نشرت سنة ١٩٣٦
وعدت أستاذنا الجليل شاكر بك الحنبلي أني سأتشرف بالكتابة بـ (قلمه) البليغ، وذهبت أفتِّش عن موضوع خفيف عليَّ؛ حبيب إلى القرَّاء فأنتهز ساعة أفرغ فيها من عملي المتواصل في تأليف كتابي الجديد (عمر بن الخطاب) لأكتبه، وأوافي به جزءًا صغيرًا من الواجب الكبير عليَّ واجب المساهمة في الكتابة بـ (القلم)، فلما أخذت العدد الجديد من مجلة القلم، ورأيت أنها قد أعلنت في ظاهرها عن غاياتها الأربع: النقد والعلم والأدب والسياسة.
قلت: الحمد لله، قد وجدت الموضوع!
سأكتب، في النقد، لامقالة ولا مقالتين ولكن سلسلة طويلة أنفِّس بها عن بعض ما أجد من الضيق بالأدباء. وآثارهم القليلة وكسلهم الطويل وأقذف في وجوههم بما عجزت عن حمله من اليأس والقنوط والخيبة والألم، فقد طال ركودها الأدبي. وامتدَّ نوم أدبائنا وزادت ثقتهم بنفوسهم وغرورهم حتى كادَ والله يتسرَّب إلى نفوسنا الخوف من «الإفلاس الأدبي» ولكنَّا لم نكن نجد الجريدة التي تتَّسع للنقد، وتفهمه على وجهه، وتعلم أنه شيء لا شأن له بالصداقة وأنه ما دام وجيهًا معقولًا، يجب أن يقبل وينشر سواء أكان موجهًا إلى صديق أم إلى عدو وقد كتبت منذ أمد قريب، مقالة في «النشيد الوطني» بمناسبة تأليف الشباب الوطني، وعرضت فيها بالنقد إلى نشيد الجمهورية الذي نظمه الأستاذ خليل مردم بك ولم يوفَّق فيه أبدًا وأخذته إلى القبس وهي اليوم أدنى جريدة إلى الأدب لمكان الدكتور العجلاني فيها. فاعتذرت من نشره بأن خليل بك صديق الجريدة! ونسيت أني أنا أيضًا صديق الجريدة وأن خليل
[ ١٤٧ ]
بك صديقي، ونسيت أن خليل بك في منزلته الأدبية أحق الناس بتقدير النقد وتشجيعه. إذا كان نقدًا فنيًا صحيحًا
ويمنع بعض جرائدنا من نشر النقد، أن بعض القائمين عليها لا يفهمون من الأدب إلا الشهرة الواسعة، والألقاب الطنَّانة، فإذا سمي النشاشيبي «أديب العربية الأكبر » وأطلقت ذلك خمس جرائد تعيش من فضلات ماله، كان معنى ذلك أن الأستاذ النشاشيبي منزَّه عن النقد، مبرَّأٌ من الذم، لا يجوز أن تكتب في جريدة كلمة تسوؤه، ولو ألَّف هو كتابًا سمَّاه، الإسلام الصحيح. فأساء فيه إلى الإسلام، وسفَّه الأمة، وضلَّل المسلمين كلهم منذ أحد عشر قرنًا. وجعلهم جهلة مخرِّفين، وحمقى جاهلين خفي عليهم الحق فلم يروه حتى يتدارك الله الإسلام بهذا النشاشيبي ليأتي في آخر الزمان! فيرجع إلى الأصول، ويفهم منها ما لم يفهمه أحد من زمن الشافعي إلى زمان الناس هذا!
على أن الأمر لو وقف عند الجرائد لهان الأمر وسهل الإصلاح، ولكن هذا المرض قد سرى إلى الأدباء إلى الأدباء الكبار على وجه التخصيص، فغدوا يفزعون من النقد، ولو كان مسًّا رفيقًا، وغدا أديب كبير منتج هو الأستاذ معروف الأرناؤوط الذي يعدُّ في رأس الأدباء القليلين الذين قاموا بما يطلب منهم أو بأكثر مما يطلب منهم، هذا الأديب قد غضب من جملة كتبتها عنه في فصل (الحياة الأدبية في دمشق) المنشور في الرسالة، وعاتب عليها مرَّات كثيرة فما بالك بمن ليس في منزلة (معروف) وفهمه للأدب، إن مثل هذا يعادي الناقد، ويقيم له حربًا، على كلمة نقد
من أجل ذلك مات النقد في بلادنا، وجهله الناس: ولم يبق من يفرق بينه وبين السبِّ والشتم ويعلم أن الذي ينقد ليس عدوًا ليسبَّ ويشتم؟ ولا خصمًا يريد أن يهدم الأديب الذي ينقده، ولكن الذي ينقد أديب له ميزان حساس. وصنجات موزونة، وعنده مثل أعلى فهو يقيس عليه القطعة التي ينقدها ويبينِّ مقياسها ويعطيها ما تستحق من التقدير.
هذا هو النقد الذي سأكتبه، وسأجتهد أن أدنو به من قواعد النقد
[ ١٤٨ ]
الأدبي، وسأفتح صدري لكل جواب يأتيني، أو اعتراض يرد عليى، وسأزنه بميزان الحق، ثم أحكم به لي أو عليَّ.
لأننا -والحق يقال- إذا شكونا من جزع أدبائنا من النقد، وإساءة فهمهم إياه، فإننا نشكو أكثر من ذلك من رقاعة أكثر من يتصدَّون للنقد، وجهلهم بأصوله وفروعه، وخبطهم خبط عمياء في طرق لايعرفونها، ومسالك لا يألفونها، كالذي وقع لي أمس في القهوة، حين جاءني أستاذ لنا قديم متخصِّص في علوم الطبيعة، ينتقد علي أني قلت في قصتي الأخيرة في الرسالة (النهاية) إن في المهاجرين أشجارًا، والمهاجرين ليس فيها أشجار فلم أدر من أي أمريه أعجب، أمن غفلته في باب القصة، أم من غفلته عن حدائق بيوت المهاجرين وأعجب منه تلميذ علم أن الاستعارة غير الكناية، فأقبل ينتقد طه حسين!
ولئن شكا أدباء مصر من حالة النقد في مصر وأقاموا الدنيا وأقعدوها، لما يشاهدون من ضعف النقد في مصر، فنحن أحق بالشكوى من موت النقد في بلادنا، غير أننا أحق أيضًا بالاغتباط بان أستاذنا الحنبلي قد فتح صدر مجلته للنقد، وأعلن لأصدقائه وأعدائه أنهم لديه سواء، لا يجامل صديقًا لصداقته، ولا يظلم عدوًا لعداوته، بل يدع النقد يجري في مجراه، فينشر فصل الناقد، وينشر جواب المنقود، ثم يكون هو والقرَّاء الحكم؟
فإذا رضي الأستاذ ونشر هذه القطعة -بحروفها- لأني أحب أن لا يتوسط أحد بيني وبين قرائي، وأفضل أن أواجههم بخطئي عن أن أقابلهم بصواب صاحب الجريدة! - فإلى الملتقى القريب وإن لم يرض بنشرها
[ ١٤٩ ]