إذا علم العبد هذا وتيقنه .. فعلم أن الله هو المان به ابتداءا وإدامة .. بلا استحقاق من العبد .. وبلا سبب منه .. حينذاك تذله نعم الله عليه .. فعندئذ يرى أن الفضل كله لله .. وأنه من عليه دون أن يستحق أي نعمة .. فيذل لله .. وكلما زاده الله نعمة .. ازداد بها ذلا .. حتى يصير أذل الناس لله .. وهذه أعلى درجة من درجات العبودية .. فتذله نعم الله عليه .. وتكسره .. كسرة من لا يرى لنفسه ولا فيها ولا منها خيرا البتة .. فلا يرى فيها خيرا أبدا .. وأن الخير الذي وصل اليه فهو لله وبالله ومن الله.
وهذه نتيجة علمين شريفين .. علمه بربه .. وعلمه بنفسه ..
[ ١١٠ ]
علمه بربه .. وبره وغناه .. وجوده وإحسانه ورحمته .. وأن الخير كله في يديه .. وهو في ملكه يؤتي منه من يشاء ما يشاء .. ويمنع منه من يشاء ما يشاء.
ثم علمه بنفسه .. ووقوفه على حدها .. وقدرها .. ونقصها وظلمها .. فالعبد دائم التذكر لهذين الأمرين .. لا ينسب لنفسه فضلا قط .. إذا قرأ القرآن فمن الله .. إذا صام النهار فمحض فضل من الله .. يعني توفيق وإعانة وقبول .. إذا قام الليل فبتوفيق الله .. وانظر لعله هناك من هو أعقل منك ولم يهده الله فلم يهتد ..
فاحمد الله .. قال تعالى: ﴿من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا﴾ [الكهف: ١٧].
يقول ابن القيّم:
فإذا صار هذان العلمان .. ألا وهما: معرفة نفسك ومعرفة ربك صبغة لها لا صبغة على لسانها.
فكثير منا يقول بلسانه: والله أنا مقصر .. مذنب .. عاص .. ادع الله أن يهديني .. أنا أريد أن أتعلم .. أريد أن أقوم الليل .. هذه صبغة اللسان .. أما صبغة القلب فعلمه بنفسه وعلمه بربه .. فإذا صار هذان العلمان صبغة لها لا صبغة على لسانها .. علمت حينذاك أن الحمد كله لله .. والأمر كله لله .. والخير كله لله .. وأنه هو المستحق للحمد والثناء دونها - أي دون نفسه - وأن نفسه هي أولى بالذم والعيب اللوم .. ومن فاته التحقق بهذين العلمين تلونت به أقواله وأعماله .. فإيصال العبد الى الله بتحقيق هاتين المعرفتين علما
[ ١١١ ]
وعملا .. وانقطاع العبد عن الله بفوات هذين العلمين علما وعملا .. وهذا معنى قولهم: من عرف نفسه عرف ربه .. فمن عرف نفسه بالجهل عرف الله بالعلم .. ومن عرف نفسه بالظلم عرف الله بالعدل .. ومن عرف نفسه بالعيب عرف ربه بالعز والجمال والكمال .. ومن عرف نفسه بالنقص عرف ربه بالعطاء والكمال .. ومن عرف نفسه بالذل عرف ربه بالعز .. ومن عرف نفسه بالحاجة عرف ربه بالغنى .. ومن عرف نفسه بالمسكنة عرف ربه بالقوة والملك .. ومن عرف نفسه بالعدم عرف ربه بالجبروت.
وهكذا تعرف نفسك وتعرف ربك .. فإذا عرف نفسه وعرف ربه كان الله أحب شيئ اليه .. وأخوف شيء عنده .. وأرجاه له .. وهذه هي حقيقة الايمان العبودية.
يقول ابن الجوزي:
"والله لقد بكيت الليلة مما جنيته على نفسي بيد مفسي" نعوذ بالله من أنفسنا .. واها لك يا نفس .. النفس وما أدراك ما النفس .. أمّارة بالسوء .. ظلومة جهولة .. الإنسان وهذه نفسه .. إذا مسّه الشر جزوعا .. وإذا مسّه الخير منوعا.
الإنسان .. ﴿وكان الانسان عجولا﴾ [الاسراء:١١] ﴿وكان الانسان قتورا﴾ [الاسراء:١٠] ﴿وكان الانسان أكثر شيء جدلا﴾ [الكهف ٥٤] هذه نفسك .. جهول .. قتور .. حين ترى نفسك هكذا لا تعينك على عمل صالح
[ ١١٢ ]
أبدا .. تميل الى البطالة والكسل .. تميل مع الهوى وطول الأمل .. ترجو من الدنيا وتنسى الآخرة .. هذه نفوسنا والله .. إذا عملنا بعد أن جاهدنا تستأثر نفوسنا بأعمالنا .. فنعملها رياء وسمعة .. نعوذ بك اللهم من شرور أنفسنا .. فإذا عرفت نفسك أنها الحاملة على كل ذنب .. وأنها الدافعة الى كل معصية .. وأنها المانع في كل خير وعطية .. استعذت بالله من شرها .. وعرفت أن الخير بيد الله .. يؤتيه من يشاء .. وهو العزيز الحكيم ..
نفسك إذا عرفتها. عرفت نفسك وعرفت الله .. عظمت المخالفة عندك .. نفسك انفرد بها لتوبخها.
يقول ابن القيّم:
واأسفاه من حياة على غرور .. وموت على غفلة .. ومنقلب الى حسرة .. ووقوف يوم الحساب بلا حجة .. واأسفاه .. واحسرتاه ..