وإن للتربية الإسلامية أهدافًا تسعى إلى تحقيقها، ولا شك أن الهدف الأسمى من تلك الأهداف هو تحقيق العبودية الخالصة لله تعالى، ولا بد أن يكون جانب تحقيق العبودية مقرونًا بالتنشئة العقدية الصحيحة لأبناء المجتمع المسلم؛ وذلك لإعداد جيل مسلم صالح يعبد الله -﷿- على نور وبصيرة، ليصبح جيلًا مسلمًا صالحًا راشدًا مهيَّأً للاستخلاف في الأرض، وذلك هو غاية التربية
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٩٢).
(٢) تحفة المودود، لابن القيم- المرجع السابق (٢٢٩).
[ ١٠٨ ]
الإسلامية، تلك الغاية التي من أجلها خُلِقَ الإنسانُ، فليس لله غرض من الخلْق إلا تحقيق العبودية له وحده لا شريك له.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
وترسيخ العقيدة وتحقيق العبودية في كل أمر من أمور الحياة، يُعدُّ أهم أهداف التربية الإسلامية كما أسلفنا، وإذا تحققت العبودية تحققت أهداف التربية جميعًا تبعًا لها، ذلك لأن كل الأهداف تنبثق منها، إذ إن مفهوم العبادة في التربية الإسلامية شامل كامل، يشمل العبادات الظاهرة والباطنة، والمعاملات كلها، معاملة المخلوق لخالقه، وحسن معاملة الخلق للخلق، وقد جبل الله -﷿- النفوس على التوحيد الخالص من شوائب الشرك، ولكنها تحتاج أن تتعلم أصول الإيمان وجزئياته، ولا شك أن أصْلَح أوقات غرس العقيدة الصحيحة في نفوس الأبناء هي السنواتُ الأولى من حياتهم؛ لأنهم يصغون إلى الآباء والمربين بكل جوارحهم وحواسهم، ويقبلون ما يتلقونه منهم دون أدنى تردد أو جدال، ولا شك أن عامل الفطرة معين للمربي على تقوية وتنمية هذا الجانب الفطري، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].
وترسيخ العقيدة يكون عن طريق التدبر: بأن يلفت نظر الصغير إلى مظاهر الكون وارتباطها بالتوحيد، وهذا الربط يشعره بالتوازن النفسي، ويحس بأنه جزء من أجزاء الكون المتناسقة، ويبين له أن هذا الكون بكل ما فيه يسبِّح لله، ويرشده إلى التسبيح ليكون مع الركب المسبِّح، كما أن المربي يستطيع تعليم الصغير أسماء الله -﷿- وصفاته عن طريق التدبر في جمال الكون وعظمة المخلوقات ونظامها.
[ ١٠٩ ]
وينبغي أن يقدم المربي للصغير محفوظات في العقيدة في أول نشوئه ليحفظها حفظًا، ثم لا يزال ينكشف له معناها في كبره شيئًا فشيئًا، فابتداؤه الحفظ، ثم الفهم، ثم الاعتقاد والإيمان والتصديق به، وذلك مما يحصل في الصبي بغير برهان قَالَ -ﷺ-: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» (^١).
قال الغزالي: «الصبيُّ أمانةٌ عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرةٌ نفيسةٌ خاليةٌ عن كل نقشٍ وصورة، وهو قابلٌ لكل نقش، ومائلٌ إلى كل ما يُمالُ إليه، فإن عُوِّد الخيرَ نشأ عليه، وسَعِدَ في الدنيا والآخرة أبواه، وإن عُوِّد الشر وأُهْمِل إهمال البهائم، شَقِيَ وهَلَكَ، وكان الوزر في رقبة القيِّم عليه، وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملًا، وإنما يكمل ويقوى بالغذاء، فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال، وإنما تكمل بالتربية، وتهذيب الأخلاق، والتغذية بالعلم» (^٢).
والعبودية لله-تعالى- لا تقتصر على مجرد أداء شعائر ومناسك معينة: كالصلاة، والصيام، والحج -مثلًا- وإنما كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- بقوله: هي «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة» (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (١٢٧٠)، ومسلم (٤٨٠٣).
(٢) معالم التنزيل: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٠ هـ). تحقيق وتخريج: محمد عبد الله النمر -عثمان جمعة ضميرية- سليمان مسلم الحرش. الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع الطبعة: الرابعة (١٤١٧ هـ).
(٣) العبودية. أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني، المحقق: محمد زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي-بيروت- ط ٧ (١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م). (ص ٤٤).
[ ١١٠ ]
فالإنسان الذي يريد أن يتحقق فيه معنى العبودية، هو الذي يُخضع أموره كلها لما يحبه الله-تعالى- ويرضاه، سواء في ذلك ما ينتمي إلى مجال الاعتقادات، أو الأقوال، أو الأفعال؛ فهو يكيف حياته وسلوكه جميعًا لهداية الله وشرعه؛ فلا يفتقده الله حيث أمره، ولا يجده حيث نهاه، وإنما يلتزم أوامر الله فيأتي منها ما استطاع، وينزجر عن نواهيه سبحانه فلا يقربها؛ استجابة لأمره -ﷺ-: «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فَأْتوا منه ما استطعتم» (^١).
فالمسلم دائمًا إذا أمره الله -تعالى- أو نهاه، أو أحل له، أو حرم عليه - كان موقفه في ذلك كله: أن يقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
فهذا الذي ينبغي أن يَعْلَمَهُ الآباء والمربون أولًا، ثم يسعَوا لغرسه في نفوس أبنائهم ثانيًا، فيعلمونهم العقيدة الصحيحة ويغرسون في قلوبهم التعلق بالله تعالى والتوكل عليه والالتجاء إليه، والاستسلام والانقياد والإذعان لأمره جل في علاه، وعبادته -﷾- خوفًا وطمعًا ورغبًا ورهبًا ورجاءً ومحبةً، وذلك لأن توحيد الله تعالى سبيل الفوز برضوانه وجناته، والنجاة من سخطه ونيرانه، وتوحيد العبادة والقصد والطلب هو توحيد الألوهية أصل الدين ومرتكزه الأول الذي عليه وبه تقوم مبانيه العظام من عبادات ومعاملات وأخلاق.
وإن الولد جوهرة نفيسة عند والديه، فهو نواة الأسرة والمجتمع، وأمل الغد والمستقبل، وموئل الإسلام بعد الله تعالى، فتربيته على عقيدة التوحيد أساس تربوي وطيد؛ بل لا تصح التربية ولا تستقيم بغير عقيدة التوحيد الذي هو
_________________
(١) رواه البخاري (٧٢٨٨) من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ١١١ ]
أساس الإسلام وأصله الأصيل (^١).
قال ابن القيم -﵀-: «وكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله، وترك تأديبه، وإعانته على شهواته، وهو بذلك يزعم أنه يكرمه وقد أهانه، ويرحمه وقد ظلمه، ففاته انتفاعه بولده وفوت على ولده حظه في الدنيا والآخرة»، ثم قال -﵀-: «وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قِبَلِ الآباء» (^٢).
ويكفي عظمًا لشأن التوحيد قول النبي -ﷺ-: «لا يوافي عبد يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله؛ إلا حرم الله عليه النار» (^٣).
ومن لوازم تحقيق التوحيد التحذير من الشرك؛ فهذا أول ما بدأ به لقمان في وصيته لابنه كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]، فينبغي للأب أن يربي أولاده على التوحيد والتحذير من الشرك.
قال ابن عاشور (^٤) في تفسير هذه الآية:
_________________
(١) نواب الدين -مرجع سابق- بتصرف (ص ٤).
(٢) تحفة المودود بأحكام المولود (١/ ٢٤٢).
(٣) متفق عليه: رواه البخاري في كتاب الرقاق (٦٤٢٢)، ومسلم في كتاب الإيمان (٣٣) من حديث عتبان بن مالك الأنصاري -﵁-.
(٤) محمد الطَّاهر بن محمد بن محمد الطَّاهر بن عاشور، ولد في مدينة تونس سنة (١٢٩٦ هـ)، الموافق (١٨٧٩ م)، وهو من أسرة علمية عريقة، أحد أهم العلماء الذين عرفتهم تونس في القرن العشرين. وفاته: وقد توفي الطاهر بن عاشور في (١٣ رجب ١٣٩٣ هـ = ١٢ أغسطس ١٩٧٣ م). … = = أما عقيدته، فالطاهر ابن عاشور كان في مسائل الاعتقاد وعلم الكلام: على مذهب الأشاعرة من حيث الأصل، ويظهر اعتقاد العلامة ابن عاشور واضحًا في موقفه من نصوص الصفات، فهو إما أن يؤولها، وإما أن يفوضها، وهذان طريقان معروفان للأشاعرة، وكلاهما مخالف لمذهب السلف في باب الصفات: حيث يثبتونها على ما يعرف من معناها في لغة العرب، من غير تأويل لها، أو تشبيه لصفات الله تعالى بصفات خلقه، أو تمثيل لها، جل الله تعالى عن كل عيب ونقصان، وينظر في ذلك تفسيره للإتيان (٢/ ٢٨٤) والاستواء (١٦/ ١٨٧)، واليدين (٢٣/ ٣٠٢). وللاستزادة والوقوف على تفاصيل حياته والتعرف على منهجه ومؤلفاته، ينظر: * كتاب: شيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر بن عاشور. تأليف: بلقاسم الغالي. * كتاب: محمد الطاهر بن عاشور علامة الفقه وأصوله، والتفسير وعلومه. تأليف: خالد الطباع. * مقدمة كتاب: مقاصد الشريعة لابن عاشور. تحقيق: محمد الطاهر الميساوي. * كتاب: التقريب لتفسير التحرير والتنوير. تأليف: محمد بن إبراهيم الحمد. * كتاب: تراجم لتسعة من الأعلام. تأليف: محمد بن إبراهيم الحمد.
[ ١١٢ ]
«ابتدأ لقمان موعظة ابنه بطلب إقلاعه عن الشرك بالله لأن النفس المعرضة للتزكية والكمال يجب أن يقدم لها قبل ذلك تخليتها عن مبادئ الفساد والضلال، فإن إصلاح الاعتقاد أصل لإصلاح العمل. وكان أصل فساد الاعتقاد أحد أمرين هما الدهرية والإشراك، فكان قوله: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ١٣] يفيد إثبات وجود إله وإبطال أن يكون له شريك في إلهيته» (^١).