في "الصحيحين" (^٥) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: "أفضَلُ الأعمال إيمان بالله ورسوله، ثم جِهَادٌ في سبيل الله، ثم حَجٌّ مَبْرورٌ".
_________________
(١) في آ، ش، ع: "وعوَّضه".
(٢) سورة الأنفال الآية ٧٠.
(٣) الترغيب ٣/ ٣٤ عن عبد الله بن مسعود. قال المنذري: رواه الطبراني والحاكم من حديث حذيفة، وقال: صحيح الإسناد. ثم قال: خرجاه من رواية عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وهو واه. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٨/ ٦٣ وقال: "رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن إسحاق الواسطي، وهو ضعيف".
(٤) في ط: "فكيف يكون الذي لا يتوب"، وفي ع: "فكيف بحالة من لا يتوب"، وفي ب، ش: "يكون".
(٥) أخرجه البخاري رقم (٢٦) في الإيمان: باب من قال: إن الإيمان هو العمل، وفي الحج: باب فضل الحج المبرور؛ ومسلم رقم (٨٣) في الإيمان: باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال؛ والترمذي رقم (١٦٥٨) في فضائل الجهاد: باب ما جاء في أي الأعمال أفضل؛ والنسائي ٥/ ١١٣ في الحج: باب فضل الحج.
[ ٤٠٠ ]
هذه الأعمال الثلاثة ترجِعُ في الحقيقة إلى عملين:
أحدهما: الإيمانُ بالله ورسوله، وهو التَّصديقُ الجازم بالله وملائكته وكتبِه ورسلِه واليومِ الآخر، كما فسَّر النبيُّ - ﷺ - الإيمانَ بذلك في حديث (^١) سؤالِ جبريلَ له، وفي غيره من الأحاديث. وقد ذكر الله تعالى الإِيمانَ بهذه الأصول في مواضِعَ كثيرةٍ من كتابه؛ كأوَّلِ البقرة، ووسطِها، وآخِرِها.
والعَمَلُ الثاني: الجهادُ في سبيل الله تعالى. وقد جمع الله بين هذين الأصلين في مواضِعَ من كتابه، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (^٢). الآية، وفي قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (^٣).
وقد صَحَّ عن النبي - ﷺ - من غير وجهٍ أنَّ أفضَلَ الأعمال الِإيمانُ بالله والجهادُ في سبيل الله؛ فالإِيمانُ المجرَّدُ تدخُلُ فيه أعمال الجوارح عند السَّلف وأهلِ الحديث، والإيمانُ المقرون بالعمل يُرادُ به التصديقُ مع القول، وخُصوصًا إن قُرِنَ الإِيمانُ بالله بالإِيمان برسُوله، كما في هذا الحديث. فالإيمانُ القائمُ بالقلوب أصلُ كُلِّ خَيْرٍ، وهو خيرُ ما أوتيهُ العَبْدُ في الدنيا والآخرة (^٤)؛ وبه يحصل له سعادةُ الدُّنيا والآخرة، والنَّجاةُ من شقاوةِ الدُّنيا والآخرة. ومَتَى رسخَ الإِيمانُ في القَلْب انبعثَتِ الجوارِحُ كُلُّها بالأعمال الصالحة، واللسانُ بالكلم (^٥) الطيب. كما قال النبي - ﷺ -: "أَلَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلُحَتْ صَلُحَ الجسَدُ كُلُّه، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجسَدُ كُلُّه، أَلَا وهِيَ القلْبُ" (^٦). ولا صلاحَ للقلب بدون الإيمان بالله، وما يدخُلُ في مسمَّاهُ مِن معرفةِ
_________________
(١) أخرجه الشيخان، وانظر رواياته وتخريجه في "جامع الأصول" ١/ ٢١٣ - ٢١٦.
(٢) سورة الصف الآية ١٠ و١١.
(٣) سورة الحجرات الآية ١٥.
(٤) لفظ "والآخرة" لم يرد في ب، ش.
(٥) في ط: "بالكلام".
(٦) أخرجه البخاري رقم (٥٢) في الإيمان: باب فضل من استبرأ لدينه، وفي البيوع: باب الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات؛ ومسلم رقم (١٥٩٩) في المساقاة: باب أخذ الحلال وترك الشبهات؛ وابن ماجه رقم (٣٩٨٤) في الفتن: باب الوقوف عند الشبهات. كما رواه الإِمام أحمد في "مسنده" ٤/ ٢٧٠ و٢٧٤ عن النعمان بن بشير.
[ ٤٠١ ]
اللهِ وتوحيدِه، وخشيتِه، ومحبَّتِه، ورجائه، [وإِجابته] (^١) والإِنابةِ إِليه، والتوكُّلِ عليه. قال الحسن: ليس الإِيمانُ بالتمنِّي، ولا بالتحلَّي، ولكنَّه بما وقر في الصدور (^٢)، وصدقته الأعمالُ. ويشهَدُ لذلك قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (^٣). وفي هذا يقولُ بعضُهم:
ما كُلُّ مَن زَوَّقَ لي قَوْلَه … يَغُرُّني يا صَاحِ تزويقُهُ
مَنْ حَقَّقَ الإِيمانَ في قلبِهِ … لا بُدَّ أن يظهَرَ تحقيقُهُ
فإِذا ذاق العَبْدُ حلاوَةَ الإِيمان، ووجَدَ طعمَهُ وحلاوَتَه، ظهَرَ ثمرَةُ ذلك على لسانِهِ وجوارِحِه، فاسْتَحْلَى اللسانُ ذِكْرَ الله وما والاه، وأسرَعَتِ الجَوَارِحُ إِلى طاعةِ الله، فحينئذ يدخُلُ حُبُّ الإِيمانِ في القلب، كما يدخُلُ حُبُّ الماءِ البارد الشَّديدِ بَرْدُهُ في اليوم الشَّديدِ حَرُّه للظمآنِ الشديدِ عطشُه، ويصيرُ الخروجُ من الإِيمان أكرَهُ إِلى القلوب من الإِلقاءِ في النار، وأَمَرَّ عليها من الصَّبْر. ذكر ابنُ المبارك عن أبي الدَّرداء ﵁ أنَّه دخَلَ المدينَةَ، فقال لهم: ما لي لا أرى عليكم يا أهلَ المدينة حلاوَةَ الإِيمان؟ والذي نفسِي بيدِهِ، لو أنَّ دُبَّ الغَابةِ وجَدَ طعمَ الإِيمان لَرؤي عليه حلاوةُ الإِيمان.
لو ذَاقَ طَعْمَ الإِيمانِ رَضْوَى (^٤) … لكادَ مِن وَجْدِهِ يَميدُ
قَدْ حَمَّلُوني (^٥) تكلِيفَ عَهْدٍ … يعجِزُ عن حَمْلِهِ الحَديدُ
فالإِيمان بالله ورسوله وظيفةُ القلب واللسان، ثم يتبعهما (^٦) عملُ الجوارح، وأفضلُها الجهادُ في سبيل الله، وهو نوعان: أفضلُهما جهادُ المؤمن لعدوِّه الكافر، وقتالُه في سبيل الله؛ فإِنَّ فيه دعوةً له إِلى الإِيمان بالله ورسوله، ليدخُلَ في الإِيمان.
_________________
(١) زيادة في (ط).
(٢) في آ، ش: "الصدر".
(٣) سورة الأنفال الآية ٣ و٤.
(٤) رَضْوى: جبل بالمدينة.
(٥) في ب: "قد كلفوني".
(٦) في آ، ش: "يتبعها".
[ ٤٠٢ ]
قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (^١). قال أبو هريرة ﵁ في هذه الآية: يجيئون بهم في السَّلاسل حتَّى يدخلونهم (^٢) الجنَّة. وفي الحديث المرفوع: "عَجِبَ رَبُّكَ من قومٍ يُقَادُون إِلى الجنَّة بالسَّلاسل" (^٣).
فالجهادُ في سبيل الله دعاءُ الخَلْق إِلى الإِيمان بالله ورسُولهِ بالسَّيف واللسان، بعدَ دُعائهم إِليه بالحجَّةِ والبرهان. وقد كان النبي - ﷺ - في أوَّل الأمر لا يقاتل قومًا حتى يدعوهم. فالجهادُ به تعلو كلمةُ الإِيمان، وتتسعُ رُقْعَةُ الإِسلام، ويكثُرُ الداخلون فيه. وهو وظيفةُ الرُّسُلِ وأتباعِهم، وبه تصير كلمةُ اللهِ هي العليا. والمقصودُ منه أن يكون الدِّين كُلُّه لله، والطاعةُ له، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه﴾ (^٤). والمجاهد في سبيل الله هو المقاتِلُ لتكونَ كلمةُ الله هي العليا خاصَّةً.
والنوع الثاني من الجهاد: جهادُ النفس في طاعة الله، كما قال النبي - ﷺ -: "المجاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَه في الله" (^٥). وقال بعضُ الصحابة لمن سألَهُ عن الغزو: ابْدَأْ بنفسِكَ فاغْزُها، وابْدأ بنفسِكَ فجاهِدها. وأعظَمُ مجاهدَةِ النفسِ على طاعة الله عِمَارةُ بيوتِه بالذِّكر والطاعةِ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (^٦). وفي حديث أبي سعيدٍ
_________________
(١) سورة آل عمران الآية ١١٠.
(٢) في ب: "يدخلوهم". وفي تفسير ابن كثير ١/ ٣٩١ عن أبي هريرة: "خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإِسلام". وهي رواية للبخاري رقم (٤٥٥٧) في التفسير: باب ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. وفي رواية للبخاري رقم (٣٠١٠) في الجهاد: "عجِبَ اللهُ من قوم يدخلون الجنة في السلاسل".
(٣) أخرجه البخاري رقم (٣٠١٠) في الجهاد: باب الأَسارى في السلاسل، ولفظه كما سبق، ورقم (٤٥٥٧) في التفسير، وأبو داود رقم (٢٦٧٧) في الجهاد: باب الأسير يوثق. ورواه أحمد في "مسنده" ٢/ ٣٠٢، ٤٤٨.
(٤) سورة الأنفال الآية ٣٩.
(٥) من حديث فضالة بن عبيد ﵁، رواه الترمذي رقم (١٦٢١) في فضائل الجهاد: باب ما جاء في فضل من مات مرابطًا. وقال الترمذي: وحديث فضالة حديث حسن صحيح. ورواه الإِمام أحمد في "مسنده" ٦/ ٢١، ٢٢ وإِسناده حسن.
(٦) سورة التوبة الآية ١٨.
[ ٤٠٣ ]
المرفوع: "إِذا رأَيْتُم الرَّجُلَ يَعْتَادُ المسجِدَ فاشْهَدُوا له بالإِيمان" ثم تلا هذه الآية. خرجه الإِمامُ أحمدُ (^١) والترمذي وابنُ ماجه.
وقال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٢)، الآية.
والنوع الأوَّلُ من الجهاد أفضَلُ من هذا الثاني، قال الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (^٣).
وفي صحيح مسلم (^٤)، عن النُّعمان بن بشير، قال: كنْتُ عند مِنْبَرِ النَّبي - ﷺ -، فقال رجل: ما أبالي أن لا أعملَ عملًا بعد الإِسلام إِلَّا أنْ أسقِيَ الحاجَّ. وقال آخر: ما أبالي أنْ لا أعمَلَ عملًا بعدَ الإِسلام، إِلَّا أنَّ أَعْمُرَ المسجدَ الحرام. وقال آخر: الجهادُ في سبيل الله أفضَلُ ممَّا قُلتم: فزَجَرَهُم عُمَرُ، وقال: لا ترفعوا أصواتَكم عندَ مِنْبَرِ رسولِ الله - ﷺ -، وهو يومُ الجمعة، ولكن إِذا صليتُ الجمعةَ دخلْتُ فاسْتَفْتَيْتُهُ فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله ﷿: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، إِلى آخر الآية. فهذا الحديث الذي فيه ذِكْرُ سببِ نُزولِ هذه الآية يبيِّنَ أنَّ المراد أفضَلُ ما يُتقرَّبُ به إِلى الله تعالى من أعمالِ النَّوافِلِ والتطوعِ (^٥)، وأنَّ الآية تدُلُّ على أنَّ أفضَلَ ذلك الجِهادُ مع الإِيمان. فدَلَّ على أنَّ التطوُّعَ بالجهاد أفضَلُ من التطوُّع بعِمَارة المسجد الحرامِ وسِقاية الحاجِّ. وعلى مِثل
_________________
(١) رواه أحمد في "المسند" ٣/ ٦٨ و٧٦، والترمذي رقم (٣٠٩٢) في التفسير من سورة التوية، وابن ماجه رقم (٨٠٢) في المساجد والجماعات: باب لزوم المساجد وانتظار الصلاة. من حديث درَّاج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري. ذكر الحافظ في "التقريب" في ترجمة درَّاج: أنه صدوق، لكن في حديثه عن أبي الهيثم ضعف. وقد ضعفه الذهبي في "تلخيص المستدرك" ومغلطاي في شرح ابن ماجه. ومع ذلك فقد حسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، كما قاله المنذري في "الترغيب".
(٢) سورة النور الآية ٣٦ و٣٧.
(٣) سورة التوبة الآية ١٩ و٢٠.
(٤) أخرجه مسلم رقم (١٨٧٩) في الإِمارة: باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى. ورواه الإِمام أحمد في"المسند" ٤/ ٢٦٩.
(٥) بعدها في ط: "الجهاد".
[ ٤٠٤ ]
هذا يُحمَلُ حديثُ أبي هريرة ﵁. هذا وأنَّ الجهادَ أفضَلُ مِن الحجِّ المتطوَّعِ به، فإِنَّ فَرْضَ الحَجِّ تأخَّرَ عندَ كثيرٍ من العلماءِ إِلى السَّنَة التاسِعةِ، ولعَلَّ النبيَّ - ﷺ - قال هذا الكلام قبلَ أن يُفرَضَ الحجُّ بالكليَّة، فكان حينئذٍ تطوُّعًا.
وقد قيل: إِن الجهاد كان في أوَّلِ الإِسلام فرضُ عَيْنٍ، فلا إِشكالَ في هذا على تقديمه على الحَجِّ قبلَ افتراضِهِ. فأما بعد أن صارَ الجهادُ فَرْضَ كِفايةٍ والحجُّ فَرْضَ عَيْنٍ؛ فإِنَّ الحَجَّ المفترضَ حينئذٍ يكونُ أفضَلَ مِن الجهادِ. قال عبدُ الله بن عمرو بن العاص: حَجَّةٌ قَبْلَ الغَزْوِ أفضَلُ مِن عشر غَزَواتٍ، وغزوةٌ بعدَ حجَّةٍ أفضَلُ مِن عشر حجاتٍ. ورُوِي ذلك مرفوعًا من وجوهٍ متعدِّدَةٍ، في أسانيدِها مقالٌ. وقال الصُّبَيّ (^١) بن مَعْبَدٍ: كنت نصرانيًّا فأسلمْتُ، فسألْتُ أصحابَ محمدٍ - ﷺ -: الجِهادُ أفضَلُ أم الحجُّ؟ فقالوا: الحَجُّ. والمرادُ - والله أعلم - أنَّ الحَجَّ أفضَلُ لمن لم يحجَّ حَجَّةَ الإِسلام، مثل هذا الذي أسلم. وقد يكون المرادُ بحديثِ أبي هريرة (^٢) ﵁ أنَّ جِنْسَ الجِهادِ أشرَفُ مِن جنسِ الحَجِّ، فإِن عرض للحج وصفٌ يمتاز به على الجِهاد، وهو كونه فَرْضَ عينٍ، صار ذلك الحجُّ المخصوصُ أفضَلَ مِن الجهاد، وإِلَّا فالجهادُ أفضَلُ، والله أعلم.
وقد دَلَّ حديثُ أبي هريرة ﵁ على أنَّ أفضَلَ الأعمال بعدَ الجهاد في سبيل الله جنسُ عِمارة المساجِد؛ بذكرِ اللهِ وطاعتِه، فيدخُلُ في ذلك الصلاةُ والذِّكْرُ والتِّلاوةُ والاعتِكافُ وتعليمُ العِلْم النافع واستماعُهُ. وأفضَلُ ذلك (^٣) عِمارَةُ أفضَلِ المساجِدِ وأشرفِها، وهو المسجِدُ الحرامُ، بالزِّيارة والطَّوافِ؛ فلهذا خَصَّه بالذكر وجَعَلَ قصْدَهً للحجِّ أفضَلَ الأعمال بعدَ الجهاد. وقد خرَّجه ابنُ المنذر (^٤) ولفظُه: "ثم حَجٌّ مبرورٌ أو عمرَةٌ".
_________________
(١) في آ، ع: "الضَّبَيّ"، وفي ب: "الصَّبَيّ". وهو تصغير صُبَيّ بن مَعْبَد التغلبي الكوفي. قال مسلمة بن قاسم: تابعي ثقة، رأى عمر بن الخطاب وعامة أصحاب النبي - ﷺ -. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه. (تهذيب التهذيب ٤/ ٤٠٩).
(٢) ذكر في بداية المجلس.
(٣) في ط: "من ذلك".
(٤) هو الحسن بن الحسن بن علي بن المنذر البغدادي. قال الخطيب البغدادي: كتبنا عنه، وكان صدوقًا ضابطًا، كثير الكتاب، حسن الفهم، حسن العلم بالفرائض. ولي القضاء، مات ببغداد سنة ٤١١ هـ. (تاريخ بغداد ٧/ ٣٠٤، سير أعلام النبلاء ١٧/ ٣٣٨).
[ ٤٠٥ ]
وقد ذكر الله تعالى هذا البيتَ في كتابه بأعظَمِ ذِكْرٍ وأفخَمِ تعظيمٍ وثناءٍ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (^١)، الآيات. وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (^٢). وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (^٣).
فعِمارَةُ سائر المساجِدِ سِوَى المسجدِ الحَرَام وقصدُها للصَّلاة فيها، وأنواعُ العِبادات من الرِّباط في سبيل الله تعالى، كما قال النبي - ﷺ - في إِسباغ الوضوء على المكارِهِ، وكثرة الخُطَا إِلى المساجِدِ، وانتظارِ الصَّلاة بعدَ الصَّلاة؛ فذلكم الرِّباط، فذلكم الرِّباط، فذلكم الرِّباط (^٤). فأمَّا المسجدُ الحرامُ بخُصُوصِه فقصدُه لزيارتِهِ وعمارتِهِ بالطَّوافِ الذي خَصَّه الله به من نوع الجهاد في سبيل الله ﷿.
وفي "صحيح البخاري" (^٥) عن عائشة ﵂، قالت: يا رسولَ الله، نَرَى الجهادَ أفضلَ العَمَلِ، أفلا نجاهِدُ؟ قال: "لَكُنْ أَفْضلُ الجِهادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ"، يعني أفضَلَ جهادِ النساء. ورواه بعضُهم: لكُنْ أفضَلُ الجهادِ حَجٌّ مبرورٌ؛ فيكون صريحًا في هذا المعنى. وقد خرَّجه البخاري بلفظٍ آخَرَ، وهو: "جِهادُكُنَّ الحَجُّ"؛ وهو كذلك. وفي المسند (^٦) وسنن ابن ماجه عن أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، عن النبي - ﷺ -، قال: "الحجُّ
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٢٥.
(٢) سورة آل عمران الآية ٩٦ و٩٧.
(٣) سورة الحج الآية ٢٦ و٢٧.
(٤) رواه مسلم رقم (٢٥١) في الطهارة: باب فضل إِسباغ الوضوء على المكاره، والموطأ ١/ ١٦١، والترمذي رقم (٥١)، والنسائي ١/ ٨٩ و٩٠. كما رواه الإِمام أحمد في "المسند" ٢/ ٢٧٧، ٣٠٣. وقد مضى تخريجه.
(٥) رقم (١٥٢٠) في الحج: باب فضل الحج المبرور، وباب حج النساء، وفي الجهاد: باب فضل الجهاد، وباب جهاد النساء. وحج مبرور: متقبَّل، مثاب عليه بالجنَّة.
(٦) رواه أحمد في "المسند" ٦/ ٢٩٤ و٣٠٣ و٣١٤، وابن ماجه رقم (٢٩٠٢) في المناسك: باب الحج جهاد النساء، والترغيب ٢/ ١٦٤، وأورده الألباني في "صحيح ابن ماجه" ٢/ ١٥١ رقم (٢٣٤٦) و"صحيح الجامع الصغير" ١/ ٦٠٦ رقم (٣١٧١).
[ ٤٠٦ ]
جهادُ كُلِّ ضعيفٍ". وخرَّج البيهقيُّ (^١) وغيرُه مِن حديثِ أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "جهادُ الكبيرِ، والضعيفِ، والمرأةِ، الحجُّ والعُمْرَةُ".
وفي حديثٍ مرسلٍ: "الحجُّ جهادٌ، والعمرَةُ تطوُّعٌ" (^٢). وفي حديث آخر مرسَلٍ خرَّجه عبدُ الرزَّاق (^٣): أنَّ رجلًا قال للنبي - ﷺ -: إِنِّي جبَانٌ لا أُطيقُ لقاءَ الغدُوِّ. قال: أفلا أدُلُّكَ على جهادٍ لا قِتَالَ فيه؟ قال: بلى. قال: عليكَ بالحَجِّ والعُمْرَةِ.
وخرَّج أيضًا (^٤) من مراسِيلِ علي بن الحسين أنَّ رجلًا سأل النبي - ﷺ - عن الجهاد؟ فقال: أَلا أدلُّكَ على جهادٍ لَا شَوْكَةَ فيه؟ الحجّ.
وفيه (^٥) عن عُمَرَ أنَّه قال: إِذا وضَعْتُمُ السُّروجَ، يعني مِن سَفَر الجهاد، فشُدُّوا الرِّحال إِلى الحجّ والعُمْرَة؛ فإِنَّه أحدُ الجِهادين. وذكره البخاري تَعْليقًا. وقال ابنُ مسعودٍ ﵁: إِنَّما هو سَرْجٌ ورحْلٌ؛ فالسَّرْجُ في سبيلِ الله، والرَّحْل (^٦) في الحج. خرَّجه الإِمام أحمدُ في مناسِكِه. وإِنَّما كان الحجُّ والعمرَةُ جهادًا؛ لأنَّه
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "السنن" ٤/ ٣٥٠ و٩/ ٢٣ والنسائي ٥/ ١١٤ في المناسك: باب فضل الحج، والمنذري في "الترغيب" ٢/ ١٦٤، قال: رواه النسائي بإِسناد حسن. ورواه أحمد في "مسنده" ٢/ ٤٢١، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢٠٦: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح".
(٢) رواه ابن ماجه رقم (٢٩٨٩) في المناسك: باب العمرة، وقال في الزوائد: في إِسناده ابن قيس المعروف بمندل، ضعفه أحمد وابن معين وغيرهم، وفيه الحسن بن يحيى الخُشَني، وهو ضعيف أيضًا. وذكره السيوطي في "الجامع الصغير" رقم (٣٧٩٧) وعزاه إِلى ابن ماجه، عن طلحة بن عبيد الله، والطبراني، عن ابن عباس. وأورده الألباني في "ضعيف الجامع الصغير" رقم (٢٧٦٠). ورواه الطبراني في الكبير ١١/ ٤٤٢ عن ابن عباس، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢٠٥ وقال: "رواه الطبراني في الكبير وفيه محمد بن الفضل بن عطية وهو كذاب".
(٣) مصنف عبد الرزاق (ج ٥) في الحج برقم (٨٨١٠) وفي الجهاد برقم (٩٢٧٣) عن عبد الكريم الجزري.
(٤) مصنف عبد الرزاق (ج ٥) في الحج برقم (٨٨٠٩) وفي الجهاد برقم (٩٢٨٣)، وأخرجه ابن منصور برقم (٢٣٤٢) باب: ما جاء في فضل الجهاد، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢٠٦ وقال: "رواه الطبراني في الكبير"، وفيه: عن الحسين بن علي، وهو بالصواب أشبه. كما أورده الألباني في "صحيح الجامع الصغير" رقم (٢٦١١) عن الحسين بن علي. وفي الترغيب ٢/ ١٦٤: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورواته ثقات، وأخرجه عبد الرزاق أيضًا". وشوكة القتال: شدته وحدته.
(٥) مصنف عبد الرزاق (ج ٥) في الحج برقم (٨٨٠٨) والكنز ٣، رقم (٥٦٨).
(٦) في ب، ط: "والرَّحل الحج".
[ ٤٠٧ ]
يُجهِدُ المالَ والنفسَ والبَدَنَ، كما قال أبو الشَّعثاء (^١): نظرْتُ في أعمال البِرِّ، فإِذا الصَّلاةُ تجهِدُ البَدَنَ دونَ المالِ، والصِّيامُ كذلك، والحجُّ يجهِدُهما، فرأيتُه أفضَلَ.
ورَوَى عبد الرزَّاق (^٢) بإِسنادِهِ، عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنَّ رجلًا سأله عن الحجِّ، قال: إِنَّ الحاجَّ يشفَعُ في أربعمائة بَيْتٍ من قومه، ويبارك في أربعين من أُمهاتِ البَعيرِ الذي حَمَلَه، ويخرُجُ مِن ذنوِبه كيومِ وَلَدَتْه أمُّه (^٣). فقال له رجل: يا أبا موسى! إِنِّي كنْتُ أعالِجُ (^٤) الحجَّ، وقد كَبِرْتُ وضَعُفْتُ، فهل مِن شيءٍ يَعدِلُ الحَجَّ؟ فقال له: هل تستطيع أن تعتِقَ سبعين رقبةً مؤمنةً من ولدِ إِسماعيلَ؟ فأمَّا الحلُّ والرَّحيل فلا أجِدُ له عِدلًا، أو قال: مِثلًا. وبإِسناده (^٥) عن طاوس أنَّه سُئل: هل الحجُّ بعد الفريضة أفضَلُ أم الصَّدَقَةُ؟ قال: فأين الحلُّ والرَّحيلُ، والسَّهَرُ والنَّصَبُ، والطَّوافُ بالبيتِ، والصَّلاةُ عندَه، والوقوفُ بعَرَفَةَ، وجَمْعُ ورميُ الجمار؟ كأنه يقولُ: الحجُّ أفضَلُ. وقد اختلَفَ العلماءُ في تفضيل الحَجِّ تطوُّعًا على الصدقة.
فمنهم: من رَجَّحَ الحجَّ، كما قاله طاوس وأبو الشعثاءِ، وقاله الحَسَنُ أيضًا. ومنهم: مَن رجَّحَ الصَّدَقة، وهو قولُ النَّخعي. ومنهم: من قال: إِنَّ كان ثَمَّ رَحِمٌ محتاجَةٌ أو زمنُ مجاعةٍ، فالصَّدَقَةُ أفضَلُ، وإِلَّا فالحَجُّ؛ وهو نصُّ أحمدَ. ورُوي عن الحسن معناه، وأنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ والتنفيس عن المكروب أفضَلُ من التطوُّع بالحَجِّ.
وفي كتاب عبد الرزَّاق (^٦) بإِسنادٍ ضعيفٍ: عن عائشة ﵂ أنَّ رسولَ الله - ﷺ - سُئلَ عن رجلٍ حَجَّ فأكثَر، أيجعَلُ نفقَتَه في صلةٍ أو عِتْقٍ؟ فقال النبي - ﷺ -: "طوافُ سبع لا لَغْوَ فيه يعدِلُ رقَبةً". وهذا يدُلُّ على تفضيل الحَجِّ. واستدَلَّ مَن رأى ذلك أيضًا بأنَّ النَّفَقة في الحجِّ أفضَلُ من النفقة في سبيل الله.
_________________
(١) هو جابر بن زَيْد الأزدي، عالم أهل البصرة في زمانه، يعد مع الحسن البصري وابن سيرين، وهو من كبار تلامذة ابن عباس. توفي سنة ٩٣ هـ. والخبر في "صفة الصفوة" ٣/ ٢٣٧.
(٢) المصنف (ج ٥) في الحج، برقم (٨٨٠٧).
(٣) ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢١١ عن أبي موسى رفعه إِلى رسول الله - ﷺ -، وقال: "رواه البزار، وفيه من لم يسم".
(٤) أي أزاول وأمارس الحج.
(٥) المصنف (ج ٥)، في الحج، برقم (٨٨٢٢).
(٦) المصنف ٨/ ١٥ برقم (٨٨٣٣)، وعنه في كنز العمال رقم (١١٩٩٧).
[ ٤٠٨ ]
وفي مسند الإِمام أحمد (^١)، عن بُرَيْدَة ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: "النفقةُ في الحَجِّ كالنَّفقَةِ في سبيل الله بسبعمائة ضعفٍ".
وخرَّجه الطبراني (^٢) من حديثِ أنسٍ ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: "النفقةُ في سبيل الله؛ الدِّرْهَمُ فيه بسبعمائة". ويدُلُّ عليه قولهُ تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٣)، ففيه دليلٌ على أنَّ النَّفقة في الحجِّ والعمرة تدخُلُ في جملة النَّفقةِ في سبيل الله. وقد كان بعضُ الصحابة جَعَلَ بعيرَه في سبيل الله، فأرادت امرأتُه أن تحجَّ عليه، فقال لها النبي - ﷺ -: "حجِّي عليه؛ فإِنَّ الحَجَّ في سبيل الله". وقد خرَّجه أهلُ المسانيد والسنن (^٤) من وجوهٍ متعدِّدَةٍ، وذَكَرَه البخاري تعليقًا. وهذا يُستدَلُّ به على أنَّ الحَجَّ يصرَفُ فيه مِن سهمِ سبيلِ اللهِ المذكور في آية الزكاة، كما هو أحدُ قولي العلماءِ، فيعطَى مِن الزَّكاة من لم يحجَّ ما يحجُّ به. وفي إِعطائه لحجِّ التطوُّعِ اختلافٌ بينَهم أيضًا.
_________________
(١) رواه أحمد في "المسند" ٥/ ٣٥٥ وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢٠٨ وقال: "رواه أحمد والطبراني في الأوسط، وفيه أبو زهير [الضبعي] ولم أجد من ذكره". وأخرجه المنذري في "الترغيب" ٢/ ١٨٠ وقال: "رواه أحمد والطبراني في الأوسط والبيهقي، وإِسناد أحمد حسن". وأخرجه البيهقي في "السنن" ٤/ ٣٣٢ في الحج: باب من اختار الركوب. كما أورده الألباني في "ضعيف الجامع الصغير" رقم (٦٠٠٥) وعزاه إِلى أحمد والضياء عن بُريدة.
(٢) الكامل ج ٧ ص ٢٥٥٣ وفي سنده ورقاء عن عطاء، قال ابن عدي: روى جملة ما رواه أحاديث غلط في أسانيدها، وباقي حديثه لا بأس به". وأخرجه المنذري في "الترغيب" ٢/ ١٨٠ وعزاه إِلى الطبراني في الأوسط، عن أنس بن مالك، ولفظه: "النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله: الدرهم بسبعمائة". وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢٠٨ عن أنس بلفظ "الحج في سبيل الله النفقة فيه الدرهم بسبعمائة"، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه من لم أعرفه" وذكره في ٥/ ٢٨٢ عن أنس أيضًا بلفظ "النفقة في سبيل الله تضعف بسبعمائة ضعف" وقال: "رواه البزار وفيه محمد بن إِسماعيل ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
(٣) سورة البقرة الآية ١٩٥ و١٩٦.
(٤) أخرج أبو داود رقم (١٩٨٩) في المناسك: باب في العمرة، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن جدته أمِّ معقِل أنها قالت: لمَّا حج رسول الله - ﷺ - حَجَّة الوداع، وكان لنا جمل، فجعله أبو معقل في سبيل الله، وأصابنا مرض وهلك أبو معقِل، وخرج النبي - ﷺ -، فلما فرغ من حَجِّه جئته، فقال: يا أمِّ معقل، ما منعك أن تخرجي معنا؟ قالت: لقد تهيأنا فهلك أبو معقل، وكان لنا جمل هو الذي نحج عليه، فأوصى به أبو معقل في سبيل الله، قال: فهلَّا خرجت عليه؛ فإِنَّ الحج في سبيل الله، فأما إِذ فاتتك هذه الحجَّة معنا، فاعتمري في رمضان فإِنها كحجة … ".
[ ٤٠٩ ]
وفي الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: "الحَجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إِلَّا الجنَّة" (^١).
وفي المسند (^٢) أنَّ النبي - ﷺ - سئلَ: أيُّ الأعمال أفضَلُ؟ قال: إِيمانٌ بالله وحدَه، ثم الجِهادُ، ثم حَجَّةٌ بَرَّةٌ تفضُلُ سائرَ الأعمال كما بين (^٣) مطلع الشمس إِلى مَغْربها.
وثبَتَ عنه - ﷺ - أنَّه قال: "مَنْ حَجَّ هذا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَم يفسُقْ خَرَجَ مِن ذنوبِهِ كيومِ وَلَدتْهُ أمُّه" (^٤). فمغفرة الذنوب بالحجِّ، ودخول الجنَّة به مرتبٌ على كون الحجِّ مبرورًا. وإِنَّما يكون مبرورًا باجتماع أمرين فيه:
أحدهما: الإِتيان فيه بأعمال البِرِّ؛ والبِرُّ يطلق بمعنيين:
أحدهما: بمعنى الإِحسان إِلى الناس، كما يقال: البِرّ والصِّلة، وضِدُّه العُقُوق. وفي صحيح مسلم (^٥) أنَّ النبي - ﷺ - سُئل عن البِرّ، فقال: البر: حُسْنُ الخُلُقِ (^٦).
وكانَ ابنُ عُمَرَ - ﵄ - يقولُ: إِنَّ البِرَّ شَيْءٌ هَيِّنٌ (^٧)؛ وجْهٌ طليقٌ وكلامٌ ليِّن (^٨). وهذا يُحتاجُ إِليه في الحجِّ كثيرًا، أعني معاملة الناس بالإِحسان بالقول والفعل. قال بعضُهم: إِنَّما سُمِّي السفر سَفَرًا؛ لأنَّه يُسْفِرُ عن أخلاقِ الرجال (^٩). وفي المسند (^١٠).
_________________
(١) رواه الشيخان وغيرهما.
(٢) مسند أحمد ٤/ ٣٤٢، قال الهيثمي في "الزوائد" ٣/ ٢٠٧: "رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح". وقال المنذري في "الترغيب" ٢/ ١٦٥: "ورواة أحمد إِلى ماعز رواة الصحيح، وماعز هذا: صحابي مشهور غير منسوب".
(٣) في الأصول: "ما بين" وصحح من مسند أحمد وغيره.
(٤) رواه الإِمام أحمد في "مسنده" ٢/ ٢٢٩، ٤١٠، ٤٨٤، ٤٩٤، والمنذري في "الترغيب" ٢/ ١٦٣، وقال: رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه والترمذي إِلا أنه قال:" غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه". وانظر "فتح الباري" ٤/ ٢٠.
(٥) رقم (٢٥٥٣) في البر والصلة: باب تفسير البر والإِثم، ورواه الترمذي رقم (٢٣٩٠) في الزهد: باب ما جاء في البر والإِثم.
(٦) قال النووي: قال العلماء: البرّ يكون بمعنى الصلة وبمعنى اللطف، والمبرة، وحسن الصحبة والعشرة، وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي مجامع حسن الخلق.
(٧) في ب: "هَيْن .. لَيْن" بالتخفيف، وكلاهما جائز.
(٨) نظمه بعضهم، فقال: بُنيَّ إِنَّ البِرَّ شيء هيِّن … وَجْهٌ طليقٌ وكلامٌ ليِّن.
(٩) في آ: "الرجل".
(١٠) ٣/ ٣٢٥ و٣٣٤ وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٧/ ٢٠٣ حتى قوله: "إِلا الجنة" وقال: "رواه أحمد وفيه محمد بن ثابت وهو ضعيف"، ثم أورده تامًا عن جابر أيضًا، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط وإِسناده حسن". وقال المنذري في "الترغيب" ٢/ ١٦٥: "رواه أحمد والطبراني في الأوسط بإِسناد حسن، وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي والحاكم مختصرًا،: قال: صحيح الإِسناد".
[ ٤١٠ ]
عن جابرِ [بن عبدِ اللهِ ﵄] (^١)، عن النبي - ﷺ -، قال: الحَجُّ المبرور ليس له جزاء إِلَّا الجنَّة. قالوا: وما بِرُّ الحجِّ يا رسولَ الله؟ قال: إِطعامُ الطعام، وإِفشاء السَّلام. وفي حديثٍ آخَرَ: "وطيب الكلام".
وسُئل سعيدُ بن جبير: أيّ الحاج أفضَلُ؟ قال: مَن أطعَمَ الطعام وكفَّ لسانه. قال الثوريُّ: سمعت (^٢) أنَّه مِن بِرّ الحج. وفي مراسيل خالد بن مَعْدان (^٣) عن النبي - ﷺ -، قال: ما يصنَعُ (^٤) من يؤمّ هذا البيتَ إِذا لم يكن فيه خِصالٌ ثلاثة (^٥): وَرَعٌ يحجُزُه عمَّا حرَّم الله، وحلمٌ يضبِطُ به جهلَه، وحُسْنُ صحابةٍ لمن يصحَبُ؛ وإِلَّا فلا حاجة لله بحجِّه" (^٦). وقال أبو جعفر الباقر: ما يعبَأُ من (^٧) يؤمُّ هذا البيتَ إِذا (^٨) لم يأتِ بثلاث: ورع يحجُزُه عن معاصِي الله، وحلم يكُفُّ به غَضَبَه، وحُسْن الصحابة لِمن يصحَبُه من المسلمين. فهذه الثلاثة يُحتاجُ إِليها في الأسفار، خصوصًا في سَفَر الحَجِّ، فمن كمَّلها فقد كَمُلَ حجُّه وَبَرَّ.
ومِن أَجْمَعِ خِصالِ البِرِّ التي يحتاج إِليها الحاجّ ما وصَّى به النبي - ﷺ - أبا جُرَيّ الهُجَيْمي (^٩)، فقال: "لا تَحْقِرَنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تُفْرِغِ مِن دَلْوِك في إِناء المُسْتَسْقِي، ولو أن تعطيَ صلة الحبل، ولو أن تعطيَ شِسْعَ النَّعْل، ولو أن تُنحِّيَ الشيء من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقَى أخاكَ ووجْهُكَ إِليه منطلقٌ، ولو أن تلقَى أخاكَ المسلم فتسلِّم عليه، ولو أن تؤنسَ الوَحْشَانَ في الأرض" (^١٠). وفي الجملة، فخيرُ الناسِ أنفَعُهم للنَّاس، وأصبرُهم على أذَى الناس، كما وَصَفَ الله المتَّقين بذلك
_________________
(١) زيادة من ب، ط.
(٢) في آ: " سمعته".
(٣) خالد بن مَعْدان الكَلاعِي، الحمصي، أبو عبد الله، شامي تابعي، ثقة، يرسل كثيرًا، وقد سبقت ترجمته.
(٤) في ش: "ما يُضَيَّع".
(٥) كذا في الأصول، وحقه: "ثلاث".
(٦) أخرج الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١/ ٥٧ عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ثلاث من كن فيه استوجب الثواب، واستكمل الإِيمان: خلق يعيش به في الناس، وورع يحجزه عن محارم الله، وحلم يرده عن جهل الجاهل"، وقال: "رواه البزار وفيه عبد الله بن سليمان، قال البزار: حدث بأحاديث لا يتابع عليها".
(٧) في ط: "بمن".
(٨) في ب: "إِذا لم يكن فيه خصال ثلاثة يأتِ بثلاثةٍ".
(٩) هو جابر بن سُليم بن جابر، صحابي معروف.
(١٠) جزء من حديث أخرجه أبو داود رقم (٤٠٨٤) في اللباس: باب ما جاء في إِسبال الإِزار، وإِسناده صحيح. وصححه ابن حبان رقم (٨٦٦) و(١٤٥٠) موارد. ورواه أحمد في "المسند" ٥/ ٦٣ و٦٤. والوَحْشَانُ: المُغْتَمُّ.
[ ٤١١ ]
في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^١). والحاجّ يحتاجُ إِلى مخالطة الناس، والمؤمنُ الذي يخالِط الناسَ ويصبِرُ على أذاهم أفضَلُ ممن لا يخالِطُهم ولا يصبِرُ على أذاهم.
قال ربيعة: المروءة في السَّفَر بَذْلُ الزَّادِ، وقلَّةُ الخِلاف على الأصحاب، وكثرةُ المزاح في غير مساخط اللهِ ﷿.
وجاء رجلان إِلى ابن عونٍ يودِّعانه، ويسألانه أن يوصِيهما، فقال لهما: عليكما بكظْم الغَيْظ، وبَذْلِ الزَّاد. فرأى أحدُهما في المنام أنَّ ابنَ عون أهدَى إِليهما حُلَّتين.
والإِحسانُ إِلى الرفقة في السفر أفضَلُ من العِبادة القاصِرة، لا سيَّما إِن احتاجَ العابِدُ إِلى خدمة إِخوانه. وقد كان النبي - ﷺفي سفرٍ في حَرٍّ شديدٍ، ومعَهُ مَن هو صائمٌ ومفطِرٌ، فسقَطَ الصُّوَّامُ وقامَ المفطِرون فضرَبوا الأبنيةَ، وسَقَوا الرِّكَابَ، فقال النبي - ﷺ -: "ذهَبَ المفطِرون اليومَ بالأجر" (^٢).
ورُوِي أنَّه - ﷺكان في سَفَرٍ، فرأَى رجلًا صائمًا، فقال له: ما حملَكَ على الصَّوْم في السفر؟ فقال: معي ابنايَ يرحلان بي ويخدُماني، فقال له: ما زال لهما الفَضْلُ عليك.
وفي مراسيل أبي داودَ (^٣) عن أبي قلابة ﵁، قال: قدِمَ ناسٌ مِن أصحاب رسول الله - ﷺ - من سَفَرٍ يُثْنُونَ على صاحِبٍ لهم، قالوا: ما رأَينا مِثْلَ فلانٍ قَطُّ؛ ما كانَ في مَسيرٍ إِلَّا كان في قراءةٍ، ولا نزلنا منزلًا إِلَّا كان في صلاةٍ. قال: "فمن كان يكفيه ضَيْعَتَه (^٤) "؟ حتى ذَكَر "ومَن كانَ يعلِفُ دَابَّته"، قالوا: نحنُ. قال: "فكُلُّكُمْ
_________________
(١) سورة آل عمران الآية ١٣٤.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٢٨٩٠) في الجهاد: باب فضل الخدمة في الغزو، ومسلم رقم (١١١٩) في الصيام: باب أجر المفطر في السفر إِذا تولى العمل، والنسائي ٤/ ١٨٢ في الصوم: باب فضل الإِفطار في السفر على الصيام، عن أنس بن مالك ﵁.
(٣) المراسيل لأبي داود ص ٢٣٤ ورجاله ثقات، ورواه سعيد بن منصور في "سننه" رقم (٢٩١٩) من طريق سفيان، عن أيوب، به. وانظر "تحفة الأشراف" رقم (١٨٩٠٤).
(٤) في مصادر الحديث "صنعته". وضَيْعَة الرجل: حِرفتُه وصناعته ومعاشه وكسبه.
[ ٤١٢ ]
خَيْرٌ منه". وقال مجاهد: صحِبْتُ ابنَ عُمَرَ في السَّفَر لأخدِمَه، فكان يخدُمُني. وكان كثيرٌ مِن السَّلَف يشترطُ على أصحابه في السَّفَر أن يخدمَهم اغتنامًا لأجر ذلك؛ منهم عامرُ بن عبدِ قَيْس (^١)، وعمرو بن عتبة بن فَرْقدٍ (^٢) مع اجتهادهما في العِبادة في أنفسِهما. وكذلك كان إِبراهيم بن أدهم يشترطُ على أصحابه في السَّفَر الخدمةَ والأذانَ. وكان رجلٌ من الصالحين يصحَبُ إِخوانه في سفر الجهادِ وغيره، فيشترط عليهم أن يخدُمَهم، فكان إِذا رأى رجلًا يريدُ أن يغسِلَ ثوبَه قال له: هذا من شرطي، فيغسِلُه، وإِذا رأى مَن يُريدُ أن يغسِلَ رأسَهُ قال له: هذا من شرطي فيغسله. فلمَّا مات نظروا في يده فإِذا فيها مكتوبٌ مِن أهل الجنَّة، فنظروا إِليها فإِذا هي كتابةٌ بين الجِلْد واللحم.
وترافق بُهَيمٌ (^٣) العِجليُّ - وكان من العابدين البكَّائين - ورجلٌ تاجِرٌ مُوسِرٌ في الحج، فلمَّا كان يومُ خروجهم للسَّفَر بكى بُهَيمٌ حتى قطرت دموعُه على صدره، ثم قطرَتْ على الأرض. وقال: ذكرتُ بهذه الرِّحلةِ الرحلةَ إِلى الله، ثم علا صوتُه بالنَّحيب، فكرِهَ رفيقُه التاجر منه ذلك، وخشِيَ أن يتنغَّصَ (^٤) عليه سَفَرُه معه بكثرة بكائه. فلمَّا قدِمَا من الحجِّ جاء الرجلُ الذي رافق بينَهما إِليهما ليسَلِّمَ عليهما، فبدأ بالتاجر فَسلَّمَ عليه، وسألَه عن حاله مع بُهَيم، فقال له: والله ما ظننت أنَّ في هذا الخلْق مثله، كان والله يتفضَّلُ عليَّ في النفقة وهو معسِرٌ وأنا موسِر، ويتفضَّلُ عليَّ في الخِدْمة وهو شيخٌ ضعيفٌ وأنا شابٌّ، ويطبخُ لي وهو صائم وأنا مفطِرٌ.
فسأله عمَّا كان يكرهه منه من كثرة بكائه؟ فقال: أَلِفْتُ والله ذلك البكاء وأُشْرِبَ حبُّه قلبي حتَّى كنت أساعدُه عليه، حتى تأذَّى بنا الرّفقة، ثم ألِفُوا ذلك، فجعلوا إِذا
_________________
(١) هو أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو التميمي العنبري البصري. ثقة، زاهد، من عبَّاد التابعين، رآه كعب الأحبار، فقال: هذا راهب هذه الأمة. والخبر بنحوه في سير أعلام النبلاء ٤/ ١٧.
(٢) عمرو بن عتبة بن فَرْقد السّلمي الكوفي. كان أحد المذكورين بالزهد والعبادة. ذكره ابن حبان في الثقات.
(٣) بهيم العجلي، ويكنى أبا بكر، روى عن أبي إِسحاق الفزاري. ترجم له ابن الجوزي في "صفة الصفوة" ٣/ ١٧٩ وأورد الخبر بطوله مع خلاف في اللفظ.
(٤) في ع، ش: "ينغص".
[ ٤١٣ ]
سمعونا نبكي بكوا، ويقولُ بعضُهم لبعضٍ: ما الذي جَعَلَهما أَوْلى بالبكاء مِنَّا والمصيرُ واحدٌ؟ فجَعَلوا واللهِ يبكون ونبكي.
ثم خَرَج من عندِه فدَخَلَ على بُهَيمٍ، فسَلَّم عليه، وقال له: كيف رأيتَ صاحبَكَ؟ تال: خير صاحبٍ، كثير الذِّكْرِ لله، طويل التِّلَاوة للقرآن، سريع الدَّمعة، متحمِّل (^١) لهفواتِ الرَّفيق، فجزاك اله عنِّي خيرًا.
وكان ابنُ المبارك يُطعِمُ أصحابَه في الأسفار أطيَبَ الطعام وهو صائمٌ، وكان إِذا أراد الحجَّ من بلدِهِ مَرْو جَمَعَ أَصحابَه، وقال: من يريدُ منكَم الحجَّ؟ فيأخُذُ منهم نفقاتهم فيضعُها عِندَه في صندوقٍ ويُقفِلُ عليه، ثم يحمِلُهم ويُنفِقُ عليهم أوسَعَ النَّفقة، ويطعمهم أَطيبَ الطَّعام، ثم يشتري لهم مِن مكَّة ما يُريدون من الهدايا والتُّحَف، ثم يرجِع بهم إِلى بلده، فإِذا وصَلُوا صنَعَ لهم طعامًا، ثم جَمَعَهم عليه، ودَعَا بالصندوق الذي فيه نفقاتهُم فَرَدَّ إِلى كُلِّ واحدٍ نفقته.
المعنى الثاني: مما يُراد بالبِرِّ فِعْلُ الطَّاعات كُلِّها، وضِدُّه الإِثمُ. وقد فسَّر الله تعالى البِرَّ بذلك في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي (^٢) الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (^٣). الآية. فتضمَّنت الآية أنَّ أنواعَ البِرِّ سِتَّةُ أنواعٍ، مَن استكمَلَها فقد استكمَلَ البِرَّ.
أوَّلها: الإِيمانُ بأصول الإِيمان الخمسةِ. وثانيها: إِيتاء المال المحبوب لذوي القُرْبَى واليتامَى والمساكين وابنِ السَّبيل والسَّائلين وفي الرقاب. وثالثها: إِقامُ الصلاة. ورابعها: إِيتاء الزَّكاة. وخامسها: الوفاءُ بالعَهْد. وسادسها: الصَّبْر على البأساء والضَّرَّاء وحينِ البأس. وكلُّها يحتاج الحاجّ إِليها، فإِنَّه لا يصحُّ حجُّه بدون الإِيمان، ولا يكمل حجُّه ويكون مبرورًا بدون إِقام الصَّلاة وإِيتاء الزَّكاة؛ فإِنَّ أركان الإِسلام بعضُها مرتبط
_________________
(١) في صفة الصفوة: "محتمل الهفوات للرفيق".
(٢) في آ، ش، ع: "إِلى آخر الآية".
(٣) سورة البقرة الآية ١٧٧.
[ ٤١٤ ]
ببعضٍ، فلا يكمل الإِيمانُ والإِسلام حتَّى يؤتى بها كلِّها، ولا يكمل بِرُّ الحَجِّ بدون الوفاء بِالعهود في المعاقَدَات والمشاركاتِ المحتاج إِليها في سَفَرِ الحَجِّ، وإِيتاءِ المال المحبوب لمن يُحِبُّ الله إِيتاءَه، ويحتاجُ مع ذلك إِلى الصبر على ما يُصيبه من المشاقّ في السَّفَر. فهذه خصالُ البرِّ، ومِن أهمِّها للحاجّ إِقامُ الصَّلاةِ. فمَن حَجَّ من غير إِقامِ الصَّلاة، لا سيَّما إِن كان حَجُّه تطوُّعًا، كان بمنزلة مَن سَعَى في رِبْحِ دِرْهم، وضَيَّعَ رأسَ مالِه وهُو أُلوفٌ كثيرة. وقد كان السَّلَفُ يواظِبون في الحجِّ على نوافِلِ الصَّلاة، وكان النبي - ﷺ - يواظِبُ على قيام الليل على راحِلتِهِ في أسفاره كُلِّها ويوتِرُ عليها (^١).
وحَجَّ مسروق (^٢)، فما نام إِلَّا ساجدًا.
وكان محمد بن واسِعٍ (^٣) يُصلِّي في طريق مكَّة ليلَهُ أجمَعَ في مَحْملِه، يومئ إِيماءً، ويأمر حاديَهُ أن يرفعَ صوته خلفه حتى يُشْغَلَ (^٤) عنه بسماعِ صوت الحادي، فلا يُتفطَّن لَهُ.
وكان المغيرةُ بن حكيم الصَّنعاني (^٥) يحجُّ من اليمن ماشيًا، وكان له وِرْدٌ بالليل يقرأ فيه كُلَّ ليلةٍ ثُلُثَ القرآنِ، فيقف فيصلِّي حتى يفرُغَ من وِرْدِهِ، ثم يلحق بالركب متى لحِقَ، فربَّما لم يلحَقْهم إِلَّا في آخر النهار. سلامُ الله على تلك الأرواح، رحمَةُ اللهِ على تلك الأشباح، ما مثَلُنا ومثَلُهم إِلَّا كما قال القائل (^٦):
نزلوا بمكَّة في قبائِلِ هاشمٍ (^٧) … وَنَزَلْتُ بالبَيْداءِ أبْعَدَ مَنْزِلِ
_________________
(١) رواه مسلم رقم (٧٠٠) (٣٦) (٣٧) (٣٨) في صلاة المسافرين: باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت. ورواه ابن ماجه رقم (١٢٠٠) في إِقامة الصلاة: باب ما جاء في الوتر على الراحلة، وهو حديث صحيح.
(٢) هو مسروق بن الأجدع بن مالك، أبو عائشة الهمداني. لقي عمر بن الخطاب فقال له: ما اسمك؟ فقال: مسروق بن الأجدع، فقال: الأجدع شيطان، أنت مسروق بن عبد الرحمن، فثبت ذلك عليه. وهو ثقة، فقيه، عابد، مخضرم، مات سنة ٦٣ هـ. والخبر أورده ابن الجوزي أثناء ترجمته في "صفة الصفوة" ٣/ ٢٥.
(٣) محمد بن واسع بن جابر، أبو عبد الله الأزدي، البصري. الإِمام الرباني القدوة، ثقة، عابد، كثير المناقب، مات سنة ١٢٣ هـ. وأخرج الخبر في "صفة الصفوة" ٣/ ٢٦٦، وأورده الذهبي باختصار في "سير أعلام النبلاء" ٦/ ١٢١.
(٤) في ش، ع: "يشتغل".
(٥) ثقة، من الرابعة، من أبناء فارس، روى عن أبيه وابن عمر وأبي هريرة ووهب، بن منبه وغيرهم. والخبر في "صفة الصفوة" ٢/ ٢٩٦.
(٦) في ب: "الشاعر".
(٧) في هامش ع: "نوفل".
[ ٤١٥ ]
فنحن ما نأمر إِلا بالمحافظة على الصَّلاة في أوقاتِها ولو بالجَمْع بين الصَّلاتين المجموعتين في وقتٍ إِحداهُما بالأرضِ؛ فإِنَّه لا يُرَخَّصُ لأحدٍ أن يصَلِّي صَلاةَ الليل في النَّهار، ولا صَلاةَ النَّهارِ في الليل، ولا أن يصلِّيَ على ظهر راحلته المكتُوَبةَ، إِلَّا مَن خافَ الانقطاعَ عن رفقتِه أو نحو ذلك ممن (^١) يخافُ على نفسِه. فأمَّا المريضُ ومَن كان في ماءٍ وطينٍ، ففي صلاتِه على الرَّاحلة اختلافٌ مشهورٌ للعلماء، وفيه روايتان عن الإِمام أحمدَ، وأنَّ يكونَ بالطهارة الشرعِيَّة بالوُضوء بالماءِ مَعَ القُدرةِ عليه والتيمُّم عند العجز حِسًّا أو شرعًا. ومتى علِمَ الله من عبدٍ حِرْصَه على إِقام الصَّلاة على وجهها أعانَهُ.
قال بعضُ العلماء: كنْتُ في طريق الحجِّ، وكان الأميرُ يقفُ للنَّاسِ كُلَّ يومٍ لصلاةِ الفَجْرِ، فينزِلُ فيصلِّي (^٢)، ثم نركب، فلمَّا كان ذاتَ يومٍ قُرْبَ طُلوعِ الشَّمْسِ، ولم يقفوا للنَّاسِ فناديتهُم؛ فلم يلتفِتُوا إِلى ذلك، فتوضَّأتُ على المحمل، ثم نزلْتُ للصَّلاة على الأرض، ووطَّنْتُ نفسِي على المشي إِلى وقتِ نزولِهم للضّحى (^٣)، وكانوا لا ينزِلُون إِلَّا (^٤) قريبَ وقتِ الظهر، مَعَ علمي بمشقَّة ذلك عليَّ وأنِّي لا قُدْرَةَ لي عليه، فلمَّا صلَّيْتُ وقضَيْتُ صَلاتي، نظرْتُ إِلى رِفقتي فإِذا هم وقوفٌ، وقد كانوا لو سئلوا ذلك لم يفعلوه، فسألتهم عن سبب وقوفهم، فقالوا: لمَّا نزلْتَ تعرقَلَتْ مقاوِدُ الجمالِ بعضُها في بَعْضٍ، فنحن في تخليصها إِلى الآن. قال: فجئتُ وَرَكِبْتُ وحَمِدْتُ الله ﷿، وعلِمْتُ أنَّه ما قدَّمَ أحدٌ حَقَّ اللهِ تعالى على هَوَى نفسِه وراحتها، إِلَّا وَرَأى سعادَةَ الدُّنيا والآخرة، ولا عَكَسَ أحدٌ ذلك فقدَّمَ حظَّ نفسِه على حَقِّ رَبِّه إِلَّا ورأى الشَّقاوَةَ في الدُّنيا والآخرة. واستشهد بقول القائل:
واللهِ ما جئْتُكُمُ زائرًا … إِلَّا وجَدْتُ الأرْضَ تُطْوَى لي
ولا ثَنَيْتُ العَزْمَ عن بابِكم … إِلَّا تَعَثَّرْتُ بأذيالي
_________________
(١) في ع وهامش ب عن نسخة "مما".
(٢) في ب، ط: "فنصلي ثم نركب".
(٣) في آ، ش، ع: "للمضحى".
(٤) في ب، ع، ط: "إِلى".
[ ٤١٦ ]
ومِن أعظم أنواع بِرِّ الحَجِّ كثرةُ ذِكْرِ اللهِ تعالى فيه، وقد أَمَرَ الله تعالى بكثرة ذِكْره في إِقامة مناسِكِ الحَجِّ مرَّةً بعدَ أخرى. وقد رُوي أنَّ النبي - ﷺ - سُئل. "أيُّ الحاج أفضَلُ؟ قال: أكثَرُهم لله ذكرًا". خرَّجه الإِمام أحمد (^١). ورُوىِ مرسلًا من وجوهٍ متعددةٍ، وخصوصًا كثرةُ الذِّكْر في حال الإِحرام بالتلبية والتكبير. وفي الترمذي (^٢) وغيرِه عن النبي - ﷺ -، قال:"أفضَلُ الحَجِّ العَجُّ والثَّجُّ". وفي حديث جُبَيْر بن مُطْعِمٍ المرفوع: "عجوا التكبير عجًّا وثجوا الإِبل ثجًّا". فالعَجُّ: رفْعُ الصَّوْت بالتكبير والتلبية، والثَّجُّ: إِراقَةُ دِماء الهَدَايا والنُّسُك. والهَدْي مِن أفضَلِ الأعمال، قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ (^٣)، الآية. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (^٤). وأهْدَى النبيُّ - ﷺ - في حجّةِ الوَدَاع مائةَ بُدْنَةٍ. وكان يبعَثُ بالهَدْي إِلى منىً، فتُنْحَرُ عنه وهو مقيمٌ بالمدينة.
الأمر الثاني (^٥): مما يكمُلُ به بِرُّ الحجِّ اجتنابُ أفعالِ الإِثم فيه؛ من الرَّفَثِ والفُسُوق والمعاصي، قال الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (^٦).
وفي الحديث الصحيح (^٧): "مَنْ حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رَجَعَ كيومِ وَلَدَتْهُ أُمُّه". وقد سبق حديثُ "مَن لم يكُنْ لَهُ وَرَعٌ يحجُزُه عن معاصي الله فليس لله حَاجَةٌ في حَجِّه". فما تزوَّدَ حاجٌّ ولا غيرُه أفضَلَ من زادِ التَّقْوَى، ولا دُعِي للحاجّ عند تودِيعه بأفضَلَ مِن التقوى (^٨).
_________________
(١) جزء من حديث في مسند أحمد ٣/ ٤٣٨ عن معاذ، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٧٤ وقال: "رواه أحمد والطبراني، وفيه زبان بن فائد، وهو ضعيف، وقد وثق، وكذلك ابن لهيعة، وبقية رجال أحمد ثقات". وأخرجه المنذري في "الترغيب" ٢/ ٢٦٧ مختصرًا و٢/ ٤٠٠ بتمامه.
(٢) رقم (٨٢٧) في الحج: باب ما جاء في فضل التلبية والنحر، عن أبي بكر الصديق ﵁، وهو حديث حسن. ورواه في التفسير رقم (٣٠٠١) باب: ومن سورة آل عمران، عن عبد الله بن عمر ﵄. وانظر تخريجه في "جامع الأصول" ٣/ ٤٣٩ و٩/ ٤٦٧.
(٣) سورة الحج الآية ٣٦.
(٤) سورة الحج الآية ٣٢.
(٥) أي الأمر الثاني ليكون الحج مبرورًا، وذكر الأول قبل بضع صفحات، وهو: الإِتيان فيه، أي في الحج، بأعمال البر.
(٦) سورة البقرة الآية ١٩٧.
(٧) مضى ذكره وتخريجه.
(٨) أخرج الترمذي حديثين صحيحين في هذا المعنى، الأول رقم (٣٤٤٠) في الدعوات، باب رقم =
[ ٤١٧ ]
وقد رُوي أنَّ النبي - ﷺ - وَدَّعَ غلامًا للحج، فقال له: "زوَّدَكَ اللهُ التَّقْوَى". قال بعضُ السَّلف لمن ودَّعَه: اتقِ الله، فمن اتَّقَى اللهَ فلا وَحْشَةَ عليه. وقال آخر لمن وَدَّعَه للحَجِّ: أوصِيكَ بما وَصَّى به النبي - ﷺ - مُعاذًا حين ودَّعَه: "اتَّقِ اللهَ حيثما كنْتَ، وأَتْبِع السَّيئةَ الحَسَنَةَ تمْحُها، وخَالِق النَّاسِ بخُلُقٍ حَسَنٍ" (^١). وهذه وصيَّةٌ جامعةٌ لخِصال البِرِّ كُلِّها (^٢). ولأبي الدَّرداء ﵁ (^٣):
يُريدُ المرءُ أن يُوتَى مُنَاهُ … ويأْبَى اللهُ إِلَّا ما أرادَا
يقولُ المرءُ فائدتي ومالِي … وتَقْوَى الله أفضَلُ ما اسْتَفادَا
ومن أعظم ما يجبُ على الحاجّ اتقاؤه مِن الحرام: أن يُطيِّبَ نفقَتَه في الحَجِّ، وأن لا يجعَلَها مِن كَسبٍ حرامٍ. وقد خرَّج الطبراني (^٤) وغيرُه مِن حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "إِذا خرَج الرجُلُ حاجًّا بنَفَقةٍ طيِّبةٍ، ووضَعَ رِجْلَه في الغَرْز، فنادى: لَبَّيْكَ اللهم لبَّيك! ناداهُ منادٍ من السَّماء: لبَّيكَ وَسَعْدَيْك، زادُكَ حَلالٌ، وراحِلتُك حلالٌ، وحَجُّكَ مَبْرورٌ غَيْرُ مأْزُورٍ. وإِذا خَرَجَ الرَّجُل بالنَّفقَة الخبيثةِ فوضَعَ
_________________
(١) = (٤٦)، عن أنس بن مالك ﵁، قال: "جاء رجل إِلى رسول الله - ﷺ -، فقال: إِني أريد السفر، فزوِّدني، قال: زوَّدك الله التقوى، قال: زدني. قال: وغفر ذنبك. قال: زدني، بأبي أنت وأمي. قال: ويسَّر لك الخيرِ حيثما كنت". والثاني رقم (٣٤٤١) في الدعوات: باب رقم (٤٧) عن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا قال لرسول الله - ﷺ -: " إِني أريد السفر فأوصني. قال: عليك بتقوى الله والتكبير على كل شَرَفٍ. فلمَّا أن وَلَّى الرجل، قال: اللهم اطْوِ له البْعْدَ، وهَوِّن عليه السَّفَر".
(٢) أخرجه الترمذي رقم (١٩٨٨) في البر: باب ما جاء في معاشرة الناس، وهو حديث حسن كما قال الترمذي، وقال: وفي الباب عن أبي هريرة. قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في "جامع العلوم والحكم": وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه أوصى بهذه الوصية معاذًا وأبا ذر من وجوه. وانظر "جامع الأصول" ١١/ ٦٩٤.
(٣) في "جامع العلوم والحكم" للمؤلف: وهي وصية عظيمة جامعة لحقوق الله وحقوق عباده.
(٤) قيل لأبي الدرداء: ما لك لا تشعر، فإِنه ليس رجل له بيت في الأنصار إِلا وقد قال شعرًا؟ قال: وأنا قد قلت فاسمعوا، وذكر البيتين. وقد وردا في الحلية ١/ ٢٢٥، وصفة الصفوة ١/ ٦٣٧، والاستيعاب ص ١٦٤٨، ومختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور ٢٠/ ٣٩.
(٥) أخرجه المنذري في "الترغيب" ٢/ ١٨٠ وقال: رواه الطبراني في الأوسط. ورواه الأصبهاني من حديث أسلم. مولى عمر بن الخطاب، مرسلًا مختصرًا. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٢٩٢، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سليمان بن داود اليمامي وهو ضعيف". والغَرْز: ركاب من جلد.
[ ٤١٨ ]
رِجْلَه في الغَرْزِ، فنادَى: لبَّيك اللهم لبَّيك! ناداه منادٍ مِن السَّماء: لا لبَّيكَ ولا سَعْدَيْك؛ زادُكَ حرامٌ، ونفقتُكَ حَرَامٌ، وحَجُّك غيرُ مبرورٍ".
مات رجلٌ في طريقِ مكَّةَ، فحفروا له فدفنوه، ونسُوا الفأسَ في لحدِه، فكشَفُوا عنه الترابَ ليأخذوا الفأسَ، فإِذا رأسُه وعنقه قد جُمِعا في حلقة الفأس، فزدُّوا عليه التُّراب ورجعوا إِلى أهله فسألوهم عنه، فقالوا: صحِبَ رجلًا فأخَذَ مالَه، فكان منه يحُجُّ ويغزو.
إِذا حججتَ بمالٍ أصلُهُ سُحْتُ … فما حَجَجْتَ ولكن حَجَّت العِيرُ
لا يقبَلُ الله إِلَّا كُلُّ طيِّبَةٍ … ما كُلُّ مَنْ حَجَّ بيتَ اللهِ مَبْرورُ
ومما يجبُ اجتنابُهُ على الحاج (^١) وبه يتمُّ بِرُّ حَجِّهِ أن لا يقصِدَ بحجِّه رِياءً ولا سُمْعَةً ولا مباهاةً ولا فخرًا ولا خُيلاءَ، ولا يقصِدُ به إِلَّا وَجْهَ اللهِ ورضوانَهُ، ويتواضَعُ في حَجِّه ويستكينُ ويخشَعُ لِربِّه. رُوِي عن أنسٍ ﵁ أنَّ النبي - ﷺ - حَجَّ على رَحْلٍ رَثٍّ وَقَطِيفةٍ ما تساوي أربعةَ دَرَاهِمَ، وقال: "اللهم! اجعلها (^٢) حِجَّةً لا رِيَاءَ فيها ولا سُمْعَةَ" (^٣).
وقال عطاء: صلَّى رسولُ الله - ﷺ - الصُّبْحَ بمنىً غدَاةَ عَرَفَةَ، ثم غَدَا إِلى عَرَفاتٍ وتحتَه قطيفة اشتُريَتْ له بأربعة دَرَاهِمَ، وهو يقولُ: "اللهم اجْعَلْها حِجَّةً مبرورةً متقبَّلةً لارِياءَ فيها ولا سُمْعَةَ". وقال عبد الله بن الحارث: ركِبَ رسولى الله - ﷺ - رَحْلًا فاهتزَّ به، فتواضَعَ لله ﷿، وقال: "لبَّيك، لا عيشَ إِلَّا عيشَ الآخرة" (^٤). قال رجل لابن عمر: ما أكثَرَ الحاجَّ! فقال ابن عمر: ما أقلَّهم! ثم رأى رجلًا على بعيرٍ على رَحْلٍ رَثٍّ، خِطامُه حَبْلٌ، فقال: لعلَّ هذا. وقال شُريح: الحاجّ قليلٌ والركبانُ
_________________
(١) في ع: "المحرِم".
(٢) لفظ "اجعلها" لم يرد في آ، ش وسنن ابن ماجه.
(٣) أخرجه ابن ماجه رقم (٢٨٩٠) في المناسك: باب الحج على الرحل. وأورده الألباني في "صحيح ابن ماجه" رقم (٢٣٣٧). وأخرجه المنذري في "التركيب" ٢/ ١٨٣.
(٤) روى الإِمام أحمد في "مسنده" ٣/ ٢١٦ عن أنس، أن النبي - ﷺ - قال وهو في رحل له: "لبيك! لا عيش إِلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة" تواضعًا في رحله.
[ ٤١٩ ]
كثير، ما أكثَرَ مَن يعملُ الخيرَ، ولكن ما أقلَّ الذين يريدون وجهه!
خليلي قطَّاعُ الفيافي إِلى الحِمَى … كثيرٌ وأمَّا الواصِلُون قليلُ
[وُجُوهٌ عليها للقَبُول علامةٌ … وليس على كُلِّ الوُجُوهِ قَبُولُ] (^١)
كان بعضُ المتقدِّمين يحجُّ ماشيًا على قدمَيْه كُلَّ عامٍ، فكان ليلةً نائمًا في (^٢) فراشِه، فطلبَتْ منه أمُّه شَرْبَةَ ماءٍ، فصَعُبَ على نفسِهِ القيام من فراشِهِ ليسقيَ أُمَّه الماء، فتذكَّر حجَّهُ ماشيًا كُلَّ عامٍ، وأنَّه لا يَشقُّ عليه، فحاسَبَ نفسَه، فرأى أنَّه لا يُهوِّنُه عليه إِلَّا رؤيةُ الناس له ومدحهم إِياه، فعلِمَ أنَّه كان مَدْخُولًا (^٣). قال بعضُ التابعين: رُبَّ مُحْرِمٍ يقولُ: لبيكَ اللهم لبيك! فيقولُ الله له: لا لبيك ولا سعديك، هذا مردودٌ عليك. قيل له: لم؟ قال: لعلَّه اشترى ناقةً بخمسمائة درهم، ورَحْلًا بمائتي درهم، ومفرشًا بكذا وكذا. ثمَّ ركِبَ ناقته، ورجَّلَ رأسَه، ونظر في عِطْفَيْه، فذلك الذي يُرَدُّ عليه. ومن هنا استُحِبَّ للحاجّ أن يكونَ شَعِثًا أغبَرَ.
وفي حديث المباهاة يومَ عَرَفَةَ أنَّ الله تعالى يقولُ لملائكته: "انظُروا إِلى عبادِي، أتوني شُعْثًا غُبْرًا ضاحِين، اشْهَدُوا أنِّي قد غفَرْتُ لهم" (^٤).
قال عُمَرُ يومًا وهو بطريق مكَّة: تشعَثُون (^٥) وتغبُرُون وتتفُلُون (^٦) وتَضْحُون، لا تريدون بذلك شيئًا من عَرَضِ الدُّنيا، ما نعلَمُ سَفَرًا خَيْرًا من هذا؛ يعني الحجَّ. وعنه قال: "إِنَّما الحاجُّ الشَّعِثُ التَّفِلُ" (^٧). وقال ابنُ عمر لرجلٍ رآه قد استظَلَّ في إِحْرامِه: اِضْحَ لمن أحرمْتَ له. أي ابْرُزْ للضُّحَى، وهو حَرُّ الشمس.
_________________
(١) زيادة من هامش نسخة (ع).
(٢) في ب، ط: "على فراشه".
(٣) الدَّخل: العيب والغش والفساد، يعني أن حجه كان فيه نفاق.
(٤) من حديث مشهور رواه أحمد في "مسنده" ٢/ ٢٢٤ عن عبد الله بن عمرو بن العاص و٢/ ٣٠٥ عن أبي هريرة مع اختلاف في اللفظ يسير. وأخرجه المنذري من وجوه في "الترغيب" ٢/ ٢٠٠ - ٢٠٥، وانظر "مجمع الزوائد" ٣/ ٢٥٣ وسنن البيهقي ٥/ ٥٨، وإِتحاف السادة المتقين ٤/ ٤٣٨.
(٥) في آ، ش، ع: "يشعثون".
(٦) يتفلون: من التفل، وهو الذي ترك استعمال الطيب، من التَّفَل، وهي الرائحة الكريهة.
(٧) أخرج البيهقى في "سننه" ٥/ ٥٨ عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: قعدنا إِلى عمر، فتذاكرنا الحج، فقال ابن عمر: قام رجل الى النبي - ﷺ - فقال: ما الحاج؟ قال: "الشعث التفل … إِلخ"، وقال الزبيدي في "الإِتحاف" ٤/ ٤٣٨: "وفي الخبر: إِنَّما الحاج الشعث التفل. رواه الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر. وقال الترمذي: غريب".
[ ٤٢٠ ]
أتاك الوافدون إِليك شُعْثًا … يَسُوقُون المقلَّدة (^١) الصَّوَافِ
فكم مِن قاصِدٍ للرَّبِّ رَغْبًا … وَرَهْبًا بينَ مُنتعِلٍ وَحَافِ
سبحان من جَعَلَ بيتَه الحَرَامَ مثابَةً للنَّاس وأَمْنًا، يتردَّدون إِليه، ويرجعون عنه، ولا يرون أنَّهم قضوا منه وَطَرًا. لمَّا أضاف الله تعالى ذلك البيت إِلى نفسه ونسَبَه إِليه، بقوله ﷿ لخليله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ (^٢)، تعلَّقَت قلوبُ المحبِّين ببيتِ محبوبهم، فكلَّما ذُكِر لهم ذلك البيتُ الحرامُ حَنُّوا، وكلَّما تذكَّروا بُعْدَهم عنه أَنُّوا:
لا يُذْكَرُ الرَّمْلُ إِلَّا حَنَّ مغتَرِبٌ … لَهُ بذِي الرَّمْلِ أوطارٌ وأوطانُ
تهفو إِلى البانِ مِن قلبي نوازِعُه … وما بي البانُ بلْ مَنْ دارُهُ البَانُ
رأى بعضُ الصالحين الحاجَّ في وقتِ خروجهم، فوقف يبكي ويقول: واضعفاه! وينشد على إِثر ذلك:
فقلْتُ دَعُوني واتِّباعِي رِكَابَكُم … أَكُنْ طَوْعَ أيدِيكُم كما يَفْعَلُ العَبْدُ
ثم تنفَّسَ وقال: هذه حَسْرَةُ مَن انقطَعَ عن الوُصُولِ إِلى البيت، فكيف تكون حَسْرَةُ من انقطع عن الوُصُول إِلى رَبِّ البيت؟! يحقُّ لمن رأى الواصلين وهو منقطِعٌ أن يقلَقَ، ولمن شاهَدَ السائرين إِلى ديار الأحبَّة وهو قاعِدٌ أن يحزَنَ.
يا سائقَ العِيسِ تَرَفَّقْ واسْتَمِعْ … منِّي وبلِّغِ السَّلامَ عَنِّي (^٣)
عَرِّضْ بذِكْري عندَهُم لعلَّهم … إِن سمعوك سائلوك عَنِّي (^٤)
قل: ذلك المحبُوسُ عن قصدِكُم … معذَّبُ القَلْبِ بِكُلِّ فنِّ
يقولُ أمَّلْتُ بأن أزورَكُمْ … في جُملَة الوفد فخابَ ظنِّي
أقعَدَني الحِرْمانُ عَن قَصْدِكُم … ورُمْتُ أن أسْعَى فلم يَدَعْنِي
ينبغي للمنقطعين طلبُ الدُّعاء من الواصلين؛ لتحصلَ المشاركةُ، كما رُوِي عن
_________________
(١) أي الهدي المقلَّدة، وهو أن يعلَّق بعنق البعير قطعة من جلدٍ ليعلم أنَّه هدي فيكفّ الناس عنه. (المصباح المنير).
(٢) سورة الحج الآية ٢٦.
(٣) في آ: "ويلغن إِن وصلت عني"، وفي ب، ش، ع: "ويلُغ إِن وصلت عني"، والمثبت من (ط).
(٤) في آ: "إِن يسمعوك يسائلوك".
[ ٤٢١ ]
النبي - ﷺ -، قال لِعُمَرَ لما أراد العُمْرة: "يا أخي، أَشْرِكْنا في دُعَائك" (^١). وفي مسند البزار (^٢) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "اللهم، اغفر للحاجّ، ولمن استغفَرَ له الحاجُّ". وفي الطبراني (^٣) عن ابن عباس ﵄ أنَّ النبي - ﷺ - سَمِعَ رجلًا يقول في الطَّواف: اللهم! اغفر لفلان بن فلان، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "مَنْ هذا"؟.
قال: رجُلٌ حَمَّلَني أن أدعُوَ لَهُ بينَ الرُّكْن والمقام. فقال: "قد غُفِرَ لصاحبك".
أَلَا قُلْ لزوَّار دارِ الحبيبِ … هنيئًا لكُم في الجِنانِ الخُلودُ
أَفِيضُوا علينا مِنَ الماءِ فيضًا … فنحنُ عِطاشٌ وأنتُم وُرودُ
لئن سار القومُ وقَعَدنا، وقرُبوا وبَعُدنا، فما يُؤمننا أن نكونَ مِمَّن ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ (^٤).
للهِ دَرُّ ركَائبٍ سارَتْ بهم … تَطْوِي القِفَارَ الشَّاسِعَاتِ عَلَى الدُّجا
رَحَلُوا إِلى البيتِ الحَرَامِ وقَدْ شَجَا … قَلْبُ المتيِّمِ منهُمُ ما قَدْ شَجَا
نَزَلُوا ببابٍ لا يَخيبُ نزِيلُهُ … وقلوُبهُمْ بينَ المخافةِ والرَّجَا
على أنَّ المتخلِّف لعذرٍ شريكٌ للسَّائر، كما قال النبيُّ - ﷺ - لمَّا رجَعَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ: "إِنَّ بالمدينة أقوامًا ما سِرْتُم مَسِيرًا، ولا قَطَعْتُم وادِيًا، إِلَّا كانوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُم (^٥) العُذْرُ" (^٦).
_________________
(١) رواه أحمد في "المسند" ١/ ٢٩ و٢/ ٥٩، وابن ماجه رقم (٢٨٩٤) في المناسك: باب فضل دعاء الحاج، وأبو داود رقم (١٤٩٨) في الصلاة: باب الدعاء، والترمذي رقم (٣٥٥٧) في الدعوات، باب رقم (١٢١)، وقال: حسن صحيح.
(٢) أخرجه المنذري في "الترغيب" ٢/ ١٦٧ بلفظ "يغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاجُّ"، وقال: رواه البزار والطبراني في الصغير. وابن خزيمة في صحيحه والحاكم، ولفظهما، قال: "اللهم اغفر للحاجِّ، ولمن استغفر له الحاج". وقال الحاكم (١/ ٤٤١): صحيح على شرط مسلم. وقال الحافظ المنذري: في إِسناده شريك القاضي، ولم يخرِّج له مسلم إِلا في المتابعات. وأخرجه البيهقي كلذلك ٥/ ٢٦١.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير ١٢/ ٥، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١٠/ ١٥٢، وقال: "رواه الطبراني، وفيه الحارث بن عمران الجعفري، وهو ضعيف". وانظر "ميزان الاعتدال" ١/ ٤٣٩.
(٤) سورة التوبة الآية ٤٦.
(٥) في ب، ش، ع، ط: "خَلَّفهم"، وأثبت ما جاء في (آ)، وهو يوافق ما جاء في الصحيحين وسنن أبي داود.
(٦) أخرجه مسلم رقم (١٩١١) في الإِمارة: باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر، عن جابر بن عبد الله. وبنحوه رواية البخاري رقم (٢٨٣٩) في الجهاد: باب من حبسه العذر عن الغزو، وفي المغازي: باب نزول النبي - ﷺ -، ورواية أبي داود رقم (٢٥٠٨) في الجهاد: باب في الرخصة في القعود من العذر، وكلام عن أنس بن مالك ﵁.
[ ٤٢٢ ]
يا سائرين إِلى البَيْتِ العَتيقِ لَقَدْ … سِرْتُم جُسُومًا وسِرْنا نحنُ أَرْواحَا
إِنَّا أَقَمْنا على عُذْرٍ وقَدْ رَحَلُوا … وَمَنْ أَقَامَ على عُذْرٍ كَمَنْ راحَا
وربَّما سَبَقَ بعضُ من سار بقلبه وهِمَّته وعَزْمه بعضَ السائرين ببدنه.
رأى بعضُ الصالحين في منامه عشيَّةَ عَرَفَةَ بعرَفَةَ قائلًا يقول له: ترى هذا الزِّحام بالموقف؟ قال: نعم. قال: ما حَجَّ منهم إِلَّا رجلٌ واحد (^١) تخلَّف عن الموقف، فحَجَّ بهمَّتِه، فوهَبَ الله لَهُ أَهْلَ الموقفِ. ما الشأنُ فيمَن سارَ ببدنه، إِنَّما الشأنُ فيمَنْ قَعَدَ بدنُهُ وسار بقلبه، حتى سَبَقَ الرَّكْبَ.
مَنْ لي بمثل سيرك المُذَلَّلِ … تمشي رُوَيدًا وتجي في الأوَّلِ
يا سائرين الى دار الأحباب قِفُوا للمنقطِعين، تحمَّلوا معكم رسائلَ المحصَرين، خُذُوا نَظْرَةً مِنِّي فَلَاقُوا بها الحِمَى.
شعر:
يا سائرين الى الحبيبِ ترفَّقُوا … فالقلبُ بينَ رحالكُم خلَّفْتُهُ
ما لي سِوَى قلبي وفيكَ أَذَبْتُهُ … ما لي سِوى دَمْعِي وفيكَ سَكَبْتُهُ
كان عُمَرُ بن عبد العزيز إِذا رأى مَن يسافرُ الى المدينة النبوية يقول له: أقرِئ رسولَ الله - ﷺ - مِنِّي السَّلامَ. ورُوي أنه كان يُبردُ (^٢) عليه البريدَ من الشام.
هذه الخيفُ وهاتيك مِنىً … فَتَرَفَّقْ أيُّها الحادي بنا
واحْبِسِ الرَّكْبَ علينا سَاعَةً … نَنْدُبُ الرَّبْعَ ونَبْكِي الدِّمَنا
فلِذا الموقِفِ أعْدَدْنا البُكَا … ولِذا اليوم الدُّموعُ (^٣) تُقْتَنى
أتراكُمْ في النَّقَا والمُنْحَنَى … أهْلَ سلْعٍ تذكُرونا ذِكْرَنا
انقَطَعْنا ووصَلْتُم فاعْلَمُوا … واشْكُروا المنعِمَ يا أهْلَ مِنَى
_________________
(١) لفظ "واحد" لم يرد في آ، ش، ع.
(٢) في آ، ش: "لا يرد". ومعنى يبرد: يرسل البريد.
(٣) في ش: "دموعي".
[ ٤٢٣ ]
قد خَسِرنا وَرَبِحتُم فصِلُوا … بفضُولِ الرِّبْح مَن قد غُبِنا
سار قلبي خَلْفَ أحمالكُمُ (^١) … غيْرَ أنَّ العُذْرَ عَاقَ البدَنا
ما قَطعْتُمْ وادِيًا إِلَّا وَقَدْ … جئتُه أَسْعَى بأقْدَامِ المُنَى
آه! واشوقي إِلى ذاك الحِمَى … شوقَ مَحْرُومٍ وقد ذَاقَ العَنَا
سلِّموا عنِّي على أربابهِ … أخبرُوهُمْ أنَّني حِلْفُ الضَّنَا
أنا مُذ غِبْتُم على تذكارِكُم … أَتُرَى عندَكُمُ ما عندَنا
بيننا يومَ أَثيلاتِ النَّقا … كان عن غير تراضٍ بيننا
زمنًا كان وكُنَّا جِيرةً … فأعادَ الله ذاكَ الزَّمنا
مَنْ شَاهَدَ تلك الدِّيار، وعايَنَ تلك الآثار، ثم انقطَعَ عنها، لم يمُتْ إِلَّا بالأسَفِ عليها، والحنين إِليها.
ما أذكُرُ عَيْشَنا الَّذي قدْ سَلَفا … إِلَّا وَجَفَ القَلْبُ وَكَمْ قَدْ وَجَفا
واهًا لزمانِنا الَّذي كان صَفَا (^٢) … واأَسَفا لِرَدِّهِ واأَسَفا (^٣)
[مَن يرجِعُ دَهْرَنا بأَرْضِ الجزعِ … بين الأثلاثِ والرُّبا في سَلْعِ
قالوا اصْبر وليس ذا في وُسْعِي … يا حُزْنُ أَقِم وأنتَ سِرْ يا دَمْعِي
* * *
يا ليتنا بزَمْزَم والحجْرِ … يا جيرتنا قُبيل يوم النَّفْرِ
هل يرجع صافي ما مضى من عمري (^٤) … أدري ما كان، ليتني لا أدري] (^٥)
* * *
_________________
(١) في آ، ب: "أجمالكم".
(٢) سقط هذا الشطر من نسخة (آ).
(٣) في ب، ط: "واأسفا، وهل يردّ فائتًا واأسفا".
(٤) في ش: "هل يرجع ما صفي بماضي عمري".
(٥) زيادة لم ترد في ب، ط.
[ ٤٢٤ ]