لا بدّ للعالم بالله تعالى من خمس هي علامة علماء الآخرة: الخشية، والخشوع،
[ ١ / ٢٥١ ]
والتواضع، وحسن الخلق، والزهد، قال الله تعالى: (إنَّما يَخْشى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلماءُ) فاطر: ٢٨ وقال تعالى: (خاشِعينَ لله) آل عمران: ١٩٩ الآية فلا بدّ له من التواضع وحسن الخلق، قال اللّه ﷿: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنينَ) (وَقُلْ إني أنا النَّذيرُ المْبُينُ) الحجر: ٨٨ - ٨٩، وقال تعالى: (فبِما رَحْمَةٍ مِنَ الله لِنْتَ لَهُمْ) آل عمران: ١٥٩ الآية والزهد في الدنيا، قال الله تعالى: (الَّذينَ أُوتُوا الْكتَابَ) التوبة: ٢٩ ويلكم ثواب الله خير فمن وجد فيه هذه الخلال فهو من العلماء بالله ﷿ واعلم أنه إنما يستبين العالم عند المشكلات في الدين ويحتاج إلى العارف عند شبهات حاكت الصدور كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: لا تزالون بخير ما إذا حاك في صدر أحدكم شيء وجد من يخبره به ويشفيه منه وأيم الله أوشك أن لا تجدوا ذلك، وكما قال له رسول اللّه ﷺ: أي الناس أعلم فقال: الله ورسوله أعلم، فقال أعلمهم بالحق إذا اشتبهت الأمور ووقعت المشكلات، وإن كان يزحف على أسته، فكذلك إذا اختلف الناس وإن كان في عمله تقصير وكما قال في حديث عمران بن حصين: إن الله تعالى يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات والعقل الكامل عند هجوم الشهوات ويحب السخاء ولو على تمرات ويحب الشجاعة ولوعلى قتل الحيات، وقد حصلنا في زماننا هذا في مثل ما خافه ابن مسعود لأن مشكلة لو وردت في معاني التوحيد وشبهة لو اختلجت في صدر مؤمن من معاني صفات الموحد وأردت كشف ذلك على حقيقة الأمر بما يشهده القلب الموفق ويثلج له الصدر المشروح بالهدى كان ذلك عزيزًا في وقتك هذا ولكنت في استكشاف ذلك بين خمسة نفر، مبتدع ضال يخبرك برأيه عن هواه فيزيدك حيرة، أو متكلم يفتيك بقصور علمه عن شهادة الموقنين وبقياس معقوله على ظاهر الدين وهذا شبهة فكيف تنكشف به شبهة، أو صوفيّ شاطح تائه غالط يجاوز بك الكتاب والسنة لا يباليهما ويخالف بقوله الأئمة لا يتحاشاها فيجيبك بالظن والوسواس والحدس والتمويه ويمحو الكون والمكان ويسقط العلم والأحكام ويذهب الأسماء والرسوم، وهؤلاء تائهون في مفازة التيه لم يقفوا على الحجة قد غرقوا في بحر التوحيدلم يجعلوا أئمة المتقين ولا حجة للمتقين وهذا ساقط القول إذ ليس معه حجة ولا هو على سنن المحجة، أو مفتٍ عالم عند نفسه موسوم بالفقه عند أصحابه يقول هذا من أحكام الآخرة ومن علم الغيب لا نتكلم فيه لأنّا لم نكلفه وهو في أكثر مناظرته يتكلم فيما لم نكلف ويجالد فيما لم ينطق به السلف ويتعلم ويعلم ما علمه بتكلف ولا يعلم المسكين أنه كلف علم يقين الإيمان وحقيقة التوحيدومعرفة إخلاص المعاملة وعلم ما يقدح في الإخلاص ويخرج من جملته قبل ما هو فيه لأنه متكلف لبعض ما هو يبتغيه لأن علم الإيمان وصحة التوحيد وإخلاص العبودية للربوبية وإخلاص الأعمال من الهوى الدنيوية
[ ١ / ٢٥٢ ]
وما يتعلق بها من أعمال القلوب هو من الفقه في الدين ونعت أوصاف المؤمنين إذ مقتضاه الإنذار والتحذير لقوله تعالى: (لِيَتفَقَّهُوا في الدينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ) التوبة: ١٢٢ الآية، ولقول الرسول ﷺ: تعلموا اليقين فإني متعلم معكم ولقول الصحابة ﵃ تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا فهذا مزيدًا الهداية بالإيقان وهو زيادة المؤمنين في الإيمان كما قال تعالى: (فَزَادَهُمْ إيمانًا) آل عمران: ١٧٣ وقال ﷿: (ويَزَيدُ الله الَّذينَ اهْتَدَوْا هُدىً) مريم: ٧٦ ولا يشعر أن حسن الأدب في المعاملة بمعرفة ويقين هو من صفات الموقنين وذلك هو حال العبد في مقامه بينه وبين ربه ﷿ ونصيبه من ربه تعالى، وحظه من مزيد آخرته.
وذلك معقود بشهادة التوحيدالخالصة المقترنة بالإيمان من خفايا الشرك وشعب النفاق وهو مقترن بالفرائض وفرض فرضها الإخلاص بالمعاملة وإن علم ما سوى هذا مما قد أشرب قلبه وحبب إليه من فضول العلوم وغرائب الفهوم إنما هو حوائج الناس ونوازلهم فهو حجاب عن هذا واشتغال عنه، فآثر هذا الغافل لقلة معرفته بحقيقة العلم النافع ما زين له طلبه وحبّب إليه قصده، آثر حوائج الناس وأحوالهم على حاجته وحاله وعمل في أنصبتهم منه في عاجل دنياهم من نوازل طوارقهم وفتياهم ولم يعمل في نصيبه الأوفر من ربه الأعلى لأجل آخرته التي هي خبر وأبقى إذ مرجعه إليها ومثواه المؤبد فيها، فآثر التقرب منهم على القربة من ربه عزه وجلّ وترك للشغل بهم حظه من الله تعالى إلا جزل وقدم التفرغ لهم على فراغ قلبه لما قدم لغده من تقواه بالشغل بخدمة مولاه وطلب رضاه واشتغل بصلاح ألسنتهم عن صلاح قلبه وظواهر أحوالهم عن باطن حاله وكان سبب ما بلي به حب الرياسة وطلب الجاه عند الناس والمنزلة بموجب السياسة والرغبة في عاجل الدنيا وعزها بقلة الهمة وضعف النية في عاجل الآخرة وذخره فأفنى أيامه لأيامهم وأذهب عمره في شهواتهم ليسميه الجاهلون بالعلم عالمًا وليكون في قلوب البطالين عندهم فاضلًا فورد القيامة مفلسًا وعندما يراه من أنصبة المقربين مبلسًا إذ فاز بالقرب العاملون وريح الرضا العالمون ولكن أنّى له وكيف بنصيب غيره؟ وقد جعل الله تعالى لكل عمل عاملًا ولكل علم عالمًا أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب كل ميسر لما خلق له هذا فصل الخطاب بينهما فإن الأمة لم تختلف، إن علم التوحيد فريضة سيما إذا وقعت الشبهات وأدخلت فيه المشكلات وإنما اختلفوا في مسألتين أي شيء هو التوحيد وفي كيفية طلبه والتوصل إليه، فمنهم من قال بالبحث والطلب ومنهم من يقول بالاستدلال والنظر، ومنهم من قال بالسمع والأثر، وقال بعضهم: بالتوقيف والتسليم وقال بعض الناس: يدرك دركه بالعجز والتقصير عن بلوغ دركه، والرجل الخامس
[ ١ / ٢٥٣ ]
من العلماء هو صاحب حديث وآثار وناقل رواية الأخبار يقول لك إذا سألته اعتقد التسليم وأمر الحديث كما جاء ولا تفتيش وهذا يتلو المفتي في السلامة وهو أحسنهم طريقة وأشبههم بسلف العامة خليقة ليس عنده شهادة يقين ولا معرفة بحقيقة ما رآه ولا هو مشاهد واصف لمعنى ما نقله إنما هو للعلم رواية وللأثر والخبر ناقلة عن غير خبر يخبره ولا فقه في نقله فهو على بينة من ربه وليس يتلوه شاهد منه، وقدكان الزهري يقول: حدثني فلان، وكان من أوعية العلم ولا يقول وكان عالمًا وكان مالك بن أنس ﵀ يقول: أدركت سبعين شيخًا من التابعين منهم عباد ومنهم مستجاب الدعاء ومنهم من يستسقى به ما حملت عنهم علمًا قط قيل: ولم ذاك قال لم يكونوا من أهل هذا الشأن وفي رواية لم يكونوا يدرون ما يحدثون به ولم يكن لهم فقه فيما يسألون عنه قال مالك وتقدم علينا ابن شهاب الزهري وهو حديث السن فنزدحم عليه حتى نصل إليه لأنه كان عالمًا بما يحدث به فهذا بمعنى ما روي عن رسول الله ﷺ: رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.
وقال بعض السلف ما كانوا يعدون علم من لا يعرف اختلاف العلماء علمًا وقال آخرين: من لم يعرف اختلاف العلماء لم يحل له أن يفتي ولم يسمَّ عالمًا وقال قتادة وسعيد بن جبير أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس وقيل للإمام أحمد ﵁ إذا كتب الرجل مائة ألف حديث له أن يفتي، قال: لا، قيل: فمائتي ألف حديث قال: لا قيل فثلاثمائة ألف حديث قال أرجو وفي التوراة مكتوب الطبيب الحاذق للعلة الباطنة يصلح.
وكتب سلمان الفارسي من المدائن إلى أبي الدرداء وكان قد آخى رسول الله ﷺ بينهما فيمن آخى: يا أخي بلغني أنك أقعدت طبيبًا تداوي المرضى فانظر فإن كنت طبيبًا فتكلم فإن كلامك شفاء وإن كنت متطببًا فالله الله لا تقتل مسلمًا، قال: فكان أبو الدرداء يتوقف بعد ذلك إذا سئل عن شيء وسأله إنسان عن شيء فأجابه ثم قال ردوه فقال له: أعد عليّ فأعاد فقال: متطبب والله فرجع في جوابه ولعمري أنه قدجاء عن رسول اللهّ ﷺ: من تطبب ولم يعلم منه طب فقتل فهو ضامن، وقد كان ابن عباس ﵁ يقول: سلوا جابر بن زيد فلو نزل أهل البصرة على فتياهل وسعهم وكان من صالحي التابعين، وكان ابن عمر ﵄ إذا سئل عن شيء يقول: سلوا سعيد بن المسيب، وكان أنس بن مالك ﵁ يقول: سلوا مولانا الحسن فإنه قد حفظ ونسينا، وقال بعض البصريين: قدم علينا رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فأتينا الحسن فقلنا ألا نذهب إلى هذا الصحابي فنسأله عن حديث رسول الله ﷺ وتجيء معنا؟ قال: نعم فاذهبوا، قال: فجعلنا نسأله عن حديث رسول الله ﷺ وجعل يحدثنا حتى حدثنا عشرين حديثًا قال: والحسن ينصت يستمع إليه، ثم جثا الحسن
[ ١ / ٢٥٤ ]
على ركبتيه فقال: يا صاحب رسول الله أخبرنا بتفسير ما رويت عن رسول الله ﷺ حتى نفقه فيه، فسكت الصحابي وقال ما عندي إلاما سمعت، قال: فابتدأ الحسن ﵀ يفسر ما رواه، فقال: أما الحديث الأوّل الذي حدثتنا به فإن تفسيره كيت وكيت والحديث الثاني تفسيره كذا وكذا حتى سرد عليه الأحاديث كلها التي حدثنا بها وأخبرنا بتفسيرها، قال: فلا ندري نعجب من حسن حفظه إياه وأدائه الحديث أو من علمه وتفسيره، قال: فأخذ الصحابي كفًا من حصى وحصينا به ثم قال: تسألوني عن العلم وهذا الحبر بين أظهركم فهؤلاء أصحاب النبي ﷺ يردون الأمور في الفتيا وعلم اللسان إلى من هو دونهم في القدر والمنزلة وهو في علم التوحيد والمعرفة والإيمان فوقهم درجات ولا يرجعون إليهم في الشبهات ولا يردون إليهم في علم المعرفة واليقين فهذا كما قيل: إنما العلم نور يقذفه الله ﵎ في قلوب أوليائه فقد يكون ذلك تفضيلًا للنظراء بعضهم على بعض، وقديكون تخصيصًا للشباب على الشيوخ ولمن جاء بعد السلف من التابعين وربما كان تكرمة للخاملين المتواضعين لينبه عليهم ويعرفون شأنهم ليعظمواويرفعوا كما قال الله تعالى: (وَنُريدُ أنْ نَمُنَّ على الَذينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرضِ وَنَجْعَلهُمْ أَئِمَّةً) القصص: ٥ والنور إذا جعل في الصدر انشرح القلب بالعلم ونظر باليقين فنطق اللسان بحقيقة البيان وهو الحكمة التي يودعها الله تعالى في قلوب أوليائه كما جاء في تفسير قوله ﷿: (وَآتيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وفَصْلَ الْخِطابِ) ص: ٢٠ قيل: الإصابة في القول فكأنه يوفقه للحقيقة وقوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ ومنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فقدْ أُوتيَ خيْرًا كَثيرًا) البقرة: ٢٦٩ قيل: الفهم والفطنة.
وقد قال رسول الله ﷺ في وصف الهداية حين تلا قوله ﷿ (فَمَنْ يُرِدِ الله أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ) الأنعام: ١٢٥ فقيل: يا رسول الله ما هذا الشرح؟ فقال: إن النور إذا قذف في القلب انشرح له الصدر وانفسح، قيل: فهل لذلك من علامة؟ قال: نعم التجافي عن دارالغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله فذكر سببه الزهدفي الدنياوالإقبال على خدمة المولى وحسن التوفيق والإصابة في العلم مواهب من اللهّ ﷿ وأثرة يختص بها من يشاء كما سئل أبو موسى الأشعري وهو أمير الكوفة عن رجل قتل في سبيل الله مقبلًا غير مدبر أين هو؟ فقال أبو موسى: في الجنة، فقال ابن مسعود للسائل: أعد على الأمير فتياك فلعله لم يفهم، قال السائل: قلت أيها الأمير ما قولك في رجل قاتل في سبيل الله فقتل مقبلًا غير مدبر أين هو؟ فقال أبو موسى: في الجنة، فقال ابن مسعود ﵁ أعد على الأمير فلعله لم يفهم فأعاد عليه ثلاثًا كل ذلك يقول أبو موسى في الجنة، ثم قال ما عندي غير هذا فما تقول أنت؟ فقال ابن مسعود لكني لا أقول هكذا، قال: فما قولك؟ فقال: أقول إن قتل في سبيل الله فأصاب الحق
[ ١ / ٢٥٥ ]
فهو في الجنة فقال أبو موسى صدق لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم والقول في تسليم أخبار الصفات والسكوت عن تفسيرها كما قال أصحاب الحديث إلا أن بمعرفة معاني الأسماء والصفات وشهودها ينفي الظن والوسواس فيها وترك التشبيه والتمثيل بها والطمأنينة إلى اليقين بالمعرفة بمشاهدتها هو مقام الموقنين واعتقاد أنها صفات لله تعالى يتجلى بها وبما شاء من غيرها بلا حد ولا عدد يظهر بصفة صفة كيف شاء غير موقوف على صفة ولا محكوم عليه بصورة بلا إظهار غيرته بل هو كيف ظهر وبأي وصف تجلّى مع نفي الكيفية والمثلية لفقد الجنس والجوهرية هو مقام المقربين من الشهداء، وهؤلاء هم الصديقون وخصوص الموقنين فمن عدل به عن وجهة هؤلاء ولم يواجه بشهادتهم عدل إلى التسليم والتصديق فوقف عنده فكان معقله واستراحته وليس بعد هؤلاء مقام يمدح ولا وصف يذكرفمن فتش ذلك بعقله وفسره برأيه دخل عليه التشبيه أو خرج إلى النفي والإبطال.
ومن الدليل على فضل هذا العلم على سائر العلوم ما جاء في الأخبار المأثورة عن النبي ﷺ وعن الصحابة والتابعين في فضل مجالس الذكر وفضل الذاكرين: إنما يريدون به علم الإيمان والمعرفة وعلوم المعاملات والتفقه في بصائر القلوب والنظر بعين اليقين إلى سرائر الغيوب وليس يريدون به مجالس القصص ولا يعنون بذلك القصاص لأنهم كانوا يرون القصص بدعة ويقولون لم يقص في زمن رسول الله ﷺ ولا أبي بكر ولا عمر حتى ظهرت الفتنة فلما وقعت الفتنة ظهر القصاص ولما دخل علي ﵁ البصرة جعل يخرج القصاص من المسجد ويقول: لا يقصّ في مسجدنا حتى انتهى إلى الحسن وهو يتكلم في هذا العلم فاستمع إليه ثم انصرف ولم يخرجه وجاء ابن عمر إلى مجلسه من المسجد فوجد قاصًّا يقصّ فوجّه إليه صاحب الشرطة أن أخرجه من المسجد فأخرجه، فلو كان القصص من مجالس الذكر والقصّاص علماء لما أخرجهم ابن عمر من المسجد، هذا مع ورعه وزهده، وقد روينا عن ابن شوذب عن أبي التياح قال: قلت للحسن إمامنا يقصّ فيجتمع الرجال والنساء فيرفعون أصواتهم بالدعاء ويمدون أيديهم فقال الحسن: رفع الصوت بالدعاء بدعة ومدّ الأيدي بالدعاء بدعة، وروى أبو الأشهب عن الحسن: القصص بدعة، وقيل لابن سيرين: لو قصصت على إخوانك فقال: قد قيل لا يتكلم على الناس إلا أحد ثلاثة: أمير أو مأمور أو أحمق فلست بأمير ولا مأمور وأكره أن أكون الثالث.
وروينا عن عون بن موسى عن معاوية بن قرة قال: سألت الحسن البصري قلت: أعود مريضًا أحبّ إليك أوأجلس إلى قاصّ، فقال: عد مريضك فقلت أشيع جنازة أحبّ إليك أو أجلس إلى قاصّ قال: شيع جنازتك قلت: وإن استعان بي رجل في حاجة أعينه
[ ١ / ٢٥٦ ]
أو أجلس إلى قاصّ قال: اذهب في حاجتك حتى جعله خيرًا من مجالس الفراغ، فلوكانت مجالس الذكر عندهم هي مجالس القصّاص ولو كان القصص هو الذكر لما وسع الحسن أن يثبط عنه ولا يؤثر عليه كثيرًا من الأعمال لأنه قد كان يدعو إلى الله تعالى بالتوحيد ويتكلم في علم المعرفة واليقين والذاكرين لله تعالى وحضور مجلس الذكر من مزيد الإيمان وقد رفع الله تعالى مقام الذاكرين فوق مقام المؤمنين في قوله تعالى: (إنَّ المُسْلِمينَ والْمسْلِمَاتِ والْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ) الأحزاب: ٣٥ فجعل الذاكرين والذاكرات أعلى المقامات.
وقد روينا في خبر أبي ذر حضور مجلس ذكر أفضل من صلاة ألف ركعة وحضور مجلس علم أفضل من عيادة ألف مريض وحضور مجلس علم أفضل من شهود ألف جنازة، قيل يا رسول الله ومن قراءة القرآن فقال: وهل تنفع قراءة القرآن إلا بعلم؟ وقال بعض السلف: حضور مجلس ذكر يكفر عشرة من مجالس الباطل وأما عطاء فإنه قال مجلس ذكريكفر سبعين مجلسًا من مجالس اللهو وحدثونا عن معاذ الأعلم قال: رآني يونس بن عبيدوأنا في حلقة المعتزلة فقال تعال فجئت فقال: إن كنت لا بد فاعلًا فعليك بحلقة القصاص، وقد كان الحسن البصري أحد المذكرين وكانت مجالسه مجالس الذكر يخلو فيها مع إخوانه وأتباعه من النساك والعباد في بيته مثل مالك بن دينار وثابت البناني وأيوب السجستاني ومحمد بن واسه وفرقد السنجي وعبد الواحد بن زيد فيقول: هاتوا انشروا والنور فيتكلم عليهم في هذا العلم من علم اليقين والقدرة في خواطرالقلوب وفساد الأعمال ووسواس النفوس وربما قنع بعد أصحاب الحديث رأسه فاختفى من ورائهم ليسمع ذلك فإذا رآه الحسن قال له: يا لكع وأنت ما تصنع ههنا؟ إنما خلونا مع إخواننا نتذاكر والحسن ﵀ هو إمامنا في هذا العلم الذي نتكلم به أثره نقفو وسبيله نتبع ومن مشكاته نستضيء أخذنا ذلك بإذن الله تعالى إمامًا عن إمام إلى أن ينتهي ذلك إليه، وكان من خيار التابعين بإحسان قيل: ما زال يعي الحكمة أربعين سنة حتى نطق بها وقدلقي سبعين بدريًا ورأى ثلاثمائة صحابي وولد لليلتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب ﵁ سنة عشرين من التاريخ ولد بالمدينة وكانت أمه مولاة لأم سلمة زوج النبي ﷺ ويقال إنها ألقمته ثديها تعلله حين بكى فدّر ثديها عليه وكان كلامه يشبه بكلام رسول الله ﷺ ورأى عثمان بن عفان ولعي بن أبي طالب ومن بقي في وقته من العشرة ثم رأى من أصحاب رسول الله ﷺ من عهد عثمان ومن سنة نيف وعشرين من الهجرة إلى سنة نيف وتسعين.
[ ١ / ٢٥٧ ]
ومن آخر من مات من أصحاب رسول الله ﷺ بالبصرة أنس بن مالك وبالمدينة سهل بن سعد الساعدي ومكة أبو الطفيل وباليمن أبيض بن جمال المازني وبالكوفة عبد الله بن أبي أوفى وبالشام أبو قرصافة وبخراسان بريدة الأسلمي ودخلت سنة مائة من التاريخ ولم يبق على وجه الأرض عين تطرف رأت رسول الله ﷺ في جميع أطراف الأرض ثم توفي الحسن في سنة عشر ومائة وكان أبو قتادة العدوي يقول: عليكم بهذا الشيخ فو الله ما رأينا أحدًا لم يصحب رسول الله ﷺ أشبه بأصحاب رسول الله ﷺ منه وكانوا يقولون كنا نشبهه بهدى إبراهيم الخليل ﷺ في حلمه وخشوعه ووقاره وسكينته فكان على شمائله ونذرت امرأة بالبصرة نذرًا إن فعل الله تعالى ذلك بها أن تنسج ثوبًا من غزلها وصفته وتكسوه خير أهل البصرة فرأت تمام نذرها فوفت بما نذرت ثم سألت: من خير أهل البصرة؟ فقالوا: الحسن، وكان الحسن ﵁ أول من أنهج سبيل هذا العلم وفتق الألسنة به ونطق بمعانيه وأظهر أنواره وكشف به قناعه وكان يتكلم فيه بكلام لم يسمعوه من أحد من إخوانه فقيل له: يا أبا سعيد إنك تتكلم في هذا العلم بكلام لم نسمعه من أحد غيرك، فممّن أخذت هذا؟ فقال: من حذيفة بن اليمان قيل: وقالوا الحذيفة بن اليمان نراك تتكلم في هذا العلم بكلام لا نسمعه من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فمن أين أخذته فقال خصّني به رسول الله ﷺ، كان الناس يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه وعلمت أن الخير لا يسبقني وقال مرة فعلمت أن من لا يعرف الشر لا يعرف الخير.
وفي لفظ آخر كان الناس يقولون يا رسول الله مالمن عمل كذا وكذا يسألونه عن فضائل الأعمال وكنت أقول: يا رسول الله ما يفسد كذا وكذا؟ فلما رآني أسأل عن آفات الأعمال خصني بهذا العلم وكان حذيفة قد خص بعلم المنافقين وأفرد بمعرفة علم النفاق وبسرائر العلم ودقائق الفهم وخفايا اليقين من بين الصحابة فكان عمر وعثمان وأكابر أصحاب رسول اللّه ﷺ يسألونه عن الفتن العامة والفتن الخاصة ويرجعون إليه في العلم الذي خصه به ويسألونه عن المنافقين وهل بقي منهم ممن ذكر الله تعالى وأخبر عنهم أحد فكان يخبر بأعدادهم ولا يذكر أسماءهم وكان عمر يستكشفه عن نفسه هل يعلم فيه شيئًا من النفاق فبرأه منه ثم يسأله عن علامات النفاق وآية المنافق فيخبر من ذلك بما يصلح مما أذن له فيه ويستعفي مما لا يجوز له أن يخبر به فيعذر في ذلك وكان عمر ﵁ إذا دعي إلى جنازة ليصلي عليها نظر فإن حضر حذيفة صلّى عليها وإن لم ير حذيفة لم يصل عليها وكان حذيفة يسمى صاحب السر وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سئلوا عن علم يقول أحدهم تسألوني عن هذا وصاحب السر فيكم يعني حذيفة.
وروينا عن أنس بن مالك ﵁ أنه لما حدث عن النبي في فضل مجلس الذكر لأن أقعد مع قوم يذكرون اللّه تعالى من غدوة إلى طلوع الشمس أحبّ إليّ من أن
[ ١ / ٢٥٨ ]
أعتق أربع رقاب، قال: فالتفت إلى يزيد الرقاشي وزياد النميري فقال لم تكن مجالس الذكر مثل مجالسكم هذه يقص أحدكم ويخطب على أصحابه ويسرد الحديث سردًا إنما كما نقعد فنذكر الإيمان ونتدبر القرآن ونتفقه في الدين ونعد نعم الله تعالى علينا وقد كان عبد الله بن رواحة يقول لأصحاب رسول الله ﷺ: تعالوا حتى نؤمن ساعة فيجلسون إليه فيذكرهم العلم بالله تعالى والتوحيد والآخرة وكان يخلف رسول الله ﷺ بعد قيامه فيجتمع إليه الناس يذكرهم الله تعالى وأيامه ويفقههم فيما قال رسول الله ﷺ فربما خرج عليهم رسول الله ﷺ وهم مجتمعون عنده فيسكتون فيجلس إليهم ويأمرهم أن يأخذوا فيما كانوا فيه ويقول ﷺ بهذا أمرت وإلى هذا دعوت، وروي نحو هذا عن معاذ بن جبل ﵁ وقد كان يتكلم بهذا العلم، وقد روينا هذا مفسرًا في حديث جندب: كنا مع رسول الله ﷺ فيعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن فسمي علم الإيمان إيمانًا كما سماه ابن رواحة لأن علم الإيمان وصف الإيمان والعرب تسمي الشيء بوصفه وتسميه بأصله كما قال رسول الله ﷺ في مثله: تعلموا اليقين، وكما قال تعالى: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ) يوسف: ٨٤ أي من البكاء فسماه بأصله لأن الحزن أصل البكاء.
وروينا عن رسول الله ﷺ أنه خرج ذات يوم فرأى مجلسين، أحدهما يدعون الله تعالى ويرغبون إليه والآخر يتفقهون في الدين ويعلّمون الناس فوقف بينهما ثم قال: أما هؤلاء فيسألون اللّه تعالى فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم وأما هؤلاء فيعلّمون الناس ويفقهون في الدين وإنما بعثت معلمًا ثم عدل إلى الذين يفقهون الناس في الدين ويذكرون الله تعالى فجلس معهم، ويحكي عن بعض السلف قال: دخلت المسجد ذات يوم فإذا بحلقتين، أحدهما يقصون ويدعون والأخرى يتكلمون في العلم وفقه الأعمال قال: فملت إلى حلقة الدعاء فجلست إليهم فحملتني عيناي فنمت فهتف بي هاتف أو قال لي شخص: جلست إلى هؤلاء وتركت مجلس العلم أما لو جلست إليهم لوجدت جبريل لله عندهم، فحقيقة الذكر هو العلم بالله تعالى، ألا تسمع إلى ما روي عن النبي ﷺ: أفضل الذكر قول لا إله إلا الله، وقال ﷾: في تصديق: (فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلّهَ إلاَّ اللهُ) محمد: ١٩ وقال في مثله: (فَاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وأنْ لا إلهِ إلاَّ هُوَ) هود: ١٤، ثم إن العلم من الذكر علم المشاهدة والمشاهدة، صفة عين اليقين فإذا كشف غطا العين شهدت معاني الصفات بأنوارها وهو مزيد نور اليقين الذي هو كمال الإيمان وحقيقته، فهنالك ذكرت الموصوف بمشاهدة المذكور بنور وصفه: ألم تر إلى قولّه تعالى: (كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ في غِطاءٍ عَنْ ذِكْري) الكهف: ١٠١، فمن كانت عينه في كشف من ذكره شهد المذكور فعندها ذكر ثم توجد حقيقة العلم بعد نسيان الخلق كقوله تعالى: (واذْكُرْ رَبَّكَ إذا
[ ١ / ٢٥٩ ]
نَسيتَ) الكهف: ٢٤، فحق الذكر نسيان ما سواه كما أن حقيقة الإيمان الكفر بكل إله كقوله تعالى (فَمَنْ يَكْفُرْ بالطَّاغُوتِ وَيؤْمِنْ بالله) البقرة: ٢٥٦، وقال بعض أهل الحديث: جاءني رجل من إخواني من أهل المعرفة، فقال: قد وجدت من قلبي غفلة فأريد أن تحملني إلى مجلس من مجالس الذكر فقلت نعم فسمّى له مذكرًا يتكلم في علوم العامة قال: فحضرنا عنده واجتمع الخلق فأخذ في شيء من القصص وذكر الجنة والنار فنظر إليّ صاحبي فقال أليس زعمت أن هذا يذكر الله ويذكر ربه عزّوجلّ ويذكر أيامه فقلت: نعم هكذا هو عندنا فقال: ما أسمع إلا ذكر الخلق فأين ذكرالله تعالى؟ ثم توقف ساعة ينتظر منه ما يريد من علم المعرفة ومما سمعه من شيوخه الصوفية قال: فليس إلا القصص والحكايات فالتفت إليّ وقال: قم بنا فإنه لا يسعني الجلوس لأنه لا نية لي في ذلك فقلت أما أنا فأستحي أن أتخطى الناس فاصنع أنت ما ترى فقام يتخطى الناس حتى خرج.
وقد روى الزهري عن سالم عن ابن عمر أنه خرج من المسجد وقال: ما أخرجني إلا القصاص ولولاه ما خرجت وقال ضمرة: قلت للثوري ﵀ نستقبل القاص بوجهنا فقال: ولّوا البدع ظهوركم وقال ابن عون: دخلت على ابن سيرين فقال: ما كان اليوم من خبر؟ فقلت: نهى الأمير القصاص أن يقصوا، وحدثنا عن أبي معمر عن خلف بن خليفة قال: رأيت سيارًا أبا الحكم يستاك على باب المسجد وقاصّ يقص في المسجد فجاءه رجل فقال: يا أبا الحكم إن الناس ينظرونك فقال: إني في خير مما هم فيه أنا في سنة وهم في بدعة وقد فعل الأعمش أبلغ من ذلك دخل البصرة وكان فيها غريبًا فنظر إلى قاصّ في الجامع وهو يقول: حدثناالأعمش عن أبي إسحاق وحدثنا الأعمش عن أبي وائل قال: فتوسط الأعمش الحلقة ورفع يده وجعل ينتف شعر إبطه فبصر به القاصّ فقال: يا شيخ ألا تستحي نحن في علم وأنت تفعل هذا؟ فقال له الأعمش: الذي أنا فيه أفضل من الذي أنت فيه، قال: كيف؟ قال: لأني في سنة وأنت في كذب، أنا الأعمش وما حدثتك مما تقول شيئًا فلما سمع الناس ذكر الأعمش انفضوا عن القاص واجتمعوا حوله وقالوا حدثنا يا أبا محمد، وأخبرونا عن محمد بن أبي هارون أن إسحاق حدثه قال: صليت مع الإمام أحمد بن حنبل ﵁ صلاة العيد فإذا قاصّ يقص يلعن المبتدعة ويذكر السنة فلما قضينا الصلاة وصرنا ببعض الطريق ذكر أبو عبد الله القاص فقال ما أنفعهم للعامة وإن كان عامة ما يحدثون به كذبًا وأخبرت عن محمد بن جعفر أن أبا الحرث حدثه أنه سمع الإمام أحمد بن حنبل ﵁ يقول أكذب الناس القصاص والسؤال وحدثونا عنه أيضًا أنه قال: ما أحوج الناس إلى قاصّ صدوق لأنهم يذكرون الميزان وعذاب القبر قلت له: أنت تحضر مجالسهم؟ قال: لا.
وروينا عن حبيب بن أبي ثابت عن زياد النميري قال: أتيت أنس بن مالك وهو
[ ١ / ٢٦٠ ]
بالزاوية فقال لي: قصّ فقلت كيف؟ والناس يزعمون أنه بدعة فقال: ليس شيء من ذكر الله تعالى بدعة، قال: فقصصت وجعلت أكثر قصصي ودعائي رجاء أن يؤمن، قال: فجعلت أقص وهو يؤمن وقد كانوا يجعلون الدعاء قصصًا وحدث يوسف بن عطية عن محمد بن عبد الرحمن الخراز قال: فقد الحسن عامر بن عبد الله العنبري فقال: اذهبوا بنا إلى أبي عبد الله فأتاه الحسن فإذا عامر في بيت قد لف رأسه وليس إلا رمل فقال له الحسن: يا أبا عبد الله لم نرك منذ أيام، فقال: إني كنت أجلس هذه المجالس فأسمع تخليطًا وتغليظًا وانّي كنت أسمع مشيختنا فيما يروون عن نبيينا ﷺ أنه كان يقول إن أصفى الناس إيمانًا يوم القيامة أكثرهم فكرة في الدنيا وأكثر الناس ضحكًا في الجنة أكثرهم بكاءً في الدنيا وأشد الناس فرحًا في الآخرة أطولهم حزنًا في الدنيا فوجدت البيت أخلى لقلبي وأقدر لي من نفسي على ما أريد منها، قال الحسن: أما إنه لم يعن مجالسنا هذه إنما عنى مجالس القصاص في الطرق الذين يخلطون ويغلطون ويقدمون ويؤخرون وقد قسم بعض العلماء المتكلمين ثلاثة أقسام فوصفهم بأماكنهم فقال المتكلمون ثلاثة أصحاب الكراسي وهم القصاص وأصحاب الأساطين وهم المفتنون وأصحاب الزوايا وهم أهل المعرفة فمجالس أهل العلم بالله تعالى وأهل التوحيد والمعرفة هي مجالس الذكر وهي التي جاءت فيها الآثار، وفي الخبر: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا فيها قيل: وما رياض الجنة؟ قال: مجالس الذكر، وفي الحديث أن لله تعالى ملائكة سياحين في الهواء فضلًا عن كتاب الخلق إذا رأوا مجالس الذكر ينادي بعضهم بعضًا: ألا هلموا إلى بغيتكم فيأتوهم حتى يجلسوا إليهم فيحفون بهم ويستمعون منهم ألا فاذكروا الله واذكروا أيامه، وقال وهب بن منبه اليماني: مجلس يتنازع فيه العلم أحب إليّ من قدره صلاة لعل أحدهم يسمع الكلمة فينتفع بها السنة أو ما بقي من عمره، وسئل أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عن مجالس الذكر وفضلها فرغب فيها وقال ﵀: وأي شيء أحسن من أن يجتمع الناس فيذكرون الله ﷿ ويعددون نعمه عليهم كما قالت الأنصار.
وروينا عن عليّ كرم الله وجهه: ما يسرني أن الله تعالى أماتني طفلًا وأدخلني الدرجات العلى من الجنة قيل: ولم؟ قال: لأنه أحياني حتى عرفته، وقال مالك بن دينار: خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا طيب شيء فيها قيل: وما هو؟ قال: المعرفة ثم أنشأ يقول:
إن عرفان ذي الجلال لعز وضياء وبهجة وسرور
وعلى العارفين أيضًا بهاء وعليهم من المحبة نور
فهنيًا لمن عرفك إلهي هو والله دهره مسرور
[ ١ / ٢٦١ ]
وقال يحيى بن معاذ الرازي: في الدنيا جنة من دخلها لم يشتق إلى شيء ولم يستوحش، قيل: وما هي؟ قال: معرفة الله تعالى، وقال آخر: لم يخطئك من العارف إحدى ثلاث خلال تدل عليه هيبة أو حلاوة أو أنس، وقال عالمنا أبو محمد سهل ﵀: خرج العلماء والزهاد والعباد وقلوبهم مقفلة ولم يفتح إلا قلوب الصديقين والشهداء ثم تلا وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو يعني مقفلة عن مفاتح المعرفة وشهادة عين التوحيد فمجالس الذكر هذه قديمًا كانت لأهل المعرفةوأصحاب معاملات القلوب وعلم الباطن وهم علماء الآخرة وأهل الفقة في الدين، وقد قال اللّه تعالى وهو أصدق القائلين: (فلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدّينِ) التوبة: ١٢٢ الآية، فذكر الفقة الذي هو من صفة القلب والخوف الذي هو سبب الفقه وعلم العقل داخل في علم الظاهر والعلم بالله داخل فياليقين كما روي في الخبر اليقين الإيمان كله، وقال الله تعالى: (وما يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُون) العنكبوت: ٤٣ فجعل العقل وصفًا من العلم وقد أمر رسول الله ﷺ بتعليم اليقين كما أمر بطلب العلم فكان هذا الحديث مخصوصًا من ذاك فيكون قوله ﷺ: تعلّموا اليقين للخصوص لأن اليقين مقام فوق العلم ويكون قوله طلب العلم فريضة للعموم وفي قوله تعلموا اليقين أمر بمجالسة الموقنين لأن اليقين لا يظهر بذاته وإنما يوجد عندا لموقنين فقد أمرهم ولم يقل تعلموا علم المعقول ولا علم الفتاوى وكان علماء الظاهر قديمًا يسمون المفتين ومن ذلك قوله ﷺ استفت قلبك وإن أفتاك المفتون فرده إلى فقه القلب وصرفه عن فتيا المفتين فلولا أن القلب فقيه لم يجز أن يدله ﷺ على غير فقيه ولولا أن علم الباطن حاكم على الظاهر ما دفعه من علوم أهل الظاهر وهم علماء الألسنة إلى علم الباطن وهو علم أهل القلوب مارده إليه ولا يجوز أن يرده من فقيه إلى فقيه دونه كيف وقد جاء هذا الحديث بلفظه مؤكدة بالتكرير والمبالغة فقال استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك، وهذا مخصوص لمن كان له قلب وألقى سمعه وشهد قيام شاهده وعرى عن شهواته ومعهوده لأن الفقه ليس من وصف اللسان ألم تسمع قوله تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها) الأعراف: ١٧٩، فمن كان له قلب سميع بسميع شهيد بشهيد فقه به الخطاب فاستجاب لما سمع وأناب وذكر في قوله تعالى: (لِيتَفَقَّهُوا في الدّينِ) التوبة: ١٢٢ وصفين ظهرا عن الفقه أحدهما النذارة وهو مقام في الدعوة إلى الله ﷿ ولا يحكون النذير إلا مخوّفًا ولا يكون المخوف إلا خائفًا والخائف عالم والثاني الحذر وهو حال من المعرفة بالله ﷿ وهو الخشية له، والفقه والفهم اسمان لمعنى واحد والعرب تقول: فقهت بمعنى فهمت وقد فضل الله تعالى الفهم عنه على العلم والحكمة ورفع الإفهام على القضاء والأحكام فقال تعالى: (فَفَهَّمْنَاها سُلَيْمانَ) الأنبياء: ٧٩، فأفرده بالفهم عنه وهو الذي فضله به على حكم
[ ١ / ٢٦٢ ]
أبيه في القضية بعد أن أشركهما في الحكم والعلم، وقد فضل الحسن بن علي ﵄ علماء الهداية إلى الله ﷾ الدالين عليه عزّوجلّ وسماهم العلماء وحققهم بالعلم في كلام روي لنا عنه منظومًا وقد رويناه أيضًا عن عليّ كرم الله وجهه ورضي عنه:
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاّء
ووزن كل امرئ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء
فمن كان عالمًا يعلم معلومه الله ﷾ فمن أفضل منه وأي قيمة تعرف له إذ كل علم قيمته معلومة ووزن كل عالم علمه، وقد قال عبد الواحد بن زيد إمام الزاهدين كلامًا في هذا المعنى ويفرد به العلماء بالله تعالى ويرفع طريقهم فوق كل طريق أنشدونا عنه رحمه الله تعالى:
الطرق شتى وطرق الحق مفردة والسالكون طريق الحق أفراد
لايعرفون ولا تسلك مقاصدهم فهم على مهل يمشون قصاد
والناس في غفلة عما يراد بهم فجلهم عن سبيل الحق رقاد
وروينا عن ابن مسعود ﵁ أنه قال لما مات عمر ﵁: إني لأحب هذا الرجل قد ذهب بتسعة أعشار العلم فقيل له: تقول هذا وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون فقال: إني لست أعني العلم الذي تذهبون إليه إنما أعني العلم بالله ﷿، وكان ابن مسعود يقول: المتقون متوارون، وكذلك كان يقول: المتقون سادة والعلماء قادة ومجالستهم زيادة يعني أن المتقين سادة الناس كماقال الله ﷿: (إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أتقاكُمْ) الحجرات: ١٣ والعلماء قادة المتقين أي أئمتهم يقتفون آثارهم لأنه قال تعالى: (واجْعَلْنا لِلْمُتَّقينَ إِمَامًا) الفرقان: ٧٤، ففضل العلماء على المتقين وجعلهم أئمة لهم صار المتقون أصحابه وأخبر بالمزيد في مجالستهم أي مجالستهم زيادة على مجالسة المتقين غير العلماء لأن كل عالم تقيّ وليس كل تقيّ عالمًا كما روى بمعناه العلماء كثير والحكماء من العلماء قليل والصالحون كثير والصادقون من الصالحين قليل، وسئل ابن المبارك من الناس؟ قال: العلماء، قيل فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قيل: فمن السفلة؟ قال: من يأكل بدينه، وقال مرة في رواية الذين يتلبسون ويطلبون ويتعرضون للشهادات وقال فرقد السنجي للحسن رحمهما الله تعالى في شيء سأله عنه، فأجابه: يا أبا سعيد إن الفقهاء يخالفونك فقال: ثكلتك أمك فرقد وهل رأيت بعينيك فقهاء؟ إنما الفقيه الزاهدفي الدنيا الراغب في الآخرة البصيربدينه المداوم على عبادة ربه الورع الكافّ عن أعراض المسلمين العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم جمعنا قوله هذا في ثلاث روايات عنه مختلفة فهذه صفات العالم بالله تعالى وهم العارفون.
وحدثنا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي: بلغنا أنك كنت تختلف إلى
[ ١ / ٢٦٣ ]
معروف أكان عنده حديث؟ فقال: يا بني كان عنده رأس الأمر تقوى الله ﷿ وقيل للإمام أحمد ﵁: بأي شيء ذكر هؤلاء الأئمة ووصفوا؟ فقال: ما هو إلا الصدق الذي كان فيهم قيل له: وما الصدق؟ قال: هو الإخلاص قيل له: فالإخلاص ما هو؟ قال: الزهد، قيل: وما الزهد؟ فأطرق ثم قال: سلوا الزهاد سلوا بشر بن الحرث وقد حدثت عن بشر في منصور بن عمار رحمهما الله حكايات ظريفة كان منصور بن عمار من الواعظين المذكرين ولم يكن العلماء في وقته مثل بشر وأحمد وأبي ثور يعدونه عالمًا كان عندهم من القصاص وكانت العامة تسمية عالمًا فحدثت عن نصر بن علي الجهضمي أنه مزح ذات يوم مزاحًا أفرط فيه فقيل له: تقول هذا وأنت من العلماء؟ فقال: ما رأيت أحدًا من العلماء إلا وهو يمزح فقيل له: قد رأيت بشر بن الحرث فهل سمعته يمزح قال: نعم كنت جالسًا معه ذات يوم في بعض الدروب فجاء منصور بن عمار يعدو، فقال: يا أبا نصر الأمير قد أمر بجمع العلماء والصالحين فترى لي أن أختفي؟ فدفعه بشر وقال: تنح عنا لا يمر حمل شوك فيلقيك علينا فنحترق فهذا كان محل القصاص عندالعلماء فيما سلف حتى ذهب أهل هذا العلم وجهلت مجالس الذكر وعلوم اليقين والمعاملات إلا من عرف سيرة المتقدمين وطريقة السالفين الذين كانوا يفرقون بين مجالس الذكر وبين القصاص ويميزون بين العلماء وبين المتكلمين وبين علم اللسان وفقه القلب وبين علم اليقين وعلم العقل لأن الفرق بين العالم والقاص أن العالم يسكت حتى يُسأل فإذا سئل أجاب فيما يعلم بما هيأ الله تعالى له وكشف وينطق فيما أجراه الله عزّوجلّ عليه وعرف فإن كان الصمت أفضل آثر السكوت لعلمه بالأفضل فإن لم ير أهله تربص حتى يضعه في أهله وأهله من عرفه وكان له نصيب من مشاهدته ووجده.
وقال الله ﷾: (فَسْئَلُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) النحل: ٤٣، ففي ذلك معنيان، أحدهما أن أهل الذكر هم العلماء بالله تعالى لقوله: إن كنتم لا تعلمون فلا يجوز أن يقول سلوا من لا يعلم وهم جاهلون فيزدادوا جهلًا، والمعنى الثاني يدل على أن العلماء سكوت حتى يسألوا فإذا سئلوا وجب عليه أن يجيبوا لقوله تعالى لمن لا يعلم فاسئلوا فدل أن مجالس الذكر هي مجالس العلماء التي وردت الأخبار بفضائلها وفي تدبره أن أهل الذكر هؤلاء المسؤولون هم الذين وصل لهم القول لعلهم يتذكرون فلما وصل لهم المفصل تذكروا عما وعد تعالى فلما تذكروا علموا فعندها أمر أن يسألوا، ولذلك روينا عن رسول الله ﷺ: لا ينبغي للجاهل أن يستقر على جهله ولا ينبغي للعالم أن يسكت على علمه.
وقد قال الله تعالى: (فَسْئلُوا أهْل الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لاتَعْلَمُونَ) النحل: ٤٣ وهكذا قال رسول الله ﷺ في الخبر الذي رويناه من طريق أهل البيت: العلم خزائن مفتاحها السؤال
[ ١ / ٢٦٤ ]
فاسألوا فإنه يؤجر فيه أربعة: السائل، والعالم، والمستمع، والمحب لهم، وكان ابن مسعود ﵁ يقول: إن من يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون، وقال الأغمش: من الكلام كلام جوابه السكوت، وقال ذو النون المصري رحمه الله تعالى: حسن سؤال الصادقين مفتاح قلوب العارفين، فأما القاص فهو الذي يبتدئ فيقصّ الأخبار ويذكر القصص والآثار ولذلك سمي قاصهًا أي يتبع قصة من سلف، ومنه قوله تعالى: (وقالت لأُخْتِهِ قُصِّيهِ) القصص: ١١، أي تتبعي أثر موسى تعرفي قصته وأخبريني خبره، وقال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: من اذالة العلم أن ينطق به قبل أن يسأل عنه، وقال مرة من إذالة العلم أن يجيب عن كل ما يسأل عنه أي من إهانته ووضعه، يقال أشل هذا وأذل هذا أي ارفع وضع، يقال: إذا تكلم بالعلم قبل أن يسأل عنه ذهب ثلثا نوره، وقد قال إبراهيم بن أدهم وغيره: سكوت العالم أشد على الشيطان من كلامه لأنه يسكت بحلم وينطق بعلم فيقول الشيطان: انظروا إلى هذا سكوته أشد عليّ من كلامه، ولذلك يقال: الصمت زين العالم وستر الجاهل وعن القاسم بن محمد أنه قال: من أكرم المرء نفسه أن يسكت على ما عنده حتى يسأل عنه، وكذلك هو لعمري لأنه إذا تكلم بعد السؤال فهو صاحبها وربما كان فرضًا وليس الحاجة إلاالقيام بالفرض من الشهوات، ولقوله تعالى: (فَسْئلوا أهْلَ الذِّكْر) النحل: ٤٣ فأوجب أن يجيبوا من حيث أمر أن يسألوا وقال ﷺ: من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار فتوعد عليه بالعقاب، وقد يكون الابتداء بالشيء من خفايا الشهوات والشهوات من الدنيا ووصف رجل لمالك بن أنس فقال: لابأس به لولا أنه يتكلم بالشيء قبل أن يسأل عنه، وقال مرة: لابأس به إلا أنه يتكلم بكلام شهر في يوم، وقد قيل في معنى ما ذكر: إن الكلام من الشهوات، قال: هو الذي يبتدئ به قبل أن يسأل عنه ووصف بعضهم الأبدال فقال في وصفهم: أكلهم فاقة وكلامهم ضرورة وكانوا لا يتكلمون حتى يسألواعن شيء فيجيبوا، ومن لم يتكلم حتى يسأل فليس يعد لاغيًاولا متكلمًا فيما لايعنيه لأن الجواب بعد السؤال كالفرض بمنزلة رد السلام وكما قال ابن عباس ﵄ إني لأرى رد الجواب واجبًا كرد السلام، وقد قال أبو موسى وابن مسعود ﵄: من سئل عن علم فليقل به ومن لا فليسكت وإلا كتب من المتكلفين ومرق من الدين، ورويناه عن ابن عباس أيضًا وقد كانوا يخافون من دخول التكلف عليهم في كل شيء ويعد بعضهم بالابتداء بالكلام من غير حاجة تدعو إليه أو قبل سؤال عنه من غير أن يرى له موضعًا أو يجد له أهلًا يعدونه من التكلف، وفي وصية ابن عباس لمجاهد: لا تتكلم فيما لا يعنيك فإنه أفضل ولاآمن
[ ١ / ٢٦٥ ]
عليك الخطأ ولا تكلم فيما يعنيك حتى ترى له موضعًا فرب متكلّم فيما يعنيه قد وضعه في غير موضعه فعنت.
وروي في حديث الأنصاري الذي قالت له أمه عند موته: هنيئًا لك الجنة جاهدت مع رسول الله ﷺ وقتلت في سبيل الله تعالى فقال رسول الله ﷺ: وما يدريك أنه في الجنة ولعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه، ومن أظهر علمًا من غير أن يسأل عنه ونشره في غير أهله فأنكر عليه سئل عنه وكان عليه فيه مطالبة لأنه قد تكلف إظهاره فإن كان سئل عنه ثم تكلم فيه لم يكن عليه فيه مطالبة فيمن أنكر لأنه خرج جوابًا على سؤال، ومن هذا كان السلف المتكلمون في هذا العلم يسكتون حتى يسألوا عنه، وكان أبو محمد يقول: العالم يقعد فيسكت ويرفع قلبه إلى مولاه فيفتقر إليه في حسن توفيقه ويسأله أن يلهمه الصواب فأي شيء سئل عنه تكلم بما فتح له مولاه فجعل العالم في حالة سكوته ونظره إلى سيده محتاجًا إلى التوكل ومنتظرًا للوكيل في أي شيء يجريه، وقال بعضهم: إنما العالم الذي إذا سئل عن المسألة كأنما تقلع ضرسه وقال رقبة بن مصقلة وغيره ليس العالم الذي يجمع الناس فيقصّ عليهم إنما العالم الذي إذا سئل عن العلم كأنما يسعط الخردل، وقد روينا أنه قاله الأعمش وقد كان محمد بن سوقة يسأله عن الحديث فيعرض عنه ولا يجيبه فالتفت الأعمش إلى رقبة فقال له هو إذًا أحمق مثلك إن كان يدع فائدته لسوء خلقي فقال محمد بن سوقة: ويحك إنما أجعله بمنزلة الدواء أصبر على مرارته لما أرجو من منفعته، وقد روينا عن علي وابن مسعود ﵄ أنه مر برجل يتكلم على الناس فقال هذا يقول اعرفوني، وحدثني بعض علماء خراسان عن شيخ له عن أبي حفص النيسابوري الكبير، وكان هذا هناك نظير الجنيد ههنا أنه قال إنما العالم الذي يسأل عن مسألة في الدين فيغتم حتى لو جرح لم يخرج منه دم من الفزع يخاف أن يسأل في الآخرة عما سئل عنه في الدنيا ويفزع أن لا يتخلص من السؤال إلا أن يرى أنه قد افترض عليه الجواب لفقد العلماء، ومن ههنا كان ابن عمر ﵄ يسكت عن تسع مسائل ويجيب عن واحدة ويقول: تريدون أن تجعلونا جسرًا تعبرون عليه في جهنهم، تقولون أفتانا ابن عمر بهذا، وكان إبراهيم التميمي إذا سئل عن مسألة يبكي ويقول: لم تجد من تسأله غيري أو احتجتم إليّ؟ قال: وجهدنا بإبراهيم النخعي أن نسنده إلى سارية فأبى وكان إذا سئل عن شيء بكى وقال: قد احتاج الناس إليّ وقد كان سفيان بن عيينة تفرد في زمانه بعلوم انفرد بها في وقته وكان مع ذلك يضرب المثل لنفسه ويقول:
خلت الديار فسدت غير مسوّد ومن الشقاء تفردي بالسؤدد
وأما أبو العالية الرياحي فكان يتكلم على الاثنين والثلاثة فإذا صاروا أربعة قام، وكذلك كان إبراهيم والثوري وابن أدهم رحمهم الله تعالى يتكلمون على النفر فإذا كثر
[ ١ / ٢٦٦ ]
الناس انصرفوا وكان أبو محمد سهل ﵀ يجلس إليه خمسة أو ستة إلى العشرة وقال لي بعض الشيوخ: كان الجنيد ﵀ يتكلم على بضع عشرة، قال وما تم أهل الجلسة عشرون، وقد حدثت عن أبي الحسن بن سالم شيخنا ﵀: أن قومًا اجتمعوا في مسجده فأرسلوا إليه بعضهم، إن إخوانك قد حضروا ويحبون لقاءك والسماع منك فإن رأيت أن تخرج إليه فذاك وكان المسجد على باب بيته، ولم يكن يدخل عليه في منزله فقال للرسول بعد أن خرج إليهم: من هم؟ فقال: فلان وفلان وسماهم فقال: ليس هؤلاء من أصحابي هؤلاء أصحاب المجلس ولم يخرج كأنه رآهم عمومًا لا يصلحون لتخصيص علمه فلم يذهب وقته لوقتهم وكذلك العالم خلوته تعز عليه فإن وافق خصوص أصحاب آثرهم على خلوته فكان ذلك مزيدًا لهم وإن هو لم يوافق لم يؤثر على خلوته غيره فيكون مناخًا للبطالين، وقد كان ابن سالم أبو الحسن يخرج إلى إخوانه ممن يراه موضعًا لعلمه فيجلس إليهم ويذاكرهم وربما أدخلهم إليه نهارًا أو ليلًا ولعمري أن المذاكرة تكون بين النظراء والمحادثة تكون مع الإخوان والجلوس للعلم يكون للأصحاب، والجواب عن السوال نصيب العموم، وكان عند أهل العلم أن علمهم مخصوص لا يصلح إلا للخصوص والخصوص قليل، ولم يكونوا ينطقون به إلا عند أهله ويرون أن ذلك من حقه وأنه واجب عليهم كما وصفهم علي كرم الله وجهه في قوله حتى يودعوه أمثالهم ويزرعوه في قلوب أشكالهم وكذلك جاءت الآثار بذلك عن نبينا ﷺ وعن عيسى ﵇: لا تضيعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، كونوا كالطبيب الرفيق الذي يضع الدواء في موضع الداء، وفي لفظ آخر: من وضع الحكمة في غيرأهلها جهل ومن منعها أهلها ظلم، إن للحكمة حقًا وإن له أهلًا وإن لأهلها حقا فأعط كل ذي حق حقه وفي حديث عيسى صلاة الله وسلامه عليه لا تعلقوا الجوهر في أعناق الخنازير فإن الحكمة خير من الجوهر ومن كرهها فهو شر من الخنزير، وكان بعض هذه الطائفة يقول: نصف هذا العلم سكوت ونصفه تدري أين تضعه.
وقد قال بعض العارفين: من كلّم الناس بمبلغ علمه وبمقدار عقله ولم يخاطبهم بقدر حدودهم فقد بخسهم حقهم ولم يقم بحق الله ﷿ فيهم وكان يحيى بن معاذ يقول: اغرف لكل واحد من نهره واسقه بكأسه ونحن نقول بمعناه كل لكل عبد بمعيار عقله وزن له بميزان علمه حتى تسلم منه وينتفع بك وإلاوقع الإنكار لتفاوت المعيار، وحدثني بعض أشياخنا من هذه الطائفة عن أبي عمران وهو المزين الكبير المكي قال سمعته يقول لأبي بكر الكتابي وكان سمحًا بهذا العلم بذولًا له لجميع الفقراء فجعل أبو عمران يعاتبه وينهاه عن بذله له وكثرة كلامه فيه إلى أن قال: أنا منذ عشرين سنة أسأل
[ ١ / ٢٦٧ ]
الله تعالى أن ينسيني هذا العلم قال: ولم؟ قال: رأيت النبي ﷺ في المنام فسمعته يقول إن لكل شيء عن الله تعالى حرمة ومن أعظم الأشياء حرمة الحكمة، فمن وضعها في غير أهلها طالبه الله تعالى بحقها ومن طالبه خصمه وقد كان بعض السلف يقول: إذا استند الرجل إلى سارية أو أحب أن يسأل فلا تجلس إليه ولا ينبغي أن يسأل ولم ير في مجالس أهل هذا العلم فيما سلف ثلاثون رجلًا ولاعشرون إلا نادرًا غير لزام ولا دوام إنما كانوا من الأربعة إلى العشرة وبضعة عشر، وقد كان يجتمع في مجالس القصاص والمذكرين والواعظين مئون من عهد الحسن إلى وقتنا هذا فهذا أيضًا من الفرق بينهما أن العلم مخصوص لقليل وأن القصص عام لكثير.
وقال بعض علمائنا: كان في البصرة مائة وعشرون متكلمًا في الذكر والوعظ ولم يكن من يتكلم في علم المعرفة واليقين والمقامات والأحوال إلاستة منهم: أبو محمد سهل والصبيحي وعبد الرحيم، وقد قيل من لم ينتفع بسكوت العالم لم ينتفع بكلامه أي ينتغي أن يتأدب بصمته وخشوعه وورعه ويقتدي بيقينه في ذلك كما يتأدب بنطقه ويقتدى بكلامه على أنهم كانوا يقولون علم الظاهر من علم الملك وعلم الباطن من علم الملكوت يعنون أن ذلك من علم الدنيا لأنه يحتاج إليه في أمور الدنيا وهذا من علم الآخرة لأنه من زادها وهذا كما قالوه لأن اللسان ظاهر فهو من الملك وهو خزانة العلم الظاهر والقلب خزانة الملكوت وهو باب العلم الباطن فقد صار فضل العلم الباطن على الظاهر كفضل الملكوت على الملك وهو الملك الباطن الخفي وكفضل القلب على اللسان وهو الظاهر الجلي.
وقد كان بشر بن الحرث ﵀ يقول: حدثنا وأخبرنا باب من أبواب الدنيا، وقال مرة: الحديث ليس من زاد الآخرة، وحدثنا بعض أشياخنا عن بعض أصحابه قال: دفنا له بضعة عشر ما بين قمطر وقوصرة كتبًا لم يحدث منها بشيء إلا ما سمع منه نادرًا في الفرد وكان رحمه الله تعالى يقول: إني أشتهي أن أحدث ولو ذهب عني شهوة الحديث لحدثت ثم قال: أنا أجاهد نفسي منذ أربعين سنة، وقال إذا سمعت الرجل يقول حدثنا وأخبرنا فإنما يقول أوسعوا إليّ وكان زاهدًا عالمًا وقال هو وغيره: إذا اشتهيت أن تحدث فلا تحدث وإذا لم تشته أن تحدث فحدث، وقد كانت رابعة العدوية رحمها الله تعالى قبله تقول للثوري ﵁: نعم الرجل سفيان لولا أنه يحب الحديث، وكانت تقول: فتنة الحديث أشد من فتنةالمال والولد وقالت مرة: لولا أنه يحب الدنيا يعني اجتماع الناس حوله للحديث،
[ ١ / ٢٦٨ ]
وكان أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى يقول: من تزوّج أو كتب الحديث أو طلب معاشًا فقد ركن إلى الدنيا، وقال بعض هذه الطائفة: كل من أدرك العلوم غير العلم بالله ﷿ فقد استدرك والذي أدرك العلم بالله فقدتدورك ثم تلاقوله تعالى: (لَوْلا أنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌمِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعراءِ) القلم: ٤٩، أي تدورك بعلم المعرفة لطرح في بعد الهوى والعرا البعد وعلم المعقول بعد إلى جنب علم اليقين، وقال أيضًا في فهم قوله تعالى: (وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لقَدْكِدْتَ تَرْكنُ إليْهِمْ) الإسراء: ٧٤ أي ثبتناك بالمعرفة لقد كدت تسكن إلى علوم العقل.
وقال سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى في قوله ﷿: (واجْعِلْ لي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصيرًا) الإسراء: ٨٠ قال لسانًا ينطق عنك لاعن سواك وفضل العلم بالله ﷿ والعلم بالإيمان وعلم اليقين على العلم بالأحكام والقضايا كفضل المشاهدة على الخبر، وقد قال الرسول ﷺ: ليس الخبر كالمعاينة، وفي لفظ آخر: ليس الخبر كالمعاين، وقد روى عياض بن غنم عن النبي ﷺ: في تفسير قوله ﷿: (أَلْهاكُمُ التَّكاثُر) (عِلْمَ الْيَقينِ) التكاثر: ١ - ٥، كرأي العين، وفي هذا الخبر أن من خيار أمتي قومًا يضحكون جهرًا من سعة رحمة ربهم ويبكون سرًا من خوف عذابه أقدامهم في الأرض وقلوبهم في السماء أرواحهم في الدنيا وعقولهم في الآخرة يمشون بالسكينة ويتقربون بالوسيلة، فالفتيا هي الأخبار والاستفتاء هو الاستخبار، ومنه قوله تعالى: (فاسْتفتِهِمْ) الصافات: ١١ وقوله تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ) النساء: ١٢٧ أي يستخبرونك، فعلم الخبر قد يدخله الظن والشك والمشاهدة ترفع الظن وتزيل الشك كما قال تعالى: (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رأى) النجم: ١١ فأثبت الرؤية للقلب بالعين فرؤية القلب هو اليقين وذو القلب هو الموقن، وقال النبي ﷺ: كفى باليقين غنى ففي علم اليقين غنية عن جميع العلوم لأنه حقيقة العلم وخالصه وليس في جميع العلوم غنى عن علم اليقين ولأن الفقر بالشك والحاجة إلى اليقين في علم التوحيد وعلم الإيمان أشد من الفقر بالحاجة إلى علوم الفتيا وغيرها فلذلك صار الغني باليقين أعظم من الاستغناء بسائر العلوم ففي هذا العلم مثل من فاتحة الكتاب إلى سائر القرآن.
كما روي عن النبي ﷺ فاتحة الكتاب تجزي من كل القرآن وليس القرآن كله يجزي من فاتحة الكتاب، فكذلك مثل العلم بالله ﷿ إلى العلم بما سواه، ففي العلم بالله تعالى عوض من كل العلوم، وليس في سائر العلوم عوض من العلم بالله ﷿ من حيث كان في الله تعالى عوض به عن كل ما سواه، وكل علم موقوف على معلومه فعلم اليقين معلومه الله تعالى ففضله كفضل الله تعالى على ما سواه، وقد قال بعض الحكماء في معنى ما ذكرناه: من عرف الله تعالى فماذا جهل ومن جهل الله تعالى فماذا عرف؟ فالعلماء بالله تعالى هم ورثة الأنبياء لأنهم ورثوا عنهم الدلالة على الله تعالى فماذا عرف؟ فالعلماء بالله تعالى هم ورثة الأنبياءلأنهم ورثوا عنهم الدلالة على الله تعالى والدعوة إليه
[ ١ / ٢٦٩ ]
والاقتداء بهم في أعمال القلوب، وقد قال الله تعالى: (ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّن دَعا إلى الله وَعَمِل صالحًِا) فصلت: ٣٣، وكما قال تعالى: (أُدْعُ إلى سبيلِ رَبِّكَ بالْحِكْمَةِ) النحل: ١٢٥، وكما أمره بالدعاء وأشرك معه أتباعه في الدعاء إلى الله تعالى لا في البصيرة فقال تعالى: (قُلْ هذِهِ سبيلي أدْعُوا إلى الله على بصيرةٍ أنا وَمَنِ اتَّبعني) يوسف: ١٠٨، ويحشرون يوم القيامة مع الأنبياء كما قال تعالى: (فأُولئكَ مع الَّذينَ أنْعَمَ الله عليْهِمْ مِن النَّبِيّين) النساء: ٦٩، وما قال تعالى: (وَجيء بالَّنبِيّينَ والشُّهداءِ) الزمر: ٦٩، ثم فسره فقال بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء.
وقد روينا معناه عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: إن أقرب الناس من درجة النبوّة أهل العلم وأهل الجهاد، أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الأنبياء وأما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل وعلماء الدنيا يحشرون مع الولاة والسلاطين، وقد قال بعض السلف: العلماء يحشرون في زمرة الأنبياء والقضاة يحشرون في زمرة السلاطين، وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي من علماء أهل الدنيا ومن سادة القضاة وعقلائهم وكان مؤاخيًا لأبي الحسن بن أبي الورد، وكان هذا من أهل المعرفة فلما ولّى إسماعيل القضاء هجره ابن أبي الورد ثم إنه اضطر إلى أن دخل عليه في شهادة فضرب بن أبي الورد يده على كتف إسماعيل القاضي وقال: يا إسماعيل علم أجلسك هذا المجلس لقد كان الجهل خيرًا منه، فوضع إسماعيل رداءه على وجهه وجعل يبكي حتى بلّه، وعلماء الظاهر هم زينة الأرض والملك وعلماء الباطن زينة السماء والملكوت وعلماء الظاهر أهل الخبر واللسان وعلماء الباطن أرباب القلوب والعيان.
وقال بعض العلماء: لما خلق الله تعالى اللسان قال هذا معقل خبري إن صدقني نجيته ولما خلق الله تعالى القلب قال هذا موضع نظري إن صفا لي صافيته، وقال بعض الخلف: الجاهل ينجو بالعلم والعالم ينجو بالحجة والعارف ينجو بالجاه، وقال بعض: العارفين: علم الظاهر حكم وعلم الباطن حاكم، والحكم موقوف حتى يجيء الحاكم يحكم فيه، وقد كان علماء الظاهر إذا أشكل عليهم العلم في مسألة لاختلاف الأدلة سألوا أهل العلم بالله لأنهم أقرب إلى التوفيق عندهم وأبعد من الهوى والمعصيةمنهم: الشافعي رحمه الله تعالى كان إذا اشتبهت عليه المسألة لاختلاف أقوال العلماء فيها وتكافؤ الاستدلال عليها رجع إ لى علماء أهل المعرفة فسألهم قال: وكان يجلس بين يدي شيبان الراعي كما يجلس الصبي بين يدي المكتب ويسأله كيف يفعل في كذا وكيف يصنع في كذا فيقال له مثلك يا أبا عبد الله في علمك وفقهك تسأل هذا البدوي فيقول: إن هذا وفق لما علمناه، وكان الشافعي ﵀ قد اعتلّ علة شديدة وكان يقول: اللهم إن كان في هذا رضاك فزدني منه فكتب إليه المعافري من سواد مصر: يا أبا عبد الله لست وإياك من
[ ١ / ٢٧٠ ]
رجال البلاء فنسأل الرضا الأولى بنا أن نسأل الرفق والعافية، فرجع الشافعي ﵀ عن قوله هذا، وقال: أشتغفر الله تعالى وأتوب إليه، فكان بعد ذلك ﵀ يقول: اللهم اجعل خيرتي فيما أحب وقد كان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ﵄ يختلفان إلى معروف بن فيروز الكرخي ﵏ ولم يكن يحسن من العلم والسنن ما يحسناته فكانا يسألانه، وقد روي في الخبر قيل: يا رسول الله كيف نصنع إذا جاءنا أمر لم نجده في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسول الله فقال سلوا الصالحين واجعلوه شورى بينهم ولا تقضوا فيه أمرًا دونهم.
وفي حديث معاذ ﵁: فإن جاءك ما ليس في كتاب الله تعالى ولا سنة رسول الله قال: أقضي فيه بما قضى الصالحون فقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله، وفي بعضها اجتهد رأيي وحدثونا عن الجنيد قال: كنت إذا قمت من عند سري السقطي قال لي: إذا فارقتني من تجالس؟ فقلت: الحارث المحاسبي فقال: نعم خذ من علمه وأدبه ودع عنك تشقيقه للكلام ورده على المتكلمين، قال: فلما وليت سمعته يقول جعلك الله صاحب حديث صوفيًا ولا جعلك صوفيًا صاحب حديث يعني أنك إذا ابتدأت بعلم الحديث والأثر ومعرفة الأصول والسنن ثم تزهدت وتعبدت تقدمت في علم الصوفية وكنت صوفيًا عارفًا وإذا ابتدأت بالتعبد والتقوى والحال شغلت به عن العلم والسنن فخرجت إما شاطحًا أو غالطًا لجهلك بالأصول والسنن فأحسن أحوالك أن ترجع إلى العلم الظاهر، وكتب الحديث لأنه هو الأصل الذي تفرع عليه العبادة والعلم وأنت قد بودئت بالفرع قبل الأصل، وقد قيل: إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول هو كتب الحديث ومعرفة الآثار والسنن فإذا أنمت رددت إلى الأصل فقد انحططت عن مرتبة الناقدين ونزلت من درجة العارفين وفاتك مزيد اليقين والإيمان.
وقال سفيان الثوري ﵁: كان الناس إذا طلبوا العلم عملوا فإذا عملوا أخلصوا فإذا أخلصوا هربوا وقال آخر: العالم إذا هرب من الناس فاطلبه وإذا طلب الناس فاهرب منه، وقال أبو محمد: سهل العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل، وقال ذو النون: يقول اجلس إلى من تكلمك صفته ولا تجلس إلى من يكلمك لسانه، وقد كان الحسن قبله يقول: جالس من تكلمك أعماله ولا تجالس من يخاطبك مقاله، وقد كان طائفة يصحبون كثيرًا من أهل المعرفة للتأدب بهم والنظر إلى هديهم وأخلاقهم إن لم يكونوا علماء لأن التأديب يكون بالأفعال والتعلّم يكون بالمقال، ومن أبلغ ما سمعت منهم في هذا المعنى ما قال بعض الحكماء: وعظ واحد لألف بفعل أنجح فيهم وأوقع من وعظ ألف لواحد بقول، وكان سهل يقول: العلم كله دنيا والآخرة منه العمل به والعمل هباء إلا الإخلاص، وقال مرة: الناس موتى إلا العلماء والعلماء سكارى إلا العاملين،
[ ١ / ٢٧١ ]
والعاملون مغرورون إلا المخلصين والمخلص على وجل حتى يختم له به ولم يكن العالم عند العلماء من كان عالمًا بعلم غيره ولا حافظًا لفقه سواه، هذا كان اسمه راوية وواعيًا وحاملًا وناقلًا.
وقد كان أبو حازم الزاهد يقول: ذهب العلماء وبقيت علوم في أوعية سود، وقد كان الزهري يقول: كان فلان وعاء للعلم وحدثني فلان وكان من أوعية العلم ولا يقول كان عالمًا، وكذلك جاء الخبر: رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وكانوا يقولون حماد الراوية يعنون أنه كان راويًا ودخول الهاء في الاسم للمبالغة في الوصف كما يقال علاّمة ونسّابة، وإنما كان العالم عندهم الغني بعلمه لا بعلم غيره وكان الفقيه فيهم هو الفقيه بفقه علمه وقلبه لا بحديث سواه، كما جاء في الأثر: أي الناس أغنى؟ قال: العالم الغني بعلمه إن احتيج إليه نفع وإلا اكتفى عن الناس بعلمه لأن كل عالم بعلم غيره فإنما صار عالمًا بمجموعه، فمجموعه هم العلماء وكل فاضل بوصف سواه فموصوفه هم الفضلاء، فإذا تركهم وانفرد سكت، فلم يرجع إلى علم لنفسه يختص به فصار في الحقيقة موصوفًا بالجهل واصفًا لطرائق أهل الفضل موسومًا بعلم السمع والنقل فمثل العالم بعلم غيره مثل الواصف لأحوال الصالحين العارف بمقامات الصديقين ولا حال له ولا مقام فليس يعود عليه من وصفه إلا الحجة بالعلم والكلام، وسبق العارفون بالله في الحجة بالأعمال والمقام، فمثله كما قال الله تعالى: (وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) الأنبياء: ١٨، وكقوله ﷿: (كُلَّما أضَاءَ لهُمْ مَشَوْا فيهِ وإذا أَظْلمَ عَلَيْهِمْ قامُوا) البقرة: ٢٠ لا يرجع إلى بصيرة فيه بما اشتبه من ظلمات الشبه عليه مما اختلف العلماء فيه ولا يتحقق بوجد منه فيه يجده عن حال ألبسها بوجده وإنما هو متواجد بوجد غيره فغيره هو الواجد وشاهد على شهادة سواه، فالسوي هو الشاهد، وقد كان الحسن يقول: إن الله ﵎ لا يعبأ بصاحب رواية إنما يعبأ بذي فهم ودراية، وقال أيضًا: من لم يكن له عقل يسومه لم تنفعه كثرة مروياته للحديث وقد أنشدنا لبعض الحكماء في معنى ذلك:
العلم علمان فمصنوع ومطبوع ولا ينفع مجموع إذا لم يك مصنوع
كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع
وكان الجنيد ﵀ كثيرًا ينشد:
علم التصوّف علم ليس يعرفه إلا أخو فطنة بالحق معروف
وليس يعرفه من ليس يشهده وكيف يشهد ضوء الشمس مكفوف
لأن الكتب والمجموعات محدثة والقول بمقالات الناس والفتيا بمذهب الواحد من الناس وانتحاء قوله والحكاية له في كل شيء والتفقه على مذهبه محدث لم يكن الناس قديمًا على ذلك في القرن الأول والثاني، وهذه المصنفات من الكتب حادثة بعد سنة
[ ١ / ٢٧٢ ]
عشرين ومائة من التاريخ وبعد وفاة كل الصحابة وعلية التابعين، يقال إن أوّل كتاب صنّف في الإسلام كتاب ابن جريج في الآثار وحروف من التفاسير عن مجاهد وعطاء وأصحاب ابن عباس بمكة ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني باليمن جمع فيه سننًا منثورة مبوّبة، ثم كتاب الموطأ بالمدينة لمالك بن أنس ﵁ في الفقه ثم جمع ابن عيينة كتاب الجوامع في السنن والأبواب وكتاب التفسير في أحرف من علم القرآن وجامع سفيان الثوري الكبير ﵁ في الفقه والأحاديث، فهذه من أوّل ما صنف ووضع من الكتب بعد وفاة سعيد بن المسيب وخيار التابعين وبعد سنة عشرين أو أكثر ومائة من التاريخ فكان العلماء الذين هم أئمة هؤلاء العلماء من طبقات الصحابة الأربعة ومن بعد موت الطبقة الأولى من خيار التابعين هم الذين انقرضوا قبل تصنيف الكتب وكانوا يكرهون كتب الحديث ووضع الناس الكتب لئلا يشتغل بها عن القرآن وعن الذكر والفكر، وقالوا: احفظوا كما حفظنا ولئلا يشتغل الناس عن الله تعالى برسم ولا وسم كما كره أبو بكر الصديق ﵁ وعلية الصحابة تصحيف القرآن في مصحف وقالوا: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ وخشوا اشتغال الناس بالصحف واتكالهم على المصاحف فقالوا: نترك القرآن يتلقاه الناس بعضهم من بعض تلقنًا بالتلقين والإقراء ليكون هو شغلهم وهمتهم وذكرهم حتى أشار عليه عمر ﵁ وبقية الصحابة أن يجمع القرآن في المصاحف لأنه أحفظ له وليرجع الناس إلى المصحف لما لا يؤمن من الاشتغال بأسباب الدنيا عنه فشرح الله تعالى صدر أبي بكر ﵁ لذلك فجمع القرآن في الصحف المتفرقة في المصحف الواحد، وكذلك كانوا يتلقون العلم بعضهم عن بعض ويحفظونه حفظًا هذا لطهارة القلوب من الريب وفراغها من أسباب الدنيا وصفائها من الهوى وعلوّ الهمة وقوّة العزيمة وحسن النية ثم ظهرت بعد سنة مائتين وبعد تقضي ثلاثة قرون في القرن الرابع المرفوض مصنفات الكلام وكتب المتكلمين بالرأي والمعقول والقياس وذهب علم المتقين وغابت معرفة الموقنين من علم التقوى وإلهام الرشد واليقين فخلف من بعدهم خلف فلم نزل في الخلف إلى هذا الوقت ثم اختلط الأمر بعد هذا التفصيل في زماننا هذا، فصار المتكلمون يدعون علماء والقصاص يسمون عارفين والرواة والنقلة يقال علماء من غير فقه في دين ولا بصيرة في يقين.
وروينا عن ابن أبي عبلة قال: كنا نجلس إلى عطاء الخراساني بعد الصبح فيتكلم علينا فاحتبس ذات غداة فتكلم رجل من المؤذنين لا بأس به بمثل ما كان يتكلم به عطاء فأنكر صوته رجاء بن أبي حيوة فقال: من هذا المتكلم؟ فقال: أنا فلان فقال: اسكت فإنه يكره أن يسمع العلم إلا من أهله، وكذلك كانوا يقولون أبى أهل العلم بالله تعالى أن
[ ١ / ٢٧٣ ]
يسمعوا هذا العلم إلا من أهله الزاهدين في الدنيا وكرهوا أن يسمعوه من أبناء الدنيا وزعموا أنه لا يليق بهم، واعلم أن العبد إذا كان يذكر الله تعالى بالمعرفة وعلم اليقين لم يسعه تقليد أحد من العلماء، وكذلك كان المتقدمون إذا افتتحوا هذا المقام خالفوا من حملوا عنه العلم لمزيد اليقين والإفهام، وقال ابن عباس ﵄: ليس أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ، وقد كان تعلم من زيد بن ثابت الفقه وقرأ على أبي بن كعب ثم خالف زيدًا في الفقه وأبيًا في القرءة.
وقال بعض الفقهاء من السلف: ما جاءنا عن رسول الله قبلناه على الرأس والعين وما جاءنا عن الصحابة فنأخذ به ونترك وما جاءنا عن التابعين فهم رجال ونحن رجال قالوا: ونقول ولأجل ذلك كان الفقهاء يكرهون التقليد ويقولون: لا ينبغي للرجل أن يفتي حتى يعرف اختلاف الفقهاء أي فيختار منها على علمه الأحوط للدين والأقوى باليقين، فلو كانوا يستحبون أن يفتى العالم بمذهب غيره لم يحتج أن يعرف الاختلاف ولكان إذا عرف مذهب صاحبه كفاه، ومن ثم قيل: إن العبد يسأل غدًا فيقال ماذا عملت فيما علمت؟ ولا يقال له فيما علم غيرك.
وقد قال الله تعالى: (وقَالَ الَّذينَ أُوتُوا الْعِلْم والإيمانَ) الروم: ٥٦ ففرق بينهما يدل به أن من أوتي إيمانًا أوتي علمًا كما أن من أوتى علمًا نافعًا أوتي إيمانًا وهذا أحد الوجوه في معنى قوله سبحانه: (كتبَ في قُلوبِهِمُ الإيمانَ وَأَيَّدهَهُمْ بِروُحٍ مِنْه) المجادلة: ٢٢ أي قواهم بعلم الإيمان، فعلم الإيمان هو روحه وتكون الهاء عائدة إلى الإيمان وكذا العالم الذي هو من أهل الاستنباط والاستدلال من الكتاب والسنّة فإنه أداة الصنعة وآلة الصنع لأنه ذو تمييز وبصيرة ومن أهل التدبر والعبرة، فأما الجاهل والعامي الغافل فله أن يقلد العلماء ولعالم عموم أيضًا أن يقلد عالم خصوص وللعالم بالعلم الظاهر أن يقلد من فوقه ممن جعل على علم باطن من أهل القلوب لأن النبي ﷺ ردّ من علم الألسنة والفتيا إلى علم القلوب ولم يرد أهل القلوب في علمهم الذين يختصون به إلى المفتين لأنهم يأخذون من المفتين فتياهم ثم يجدون في قلوبهم حيكًا وحزازة فيلزمهم فتيا القلب لقوله: استفتِ قلبك بعد قوله وإن أفتاك المفتون مع قوله الإثم حزاز القلوب إلى قوله ما حاك في صدرك فدعه وإن أفتوك وأفتوك ثم درس معرفة هذا فجهل فصار كل من نطق بكلام وصنعه غرب على السامعين لا يعرف حقه من باطله سمي عالمًا وكل كلام مستحسن زخرف رونقه لا أصل له يسمّى عالمًا لجهل العامة بالعلم أي شيء هو ولقلة معرفة السامع بوصف من سلف من العلماء كيف كانوا فصار كثير من متكلمي الزمان فتنة المفتون وصار كثير من الكلام والرأي والمعقول الذي حقيقته جهل كأنه علم عند الجاهلين فلا يفرقون بين المتكلمين والعلماء ولا يميزون بين العلم والكلام،
[ ١ / ٢٧٤ ]
وقد قلنا: إن خصوص الجهال يشبهون بالعلماء فيشتبهون على مجالسيهم في الحال، فأعلم الناس في زمانك هذا أعرفهم بسيرة المتقدمين وأعلمهم بطرائق السالفين ثم أعلمهم بالعلم أي شيء هو وبالعالم من هو من المتعلم والمتعالم وهذا كالفرض على طالبي العلم أن يعرفوه لأنه لما قال ﷺ طلب العلم فريضة وجب عليهم أن يعرفوا أي شيء هو العلم حتى يطلبوه إذ لا يصح طلب ما لا يعرف ثم وجب عليهم من هذا أن يعرفوا العالم من هو ليطلبوا عنده العلم إذ العلم عرض ولا يقوم إلا بجسم فلا يوجد إلا عند أهله كما قيل لعلي كرم الله وجهه وقيل له إنك خالفت فلانًا في كذا فقال خيرنا أتبعنا لهذا الدين، وكما قيل لسعد أن ابن المسيب يقرأ ما ننسخ من آية أو ننسأها فقال: إن القرآن لم ينزل على ابن المسيب ولا على أبيه ثم قرأ أو ننسها فأعلم الناس في هذا الوقت وأقربهم من التوفيق والرشد أتبعهم لمن سلف وأشبههم بشمائل صالحيّ الخلف، كيف وقد روينا عن رسول الله ﷺ أنه سئل من أعلم الناس؟ فقال: أعرفهم بالحق إذا اشتبهت الأمور.
وقال بعض السلف: أعلم الناس أعرفهم باختلاف الناس، وكان الحسن البصري ﵁ يقول: محدثان أحدثا في الإسلام، رجل ذو رأي سوء زعم أن الجنة لمن رأى مثل رأيه، ومترف يعبد الدنيا لها يغضب ولها يرضى وإياها يطلب فارفضوهما إلى النار اعرفوا إنكارهم لربهم بأعمالهم أن رجلًا أصبح في هذه الدنيا بين مترف يدعو إلى دنياه وصاحب هوى يدعو إلى هواه قد عصمه الله تعالى منهما يجيء إلى السف الصالح يسأل عن فعالهم ويقتص آثارهم لتعرض لأجر عظيم فكذلك فكونوا وكما روينا عن ابن مسعود ﵁ وقد جاء مسندًا إنما هما اثنان الكلام والهدى فأحسن الكلام كلام الله تعالى وأحسن الهدى هدى محمد لله ألا وإياكم ومحدثات الأمور فإن شر الأمور محدثاتها إن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ألا لا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم، ألا كل ما هو آت قريب، ألا إن البعيد ما ليس بآت، وفي خطبة النبي ﷺ التي رويناها عن أبان عن أنس: طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية وخالط أهل الفقه والحكمة وجانب أهل الذل والمعصية، طوبى لمن ذلّ في نفسه وحسنت خليقته وصلحت سريرته وعزل عن الناس شره، طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق الفضل ماله وأمسك الفضل من قوله ووسعته السنة ولم يعدها إلى بدعة، وقال بعض الأدباء كلامًا منظومًا في وصف زماننا هذا كأنه شاهده:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزكي بعضهم بعضًا ليدفع معور عن معور
أبنيّ إن من الرجال بهيمة في صورة الرجل السميع المبصر
[ ١ / ٢٧٥ ]
فطنًا بكل مصيبة في ماله فإذا أصيب بدينه لم يشعر
فسل الفقيه تكن فقيهًا مثله من يسعَ في أمر بفقه يظفر
وقد كان ابن مسعود ﵁ يقول: حسن الهدى في آخر الزمان خير من كثير من العمل، وقال في وصف زمانه باليقين وفي وصف زماننا بالشك فقال: إنكم في زمان خيركم في المسارع في الأمور وسيأتي بعدكم زمان يكون خيرهم فيه المتثبت المتوقف يعني لكثرة الشبهات، وقال حذيفة ﵁: أعجب من هذا قال إن معروفكم هذا منكر زمان قد مضى، وإن منكركم معروف زمان قد يأتي وإنكم لن تزالوا بخير ما عرفتم الحق، وكان العالم فيكم غير مستخف وكان يقول أيضًا: يأتي في آخر الزمان قوم يكون العالم فيهم بمنزلة الحمار الميت لا يلتفتون إليه يستخفي المؤمن فيهم كما يستخفي المنافق فينا اليوم المؤمن فيهم أذل من الأمة، وفي حديث علي كرّم الله وجهه يأتي على الناس زمان ينكر الحق تسعة أعشارهم لا ينجو منهم يومئذ إلا كل مؤمن نومة يعني صموتًا متغافلًا أولئك مصابيح العلم وأئمة الهدى وليسوا بالمذاييع البذر يعني المتكلمين كثيرًا المتظاهرين بالكلام افتخارًا، وفي خبر: يأتي على الناس زمان من عرف فيه الحق نجا قيل فأين العمل؟ قال: لا عمل يومئذ لا ينجو فيه إلا من هرب بدينه من شاهق إلى شاهق وفي حديث أبي هريرة ﵁: يأتي على الناس زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا وفي بعضها بعشر ما يعلم، وعن بعض الصحابة أنتم اليوم في زمان من ترك منكم عشر ما يعلم هلك ويأتي عيلكم زمان من علم فيه بعشر ما يعلم نجا، وقال بعض الخلفاء: يأتي عليكم زمان يكون أفضل العلم الصمت وأفضل العمل النوم يعني لكثرة المنافقين بالشبهات فصار الصمت للجاهل علمًا ولكثرة العاملين بالشهوات فصار النوم عبادة البطال ولعمري إن الصمت والنوم أدنى أحوال العالم وهما أعلى أحوال الجاهل وكان يونس بن عبيد يقول أصبح اليوم من يعرف السنة غريبًا وأغرب منه من يعرفه يعني طريقة السلف، يقول: فمن يعرفه عرف طريق من مضى وهو غريب أيضًا لأنه قد عرف غريبًا، وقال حذيفة المرعشي: كتب إلى يوسف بن أسباط ذهب الطاعة ومن يعرفها وكان أيضًا يقول ما بقي من يؤنس به.
وقال: ما ظنك بزمان مذاكرة العلم فيه معصية قيل ولم ذلك؟ قال: لأنه لا يجد أهله وقد كان أبو الدرداء ﵁ يقول: إنكم لن تزالوا بخير ما أحببتم خياركم وقيل فيكم الحق فعرف ويل لكم إذا كان العالم فيكم كالشاة النطيح، وقد كان للمتقدمين علوم يجتمعون عليها ويتفاوضونها بينهم قد درست في زماننا وكان للصالحين معان وطرائق يسلكونها ويسألون عنها قد ذهبت في وقتنا وكان لليقين والمعرفة مقامات وأحوال يتذاكرها أهلها ويطلبون أربابها قد عفت آثارها عندنا لقلة
[ ١ / ٢٧٦ ]
الطالبين لها ولعدم الراغبين فيها وفقد العلماء بها وذهاب السالكين في طرقها منها طلب الحلال وعلم الورع في المكاسب والمعاملات وعلم الإخلاص وعلم آفات النفوس وفساد الأعمال وعلم نفاق العلم والعمل والفرق بين نفاق العلم والعمل والفرق بين نفاق القلب ونفاق النفس وبين إظهار النفس شهوتها واخفائها ذلك والفرق بين سكون القلب بالله وسكون النفس بالأسباب والفرق بين خواطر الروح والنفس وبين خاطر الإيمان واليقين والعقل وعلم خلائق الأحوال وأحوال طرائق العمال وتفاوت مشاهدات العارفين وتلوينات الشواهد على المريدين وعلم القبض والبسط والتحقيق بصفات العبودية والتخلق بأخلاق الربوبية وتباين مقامات العلماء إلى غير ذلك ممّا لا نذكره من علم التوحيد ومعرفة معاني الصفات وعلوم المكاشفة بتجلي الذات وإظهار الأفعال الدالة على معاني الصفات الباطنة وظهور المعاني الدالة على النظر والإعراض والتقريب والإبعاد والنقص والمزيد والمثوبة والعقوبة والاختباء والاختيار، وقد ذكرنا من جميع هذه المعاني فصولًا ورسمنا جملًا وأصولًا تنبه على فروعها وندل على أشكالها لمن وفق لتدبرها وأريد بتذكرها وجعل له نصيب منها.
وقال بعض علمائنا: أعرف للمتقدمين سبعين علمًا كانوا يتحاورونها ويتعارفونها في هذا العلم لم يبق منها اليوم علم واحد يعرف، قال: وأعرف في زماننا هذا علومًا كثيرة من الأباطيل والدعاوى والغرور، وقد ظهرت وسميت علومًا لم تكن فيما مضى تعرف فهذا كالشراب الذي وصفه الله تعالى فقال: (يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حتَّى إذا جاءَهُ لمْ يَجِدْهُ شَيْئًا) النور: ٣٩، وكان الجنيد رحمه الله تعالى من قبله يقول: علمنا هذا الذي نتكلم فيه قد طوي بساطه منذ عشرين سنة وإنما نتكلم في حواشيه وكان يقول أيضًا قد كنت أجالس قومًا سنين يتحاورون في علوم لا أفهمها ولا أدري ما هي وما بليت بالإنكار قط كنت أتقبلها وأحبها من غير أن أعرفها وكان أيضًا يقول كنا نتجارى مع إخواننا قديمًا في علوم كثيرة ما تعرف في وقتنا هذا ولا سألني عنها أحد، وهذا باب قد أغلق وردم، ولما صنف شيخنا أبو سعيد بن الأعرابي كتاب طبقات النساك ووصف أوّل من تكلم في هذا العلم وأظهره ثم من بعده من البصريين والشاميين وأهل خراسان إلى أن كان آخرهم البغداديين، وقال آخر: من تكلم في هذا صاحبنا جنيد القواريري وكانت له بصيرة فيه وحقيقة وحسن عبارة وما بقي بعده إلا من مجالسته غيظ، وقال مرة أخرى: ما بقي بعد جنيد إلا من يستحي من ذكره وقد كان إمامنا أبو محمد سهل ﵀ يقول بعد سنة ثلاثمائة لا يحل أن يتكلم بعلمنا هذا لأنه يحدث قوم يتصنعون للخلق ويتزينون بالكلام لتكون مواجيدهم لباسهم وحليتهم كلامهم ومعبودهم بطونهم، وقد كان حذيفة ﵁ إذا سئل أي الفتن أشد فقال: إن يعرض عليك الخير والشر فلا تدري أيهما تأخذ لكثرة الشبهات كما كان سهل يقول بعد سنة ثلاثمائة لا يصح لأحد توبة لأنه يفسد
[ ١ / ٢٧٧ ]
خبزهم وهم لا يصبرون عن الخبز يعني أن أول التوبة أكل الحلال وقد روينا في خبر يأتي على الناس زمان يضلون فيه دينهم فلا يعرفونه يصبح الرجل على دين ويمسي على دين يضل أمره على غير يقين وتسلب عقول أكثر أهل ذلك الزمان وأوّل ما يرفع عنهم الخشوع ثم الإجابة ثم الورع ويقال: أوّل ما يرفع من الناس الأُلْفة.