باعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال (^١):
أحدها: أن يكون القهر والغلبة لداعي الدين فيُردّ جيشُ الهوى مفلولًا، وهذا إنما يصل إليه بدوام الصبر، والواصلون إلى هذه الرُّتبة هم المنصورون في الدنيا والآخرة، وهم الذين قالوا: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، وهم الذين يقول لهم الملائكةُ عند الموت: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠، ٣١]، وهم الذين نالوا معية اللَّه مع الصابرين، وهم الذين جاهدوا في اللَّه حق جهاده، فخصهم بهدايته دون من عداهم.
الحالة الثانية: أن يكون القَهْرُ (^٢) والغلبةُ لداعي الهوى فتَسْقُطُ منازعةُ باعث (^٣) الدين بالكلية، فيستسلم البائس للشيطان وجندِه فيقودونه حيث شاءوا، وله معهم حالتان:
إحداهما: أن يكون من جندهم وأتباعهم، وهذه حال الفاجر (^٤) الضعيف.
_________________
(١) انظر هذه الأحوال في "إحياء علوم الدين" (٤/ ٥٨ - ٥٩).
(٢) في (ب): القوة.
(٣) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الأخرى، ومن إحياء علوم الدين.
(٤) في النسخ الأخرى: العاجز.
[ ٣٩ ]
الثانية: أن يصير الشيطان من جنده، وهذه حال الفاجر القوي المتسلط والمبتدع الداعية المتبوع، كما قال القائل:
وكنتُ امرأً من جندِ إبليسَ فارتقى … بي الحالُ حتى صارَ إبليسُ من جندي (^١)
فيصير إبليس وجنودُه من أعوانه وأتباعه، وهؤلاء هم الذين غَلبت عليهم شقوتُهم، فاشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، وإنما صاروا إلى هذه الحال لما أفلسوا من الصبر.
وهذه الحالة بين جَهد البلاء (^٢) ودرك الشقاء، وسوء القضاء وشماتة الأعداء.
وجندُ أصحابها: المكر، والخداع، والأماني الباطلة، والغرور، والتسويف بالعمل، وطولُ الأمل، وإيثار العاجل على الآجل، وهي التي قال في صاحبها النبي ﷺ: "العاجز من أتبع نفسَه هواها، وتمنى على اللَّه الأماني" (^٣).
_________________
(١) انظر هذا البيت في: "التذكرة الحمدونية" (٩/ ٤٢٩)، و"ثمار القلوب" للثعالبي ص: ٦٤، و"ربيع الأبرار" للزمخشري (١/ ٣٢٥). وهو غير منسوب لأحد. [البيت من قصيدة للخبزأرزي في ديوانه المنشور في مجلة المجمع العراقي] (ص).
(٢) في (ن): "وهذه الحالة هي حالة بين جهد البلاء"، وفي (م): "وهذه الحالة هي حالة جهد البلاء".
(٣) أخرجه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٤٥٩) وقال: "حديث حسن"، وابن ماجه في "سننه" (٤٢٦٠)، بلفظ: ". . . وتمنى على اللَّه" فقط بدون كلمة "الأماني". ومثله الديلمي في "الفردوس" (٣/ ٣١٠) وذكره بلفظ الترمذي السيوطي في "الجامع الصغير" (٥/ ٦٧) مع الفيض.
[ ٤٠ ]
وأصحاب هذه الحال أنواع شتى:
فمنهم: المحارب للَّه ورسوله، الساعي في إبطال ما جاء به الرسول، يُضلُّ عن سبيل اللَّه، ويبغيها بجُهده عوجًا وتحريفًا؛ ليصدَّ الناس عنها.
ومنهم: المعرضُ عما جاء به الرسول، المُنهمك على شهواته ودنياه فقط (^١).
ومنهم: المنافقُ ذو الوجهين، الذي يأكل بالكفر والإسلام.
ومنهم: الماجنُ المتلاعب الذي قطع أنفاسه بالمجون واللهو واللعب.
ومنهم: من إذا وُعظ قال: واشوقاه إلى التوبة، ولكنها قد تعذرت عليّ فلا مطمع لي فيها.
ومنهم: من يقول: ليس اللَّهُ محتاجًا إلى صلاتي وصيامي، وأنا لا أنجو بعملي، واللَّه غفور رحيم.
ومنهم من يقول: تركُ المعاصي استهانة بعفو اللَّه ومغفرته.
فَكثِّر ما استطعتَ مِنَ الخَطايا … إذا كانَ القدومُ على كريمِ (^٢)
_________________
(١) في (ب): "المقبل على دنياه وشهواتها فقط". مكان: "المنهمك على شهواته ودنياه فقط".
(٢) البيت لأبي نواس الحسن بن هانئ، وهو في "ديوانه" ص ٣٠٧، إلا أن عجز البيت فيه: فإنك قاصد ربًّا غفورا وانظره كما هو هنا في: "وفيات الأعيان" (٢/ ٩٧).
[ ٤١ ]
ومنهم: من يقول: ماذا تَقَعُ طاعتي في جنب ما قد عمِلت، وما ينفع الغريق خلاصُ إصبعه وباقي بدنه غريق.
ومنهم: من يقول: سوف أتوبُ، وإذا جاء الموت ونزل بساحتي تبتُ وقُبِلت توبتي.
إلى غير ذلك من أصناف المُغترّين الذين قد صارت عقولُهم في أيدي شهواتهم، فلا يستعمل أحدُهم عقله إلا في دقائق الحيل التي بها يتوصل إلى قضاء شهوته. فعقلُه مع الشيطان كالأسير في يد كافرٍ يستعملُه في رعاية الخنازير، وعصر الخمر، وحمل الصليب؛ وهو بقهره عقلَه وتسليمِه إلى أعدائه عند اللَّه بمنزلة رجل قَهَرَ مسلمًا، وباعه للكفار، وسلَّمه إليهم، وجعله أسيرًا عندهم.
[ ٤٢ ]
فصل
وها هنا نكتة بديعة يجب التفطُّن لها، وينبغي إخلاءُ القلب لتأمُّلِها، وهي: أن هذا المغرور لما أذلَّ سلطان اللَّه الذي أعزه به وشرَّفه ورفع به قدره، وسلَّمه إلى أبغض (^١) أعدائه إليه، وجعلَه أسيرًا له تحت قهره وتصرّفه وسلطانه، سلَّط اللَّه عليه من كان حقُّه هو أن يتسلَّط عليه، فجعله تحت قهره وتصرفه وسلطانه، يسخِّره حيث شاء ويسخر منه، ويسخر منه جنده وحزبه.
فكما أذل سلطان اللَّه وسلمه إلى عدوه أذله اللَّه وسلط عليه عدوّه الذي أمره أن يتسلط هو عليه ويذلَّه ويقهره، فصار بمنزلة من سلَّم نفسه إلى أعدى عدو له يسومه سوء العذاب، وقد كان بصدد أن يستأسره ويقهره ويشفي غيظه منه، فلما ترك مقاومته ومحاربته واستسلم له سلِّط عليه عقوبة له، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].
فإن قيل: فقد أَثبت له على أوليائه هنا سلطانًا، فكيف نفاه في قوله تعالى حاكيًا عنه مقرًّا لقوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ: ٢٠، ٢١].
_________________
(١) في الأصل: "بعض"، وهو تحريف.
[ ٤٣ ]
قيل: السلطان الذي أثبته له عليهم غير السلطان الذي نفاه من وجهين:
أحدهما: أن السلطان الثابت هو سلطان التمكُّن منهم وتلاعُبه بهم وسَوقُه إياهم كيف أراد بتمكينهم إياه من ذلك بطاعته وموالاته، والسلطان الذي نفاه سلطان الحجة فلم يكن لإبليس عليهم من حجة يتسلط بها غير أن دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا برهان.
الثاني: أن اللَّه لم يجعل له عليهم سلطانًا ابتداء ألبتة، ولكن هم سلطوه على أنفسهم بطاعته، ودُخولهم في جملة جنده وحزبه، فلم يَتَسَلْطن (^١) عليهم بقوَّته فإن كيده ضعيف، وإنما تسلطن (^٢) عليهم بإرادتهم واختيارهم.
والمقصود: أن من قصد أعظم أوليائه وأحبابه ونصحائه فأخذه وأخذ أولاده وحاشيته فسلَّمهم إلى عدوه كان من عقوبته أن يسلط عليه ذلك العدو نفسه.
_________________
(١) في (م) و(ن): "يتسلط". والمثبت من الأصل و(ب).
(٢) في (م) و(ن): سلط.
[ ٤٤ ]