وقد اختلف في اشتراطها لصحة الخطبة.
قال الشافعي وأحمد في المشمهور من مذهبهما: لا تصح الخطة إلا بالصلاة عليه ﷺ.
وقال أبو حنيفة ومالك: تصح بدونها، وهو وجه في مذهب أحمد واحتج لوجوبها في الخطبة بقوله تعالى: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ ووَضَعْنا عَنْكَوِزْرَكَ صَدْرَكَ الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح].
قال ابن عباس ﵄: "رفع الله ذكره، فلا يذكر إلا ذكر معه. وفي هذا الدليل نظر، لأن ذكره ﷺ مع ذكر ربه هو الشهادة له بالرسالة إذا شهد لمرسله بالوحدانية، وهذا هو الواجب في الخطبة قطعًا بل هو ركنها الأعظم، وقد روى أبو داود، وأحمد وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء" (^٢)
_________________
(١) جلاء الأفهام (ص ٢٨١ - ٢٨٤).
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٠٢، ٣٤٣). وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في الخطبة (٥/ ١٧٣) ح ٤٨٤١ وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب =
[ ٧٢ ]
واليد الجذماء: المقطوعة، فمن أوجب الصلاة على النبي ﷺ في الخطبة دون التشهد فقوله في غاية الضعف.
وقد روى ابن جرير في تفسيره بسنده عن قتادة ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطب ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا ينادى بها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله (^١).
وعن الضحاك: ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح] قال: إذا ذُكرتُ ذُكرتَ معي، ولا يجوز خطبة ولا نكاح إلا بذكرك (^٢) معي.
وعن مجاهد ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال: لا أُذكر إلا ذكرت معي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله" (^٣).
فهذا هو المراد من الآية، وكيف لا يجب التشهد الذي هو عقد الإسلام في الخطبة، وهو أفضل كلماتها وتجب الصلاة على النبي ﷺ فيها.
والدليل على مشروعية الصلاة على النبي ﷺ في الخطبة ما رواه الإمام أحمد في المسند بسنده عن عون بن أبي جحيفة (^٤) قال: كان أبي (^٥) من شرط علي، وكان تحت المنبر، فحدثني: أنه صعد
_________________
(١) = النكاح، باب ما جاء في خطبة النكاح (٣/ ٤١٤) ح ١١٠٦ وقال هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٢) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٣٥).
(٣) أورده السيوطي في الدر المنثور وعزاه لعبد بن حميد (٦/ ٣٦٣).
(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٣٠/ ٢٣٥).
(٥) عون بن أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي الكوفي، ثقة من الرابعة، مات سنة ست عشرة ومائة. تهذيب التهذيب (٨/ ١٧٠).
(٦) واسمه وهب بن عبد الله السوائي - بضم المهملة -: ويقال: اسم أبيه وهب أيضًا، أبو جحيفة مشهور بكنيته، ويقال له وهب الخير، قدم على النبي ﷺ =
[ ٧٣ ]
المنبر - يعني عليًّا ﵁ فحمد الله وأثني عليه وصلَّى على النبي ﷺ وقال خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر والثاني عمر، وقال يجعل الله الخير حيث شاء (^١).
قال ابن القيم: "وقد كانت الصلاة على النبي ﷺ في الخطب أمرًا مشهورا معروفًا عند الصحابة ﵃ أجمعين.
أما وجوبها فيعتمد دليلا يجب المصير إليه وإلى مثله" (^٢).