وروينا في الخبر: العلم ثلاثة، كتاب ناطق، وسنة قائمة، ولا أدري، وعن الشعبي أنه قال: لا أدري، نصف العلم يعني أنه من الورع وكان الثوري ﵁ يقول: إنما العلم الرخصة من ثقة فأما التشديد فكل أحد يحسنه يعني أن التورع والتوقف في الأمور هو سيرة المؤمنين وإن لم يكونوا علماء لأن الورع هو الجبن عن الإقدام والهجوم على الشبهات والوقوف عند المشكلات بسكون أو سكوت، واليقين هو الإقدام على الأشياء ببصيرة وتمكين والقطع بالأمر على علم وخبر فهذا صفة العلماء الموثوق بعلمهم لا يحسنه سواهم كما قال علي ﵇ لابنه محمد بن الحنفية وقدمه أمامه يوم الجمل وجعل يقول له: أقدم أقدم ومحمد يتأخر وهو يركزه بقائم رمحه، فالتفت إليه محمد ابنه فقال: هذا والله الفتنة المظلمة العمياء فوكزه عليّ برمحه، ثم قال: تقدم لا أم لك أتكون فتنة أبوك قائدها وسائقها والمرء إذا قال: لا أدري فقد عمل بعلمه وقام بحاله فله من الثواب بمنزلة من درى فقام بحاله وعمل بعلمه فأظهره، فلذلك كان قول لا أدري نصف العلم ولأن حسن من سكت لأجل الله تعالى تورعًا كحسن من نطق لأجله بالعلم تبرعًا، وقال علي بن الحسين ومحمد بن عجلان: إذا أخطأ العالم قول لا أدري أصيبت مقالته، وقاله مالك والشافعي بعدهما واعلم أن مثل العلم والجهل في تفاوت الناس فيهما مثل الجنون والعقل والمجانين طبقات، كالعقلاء طبقات، وكذلك الجهال طبقات كالعلماء فخصوص الجهال يشبهون عموم العلماء فهم يشتبهون على العامة حتى يحسبوهم علماء وهم مكشوفون عند العلماء بالله تعالى وكذلك العارفون يشتبهون على عموم العلماء وهم ظاهرون للموقنين، وقال بعض العلماء: العلم علمان، علم الأمراء وعلم المتقين، فأما علم الأمراء فهو علم القضايا وأما علم المتقين فهو علم اليقين والمعرفة.
وقد قال الله سبحانه في وصف علم المؤمنين وذكر علم الإيمان: (يَرْفَعِ الله الَّذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذينَ أُوتُوا العْلْمَ دَرَجَاتٍ) المجادلة: ١١، فجعل المؤمنين علماء فدل على أن العلم والإيمان لا يفترقان والواو هنا عند أهل اللغة للمدح لاللجمع، العرب إذا مدحت بالأوصاف أدخلت الواو للمبالغة فقالوا: فلان العاقل والعالم والأديب، ومثل هذا قوله تعالى: (لكنِ الراسخون في الْعِلْمِ مِنْهُمْ والْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِليْكَ وما أُنْزِلَ مِنْ قبْلِكَ والْمُقيمينَ الصَّلاةَ والْمؤْتُونَ الزَّكوة) النساء: ١٦٢ كله نعت، فالمؤمنون هم الراسخون في العلم وهم المقيمون والمؤتون أيضًا وكلهم وصف الراسخون في العلم ولذلك انتصب قوله والمقيمين الصلاة لأنه مدح والعرب تنصب وترفع بالمدح وبمعناه قوله تعالى: (والرَّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بهِ) آل عمران: ٧، فوصف العلماء بالإيمان كما وصف المؤمنين بالعلم وكذلك قوله تعالى: (وقالَ الَّذينَ أُوتُوا الْعِلْمَ والإيمانَ) الروم: ٥٦، ومن هذا حديث أنس عن
[ ١ / ٢٣٦ ]
النبي ﷺ: أمتي خمس طبقات كل طبقة أربعون عامًا فطبقتي وطبقة أصحابي أهل العلم والإيمان والذين يلونهم إلى الثمانين البر والتقوى والذين يلونهم إلى مائة وعشرين أهل التواصل والتراحم، فقرن العلم بالإيمان وقدمهما على سائرالطبقات.
وقد قرن الله سبحانه الإيمان بالقرآن وهو علم: كما قرن القرآن بالإيمان كما قال تعالى: (كتبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وَأيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) المجادلة: ٢٢، قيل القرآن وتكون الهاء عائدة إلى الله تعالى في أكثر الوجوه، كما قال: (ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتَابُ ولا الإيمانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا) الشورى: ٥٢، فأهل الإيمان هم أهل القران وأهل القرآن أهل الله وخاصته، وقال المهدي لسفيان بن الحسين لما دخل عليه وكان أحد العلماء أمن العلماء أنت فسكت فأعادعليه فسكت فقيل: ألا تجيب أمير المؤمنين؟ فقال: يسألني عن مسألة لا جواب لها، إن قلت لست بعالم وقد قرأت كتاب الله تعالى كنت كاذبًا وإن قلت إني عالم كنت جاهلًا، وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أنس في قوله: (إِنَّما يَخْشى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلماءُ) فاطر: ٢٨، قال: من لم يخشَ الله تعالى فليس بعالم ألا ترى أن داود ﷺ قال ذلك بأنك جعلت العلم خشيتك والحكمة والإيمان بك فما علم من لم يخشك وما حكم من لم يؤمن بك، وقد سمّى عبد الله بن رواحة العلم إيمانًا فكان يقول لأصحابه: اقعدوا بنا نؤمن ساعة فيتذاكرون علم الإيمان وقدجعل الله للمؤمنين سمعًا وبصرًا وقلبًا، وهذه طرائق العلم التي يؤخذ العلم منها ويوجد بها وهي أصول العلم والنعم التي أنعم الله على الخلق بها وطالبهم بالشكر عليها، فقال سبحانة: (والله أخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجعلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفئدِةَ لعلَّكُمْ تَشْكُرون) النحل: ٧٨، فأثبت العلم بها بعد النفي بها له، وقال تعالى في وصف من لم يكن مؤمنًا ونفي الغنية بالعلم بها: (وجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدةً فما أغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ ولا أبْصارُهُمْ ولا أفْئِدتُهُمْ مِنْ شيء إذ كانوا يجْحَدوان بآياتِ الله) الأحقاف: ٢٦، فمن آمن بآيات الله تعالى أغنى عنه سمعه وبصره وقلبه فكانت طرق العلم إليه.
وقال ﷿ في معنى ذلك أيضًا: (ولا تقْفُ ما ليْسَ لكَ بهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والْبَصَرَ والْفُؤادَ كُلُّ أُولئكَ كان عَنْهُ مَسْؤُولًا) الإسراء: ٣٦، فلولا أن العلم يقع بالسمع والبصر والقلب ما نهى عما لا يعلم هذه الأشياء ففي النهي عن قفو ما لا يعلم هذه الأواساط ويتبعه إثبات العلم بها فكل مؤمن هو ذو سمع وبصر وقلب فهو عالم بفضل الله ورحمته.
ومما فضل الله تعالى به هذه الأمة على سائر الأمم وخصها به ثلاثة أشياء: تبقية الإسناد فيهم يأثره خلف عن سلف متصلًا إلى نبينا محمد ﷺ وإلى من خلا من علمائنا وإنما كانوا فيهم يستنسخون الصحف كلما اختلقت صحيفة جددت فكان ذلك أثرة العلم فيهم، والثاني حفظ كتاب الله تعالى المنزل عن ظهر غيب، وإنما كانوا يقرؤون كتبهم
[ ١ / ٢٣٧ ]
نظرًا ولم يحفظ جميع كتاب أنزله الله تعالى قط غير كتابنا هذا إلا ما ألهمه الله تعالى غزيرًا من التوراة بعد أن كان بختنصر أحرق جميعها عند إحراق بيت المقدس، فلذلك قال سبط من اليهود إنه ابن الله تعالى عزّ عن ذلك علوًا كبيرًا لما خصه به وأفرده من حفظ جميع التوراة، والثالث أن كل مؤمن من هذه الأمة يسئل عن علم الإيمان ويسمع قوله ويؤخذ من رأيه وعلمه مع حداثة سنه ولم يكونوا فيما مضى يسمعون العلم إلا من الأحبار والقسيسين والرهبان لا غير من الناس، وزادها رابعة على أمة موسى ﷺ ثبات الإيمان في قلوبهم لا يعتريه الشك ولا يختلجه الشرك مع تقليب القلوب في المعاصي، وكانت أمة موسى ﵇ تتقلب قلوبهم في الشك والشرك كما تتقلب جوارحهم في المعاصي، فلذلك قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة بعد أن رأوا الآيات العظيمة من انفلاق البحر وسلوكهم فيه طرائق وأنجاهم من الغرق وأهلك فرعون.
وروينا بعض الأخبار أن في بعض الكتب المنزلة: يا بني إسرائيل لا تقولوا العلم في السماء من ينزل به ولا في تخوم الأرضين من يصعد به ولا من وراء البحار من يعبره يأتي به العلم مجعول في قلوبكم، تأدّبوا بين يدي بآداب الروحانيين وتخلّقوا لي بأخلاق الصديقين أظهر العلم في قلوبكم حتى يعطيكم ويغمركم، وفي الإنجيل مكتوب: لا تطلبوا علم ما لم تعملوا حتى تعملوا بما قد علمتم، وفي أخبارنا نحن: من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم حتى قيل: من علم بعشر ما يعلم ورثه الله علم ما يجهل، وقد روينا عن حذيفة بن اليمان: إنكم اليوم في زمان من ترك فيه عشر ما يعلم هلك ويأتي بعدكم زمان من عمل منهم بعشر ما يعلم نجا، هذا لقلة العاملين وكثرة البطالين، وفي كتابنا المجمل المختصر: واتقوا الله ويعلمكم الله واتقوا الله واعلموا واتقوا الله واسمعوا، واعلم أن من عمل بعلم أو نطق به فأصاب الحقيقة عند الله تعالى فله أجران، أجر التوفيق وأجر العمل - وهذا مقام العارفين، ومن نطق بجهل أو عمل به وأخطأ الحقيقة فعليه وزران - وهذا مقام الجهال، ومن قال أو عمل بعلمه وأخطأ الحقيقة فله أجر لأجل العلم وهذا مقام علماء الظاهر، ومن قال بجهل أو عمل عملًا وأصاب الحقيقة فعلية وزر لتركه طلب العلم وهذا مقام جهلة العابدين، ومثل العالم مثل الحاكم وقد قسم النبي ﷺ الحكام ثلاثة أقسام فقال ﷺ: القضاة ثلاثة: قاضٍ قضى بالحق وهو يعلم فذاك في الجنة وقاضٍ قضى بالجور وهو يعلم أو قضى بالجور وهو لا يعلم فهما في النار، ومن أحسن ما سمعت في قوله تعالى: (يا بني آدَمَ قَدْ أَنْزَلنا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُواري سوْءاتِكُمْ) الأعراف: ٢٦ قيل العلم وريشًا قيل اليقين ولباس التقوى أي الحياء.
وروينا عن وهب بن منبه اليماني في معناه: الإيمان عريان ولباسه التقوى وزينته الحياء وثمرته العلم وقد أسنده حمزة الخراساني عن الثوري فرفعه إلى عبد الله عن النبي ﷺ
[ ١ / ٢٣٨ ]
وقد رويناه أيضًا مسندًا، قال مسعر عن سعد بن إبراهيم وسأله سائل: أي أهل المدينة أفقه؟ فقال: أتقاهم لله ﷿، وقال بعض العلماء: لو قال لي قائل أي الناس أعلم لقلت أورعهم ولو قال لي قائل أي أهل هذه المدينة خير؟ لقلت: تعرفون أنصحهم لهم، فإذا قالوا نعم قلت هو خيرهم وقال آخر: لو قيل لي من أحمق الناس لأخذت بيد القاضي فقلت هذا وقال الله تعالى: (وَاتَّقُوا الله وَاسْمَعُوا) المائدة: ١٠٨ و(اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سَديدًا) الأحزاب: ٧٠، فجعل تعالى مفتاح القول السديدوالعلم الرشيد والسمع المكين التقوى، وهي وصية الله تعالى من قبلنا وإيانا إذ يقول الله ﷾: (وَلَقَدْ وَصّيْنا الَّذينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وإِيَّاكُمْ أنِ أتَّقُوا الله) النساء: ١٣١، وهذه الآية قطب القرآن ومداره عليها كمدار الرحى على الخشبان.
وروينا عن عيسى ﵇ كيف يكون من أهل العلم من مسيره إلى آخرته، وهو مقبل على دنياه وكيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به وهو لا يطلبه ليعمل به، وقال الضحاك بن مزاحم: أدركتهم وما يتعلم بعضهم من بعض إلا الورع وهم اليوم يتعلمون الكلام، وفي الحديث: ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أعطوا الجدل ثم قرأ: ماضربوه لك إلا جدلًا بل هم قوم خصمون، وفي قوله ﷿: (فأمَّا الَّذينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) آل عمران: ٧، الآية هم أهل الجدل الذين عنى الله تعالى فاحذروهم، وعن بعض السلف: يكون في آخر الزمان علماء يغلق عنهم باب العمل ويفتح عليهم باب الجدل، وفي بعض الأخبار: إنكم في زمان ألهمتم فيه العلم وسيأتي قوم يلهمون الجدل، وعن ابن مسعود: أنتم اليوم في زمان خيركم فيه المسارع ويأتي بعدكم زمان خيركم فيه المتبين يعني الآن لبيان الحق واليقين في القرن الأول وبعد ذلك في زماننا هذا لكثرة الشبهات والالبتاس ودخول المحدثات مداخل الليل في السير، فأشكل الأمر إلا على الفرد الذي يعرف طرائق السلف فيجتنب الحدث كله.
وروينا عن بعض العلماء: إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح له باب العمل وأغلق عنه باب الجدل وإذا أراد الله بعبدسوءًا أغلق عنه باب العمل وفتح عليه باب الجدل، وفي الخبر المشهور عن رسول الله ﷺ: أبعض الخلق إلى الله ﷿ الألد الخصم، وقد روينا في خبر الحياء والعي شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان شعبتان من النفاق وفي بعضها مفسرًا والعي عي اللسان لا عي القلب، والخبر الآخر ما روى الحكم بن عيينة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال رسول الله ﷺ: ما أوتي قوم المنطق إلا منعوا العمل، وفي الحديث أن الله تعالى ليبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل الكلام بلسانه كما تتخلل الباقرة الخلاء بلسانها، والخلاء هو الحشيش الرطب، وكان أحمد بن حنبل يقول: العلم إنما هو ما جاء من فوق يعني إلهامًا من غير تعليم وقال أيضًا: علماء أهل الكلام زنادقة، وقال قبله أبو يوسف: من طلب العلم بالكلام تزندق.
[ ١ / ٢٣٩ ]