجره شيء" (^١).
فقد حاز الغني الشاكر أجر صيامه هو، ومثل أجر الفقير الذي فطّره.
قالوا: ولو لم يكن للغنيّ الشاكر إلا فضل الصدقة التي لما تفاخرت الأعمال كان الفخر لها عليهن، كما ذكر النضر بن شميل عن قرة عن سعيد بن المسيب أنه حدث عن عمر بن الخطاب قال: "ذُكر أن الأعمال الصالحة تتباهى، فتقول الصدقة: أنا أفضلكم" (^٢).
قالوا: والصدقة وقاية بين العبد وبين النار، والمخلص المسرّ بها مستظلٌّ يوم القيامة في ظلّ العرش.
وقد روى عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب (^٣) عن أبي الخير عن عقبة بن عامر عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن الصدقة لتطفئ على أهلها حرّ القبور، وإنما يستظلّ المؤمن يوم القيامة في ظلّ صدقته" (^٤).
_________________
(١) "صحيح ابن خزيمة" رقم (١٨٨٧). وقد روى الترمذي في "جامعه" رقم (٨٠٧)، وابن ماجه في "سننه" رقم (١٧٤٦)، عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "من فطر صائمًا كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا". هذا لفظ الترمذي. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
(٢) رواه ابن خزيمة في "صحيحه" رقم (٢٤٣٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٣٣٢٩). وإخراج ابن خزيمة له في صحيحه تصحيح له. وصححه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٤١٦) على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(٣) في الأصل وفي سائر النسخ: "ويزيد بن أبي حبيب". مكان: "عن يزيد بن أبي حبيب". والتصويب من "المعجم الكبير" و"الكامل".
(٤) رواه الطبراني في "الكبير" رقم (٧٨٧) و(٧٨٨) من المجلد (١٧)، وابن عدي =
[ ٤٨٦ ]
وقال يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة يرفعه: "كل امرئ في ظلّ صدقته حتى يقضى بين الناس". قال يزيد: وكان أبو الخير لا يأتي عليه يوم إلا تصدّق فيه، ولو بكعكة أو بصلة (^١).
وفي حديث معاذ عن النبي ﷺ: "والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار" (^٢).
وروى البيهقي من حديث أبي يوسف القاضي عن المختار بن فلفل عن أنس يرفعه: "باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطى الصدقة" (^٣).
_________________
(١) = في "الكامل" (٢/ ٢١٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٣٣٤٧). وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣/ ١١٠): "رواه الطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام". وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٣٤٨٤).
(٢) رواه أحمد في "المسند" (٤/ ١٤٧)، وابن حبان في "صحيحه" رقم (٣٣١٠)، وابن خزيمة في "صحيحه" رقم (٢٤٣١)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٤١٦). وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. ووافقهما الألباني في "تخريج أحاديث مشكلة الفقر" رقم (١١٨).
(٣) رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٦١٦)، وقال: "حديث حسن صحيح"، وابن ماجه في "سننه" رقم (٣٩٧٣).
(٤) "شعب الإيمان" للبيهقي رقم (٣٣٥٣). ورواه ابن عدي في "الكامل" (٢/ ١٥) و(٣/ ٢٤٨)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٩/ ٣٣٩). قال المنذري في "الترغيب" (١/ ٦٧٢): "رواه البيهقي مرفوعًا وموقوفًا على أنس ولعله أشبه". وقال الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب" رقم (٥٢٢): "ضعيف جدًّا". وله شاهد من حديث علي بن أبي طالب، رواه الطبراني في "الأوسط" رقم =
[ ٤٨٧ ]
وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا تصدّق الرجل بصدقة من كسب طيّب، ولا يقبل اللَّه إلا طيّبًا، أخذها اللَّه بيمينه، فيربّيها لأحدكم كما يربي فلوّه أو فصيله، حتى تكون مثل الجبل العظيم" (^١).
وفي لفظ للبيهقي في هذا الحديث: "حتى إن التمرة أو اللقمة لتكون مثل أحد" (^٢).
وقال محمد بن المنكدر: "من موجبات المغفرة إطعام المسلم السّغبان" (^٣).
وقد روي مرفوعًا من غير وجه (^٤).
_________________
(١) = (٥٦٤٣). قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (١/ ٦٧٢): "رواه الطبراني، وذكره رزين في جامعه، وليس في شيء من الأصول". وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١١٠).
(٢) "صحيح البخاري" رقم (١٤١٠)، و"صحيح مسلم" رقم (١٠١٤) كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) "شعب الإيمان" رقم (٣٤٦٧). وأخرجه أيضًا: ابن حبان في "صحيحه" رقم (٣٣١٦)، وابن خزيمة في "صحيحه" رقم (٢٤٢٥)، والدارمي في "سننه" رقم (١٧١٧).
(٤) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ١٤٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٣٣٦٣). ورواه هناد في "الزهد" رقم (٦٣٤) عن مجاهد قوله. والسغبان هو الجائع. وقيل: لا يكون السّغب إلا مع التعب. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٣٧١).
(٥) روي من حديث جابر بن عبد اللَّه، رواه: الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥٢٤)، =
[ ٤٨٨ ]
وإذا كان اللَّه سبحانه قد غفر لمن سقى كلبًا على شدة ظمئه (^١) فكيف بمن سقى العطاش، وأشبع الجياع، وكسا العراة من المسلمين؟!
وقد قال رسول اللَّه: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة" (^٢)، فجعل الكلم الطيّب عوضًا عن الصدقة لمن لا يقدر عليها.
قالوا: وأين لذّة الصدقة والإحسان، وتفريحهما القلب، وتقويتهما إياه، وما يلقي اللَّه سبحانه للمتصدّقين من المحبة والتعظيم في قلوب عباده والدعاء لهم والثناء عليهم، وإدخال المسرات عليهم، من أجر الصبر على الفقر؟! ونعم إن له لأجرًا عظيمًا، لكن الأجر درجات عند اللَّه.
قالوا: وأيضًا، فالصدقة والإحسان والإعطاء وصف الرب تعالى، وأحب عباده من اتصف بذلك كما قال النبي: "الخلق عيال اللَّه، فأحبهم إليه أنفعهم لعباده" (^٣).
_________________
(١) = وأبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٩٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٣٣٦٦). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وروي أيضًا عن محمد بن المنكدر مرفوعًا مرسلًا، رواه: البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٣٣٦٤).
(٢) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٠٠٩)، ومسلم في "صحيحه" (٢٢٤٤)، كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٥٤٠)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٠١٦) (٦٨)، كلاهما من حديث عدي بن حاتم ﵁.
(٤) رواه أبو يعلى في "مسنده" رقم (٣٣١٥)، والحارث في"مسنده" -كما في "بغية الباحث" رقم (٩١١) -، والبزار في "مسنده" -كما في "كشف =
[ ٤٨٩ ]
قالوا: وقد ذكر اللَّه سبحانه أصناف السعداء؛ فبدأ بالمتصدقين أولهم، فقال: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٨، ١٩] فهؤلاء أصناف السعداء ومقدموهم المصدقين والمصدقات.
قالوا: وفي الصدقة فوائد ومنافع لا يحصيها إلا اللَّه، فمنها: أنها تقي مصارع السوء، وتدفع البلاء حتى إنها لتدفع عن الظالم.
قال إبراهيم النخعي: "كانوا يرون أن الصدقة تدفع عن الرجل الظلوم" (^١).
وتطفئ الخطيئة، وتحفظ المال، وتجلب الرزق، وتفرح القلب، وتوجب الثقة باللَّه وحسن الظن به -كما أن البخل سوء الظن باللَّه- وترغم الشيطان وتزكى النفس وتنميها، وتُحبّبُ العبد إلى اللَّه وإلى خلقه، وتَستُر عليه كل عيب -كما أن البخل يغطي عليه كل حسنة-
_________________
(١) = الأستار" رقم (١٩٤٩) - والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٧٤٤٧)، كلهم من حديث أنس. وضعفه البيهقي بعد روايته له. وضعفه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ١٩١). وله شاهد من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ رواه الطبراني في "المعجم الكبير" رقم (١٠٠٣٣)، وفي "الأوسط" رقم (٥٥٤١)، وابن عدي في "الكامل" (٥/ ١٦٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٧٤٤٨). وضعفه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ١٩١).
(٢) رواه ابن معين في "تاريخه - رواية الدوري" رقم (١٢١٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٣٣٥٢)، (٣٥٥٩).
[ ٤٩٠ ]
وتزيد في العمر، وتستجلب أدعية الناس ومحبتهم، وتدفعُ عن صاحبها عذاب القبر، وتكون عليه ظلًّا يوم القيامة، وتشفع له عند اللَّه، وتهونُ عليه شدائد الدنيا والآخرة، وتدعوه إلى سائر أعمال البر فلا تستعصي عليه، وفوائدها ومنافعها أضعاف ذلك.
قالوا: ولو لم يكن في النفع والإحسان إلا أنه صفة اللَّه سبحانه، وهو سبحانه يحب من اتصف بموجب صفاته وآثارها (^١)، فيُحبّ العليم والجواد والحييّ والسّتّير، والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، ويحب العدل والعفو والرحيم والشكور والبر والكريم، فصفته الغنى والجود، ويحب الغنيّ الجواد.
قالوا: ويكفي في فضل النفع المتعدي بالمال أن الجزاء عليه من جنس العمل، فمن كسا مؤمنًا كساه اللَّه من حلل الجنة، ومن أشبع جائعًا أشبعه اللَّه من ثمار الجنة، ومن سقى ظمآنًا سقاه اللَّه من شراب الجنة، ومن أعتق رقبة أعتق اللَّه بكل عضو منه عضوًا من النار حتى فرجه بفرجه (^٢).
_________________
(١) في الأصل: "وآثاره"، والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) يروى عن النبي ﷺ: "أيما مسلم كسا مسلمًا ثوبًا على عُري كساه اللَّه من خُضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلمًا على جوع، أطعمه اللَّه من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلمًا على ظمأ سقاه اللَّه من الرحيق المختوم". رواه أبو داود في "سننه" رقم (١٦٨٢)، والترمذي في "جامعه" رقم (٢٤٤٩)، وقال: "حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي". أما إعتاق الرقبة، فقد قال ﷺ: "من أعتق رقبة أعتق اللَّه بكل عضو منها عضوًا من أعضائه من النار، حتى فرجه بفرجه". =
[ ٤٩١ ]
ومن يسّر على معسر يسّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه (^١).
قالوا: ونحن لا ننكر فضيلة الصبر على الفقر، ولكن أين تقع من هذه الفضائل؟ وقد جعل اللَّه لكل شيء قدرًا.
قالوا: وقد جعل رسول اللَّه ﷺ الطاعمَ (^٢) الشاكرَ بمنزلة الصائم الصابر (^٣)، ومعلوم أنه إذا تعدّى شكره إلى الإحسان إلى الغير ازداد درجة أخرى؛ فإن الشكر يتضاعف إلى ما لا نهاية له، بخلاف الصبر فإن له حدًّا يقف عنده. وهذا دليل مستقلٌّ في المسألة.
يوضحه: أن الشكر أفضل من الرضى الذي هو أعلى من الصبر، فإذا كان الشاكر أفضل من الراضي الذي هو أفضل من الصابر، كان أفضل من الصابر بدرجتين.
قالوا: وفي "الصحيحين" من حديث الزهري عن سالم عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه
_________________
(١) = رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٧١٥)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٥٠٩)، كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) قال ﷺ: "من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره اللَّه في الدنيا والآخرة، واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث.
(٤) سبق تخريجه ص (٢١٤).
[ ٤٩٢ ]
اللَّه (^١) القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ورجل آتاه اللَّه مالًا فهو ينفقه آناء الليل والنهار" (^٢)، فجعل الغنى مع الإنفاق بمنزلة القرآن مع القيام به.
قالوا: وقد صرّح في حديث أبي كبشة الأنماري (^٣): أن (^٤) صاحب المال إذا عمل في ماله بعلمه، واتقى فيه ربه، ووصل به رحمه، وأخرج منه حق اللَّه فهو بأعلى المنازل عند اللَّه -وهذا صريح في تفضيله- وجعل الفقير الصادق إذا نوى أن يعمل بعمله، وقال ذلك بلسانه، ثانيًا له، وأنه بنيته وقوله وأجرهما سواء، فإن كلًّا منهما نوى خيرًا وعمل ما يقدر عليه، فالغني نواه ونفذه بعمله، والفقير العالم نواه ونفذه بلسانه، فاستويا في الأجر من هذه الجهة.
ولا يلزم من استوائهما في أصل الأجر استواؤهما في كيفيته وتفاصيله، فإن الأجر على العمل والنيّة له مزية على الأجر على مجرد النية التي قارنها القول، ومن نوى الحجّ ولم يكن له مال يحجّ به وإن أثيب على ذلك، فإن ثواب من (^٥) باشر أعمال الحجّ مع النية، له مزيّة عليه.
وإذا أردت فهم هذا، فتأمل قول النبي ﷺ: "من سأل اللَّه الشهادة خالصًا (^٦) من قلبه بلغه اللَّه منازل الشهداء وإن مات على فراشه" (^٧).
_________________
(١) ليست في الأصل، وأثبتها من النسخ الثلاث.
(٢) "صحيح البخاري" رقم (٧٥٢٩)، و"صحيح مسلم" رقم (٨١٥).
(٣) وقد سبق تخريجه ص (٤٨٢).
(٤) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٥) "ثواب من" ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث.
(٦) في النسخ الثلاث الأخرى: "صادقًا".
(٧) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (١٩٠٩) من حديث سهل بن حنيف رضي اللَّه =
[ ٤٩٣ ]
ولا ريب أن ما حصل للمقتول في سبيل اللَّه من ثواب الشهادة تزيد كيفيته وصفاته على ما حصل لناوي ذلك إذا مات على فراشه وإن بلغ منزلة الشهيد.
فهاهنا أمران: أجر وقرب، فإن استويا في أصل الأجر لكن الأعمال التي قام بها العامل تقتضي أثرًا زائدًا وقربًا خاصًّا، وهو فضل اللَّه يؤتيه من يشاء.
وقد قال ﷺ: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قالوا: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه أراد قتل صاحبه" (^١)، فاستويا في دخول النار، ولا يلزم استواؤهما في الدرجة ومقدار العذاب، فأعطِ ألفاظ الرسول ﷺ حقّها، ونزّلها منازلها، يتبيّن لك المراد.
يوضّح هذا: أن فقراء المهاجرين شكوا إلى رسول اللَّه ﷺ وقالوا: يا رسول اللَّه ذهب أهل الدثور بالأجور؛ يصومون كما نصوم، ويصلون كما نصلي، ولهم فضول أموال يحجّون بها ويعتمرون ويجاهدون
_________________
(١) = عنه أن النبي ﷺ قال: "من سأل اللَّه الشهادة بصدق بلّغه اللَّه منازل الشهداء، وإن مات على فراشه". ورواه أحمد في "مسنده" (٥/ ٢٤٣)، وابن حبان في "صحيحه" رقم (٣١٩١) من حديث معاذ بن جبل ﵁ بلفظ: "ومن سأل اللَّه الشهادة مخلصًا. . . ". وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم (٢٥٥٦).
(٢) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٣١)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٨٨٨)، كلاهما من حديث أبي بكرة ﵁.
[ ٤٩٤ ]
ويتصدقون، قال: "أفلا أعلّمكم شيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "تسبّحون، وتكبّرون، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين"، فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول اللَّه ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول اللَّه ﷺ: " ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحديد: ٢١] " (^١).
فلو كانوا يلحقونهم في مقدار الأجر بمجرد النية، لقال لهم: انووا أن تفعلوا (^٢) مثل فعلهم فتنالوا مثل أجرهم، فلما أعاضهم عما فاتهم من ثواب الصدقة والعتق والحجّ والاعتمار، بتحصيل نظيره بالذكر، عُلم أن الأغنياء قد فضلوهم بالإنفاق، فلما شاركوهم في الذكر بقيت مزية الإنفاق، فشكوا إلى رسول اللَّه ﷺ أن الامتياز لم يزل، وأنهم قد ساوونا في الذكر كما ساوونا في الصلاة والصوم، فأخبرهم أن ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، فلو كان لهم سبيل إلى مساواتهم من كل وجه بالنية والقول لدلّهم عليه.
قالت الفقراء: هذا الحديث حجة لنا إذا فُهم على الحقيقة، وذلك أن معناه: أنهم وإن كانوا قد ساووكم في الإيمان والإسلام والصلاة والصيام، ثم فضلوكم بالإنفاق ففي التكبير والتسبيح والتهليل ما يلحقكم بدرجتهم، وقد ساويتموهم أيضًا بحسن النية، إذ لو أمكنكم لأنفقتم مثلهم.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٠١).
(٢) في الأصل: "تفعل"، والتصويب من النسخ الثلاث.
[ ٤٩٥ ]
وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: "إن أخذتم به سبقتم من قبلكم، ولم يلحقكم من بعدكم" (^١)، وهذا يدل على أن الأغنياء لا يلحقونهم، وإن قالوا مثل قولهم.
وقوله: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء" معناه: أن فضل اللَّه ليس مقصورًا عليكم دونهم، فكما آتاكم اللَّه فضله بالذكر، كذلك يؤتيهم (^٢) إياه إذا عملوا مثلكم وليس في هذا دليل أنهم أفضل منكم، وإنما معناه أن فضل اللَّه يؤتيه الذي ساووكم بذكره يتناولهم مثلكم أيضا، فأنتم فهمتم من الفضل التخصيص فوضعتموه في غير موضعه، وإنما معناه العموم والشمول، وأن فضله عام شامل للأغنياء والفقراء فلا تذهبون به دونهم، فأين في الحديث التفضيل لكم علينا؟!
قالوا: فيحتمل قوله: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء". ثلاثة أمور:
أحدها: سبقهم لكم بالإنفاق.
والثاني: مساواتكم بهم في فضيلة الذكر فلم تختصّوا به دونهم.
والثالث: سبقكم لهم إلى الجنة بنصف يوم.
وهذا وإن كان لا ذكر له في هذه الرواية فهو مذكور في بعض طرقه.
قال البزار في "مسنده": حدثنا الوليد بن عمرو حدثنا محمد بن الزبرقان حدثنا موسى بن عبيدة عن عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر قال:
_________________
(١) لم أقف عليه هكذا. وقد رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٨٤٣)، بلفظ: "أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم".
(٢) في الأصل: "يؤتيه"، والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ٤٩٦ ]
اشتكى فقراء المهاجرين إلى رسول اللَّه ﷺ ما فضل به أغنياؤهم، فقالوا: يا رسول اللَّه إخواننا صدّقوا تصديقنا، وآمنوا إيماننا، وصاموا صيامنا، ولهم أموال يتصدقون منها، ويصِلون منها الرحم، وينفقونها في سبيل اللَّه، ونحن مساكين لا نقدر على ذلك، فقال: "ألا أخبركم بشيء إذا أنتم فعلتموه أدركتم مثل فضلهم، قولوا: اللَّه أكبر في دبر كل صلاة إحدى عشرة مرة، والحمد للَّه مثل ذلك، ولا إله إلا اللَّه مثل ذلك، وسبحان اللَّه مثل ذلك، تدركون مثل فضلهم"، ففعلوا، فذكروا ذلك للأغنياء ففعلوا مثل ذلك، فرجع الفقراء إلى رسول اللَّه ﷺ فذكروا ذلك، فقالوا: هؤلاء إخواننا فعلوا مثل ما نقول، فقال: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، يا معشر الفقراء ألا أبشركم أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم، خمسمائة عام". وتلا موسى بن عبيدة ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ [الحج: ٤٧] (^١).
قالوا: فهذا خبر واحد، وكلام متصل، ذَكَرَهُ بشارة لهم عند ما ذكروا مساواة الأغنياء لهم في القول المذكور، فأشبه أن يرجع الفضل إلى سبق الفقراء للأغنياء، وأنهم بهذه البشارة مخصوصون، فكان السبق لهم دون غيرهم، وإن تساووا في القول، وساووهم في الإنفاق في النية، كما في حديث أبي كبشة المتقدم (^٢)، وخلصت لهم مزية الفقر.
قالت الأغنياء: قد بالغتم في صرف الحديث عن مقصوده إلى
_________________
(١) "مسند البزار" -كما في "كشف الأستار" (٣٠٩٤) -. وأخرجه ابن ماجه في "سننه" رقم (٤١٢٤) من طريق موسى بن عبيدة به مختصرًا.
(٢) ص (٤٨٢).
[ ٤٩٧ ]
جهتكم، وهو صريح في تفضيل (^١) هذا الجانب لمن أنصف، فإن قوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ خرج جوابًا للفقراء عن قولهم: إن أهل الدثور قد ساووهم في الذكر كما ساووهم في الصلاة والصوم والإيمان وبقيت مزية الإنفاق، لم يحصل لنا ما نلحقهم فيها، وما علمتناه من الذكر قد لحقونا فيه، فقال لهم حينئذ: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وهذا صريح جدًّا في مقصوده، فلما انكسر القوم بتحقق السبق بالإنفاق الذي عجزوا عنه، خبرهم بالبشارة بالسبق إلى دخول الجنة بنصف يوم، وأن هذا السبق في مقابلة ما فاتكم من فضيلة الغنى والإنفاق، ولكن لا يلزم من ذلك رفعتهم عليهم في المنزلة والدرجة، فهؤلاء السبعون الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب، مِنَ الموقوفين للحساب من هو أفضل من أكثرهم وأعلى منه درجة.
قالوا: وقد سمّى اللَّه سبحانه المال خيرًا في غير موضع من كتابه، كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ [العاديات: ٨].
وأخبر رسول اللَّه ﷺ: "أن الخير لا يأتي إلا بالخير" كما تقدم (^٢)، وإنما يأتي بالشر معصية اللَّه في الخير لا نفسه.
وأعلم اللَّه سبحانه أنه جعل المال قوامًا للأنفس، وأمر بحفظها، ونهى أن يؤتوا السفهاء من النساء والأولاد وغيرهم (^٣)، ومدحه النبي ﷺ
_________________
(١) هذه الكلمة مكررة في الأصل.
(٢) سبق ص (٤٥٢).
(٣) فقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥].
[ ٤٩٨ ]
بقوله: "نعم المال الصالح مع الرجل الصالح" (^١).
وقال سعيد بن المسيب: "لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله، يكف به وجهه عن الناس، ويصِل به رحمَه، ويعطي منه حقّه" (^٢).
وقال أبو إسحاق السبيعي: "كانوا يرون السعة عونًا على الدين" (^٣).
وقال محمد بن المنكدر: "نعم العون على التقوى الغنى" (^٤).
وقال سفيان الثوري: "المال في زماننا هذا سلاح المؤمن" (^٥).
وقال يوسف بن أسباط: "ما كان المال في زمان منذ خلقت
_________________
(١) رواه أحمد في "مسنده" (٤/ ١٩٧)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٢) من حديث عمرو بن العاص ﵁. وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في "غاية المرام" رقم (٤٥٤).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" رقم (٥٥)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ١٧٣).
(٣) رواه أحمد في "العلل ومعرفة الرجال" رقم (٩٩٩)، (٤٢١٠) والبغوي في "مسند ابن الجعد" رقم (٤٠٩)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٣٤٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٦/ ٢٢٢).
(٤) رواه البغوي في "مسند ابن الجعد" رقم (١٧٦٣)، وابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" رقم (٥٨)، وابن حبان في "روضة العقلاء" ص ٢٢٥، والدارقطني في "جزء أبي الطاهر" رقم (١٥٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ١٤٩)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥٦/ ٦٧).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" رقم (٧٩). ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٣٨١) بلفظ: "كان المال فيما مض يكره، فأما اليوم فهو ترس المؤمن".
[ ٤٩٩ ]
الدنيا (^١) أنفع منه في هذا الزمان، والخير كالخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر" (^٢).
قالوا: وقد جعل اللَّه سبحانه المال سببًا لحفظ البدن، وحفظه سببًا لحفظ النفس التي هي محل معرفة اللَّه والإيمان به وتصديق رسله ومحبته والإنابة إليه، فهو سبب عمارة الدنيا والآخرة، وإنما يُذم منه ما استخرج من غير وجهه وصرف في غير حقّه، واستعبد صاحبه وملك قلبه وشغله عن اللَّه والدار الآخرة، فيذمّ منه ما يَتوسل به صاحبه إلى المقاصد الفاسدة أو شغله عن المقاصد المحمودة، فالذمّ للجاعل لا للمجعول.
كما قال النبي ﷺ: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم" (^٣)، فذمّ عبدهما دونهما.
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان عن يزيد بن ميسرة قال: "كان رجل ممن مضى جمع مالًا فأوعى، ثم أقبل على نفسه وهو في أهله، فقال: انعمي سنين. فأتاه ملك الموت، فقرع الباب في صورة مسكين، فخرجوا إليه، فقال: ادعوا لي صاحب الدار، فقالوا: يخرج سيدنا إلى مثلك؟! ثم مكث قليلًا، ثم عاد فقرع باب الدار وصنع مثل ذلك وقال: أخبروه أني ملك الموت. فلما سمع سيدهم قعد فزعًا،
_________________
(١) بعد هذه الكلمة في الأصل: "في زمان". وهي مكررة وحذفها موافق للنسخ الثلاث الأخرى.
(٢) روى ابن حبان في "روضة العقلاء" ص ٢٥٣ الشطر الأول منه. ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٣٨٠) عن يوسف بن أسباط عن الثوري قوله.
(٣) سبق تخريجه ص (٤٢٨).
[ ٥٠٠ ]
وقال: لينوا له الكلام. قالوا: ما تريد غير سيدنا بارك اللَّه فيك. قال: لا، فدخل عليه، فقال: قم فأوصِ ما كنت موصيًا، فإني قابض نفسك قبل أن أخرج. قال: فصرخ أهله وبكوا، ثم قال: افتحوا الصناديق وافتحوا أوعية المال. ففتحوها جميعها فأقبل على المال يلعنه ويسبّه، ويقول: لُعنت من مال، أنت الذي نسيتني ربي وشغلتني عن العمل لآخرتي حتى بلغني أجلي. فتكلم المال فقال: لا تسبّني، ألم تكن وضيعًا في أعين الناس فرفعتك؟ (^١) وكنت تحضر سدد الملوك (^٢) ويحضر عباد اللَّه الصالحون فلا يدخلون؟ ألم تكن تخطب بنات الملوك والسادة فتُنكح، ويخطب عباد اللَّه الصالحون فلا ينكحون؟ ألم تكن تنفقني في سبيل الخبث فلا أتعاصى، ولو أنفقتني في سبيل اللَّه لم أتعاصَ عليك؟! وأنت ألوم مني، إنما خلقت أنا وأنتم يا بني آدم من تراب، فمنطلقٌ ببرّ ومنطلق بإثم (^٣) " (^٤).
وفي أثر آخر يقول اللَّه ﵎: "أموالنا رجعت إلينا، سعد بها من سعد، وشقي بها من شقي" (^٥).
قالوا: ومن فوائد المال: أنه قوام العبادات والطاعات، وبه قام سوق الحجّ والجهاد، وبه حصل الإنفاق الواجب والمستحب، وبه حصلت قربات العتق والوقف وبناء المساجد والقناطر وغيرها، وبه
_________________
(١) بعد هذه الكلمة في (ب): "ألم يُرَ عليك من أثري".
(٢) بعد هذه الكلمة في (ب) وط السلفية: "والسادة فتدخل".
(٣) بعد هذه الكلمة في النسخ الثلاث: "فهكذا يقول المال فاحذروا".
(٤) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥/ ٢٤٠ - ٢٤١)، من طريق أحمد به نحوه.
(٥) لم أقف عليه.
[ ٥٠١ ]
يتوصل إلى النكاح الذي هو أفضل من التخلي لنوافل العبادة، وعليه قام سوق المروءة، وبه ظهرت صفة الجود والسّخاء، وبه وقيت الأعراض، وبه اكتسبت الإخوان والأصدقاء، وبه توصل الأبرار إلى الدرجات العلا ومرافقة الذين أنعم اللَّه عليهم، فهو مرقاة يصعد فيها إلى أعلى غرف الجنة، ويهبط منها إلى أسفل سافلين، وهو مقيم مجد الماجد، كما كان بعض السلف يقول: "اللهم لا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال" (^١).
وكان بعضهم يقول: "اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى" (^٢).
وهو من أسباب رضي اللَّه عن العبد، كما يكون من أسباب سخطه عليه، وهؤلاء الثلاثة الذين ابتلاهم اللَّه به: الأبرص، والأقرع، والأعمى، نال به الأعمى رضى ربه، ونالا به سخطه (^٣).
والجهاد ذروة سنام العمل، وتارة يكون بالنفس، وتارة يكون بالمال،
_________________
(١) هذا القول مروي عن سعد بن عبادة ﵁، رواه ابن سعد في "الطبقات" (٣/ ٦١٤)، وابن أبي شيبة في "المصنف" رقم (٢٦٦١٩)، وابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" رقم (٥٤)، والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٢٥٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٢٥٨)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٠/ ٢٦٣).
(٢) لم أقف عليه، وهو مروي عن فيس بن سعد، كما سيأتي عند المصنف ص (٤٩٠). إلا أنه في الأثر السابق المروي عن سعد بن عبادة فيه قوله: "اللهم لا يصلحني القليل ولا أصلح عليه". وهو بمعناه. واللَّه أعلم.
(٣) روى هذا الحديث: البخاري في "صحيحه" رقم (٣٤٦٤)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٩٦٤)، كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٥٠٢ ]
وربما كان الجهاد بالمال أنكى وأنفع، وبأي شيء فضّل عثمان على على، وعلى أكثر جهادًا بنفسه وأسبق إسلامًا من عثمان؟! وهذا الزبير وعبد الرحمن بن عوف أفضل من جمهور الصحابة مع الغنى الوافر، وتأثيرهم في الدين أعظم من تأثير أهل الصفّة.
وقد نهى رسول اللَّه ﷺ عن إضاعته (^١)، وأخبر أن ترك الرجل ورثته أغنياء خير له من تركهم فقراء، وأخبر أن صاحب المال لن ينفق نفقة يبتغى بها وجه اللَّه إلا ازداد بها درجة ورفعة (^٢).
وقد استعاذ رسول اللَّه ﷺ من الفقر وقرنه بالكفر، [فقال: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر" (^٣)] (^٤)، فإن الخير نوعان: خير الآخرة والكفر يضاده، وخَيرُ الدنيا والفقر يضاده، فالفقر سبب عذاب الدنيا، والكفر سبب عذاب الآخرة.
واللَّه سبحانه جعل إعطاء الزكاة وظيفة الأغنياء، وأخذها وظيفة
_________________
(١) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٤٧٣)، ومسلم في "صحيحه" (٢/ ١٣٤١) رقم (٥٩٣) كلاهما من حديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا: "وكان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال".
(٢) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (١٢٩٥)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٦٢٨)، كلاهما من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.
(٣) رواه أبو داود في "سننه" رقم (٥٠٩٠)، والنسائي في "المجتبى" رقم (١٣٤٧)، من حديث أبي بكرة ﵁. وصححه ابن خزيمة فأخرجه في "صحيحه" برقم (٧٤٧). وله شواهد أخرى لا نطيل بذكرها.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى، مع تقديم وتأخير بين كلمتي: "الفقر" و"الكفر".
[ ٥٠٣ ]
الفقراء، وفرق بين اليدين شرعًا وقدرًا، وجعل يد المعطي أعلى من يد الآخذ، وجعل الزكاة أوساخ المال، ولذلك حرّمها على أطيب خلقه وعلى آله؛ صيانة لهم وتشريفًا ورفعًا لأقدارهم (^١).
ونحن لا ننكر أن رسول اللَّه ﷺ كان فقيرًا ثم أغناه اللَّه، وفتح عليه وخوّله ووسّع عليه، وكان يدّخر لأهله قوت سنة (^٢)، ويعطي العطايا التي لم يعطها أحد غيره، وكان يُعطي عطاء من لا يخاف الفقر (^٣)، ومات عن فدك والنضير وأموال خصّه اللَّه بها (^٤)، وقال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧].
فنزّهه ربه سبحانه عن الفقر الذي يسوغّ أخذ الصدقة، وعوّضه عما نزّهه عنه (^٥) بأشرف المال وأحلّه وأفضله، وهو ما أخذه بظلّ رمحه وقائم
_________________
(١) روى مسلم في "صحيحه" رقم (١٠٧٢) من حديث عبد المطلب بن ربيعة أن النبي ﷺ قال: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس".
(٢) روى ذلك البخاري في "صحيحه" رقم (٥٣٥٧)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٧٥٧)، كلاهما من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٣) روى مسلم في "صحيحه" رقم (٢٣١٢) من حديث أنس بن مالك قال: "ما سئل رسول اللَّه ﷺ على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة".
(٤) انظر في فدك: "صحيح البخاري" رقم (٤٠٣٥)، و"صحيح مسلم" رقم (١٧٥٩)، من حديث عائشة ﵂. وانظر في النضير: "صحيح البخاري" رقم (٢٩٠٤)، و"صحيح مسلم" رقم (١٧٥٧)، من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٥) في الأصل: "به"، والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ٥٠٤ ]
سيفه من أعداء اللَّه (^١) الذين كان مال (^٢) اللَّه بأيديهم ظلمًا وعدوانًا، فإنه خلق المال ليستعان به على طاعته، [وهو بأيدي الكفار والفجار ظلمًا وعدوانًا، فإذا رجع إلى أوليائه وأهل طاعته] (^٣) فاء إليهم ما خلق لهم، ولكن لم يكن غنى رسول اللَّه ﷺ وملكه من جنس غنى بني الدنيا وأملاكهم؛ فإن غناهم بالشيء، وغناه ﷺ عن الشيء، وهو الغِنَى العالي، وملكهم ملك يتصرفون فيه بحسب إرادتهم، وهو ﷺ إنما يتصرف في ملكه بالأمر تصرّف العبد الذي لا يتصرف إلا بأمر سيّده.
وقد اختلف الفقهاء في الفيء هل كان ملكًا للنبي ﷺ؟ على قولين، وهما روايتان عن أحمد (^٤).
والتحقيق: أن ملكه له كان نوعًا آخر من الملك، وهو ملك يتصرف فيه بالأمر كما قال ﷺ: "واللَّه لا أُعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت" (^٥).
وذلك من كمال مرتبة عبوديته، [ولأجل ذلك لم يورّث؛ فإنه عبد
_________________
(١) روى أحمد في "مسنده" (٢/ ٥٠) عن عبد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "بعثت بالسيف حتى يعبد اللَّه لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي". وحسنه الألباني في "إرواء الغليل" (٥/ ١٠٩).
(٢) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
(٤) انظر: "منهاج السنة" لشيخ الإسلام (٦/ ١٠٩)، و"الفتاوى الكبرى" له (٤/ ٢٤١).
(٥) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٣١١٧) من حديث أبي هريرة ﵁ نحوه.
[ ٥٠٥ ]
محض من كل وجه لربه ﷿، والعبد] (^١) لا مال له فيُورث عنه فجمع اللَّه له سبحانه بين أعلى أنواع الغنى وأشرف أنواع الفقر، فكمّل له مراتب الكمال، فليست إحدى الطائفتين بأحق به من الأخرى، فكان في فقره أصبر خلق اللَّه وأشكرهم له، وكذلك كان في غناه.
واللَّه تعالى جعله قدوة للأغنياء والفقراء، وأي غنى أعظم من غنى من عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض (^٢)، وعرض عليه أن يجعل له الصفا ذهبًا (^٣)، وخيّر بين أن يكون ملكًا نبيّا وبين أن يكون عبدًا نبيًّا، فاختار أن يكون عبدًا نبيًّا (^٤)، ومع هذا فجُبيت إليه أموال جزيرة العرب واليمن، فأنفقها كلّها ولم يستأثر منها بشيء، بل تحمّل عيال المسلمين
_________________
(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) روى الطبراني في "الأوسط" رقم (٦٩٣٧) عن ابن عباس: "أن إسرافيل أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: إن اللَّه سمع ما ذكرت فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض. . . " الحديث. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٣١٥): "رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سعدان بن الوليد ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح". وضعفه الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب" رقم (١٩٠٨).
(٣) روى أحمد في "المسند" (١/ ٢٤٢)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٥٣)، عن ابن عباس قال: "قالت قريش للنبي ﷺ: ادع ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك. . . " الحديث وفيه: "فأتاه جبريل فقال: إن اللَّه يقرأ عليك السلام ويقول: إن شئت أصبح الصفا ذهبًا. . . وإن شئت فتحت لهم أبواب التوبة والرحمة. قال: بل باب التوبة والرحمة". وصححه الحاكم بعد روايته له.
(٤) رواه أحمد في "المسند" (٢/ ٢٣١)، وأبو يعلى في "مسنده" رقم (٦١٠٥)، وابن حبان في "صحيحه" رقم (٦٣٦٥) بلفظ: "عبدًا رسولًا". وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (١٠٠٢).
[ ٥٠٦ ]
ودَينهم، فقال: "من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك كلًّا فإليّ وعليّ" (^١).
فرفع اللَّه سبحانه قدره أن يكون من جملة الفقراء الذين تحلّ لهم الصدقة، كما نزهه أن يكون من جملة الأغنياء الذين غناهم بالأموال الموروثة، بل أغناه به عن سواه، وأغنى قلبه كل الغنى، ووسّع عليه غاية السعة، فأنفق غاية الإنفاق، وأعطى أجل العطايا، وما استأثر بالمال، ولا اتخذ منه عقارًا ولا أرضًا ولا ترك شاة ولا بعيرًا ولا عبدًا ولا أمة ولا دينارًا ولا درهمًا.
فإذا احتجّ الغني الشاكر بحاله ﷺ لم يمكنه ذلك إلا بعد أن يفعل فعله، كما أن الفقير الصابر إذا احتج بحاله لم يمكنه ذلك إلا بعد أن يصبر صبره ويترك الدنيا اختيارًا لا اضطرارًا، فرسول اللَّه ﷺ وفى كل مرتبة من مرتبتي الفقر والغنى حقَّها وعبوديتها، وأيضًا فإن اللَّه سبحانه أغنى به الفقراء فما نالت أمّته الغنى إلا به، وأغنى الناس من صار به غيره غنيًّا.
قال عليّ بن رباح اللخمي: كنت عند مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو يومئذ على مصر، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص جالس معه، فتمثل مسلمة ببيت من شعر أبي طالب فقال: لو أن أبا طالب رأى ما نحن فيه اليوم من نعمة اللَّه وكرامته، لعلم أن ابن أخيه سيّد قد جاء بخير. فقال
_________________
(١) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٢٣٩٨)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٦١٩) (١٧) من حديث أبي هريرة بلفظ: "من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك كلًّا فإلينا". ورواه أبو داود في "سننه" رقم (٢٨٩٩ - ٢٩٠٠)، وابن ماجه في "سننه" رقم (٢٧٣٨)، كلاهما من حديث المقدام الكندي نحوه.
[ ٥٠٧ ]
عبد اللَّه بن عمرو: ويومئذ كان سيدًا كريمًا قد جاء بخير كثير. فقال مسلمة: ألم يقل اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى: ٦ - ٨] فقال عبد اللَّه بن عمرو: أما اليتيم فقد كان يتيمًا من أبويه، وأما العيلة فكل ما كان بأيدي العرب إلى القفة (^١).
يقول: إن العرب كلها كانت مقلّة حتى فتح اللَّه عليه وعلى العرب الذين أسلموا ودخلوا في دين اللَّه أفواجًا، ثم توفاه اللَّه قبل أن يتلبّس منها بشيء، ومضى وتركها، وحذر منها ومن فتنتها قال: فذلك معنى قوله: ﴿عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾.
وأما قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ (^٢) رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥] فلم تكن الدنيا لترضيه وهو لا يرضاها لأمته وهو يُحذر منها، وتعرض عليه فيأباها، وإنما هو ما يعطيه من الثواب، وما يفتح عليه وعلى أمته من ملك كسرى وقيصر، ودخول الناس في الإسلام، وظهور الدين إذ كان ذلك محبته ورضاه صلوات اللَّه وسلامه عليه.
وروى سفيان الثوري عن الأوزاعي عن إسماعيل بن عبيد اللَّه عن علي بن عبد اللَّه بن عباس [عن أبيه] (^٣) عن النبي ﷺ قال: "رأيت ما هو مفتوح بعدي كفرًا كفرًا، فسرّني ذلك، فنزلت: ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ إلى قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ١ - ٥] " قال: "أُعطي
_________________
(١) رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٧/ ٦٢).
(٢) "ربك"، سقطت من الأصل.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل وسائر النسخ الثلاث. واستدركته من مصدرَيْ التخريج.
[ ٥٠٨ ]
ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك، في كل قصر ما ينبغي له" (^١).
قالوا: وما ذكرتم من الزهد في الدنيا والتقفل منها، فالزهد فيها لا ينافي الغنى، بل زهد الغنيّ أكمل من زهد الفقير، فإن الغنى زَهِد عن قدرة، والفقير عن عجز، وبينهما بون بعيد، ولهذا قال بعض السلف وقد سمّى له جماعة من الزهاد، فقال: الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي جاءت الدنيا إلى تحت قدميه فزهد فيها (^٢).
وقد كان رسول اللَّه ﷺ في حال غناه أزهد الخلق، وكذلك إبراهيم الخليل كان كثير المال، وهو أزهد الناس في الدنيا.
وقد روى الترمذي في "جامعه" من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ قال: "الزهادة ليست في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق مما في يدي اللَّه، وأن تكون في ثواب المصيبة -إذا أنت أُصبت بها- أرغب في ثوابها لو أنها بقيت لك" (^٣).
_________________
(١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥٢٦) ومن طريقه البيهقي في "دلائل النبوة" (٧/ ٦١). وصححه الحاكم، وخالفه الذهبي. وللحديث طرق أخرى أخرجها: الطبراني في "الكبير" رقم (١٠٦٥٠)، وفي "الأوسط" رقم (٥٧٢)، (٣٢٠٩). والحديث صححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم (٢٧٩٠). وكفرًا كفرًا أي: قرية قرية. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٤/ ١٨٩).
(٢) رواه: أحمد في "المسند" (٥/ ٢٤٩)، وابن الأعرابي في "الزهد" رقم (٥١)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥/ ٢٥٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٥/ ٢٠٩).
(٣) رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٤٠)، وقال: "حديث غريب لا نعرفه إلا =
[ ٥٠٩ ]
وسُئل الإمام أحمد عن الرجل يكون معه ألف دينار هل يكون زاهدًا (^١)؟. قال: نعم، بشرط أن لا يفرح إذا زادت، ولا يحزن إذا نقصت (^٢).
وقال بعض السلف: الزاهد من لا يغلب الحلالُ شكرَه، ولا الحرام صبره (^٣).
وهذا من أحسن الحدود، فإن الزهد حقيقة مركبة من الصبر والشكر فلا يستحق اسم الزاهد من لم يتصف بهما، فمن غلب شكره لما وسع عليه من الحلال وصبره لما عرض له من الحرام، فهو الزاهد على الحقيقة بخلاف من غلب الحلال شكره والحرام صبره، فكان شكره وصبره مغلوبين، فإن هذا ليس بزاهد.
وسمعت شيخ الإسلام يقول: الزهد تركك ما لا ينفعك، والورع تركك ما قد يضرّك (^٤).
فالزهد فراغ القلب من الدنيا لا فراغ اليد منها، ويقابله الشحّ
_________________
(١) = من هذا الوجه"، وابن ماجه في "سننه" رقم (٤١٠٠).
(٢) في الأصل: "زائدا"، والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
(٣) انظره في: "طبقات الحنابلة" (٢/ ١٤)، و"جامع العلوم والحكم": (٢/ ١٨٣). ونحوه مروي عن وهيب المكي وأبي موسى، رواه عنهما ابن الأعرابي في "الزهد" رقم (٧/ ١٤٦).
(٤) هذا مروي عن الزهري. أخرجه ابن الأعرابي في "الزهد" رقم (٥)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٣٧١) و(٧/ ٢٨٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٥٣)، (١٠٧٧٦).
(٥) انظر: "مجموع الفتاوى" (١٠/ ٢١) و(٢١/ ٣٠٥).
[ ٥١٠ ]
والحرص، وهو ثلاثة أقسام: زهد في الحرام، وزهد في الشبهات والمكروه، وزهد في الفضلات.
فالأول: فرض.
والثالث: فضل.
والثاني: متوسط بينهما بحسب درجة الشبهة، فإن قويت التحق بالأول وإلا فبالثالث.
وقد يكون الثالث واجبًا بمعنى: أنه لا بدّ منه، وذلك لمن شمّر إلى اللَّه والدار الآخرة، فزهده في الفضلة يكون ضرورة، فإن إرادة الدنيا قادحة في إرادة اللَّه والدار الآخرة.
ولا يصح للعبد مقام الإرادة حتى يفرد طلبه ومطلوبه، فلا يتقسّم المطلوب ولا الطلب.
أما توحيد المطلوب: فأن لا يتعلّق طلبه وإرادته بغير اللَّه، وما يقرّب إليه ويدني منه.
وأما توحيد الطلب: فأن يستأصل الطلب والإرادة نوازع الشهوات وجواذب الهوى، وتسكن الإرادة في أقطار النفس فتملأها، فلا يدع فيها فضلًا لغير الانجذاب إلى جناب الحق ﷻ، فتمحض الإرادة له، ومتى تمحضت كان الزهد لصاحبها ضرورة، فإنه يفرغه لعمارة وقته وجمع قلبه على ما هو بصدده وقطع مواد طمعه التي هي من أفسد شيء للقلب، بل أصل المعاصي والفساد والفجور كله من الطمع.
فالزهد يقطع موادّه، ويفرغ البال، ويجلي القلب، ويستحث الجوارح، ويذهب الوحشة التي بين العبد وبين ربه، ويجلب الأنس به،
[ ٥١١ ]
ويقوي الرغبة في ثوابه إن ضعف عن الرغبة في قربه والدنو منه وذوق حلاوة معرفته ومحبته.
فالزاهد أروح الناس بدنًا وقلبًا، فإن كان زهده وفراغه من الدنيا قوة له في إرادة اللَّه والدار الآخرة -بحيث فرغّ قلبه للَّه، وجعل حرصه على التقرّب إليه، وشحّه على وقته أن يضيع منه شيء في غير ما هو أرضى للَّه وأحب إليه- كان من أنعم الناس عيشًا، وأقرّهم عينًا، وأطيبهم نفسًا، وأفرحهم قلبًا، فإن الرغبة في الدنيا تشتّت القلب وتبدّد الشمل، وتطيل الهم والغمّ والحزن، فهي عذاب حاضر يؤدي إلى عذاب منتظر أشد منه، وتفوّت على العبد من النعم أضعاف ما يروم تحصيله بالرغبة في الدنيا.
قال الإمام أحمد: حدثنا الهيثم بن جميل حدثنا محمد يعني ابن مسلم عن إبراهيم يعني ابن ميسرة عن طاوس قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إن الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن، وإن الرغبة في الدنيا تطيل الهم والحزن" (^١).
وإنما تحصل الهموم والغموم والأحزان من جهتين:
أحدهما: الرغبة في الدنيا والحرص عليها.
الثاني: التقصير في أعمال البر والطاعة.
قال عبد اللَّه بن أحمد: حدثني بيان بن الحكم حدثنا محمد بن حاتم عن بشر بن الحارث قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن ليث عن الحكم (^٢)
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٤١٩).
(٢) في الأصل: "الحكمي". والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ٥١٢ ]
قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إذا قصّر العبد في العمل، ابتلاه اللَّه ﷿ بالهمّ" (^١).
وكما أن الرغبة في الدنيا أصل المعاصي الظاهرة، فهي أصل معاصي القلب؟ من السخط والحسد والكبر والفخر والخيلاء والتكاثر، وهذا كله من امتلاء القلب بها لا من كونها في اليد، وامتلاء القلب بها ينافي الشكر، ورأس الشكر تفريغ القلب منها، وباللَّه التوفيق.
وامتداد المال كامتداد العمر والجاه، فخير الناس من طال عمره وحسن عمله (^٢)، فهكذا من امتدّ ماله وكثر خيره، فنعم المرء وماله وجاهه: إما أن يرفعه درجات، وإما أن يضعه درجات.
وسرّ المسألة: أن طريق الفقر والتقلل طريق سلامة مع الصبر، وطريق الغنى والسعة في الغالب طريق عطب، فإن اتقى اللَّه في ماله ووصل منه رحِمَه، وأخرج منه حقّ اللَّه، وليس مقصورًا على الزكاة بل من حقّه إشباع الجائع، وكسوة العاري، وإغاثة الملهوف، وإعانة المحتاج والمضطر، فطريقه طريق غنيمة وهي فوق السلامة.
فَمَثلُ صاحب الفقر كمثل مريض قد حُبس بمرضه عن أغراضه، فهو يثاب على حسن صبره على حبسه، وأما الغني فخطره عظيم في كسبه
_________________
(١) "زوائد عبد اللَّه على الزهد" لإمام أحمد رقم (٥٣). ورواه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٧/ ١١١). كلاهما عن الحكم مرسلًا.
(٢) روى ذلك الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٢٩)، وقال: "حسن غريب من هذا الوجه"، من حديث عبد اللَّه بن بسر. ورواه أيضًا برقم (٢٣٣٠) وقال: "حديث حسن صحيح"، من حديث أبي بكرة ﵁.
[ ٥١٣ ]
وجمعه وصرفه، فإذا سلم كسبه وحسن، وأخذه من وجهه وصرفه في حقّه، كان أنفع له.
فالفقير كالمتعبد المنقطع عن الناس، والغنيّ المنفق في وجوه الخير كالمفتي والمعلم والمجاهد؛ ولهذا جعله النبي ﷺ قرين الذي آتاه اللَّه الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها، فهو أحد المحسودين الذين لا ثالث لهما (^١)، والجهلة يغبطون المنقطع المتخلي المقصور النفع على نفسه، ويجعلونه أولى بالحسد من الغنى المنفق والعالم المعلم.
فإن قيل: فأيهما أفضل: من يختار الغنى للتصدق والإنفاق في وجوه البرّ، أم من يختار الفقر والتقفل ليبعد من الفتنة ويسلم من الآفة، ويرفه قلبه على الاستعداد للآخرة فلا يشغله بالدنيا؟ أم من لا يختار لا هذا ولا هذا بل يختار ما يختار اللَّه له فلا يُعنى باختياره واحدًا من الأمرين؟
قيل: هذا موضع اختلف فيه حال السلف الصالح:
فمنهم من اختار المال للجهاد به والإنفاق، وصرفه في وجوه البرّ، كعبد الرحمن بن عوف وغيره من مياسير الصحابة، وكان قيس ابن سعد يقول: "اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى" (^٢).
ومنهم من اختار الفقر والتقلّل كأبي ذرّ وجماعة من الصحابة معه،
_________________
(١) سبق تخريج هذا الحديث في ص (٤٩٤).
(٢) لم أقف عليه هكذا. وإنما روى ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٩/ ٤١٧) عنه أنه قال: "اللهم هب لي حمدًا ومجدًا، لا مجد إلا بفعال ولا فعال إلا بمال. . . ". وقد سبق هذا عن أبيه أيضًا. انظر ص (٥٠٣).
[ ٥١٤ ]
وهؤلاء نظروا إلى آفات الدنيا، وخشوا الفتنة بها، وأولئك نظروا إلى مصالح الإنفاق وثمراته العاجلة والآجلة.
والفرقة الثالثة لم تختر شيئًا، بل كان اختيارها ما اختاره اللَّه لها.
وكذلك اختيار طول البقاء في الدنيا لإقامة دين اللَّه وعبادته: فطائفة اختارته وتمنّته.
وطائفة أحبت الموت ولقاء اللَّه، والراحة من الدنيا،
وطائفة ثالثة لم تختر هذا ولا هذا، بل اختارت ما اختاره اللَّه لها، وكان اختيارهم معلقًا بما يريده اللَّه دون مراد معين منهم، وهي حال الصديق ﵁ فإنهم قالوا له في مرض موته: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال: "قد رآني"، قالوا: فما قال لك؟ قال: "قال: إني فعال لما أريد" (^١).
والأولى: حال موسى صلوات اللَّه وسلامه عليه، فإنه لما جاءه ملك الموت لطمه، ففقأ عينه (^٢)، ولم يكن ذلك حبًّا منه للدنيا والعيش فيها، ولكن لينفّذ أوامر ربّه، ويقيم دينه، ويجاهد أعداءه، فكأنه قال لملك الموت: أنت عبد مأمور، وأنا عبد مأمور، وأنا في تنفيذ أوامر ربّي وإقامة دينه، فلما عرضت عليه الحياة الطويلة وعلم أن الموت بعدها، اختار ما اختار اللَّه له.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٧٨).
(٢) قصة لطم موسى ﵇ لملك الموت رواها: البخاري في "صحيحه" رقم (٣٤٠٧)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٣٧٢)، كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁. أما فقأه عين الملك فهي عند مسلم فقط في الحديث نفسه.
[ ٥١٥ ]
وأما نبيُّنا صلوات اللَّه وسلامه عليه، فإن ربّه أرسل إليه يخبره وكان أعلم الخلق باللَّه، فعلم أن ربه ﵎ يحب لقاءه ويختاره له فاختار لقاء اللَّه، ولو علم أن ربه يحب له البقاء في الدنيا لتنفيذ أوامره وإقامة دينه لما اختار غير ذلك، فكان اختياره تابعًا لاختيار ربّه، كما أنه لما خيّره ربه ﷿ بين أن (^١) يكون مَلِكًا نبيًّا وبين أن يكون عبدًا نبيًّا (^٢) وعلم أن ربه يختار له أن يكون عبدًا، اختار ما اختاره اللَّه له، فكان اختياره في جميع أموره تابعًا لاختيار اللَّه له.
ولهذا يوم الحديبية احتمل ما احتمل من تلك الشروط (^٣)، ووفّى هذا المقام حقّه. ولم يثبت عليه من كل وجه إلا الصّديق، فلم يكن له اختيار في سوى ما اختار اللَّه له ولأصحابه من تلك الحال التي تقرر الأمر عليها، فكان راضيًا بها مختارًا لها شاهدًا اختيار ربه لها، وهذا غاية العبودية، فشكر اللَّه له ذلك، وجعل شكرانه ما بشره به في أول سورة الفتح حتى هنأه الصحابة به، وقالوا: هنيئًا لك يا رسول اللَّه (^٤)، وحُقَّ له أن يُهَنّأ بأعظم ما هنّئ به بشر صلوات اللَّه وسلامه عليه.
_________________
(١) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) سبق تخريجه ص (٥٠٧).
(٣) انظر في ذلك حديث سهل بن حنيف الذي رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٣١٨١)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٧٨٥).
(٤) رواه أحمد في "مسنده" (٣/ ١٢٢)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤٥٩)، (٤٦٠). وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
[ ٥١٦ ]