وقد فرقت العلماء بين العلم بالله تعالى وبين العلم بأمر الله تعالى وفرقوا بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة، فقال سفيان: العلماء ثلاثة، عالم بالله وبأمر الله فذلك العالم الكامل، وعالم بالله تعالى فذاك التقيّ الخائف، وعالم بأمر الله تعالى غير عالم بالله تعالى فذاك العالم الفاجر، وقيل أيضًا: عالم لله تعالى وهو العامل بعلمه، وعالم بأيام الله تعالى وهو الخائف الراجي، وسئل سفيان عن العلم ما هو؟ فقال هو الورع، قيل: وأي شيء هو الورع؟ فقال: طلب العلم الذي يعرف به الورع وهو عند قوم طول الصمت وقلة الكلام وما هو كذلك إنما هو المتكلم العالم عندنا افضل من الصامت.
وروينا عن لقمان في وصيته: للعلم ثلاث علامات، العلم بالله وبما يحبه الله تعالى وبما يكره فجعل حقيقة العلم ودليل وجوده هذه الثلاث، ومما يدلك على الفرق بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة أن كل عالم بعلم إذا رآه من لا يعرفه لم يتبين عليه أثر علمه ولا عرف أنه عالم إلا العلماء بالله ﷿ فإنما يعرفون بسيماهم للخشوع والسكينة والتواضع والذلة، فهذه صبغة الله تعالى لأوليائه ولبسته للعلماء به، ومن أحسن من الله صبغة فمثلهم في ذلك كمثل الصناع إذ كل صانع لو ظهر لمن لا يعرفه لم يعرف صنعه دون سائر الصنائع ولم يفرق بينه وبين الصناع إلا الصناع، فإنه يعرف بصنعته لأنها ظاهرة عليه إذ صارت له لبسة وصفةلالتباسها بمعاملته، فكانت سيماه كما قيل: ما ألبس الله تعالى عبدًا لبسة أحسن من خشوع في سكنية هي لبسة الأنبياء وسيما الصديقين والعلماء فاعلم الناس بلطف ما يحب الله تعالى وخفي ما يكره أهل القلوب الفاقهة عن الله تعالى وهم العارفون به، وقد كان سهل ﵀ يقول: العلماء ثلاثة، عالم بالله تعالى، وعالم لله تعالى وعالم بحكم الله تعالى يعني العالم بالله تعالى العارف الموقن، العالم لله ﷿ هو العالم بعلم الإخلاص والأحوال والمعاملات، والعالم بحكم الله تعالى هو العالم بتفصيل الحلال والحرام فسرنا ذلك على معاني قوله ومعرفة مذهبه، وقد قال مرة في كلام أبسط من هذا: عالم بالله لا بأمر الله ولا بأيام الله وهم المؤمنون، وعالم بأمر الله لابأيام الله وهم المفتون في الحلال والحرام، وعالم باللّه تعالى عالم بأيام الله وهم
[ ١ / ٢٤٢ ]
الصديقون، يعني قوله بأيام الله أي بنعمته الباطنة وبعقوباته الغامضة، ثم قال: الناس كلهم موتى إلا العلماء والعلماء نيام إلا الخائفين والخائفون منقطعون إلا المحبين، والمحبون أحياء شهداء وهم المؤثرون لله تعالى على كل حال، وقد كان يقول: طلاب العلم ثلاثة، واحد يطلبه للعمل به، وآخر يطلبه ليعرف الاختلاف فيتورع ويأخذ بالاحتياط، وآخر يطلبه ليعرف التأويل فيتناول الحرام فيجعل حلالًا فهذا يكون هلاك الحق على يديه، وقد حدثت عن أبي يوسف أنه كان إذا صار رأس الحول وهب ماله لامرأته واستوهبها مالها فتسقط عنهما الزكاة فذكر ذلك لأبي حنيفة فقال: ذلك من فقهه فإنما يطلب لعلم المعرفة الورع والاحتياط للدين فهذا هو العلم النافع فإذاطلب لمثل هذا ولتأويل الهوى كان الجهل خيرًا منه وصار هذا العلم هو الضار الذي استعاذ الرسول منه.
وروينا عن عمر وغيره: كم من عالم فاجر وعابد وجاهل، فاتقوا الفاجر من العلماء والجاهل من المتعبدين، وعن عمر أيضًا: وقد رويناه مسندًا: اتقوا كل منافق عليم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون، وروينا عنه أيضًا تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم وتواضعوا لمن تعلمون وليتواضع لكم من يتعلم منكم ولا تكونوا جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم، وروينا عن علي وابن عباس ﵄ وعن كعب الأحبار: يكون في آخر الزمان علماء يزهدون الناس في الدنيا ولا يزهدون ويخوّفون ولا يخافون وينهون عن غشيان الولاة ولا ينتهون ويؤثرون الدنيا على الآخرة ويأكلون الدنيا بألسنتهم أكلًا يقربون الأغنياء ويباعدون الفقراء يتغايرون على العلم كما تتغاير النساء على الرجال يغضب أحدهم على جليسه إذاجالس غيره ذلك حظهم من العلم، وفي حديث علي ﵁: علماؤهم شر الخليفة، منهم بدت الفتنة وفيهم تعود، وفي حديث ابن عباس: أولئك الجبارون أعداء الرحمن، وروينا عن علي ﵇: ما قطع ظهري في الإسلام إلا رجلان، عالم فاجر، ومبتدع ناسك، فالعالم الفاجر يزهد الناس في علمه لما يرون من فجوره والمبتدع الناسك يرغب الناس في بدعته لما يرون من نسكه، وقال صالح بن حسان البصري: أدركت المشيخة وهم يتعوذون بالله تعالى من الفاجر العالم بالسنة، وقال الفضيل بن عياض: إنما هما عالمان، عالم دنيا وعالم آخرة، فعالم الدنيا علمه منشور وعالم الآخرة علمه مستور، فاطلب عالم الآخرة واحذر عالم الدنيا لا يصدنك بشكره، ثم قرأ إن كثيرًا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله، قال: فالأحبار العلماء والرهبان الزهاد، وقال سهل بن عبد الله: طلاب العلم ثلاثة، فواحديطلب علم الورع مخافة دخول الشبهة عليه، فيدع الحلال خوف الحرام فهذا زاهد تقي، وآخر يطلب علم الاختلاف
[ ١ / ٢٤٣ ]
والأقاويل فيدع ما عليه ويدخل فيما أباح الله تعالى بالسعة ويأخذ للرخصة، وآخر يسأل عن شيء فيقال: هذا لا يجوز فيقول: كيف أصنع حتى يجوز لي، فيسأل العلماء فيخبرونه بالاختلاف والشبهة، فهذا يكون هلاك الخلق على يديه وقد أهلك نفسه وهم علماء السوء، واعلم أن كل محب للدنيا ناطق بعلم فإنه آكل للمال بالباطل وكل من أكل أموال الناس بالباطل فإنه يصد عن سبيل الله لا محالة وإن لم يظهر ذلك في مقاله ولكنك تعرفه في لحن معناه بدقائق الصد عن مجالسة غيره وبلطائف المنع من طرقات الآخرة لأن حب الدينا وغلبة الهوى يحكما عليه بذلك شاء أم أبى.
وقال بعض العلماء: إن الله عزّوجلّ يحب العالم المتواضع ويبغض الجبار من العلماءومن تواضع لله تعالى ورثه الله تعالى الحكمة، وفي الخبر عن ابن مسعود: إن الله تعالى ليمقت الحبر السمين، وقال رسول الله لمالك بن الصيف: حبر من أحبار اليهود، فقال: نشدتك الله تعالى ألم تجدفيما أنزل تعالى على موسى ﵇ أن الله تعالى يبغض الحبر السمين، وكان ابن الصيف سمينًا فغضب عندها فقال: (ما أنْزل اللهُ على بَشَرٍ منْ شَيءٍ) الأنعام: ٩١، ففيه نزلت هذه الآية تعريفًا لبهته: (قُلْ مَنْ أنْزلَ الكِتابَ الَّذي جاءَ بهِ مُوسى نُورًا) الأنعام: ٩١، فقال له أصحابه: ويحك ماذا قلت جحدت كتاب موسى فقال: إنه محكني فقلت ذلك ويقال ما آتى الله تعالى عبدًا علمًا إلا أتاه معه حلمًا وتواضعًا وحسن خلق ورفقًا فذلك علامة العلم النافع، وقد روينا معناه في الأثر: من آتاه ﷿ زهدًا وتواضعًا وحسن خلق فهو إمام المتقين، وكان الحسن يقول: الحلم وزير العلم والرفق أبوه والتواضع سرباله، وفي أخبار داود ﵇: إن الله تعالى أوحى إليه يا داودلاتسألنّ عني عالمًا قد أسكرته الدنيا فيصدك عن طريق محبتي أولئك قطاع طريق عبادي المريدين، يا داود إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي، يا داود إذا رأيت لي طالبًا فكن له خادمًا، يا داود من ردّ إليّ هاربًا كتبته عندي جهبذًا ومن كتبته جهبذًا لم أعذبه أبدًا.
وروينا عن عيسى ﵇: مثل علماء السوء مثل صخرة وقعت على فم النهر لا هي تشرب الماء ولا تترك الماء يخلص إلى الزرع، وكذلك علماء الدنيا قعدوا على طريق الآخرة فلا هم نفذوا ولا تركوا العباد يسلكون الله ﷿، قال: ومثل علماء السوء كمثل قناة الحش ظاهرها حسن وباطنها نتن ومثل القبور المشيدة ظاهرها عامر وباطنها عظام الموتى،
[ ١ / ٢٤٤ ]
وقال بشر بن الحارث: من طلب الرياسة من العلماء فتقرب إلى الله تعالى ببغضه فإنه مقيت الله في السماء والأرض، وكان الأوزاعي يروي عن بلال بن سعد أنه كان يقول: ينظر أحدكم إلى الشرطي والعون فيستعيذ بالله تعالى من حاله ويمقته وينظر إلى عالم الدنيا قد تصنع للخلق وتشوف للطمع والرياسة فلا يمقته، هذا العالم أحقّ بالمقت من ذلك الشرطي، وقد كان أبو محمد يقول: لا تقطعوا أمرًا من الدين والدنيا إلابمشورة العلماء تحمدوا العاقبة عند الله قيل: يا أبا محمد من العلماء؟ قال الذين يؤثرون الآخرة على الدنيا ويؤثرون الله تعالى على نفوسهم، وقد قال عمر ﵁ في وصيته: وشاور في أمورك الذين يخشون الله تعالى.
وروينا في الإسرائيليات أن حكيمًا من الحكماء صنف ثلاثمائة وستين مصحفًا في الحكمة حتى وصف بالحكم فأوحىالله تعالى إلى نبيهم: قل لفلان قد ملأت الأرض نفاقًا ولم تردني بشيء من ذلك وإني لا أقبل شيئًا من نفاقك قال: فأسقط في يديه وحزن وترك ذلك وخالط العامة ومشى في الأسواق وواكل بني إسرائيل وتواضع في نفسه فأوحى الله تعالى إلى النبي ﵇: قل له الآن وافقت رضاي، وقال بعض العلماء: كان أهل العلم على ضربين، عالم عامة وعالم خاصة، فأما عالم العامة فهو المفتي في الحلال والحرام وهؤلاء أصحاب الأساطين، وأما عالم الخاصة فهو العالم بعلم التوحيد والمعرفة هؤلاء أهل الزوايا وهم المنفردون وقد كانوا يقولون مثل الإمام أحمد بن حنبل ﵁ مثل دجلة كل أحد يعرفها، ومثل بشر بن الحارث مثل بئر عذبة مغطاة لا يقصدها إلا واحد بعد واحد، وقال حماد بن زيد: قيل لأيوب العلم اليوم أكثر أو فيما مضى؟ فقال: العلم فيما مضى كان أكثر والكلام اليوم أكثر، ففرق بين العلم والكلام وقد كانوا يقولون فلان عالم وفلان متكلم وفلان أكثر كلامًا وفلان أكثر علمًا، وكان أبو سليمان يقول: المعرفة إلى السكوت أقرب منها إلى الكلام، وقال بعض العارفين هذا العلم على قسمين: نصفه صمت ونصفه تدري أين تضعه، وزاد آخر: ونصفه وجد ونصفه نظريعني تفكرًا واعتبارًا، وسئل سفيان عن العالم من هو؟ فقال: من يضع العلم في مواضعه ويؤتي كل شيء حقه، وقال بعض الحكماء: إذا كثر العلم قل الكلام، وقد كان إبراهيم الخواص ﵀ يقول: الصوفي كلما ازداد علمًا نقصت طينته، وقال بعض شيوخنا: قلت للجنيد يا أبا القاسم يكون لسان بلاقلب، قال
[ ١ / ٢٤٥ ]
كثير: قلت فيكون قلب بلا لسان فقال: نعم قد يكون، ولكن لسان بلا قلب بلاء وقلب بلا لسان نعمة قلت فإذا كان لسان وقلب قال: فذاك الزيد بالنرسبان يعني العسل.
وقد روينا حديثًا مقطوعًا عن سفيان عن مالك بن مغول قال: قيل يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: اجتناب المحارم ولايزال فوك رطبًا من ذكر الله تعالى، قيل: يا رسول الله فأي الأصحاب خير؟ قال: صاحب إن ذكرت أعانك وإن نسيت ذكرك، قيل: فأي الأصحاب شر؟ قال: صاحب إن سكت لم يذكرك وإن ذكرت لم يعنك، قال: فأي الناس أعلم؟ قال: أشدهم لله تعالى خشية، قال فاخبرنا بخيارنا نجالسهم قال: الذين إذا رأوا ذكر الله تعالى قالوا: فأي الناس شر يا رسول الله؟ قال: اللهم اغفرا قالوا أخبرنا يا رسول الله قال: العلماء إذا فسدوا وقد وصف علي ﵇ علماء الدنيا الناطقين عن الرأي والهوى بوصف غريب.
رويناه عن خالد بن طليق عن أبيه عن جده وجده عمران بن حصين قال: خطبنا علي بن أبي طالب ﵇ ورضي عنه فقال: ذمتي رهينة وأنا زعيم لا يهيج على التقوي زرع قوم ولا يظمأ على الهدى شح أصل، وإن أجهل الناس من لا يعرف قدره وكفى بالمرء جهلًا أن لا يعرف قدره، وإن أبغض الخلق إلى الله تعالى رجل قمش علمًا أغار في أغباش الفتنة عمي عمًا في غيب الهدنة سماه أشباه الناس وأرذالهم عالمًا ولم يغن في العلم يومًا سالمًا بكر فاستكثر مما قل منه خير مما كثر حتى إذا ارتوى من آجن وأكثر من غير طائل جلس للناس مفتيًا لتخليص ما التبس على غيره فإن نزلت به إحدى المبهمات هيأ؟ لها عشوالرأي من رأيهم فهو من قطع الشبهات في مثل غزل العنكبوت لا يدري أخطأ أم أصاب ركاب الجهالات خباط عشوات ظلمة لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم ولا يعض على العلم بضرس قاطع فيغنم، تبكي منه الدماء وتصرخ منه المواريث وتستحل بقضائه الفروج الحرام، لا ملئ والله بإصدار ما ورد عليه ولا هو أهل لما قرطبه أولئك الذين حلت عليهم النياحة والبكاء أيام حياة الدنيا، ووصف علي ﵇ علماء الآخرة في حديث كهيل بن زياد الذي يقول فيه الناس: ثلاثة عالم رباني يعني عالمًا بالربوبية فننسبه إلى رب كما سماهم الله في قوله: (كُونُوا رَبَّانِيِّين بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ) آل عمران: ٧٩ الآية، فسمّى العالم بكتابه ربانيًا والدارس له ربانيًا فهذا قد جمع العلم والعمل وكذلك يقال: العالم الرباني هو الذي يعلم ويعمل ويعلم الناس الخير، قال: فذاك الذي يدعى عظيمًا في ملكوت السماء، وقال تعالى في تقدمتهم: (لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ والأحْبَارُ) المائدة: ٦٣ فقدم الربانيين على الأحبار وهم علماء الكتب
[ ١ / ٢٤٦ ]
وكذلك رويناه عن مجاهد قال: الربانيون فوق الأحبار درجة، وقال غيره: والأحبار فوق الرهبان يعني علماء القلوب أرفع من علماء الألسنة والعلماء بالكتب أفضل من العباد بدرجة، وقد ضمهم الله تعالى إلى أنبيائه في النصرة له والصبر معه في قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثيرٌ) آل عمران: ٦٤١، ثم وصفهم بالثبات لأمره والقوة في دينه والصبر لحكمه في تمام الآية وربيون جمع ربي يقال ربي ورباني فجمع ربي ربيون وجمع رباني ربانيون.
وكذلك جاء عن رسول الله: يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء فقدم العلماء على الشهداء لأن العالم إمام أمة فله مثل أجور أمته والشهيدعمله لنفسه، وفي خبر آخر: حبر العلماء يوزن بدم الشهداء فأعلى حال الشهيد دمه وأدنى وصف العالم حبره، فسوى بينهما وزاد العالم على الشهيد بأعلى مقامه وكان علي ﵇ يقول العالم أفضل من الصائم القائم والمجاهد في سبيل الله وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمةلا يسدها إلاخلف منه.
وقد روينا معناه مسندًا إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيءما طرد الليل والنهار إلا موت العالم بحم طمس وموت قبيلة أيسر من موت عالم ثم قال علي ﵇ في حديث كهيل ومتعلم على سبيل النجاة يعني مريدًا طالبًا للعلم متعلمًا من العلماء بالله تعالى على طريق معاملة وإخلاص لطلب السلامة وأن ينجو من الجهل في الدنيا ومن العذاب في الآخرة، ثم قال: وهمج رعاع الهمج الفراش الذي يتهافت في النار لجهله واحدته همجة رعاع خفيف طياش لاعقل له يستفزه الطمع ويستخفه الغضب ويزدهيه العجب ويستطيله الكبر ثم بكى علي ﵇ وقال: هكذا يموت العلم بموت حامليه ثم تنفس عند وصف الربانيين فقال: واشوقاه إلى رؤيتهم يعني الربانيين من العلماء وقد ذكرنا هذا الحديث بطوله في الباب الذي قبل هذا، فهؤلاء الذين بكى عليهم شوقًا هم الذين اشتاق رسول الله ﷺ إليهم قبله فقال: واشواقاه إلى لقاء إخواني ووددت أني قد رأيت إخواني، ثم قال: هم قوم يجيئون بعدكم، ثم وصفهم فإنما كانوا إخوانه لأن قلوبهم على قلوب الأنبياء ﵈ وأخلاقهم بمعاني صفات الإيمان وهم أبدال هذه الأمة جاء في وصفهم ما يجل عن الوصف هم على ثلاث طبقات: صديقون، وشهداء، وصالحون، وإن منهم من قلبه على قلب إبراهيم الخليل ومنهم من قلبه على قلب موسى الكليم وعيسى الروح ومحمد الحبيب صوات الله عليهم وسلم أجمعين، ومنهم على قلب جبريل وميكائيل وإسرافيل والأخوة تقع بين الاثنين في المجالسة وقرب الشبه في الأفعال والأخلاق كما قال الله ﷿: (أَلَمْ تَرَ إلى الَّذين نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمْ الَّذينَ كَفَرُوا) الحشر: ١١ لما كانوا على أوصافهم في القلوب من أسرار الكفر واعتقاد الشك جعلهم إخوانًا، وكذلك قال: إن
[ ١ / ٢٤٧ ]
المبذرين كانوا إخوان الشياطين، وهؤلاء ليسوا أمثالهم في الخلقة ولا بينهم أبوة ولا أمومة لأن الشياطين من ولد إبليس والمبذرين أولاد آدم ﵇، ولكن تشابهت قلوبهم في المواجيد والأخلاق والأفعال، فآخى بينهم للتشابه، فمن كان من علماء الآخرة فعقله يستضيء من أنوار قلبه وفهمه ينبئ عن استنباط علمه ومشاهدته وأخلاقه على معاني يقينه وقوته وطريقه وسلوكه في منهاج سنته وسبيله فهو من إخوانه وإخوان النبيين الذين اشتاق إلى رؤيتهم رسول الله ﷺ وهم الغرباء بين الملأ الذين قال بدا الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا فطوبى للغرباء قيل: ومن الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس، وفي لفظ آخر الذين يصلحون ما أفسده الناس من سنتي والذين يحيون ما أمات الناس من سنتي يعني أنهم يظهرون طريقته التي تركها الناس وجهلوها، وفي خبر آخر: هم المتمسكون بسنتي وما أنتم عليه اليوم، وفي حديث آخر: الغرباء ناس قليلون صالحون بين ناس سوء كثيرين من يبغضهم أكثر ممن يحبهم، فهؤلاء الغرباء الذين قد أنعم الله عليهم بمرافقة النبيين في أعلى عليين فقال مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين إلى قوله رفيقًا، وقد كان الثوري يقول: إذا رأيت العالم كثير الأصدقاء فأعلم أنه مخلط، وقال أيضًا إذا رأيت الرجل محببًا إلى إخوانه محمودًا في جيرانه فأعلم أنه مراء، وقد وصف الله تعالى علماء السوء بأكل الدنيا بالعلم ووصف علماء الآخرة بالخشوع والزهد فقال تعالى في علماء الدنيا: (وإذْ أخذاللهُ مِيثاق الذين أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلْنَّاس ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمِ واشتَرَوْا بهِ ثًمنًا قليلًا) آل عمران: ١٨٧، وقال في نعت علماءالآخرة: (وإنَّ مِنْ أهْلِ الكِتابَ لَمَن يُؤمْنُ بِالله وما أُنْزل إليْكُم) آل عمران: ١٩٩ إلى قوله: (لَهُمْ أجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِم) آل عمران: ١٩٩
وقد روينا عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي ﷺ: علماء هذه الأمة رجلان، فرجل آتاه الله علمًا فبذله للناس ولم يأخذ عليه طمعًا ولم يشتر به ثمنًا فذاك يصلي عليه طير السماء وحيتان الماء ودواب الأرض والكرام الكاتبون يقدم على الله تعالى يوم القيامة سيدًا شريفًا حتى يرافق المرسلين، ورجل أتاه الله تعالى علمًا في الدنيا فضنّ به عن عباد الله ﷿ وأخذ عليه طمعًا واشترى به ثمنًا يأتي يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار ينادي مناد على رؤوس الخلائق: هذا فلان بن فلان آتاه الله تعالى علمًا في الدنيا فضنّ به على عبادالله تعالى وأخذعليه طمعًا واشترى به ثمنًا يعذب حتى يفرغ من حساب الناس،
[ ١ / ٢٤٨ ]
ومن أغلظ ما سمعت فيمن أكل الدنيا بالعلم ما حدثونا عن عتبة بن واقد عن عثمان بن أبي سليمان قال: كان رجل يخدم موسى ﷺ فجعل يقول: حدثني موسى ﷺ وحدثني موسى نجي الله، حدثني موسى كليم الله، حتى أثرى وكثر ماله ففقده موسى صفي الله فجعل يسأل عنه فلا يحس له أثرًا حتى جاءه رجل ذات يوم وفي يده خنزير وفي عنقه حبل أسود فقال له موسى ﵇: أتعرف فلانًا قال الرجل: نعم هوذا الخنزير: فقال موسى: يا رب أسألك أن ترده إلى حاله حتى أسأله فيما أصابه هذا فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى لو دعوتني بما دعاني به آدم فمن دونه ما أجبتك فيه ولكني أخبرك لم صنعت به هذا لأنه كان يطلب الدنيا بالدين.
وروينا عن الحسن بأنه انصرف يومًا من مجلسه فأستأذن عليه رجل من أهل خراسان فوضع بين يديه كيسًا فيه خمسة آلاف درهم وأخرج من حقيبته رزمة فيها عشرة أثواب من دقيق بر خراسان، فقال الحسن: ما هذا؟ فقال: يا أبا سعيد هذه نفقة وهذه كسوة، فقال له: عافاك الله ضم إليك نفقتك وكسوتك فلا حاجة لنا بذلك، إنه من جلس مثل مجلسي هذا وقبل من الناس مثل هذا لقي الله تعالى يوم القيامة لاخلاق له، وفي خبر: إن العبد لينشر له من الثناء ما بين المشرق والمغرب وما يزن عند الله جناح بعوضة وعلماء الدنيا الطالبون لها بالعلم الآكلون لها بالدين المتخذون الأصدقاء والأخلاء من أبنائها المكرمون المحبون لهم المقبلون بالبشر والبشاشة عليهم هم معرفون في كل زمان بأوصافهم ولحن قولهم وسيماهم، وقد روينا في مقامات علماء السوء حديثًا شديدًا نعوذ بالله من أهله ونسأله أن لا يبلونا بمقام منه فرويناه مرة مسندًا من طريق ورويناه موقوفًا على معاذ بن جبل ﵁ وأنا أذكره موقوفًا أحب إليّ، حدثونا عن منذر بن علي عن أبي نعيم الشامي عن محمد بن زياد عن معاذ بن جبل يقول فيه: قال رسول الله ﷺ ووافقته أنا على معاذ قال: من فتنة العالم أن يكون الكلام أحبّ إليه من الاستماع، وفي الكلام تنميق وزيادة ولا يؤمن على صاحبه الخطأ وفي الصمت سلامة وعلم، ومن العلماء من يخزن علمه فلا يحب أن يوجد عند غيره فذلك في الدرك الأوّل من النار، ومن العلماء من يكون في علمه بمنزلة السلطان فإن رد عليه شيء من علمه أو تهاون بشيء من حقه فغضب فذلك في الدرك الثاني من النار، ومن العلماء من يجعل حديثه وغرائب علمه لأهل الشرف واليسار ولا يرى أهل الحاجة له أهلًا فذلك في الدرك الثالث من النار، ومن العلماء من ينصب نفسه للفتيا فيفتي بالخطا والله ﷿ يبغض المتكلفين فذلك في الدرك الرابع من النار، ومن العلماء من يتكلم بكلام اليهود والنصارى ليغزر به علمه فذلك في الدرك الخامس من النار، ومن العلماء من يتخذ علمه مروءة ونبلًا وذكرًا في الناس فذلك في الدرك السادس من النار، ومن العلماء من يستفزه الزهو
[ ١ / ٢٤٩ ]
والعجب فإن وعظ عنف وإن وعظ أنف فذلك في الدرك السابع من النار عليك بالصمت فيه تغلب الشيطان وإياك أن تضحك من غير عجب أو تمشي في غير أرب.
وقد روينا حديثًا يدل على أوصاف علماء الآخرة وفيه أصول ما يدعون الخلق إليه من مقامات الإيمان وأسباب الدين والإيقان، رويناه عن شقيق بن إبراهيم البلخي عن عباد بن كثير عن أبي الزبير عن جابر ذكره عن رسول الله ﷺ وواقفته أنا على جابر بن عبد الله قال: لا تجلسوا عند كل عالم إلا عالم يدعوكم من خمس إلى خمس من الشك إلى اليقين ومن الرياء إلى الإخلاص ومن الرغبة إلى الزهد ومن الكبر إلى التواضع ومن العداوة إلى النصيحة ومما يدلك أن علم اليقين والتقوى وعلم المعرفة والهدى هو العلم المذكور، المقصود عند السلف أن الصحابة والتابعين كانوا يشفقون من فقد ذلك ويخافون عدمه ويخبرون عن رفعه وقلته في آخر الزمان وإنما يعنون بذلك علم القلوب والمشاهدات الذي هو نتيجة التقوى وعلم المعرفة واليقين الذي هو من مزيد الإيمان وثمرة الهدى، فإذا فقد المتقون وقل الخائفون وعدم الزاهدون ذهبت هذه العلوم لأنها قائمة بهم موجودة عندهم هم أربابها والناطقون بها وهي أحوالهم وطرائقهم هم السالكون لها والقائمون بها فلأجل معرفة الصحابة والتابعين عزة ذلك كانوا يبكون على فقده، وقدوصف الله العلماء بالزهد في الدنيا والاستصغار لها وبعمل الصالحات والإيمان بها كما وصف أبناء الدنيا بالرغبة فيها والإستعظام لها قال تعالى في معنى ذلك: (فَخَرَجَ على قَوْمِهِ في زينتهِ قال الَّذين يُريدونَ الْحياة الدُّنْيا يا ليْتَ لنا مِثْل ما أُوتي قارُونُ إنَّهُ لذُو حظٍّ عَظيمٍ) القصص: ٧٩، (وقال الَّذين أوتُوا العِلْمَ وَيْلكُمْ ثوابُ الله خِيْرٌ لِمَنْ آمنَ وعمِلَ صالحًِا)، ثم قال ﷿: (ولا يُلَقَّاها إلا الصَّابِرون) القصص: ٨٠، أي لا يلقى هذه الحكمة إلا الصابرون عن زينة الدنيا التي خرج فيها قارون.
وروينا عن جندب بن عبد الله البجلي قال: كنا عند رسول الله ﷺ غلمانًا حزاورة فيعلمنا الإيمان قبل القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا، وعن ابن مسعود قال: أنزل القرآن ليعمل به فاتخذتم دراسته عملًا وسيأتي قوم يثقفونه تثقيف الغناء ليسوا بخياركم، وفي لفظ آخر: يقيمونه إقامة القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه، وروينا عن ابن عمر وغيره لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا يؤتي الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يتوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم اليوم القرآن ولقد رأيت رجالًا يؤتي أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته لا يدري ما آمره ولا زاجره وما ينبغي أن يقف عنده وينثره نثر الدقل، وفي الخبر الآخر بمعناه: كنا أصحاب رسول الله أوتينا الإيمان قبل القرآن وسيأتي بعدكم قوم يؤتون القرآن قبل الإيمان يقيمون حروفه ويضيعون حدوده ويقولون قرأنا، فمن أقرأ منا وعلمنا فمن أعلم منا فذلك حظهم منه، وفي لفظ آخر:
[ ١ / ٢٥٠ ]
أولئك شرار هذه الأمة، فأما العلم المأثور الذي نقله خلف عن سلف والخبر المرسوم في الكتب المستودع في الصحف الذي يسمعه من غبر عمن قدم فهذا علم الأحكام والفتيا وعلم الإسلام والقضايا طريقه السمع ومفتاحه الاستدلال وخزانته العقل وهو مدون في الكتب ومحبر في الورق يتلقاه الصغير عن الكبير بالألسنة وهو باق بقاء الإسلام وموجود بوجود المسلمين لأنه حجة الله تعالى على عباده ومحجة العموم من خلقه فضمن إظهاره فلم يكن ليظهر إلا بحملة تظهره ونقلة تحمله فقال تعالى: (لِيُظْهِرَهُ على الدّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) الصف: ٩، وكما قال الرسول ﷺ بمعناه وعلم ظاهر على اللسان فذلك حجة الله تعالى على خلقه وقال ﷺ لأصحابه: تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن سمع منكم فأخبر ﷺ بالعلم العتيد المستودع ظهور الكتب الذي هو ظاهر الدين وفي جهله وعدمه وجود الشرك كما ضمن الله تعالى تبقية الإسلام على كره المشركين وقال ﷺ: رحم اللّه من سمع منا حديثًا فبلغه كما سمعه فربّ حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وقد أخبر أن حامل الفقه قد يكون غير فقيه القلب إذا لم يعمل بعلمه وأنه قد يحمله إلى من هو أفقه منه إذا عمل به إذا وعاه كما قال في الخبر الآخر: ربّ مبلغ أوعى من سامع فمدحه بالعمل به إذا وعاه، فتذكر به وتفكر فيه وإن لم يكن سمعه منه ﷺ.
وقال الله ﷾: (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) الحاقة: ١٢ يعني أذن القلب الحافظة ما سمعت الذاكرة لما وعت كما قال تعالى: (إنَّ في ذلك لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهيدٌ) ق: ٣٧ يعني أصغي بسمعه إلى سامعه وشهد بقلبه ما سمعه من شاهده، وقد جاء في تفسير قوله تعالى: (وَتَعِيها أُذُن ٌواعيِةٌ) الحاقة: ١٢، قال: أذن عقلت عن الله تعالى أمره ونهيه فوعته وعملت به كما وصف ﷾ المؤمنين الذين نعتهم بقوله في تمام وصفهم: (والحْافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ) التوبة: ١١٢، وقدروينا عن عليّ ﵁: اطلبوا العلم تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله، وقال أيضًا ﵁: إذا سمعتم العلم فاكظموا عليه ولا تخلطوه بهزل فتمجه القلوب وقال بعض السلف: من ضحك ضحكة مج مجة من العلم، وقال الخليل بن أحمد ﵀: ليس العلم ما حواه القمطر إنما العلم ما وعاه الصدر، وإذا جمع العالم ثلاثًا تمت النعمة به على المتعلم الصبر والتواضع وحسن الخلق، وإذا جمع المتعلم ثلاثًا تمت النعمة به على العالم العقل والأدب وحسن الفهم والله أعلم.